يجوز نسخ العبادة إلى غير بدل١.
وقيل: لا يجوز٢، لقوله تعالى: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ ٣.
ولنا أنه متصور عقلًا، وقد قام دليله شرعًا:
_________________
(١) ١ وهو رأي الجمهور. ٢ وهو مروي عن أكثر المعتزلة، وبعض أهل الظاهر، كما أنه رأي الإمام الشافعي، حيث قال في الرسالة ص١٠٩: "وليس ينسخ فرض أبدًا، إلا أثبت مكانه فرض، كما نسخت قبلة بيت المقدس، فأثبت مكانها الكعبة". ٣ سورة البقرة من الآية: ١٠٦.
[ ١ / ٢٤٩ ]
أما العقل:
فإن حقيقة النسخ: الرفع والإزالة، ويمكن الرفع من غير بدل.
ولا يمتنع أن يعلم الله -تعالى- المصلحة في رفع الحكم، وردّهم إلى ما كان من الحكم الأصلي١.
وأما الشرع:
فإن الله -سبحانه- نسخ النهي عن ادّخار لحوم الأضاحي٢، وتقديم الصدقة أمام المناجاة٣ إلى غير بدل.
_________________
(١) ١ وضح ذلك الشيخ الطوفي -رحمه الله تعالى- فقال: "لنا: الرفع لا يستلزم البدل إلى آخره. هذا دليل الجواز وهو من وجهين: أحدهما: أن النسخ رفع الحكم، والرفع لا يستلزم البدل، بل يمكن وجوده بدون بدل، واعتبر ذلك بالمحسوسات، فإنه ليس من ضرورة رفع الحجر من مكانه أنه يضع مكانه غيره، بل ذلك على الجواز، وكذلك وقع النسخ في الشريعة، تارة إلى البدل، وتارة لا إلى بدل. وأيضًا: لا يمتنع أن يعلم الله تعالى مصلحة المكلف في نسخ الحكم عنه لا إلى بدل، ورده إلى ما قبل الشرع من إباحة أو حظر أو وقف على ما سبق من الخلاف.. "شرح المختصر "٢/ ٢٩٦-٢٩٧". ٢ النهي عن ادّخار لحوم الأضاحي فوق ثلاث روي عن عائشة وعلي وغيرهما مرفوعًا بألفاظ متقاربة، أن النبي -ﷺ- قال: "كنت نهيتكم عن ادّخار لحوم الأضاحي، فكلوا وادّخروا ما شئتم" وهو حديث صحيح أخرجه البخاري في صحيحه حديث "٥٤٢٣"، "٥٤٣٨"، "٥٥٧٠"، "٦٦٨٧"، ومسلم "١٩٧١" وأبو داود "٣٨١٢" والترمذي "١٥١١" والنسائي "٧/ ٢٣٥" ومالك في الموطأ "٢/ ٤٨٤" وأحمد في المسند "٦/ ٥١" وانظر: فيض القدير "٥/ ٤٥ وما بعدها". ٣ جاء في كتاب التفسير عن ابن عباس وقتادة: أن قوما من شباب المؤمنين كثرت =
[ ١ / ٢٥٠ ]
فأما الآية: فإنها وردت في التلاوة، وليس للحكم فيه ذكر.
على أنه يجوز أن يكون رفعها خيرًا منها في الوقت الثاني؛ لكونها لو وجدت فيه كانت مفسدة.
_________________
(١) = مناجاتهم للنبي -ﷺ- في غير حاجة، إلا لتظهر منزلتهم، وكان رسول الله -ﷺ- سمْحًا لا يرد أحدًا، فنزل قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً ﴾ [المجادلة: ١٢] ثم نسخ ذلك بالآية التي بعدها. روى الحاكم في المستدرك "٢/ ٤٨١، ٤٨٢" عن علي -﵁- قال: "إن في كتاب الله لآية ما عمل بها أحد قبلي، ولا يعمل بها أحد بعدي، آية النجوى قال: كان عندي دينار، فبعته بعشرة دراهم، فناجيت النبي -ﷺ- فكنت كلما ناجيت النبي -ﷺ- قدمت بين يدي نجواي دراهمًا، ثم نسخت، فلم يعمل بها أحد، فنزلت: ﴿أَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ ﴾ الآية. قال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي. انظر: الدر المنثور "٦/ ١٥٨" تفسير ابن كثير "٤/ ٣٢٧".
[ ١ / ٢٥١ ]