إذا أنكر الشيخ الحديث وقال: "لست أذكره" لم يقدح ذلك في
[ ١ / ٣٥٥ ]
الخبر في قول إمامنا١، ومالك، والشافعي، وأكثر المتكلمين٢.
ومنع منه الكرخي؛ قياسًا على الشهادة.
وليس بصحيح، لأن الراوي عدل جازم بالرواية، فلا نكذبه، مع إمكان تصديقه، والشيخ لا يكذبه، بل قال "لست أذكره" فيمكن الجمع بين قوليهما:
بأن يكون نسيه، فإن النسيان غالب على الإنسان، وأي محدث يحفظ جميع حديثه، فيجب العمل به، جمعًا بين قوليهما.
والشهادة تفارق الرواية في أمور كثيرة.
_________________
(١) ١ أي الإمام أحمد -رحمه الله تعالى-. ٢ هكذا أطلق المصنف الكلام في هذه المسألة، ولم يذكر ما إذا كان الشيخ جازمًا بعد الرواية، أو أنه لا يذكره، وهو ما وضحه الغزال بقوله: "إذا أنكر الشيخ الحديث إنكار جاحد قاطع مكذب للراوي لم يعمل به، ولم يصر الراوي مجروحًا. ثم قال: أما إذا أنكر إنكار متوقف، وقال: لست أذكره، فيعمل بالخبر؛ لأن الراوي جازم أنه سمعه منه، وهو ليس بقاطع بتكذيبه، وهما عدلان، فنصدقهما إذا أمكن. وذهب الكرخي: إلى أن نسيان الشيخ الحديث يبطل الحديث". "المستصفى جـ٢ ص٢٧٢". وما قاله الكرخي، هو ما ذهب إليه أبو حنيفة وأبو يوسف وأكثر الحنفية. انظر: أصول السرخسي "٢/ ٣". ٣ هو: عبيد الله بن الحسن بن دلال، من أئمة الحنفية المجتهدين، كان تقيًّا ورعًا، ألّف العديد من الكتب في فقه الإمام أبي حنيفة مثل: "شرح الجامع الصغير والكبير" توفي سنة ٣٤٠هـ. انظر: "تاج التراجم ص٣٩".
[ ١ / ٣٥٦ ]
منها: أن لا تسمع شهادة الفرع -مع القدرة- على الأصل. والرواية بخلافه١.
فإن الصحابة -﵃- كان بعضهم يروي عن بعض، مع القدرة على مراجعة النبي -ﷺ-.
ولهذا كان يلزمهم قبول قول رسله وسعاته من غير مراجعة.
وأهل قباء تحولوا إلى القبلة بقول واحد من غير مراجعة٢.
وأبو طلحة وأصحابه قبلوا خبر الواحد في تحريم الخمر من غير مراجعة٣. والله أعلم.
وقد روى ربيعة بن عبد الرحمن٤ عن سهل٥ عن أبيه٦ عن
_________________
(١) ١ قول المصنف "والشهادة تفارق الرواية إلخ" جواب عن قول الكرخي: لو جاز العمل برواية الفرع مع نسيان الأصل، لجاز العمل بشهادة الفرع مع نسيان الأصل، والتالي باطل بالاتفاق. فأجاب المصنف: بأن هناك فروقًا كثيرة بين الشهادة والرواية: منها ما ذكره المصنف. ومنها: أن الشهادة آكد من الرواية وأضيق، فيغتفر في الرواية ما لا يغتفر في الشهادة. ٢ تقدم تخريجه. ٣ تقدم تخريجه أيضًا. ٤ هو: ربيعة بن أبي عبد الرحمن، واسم أبيه فروخ المدني، مولى آل المنكدر، المعروف بربيعة الرأي، أحد التابعين، ثقة مشهور، وكان أحد شيوخ الإمام مالك. توفي سنة ١٣٦هـ. انظر: "تاريخ بغداد ٨/ ٤٢٠، تذكرة الحفاظ ١/ ١٥٧". ٥ هو: سهيل بن أبي صالح، ذكوان السمان، أبو يزيد المدني، اختلف في توثيقه وضعفه، روى عن أبيه وسعيد بن المسيب، توفي في خلافة المنصور. "ميزان الاعتدال ٢/ ٢٤٣". ٦ هو: ذكوان أبو صالح السمان المدني، ثقة، روى عن أبي هريرة وأبي الدرداء =
[ ١ / ٣٥٧ ]
أبي هريرة أن النبي -ﷺ- قضى باليمين مع الشاهد١، ثم نسيه سهيل، فكان بعده يقول: "حدثني ربيعة عني أني حدثته" فلا ينكره أحد من التابعين٢.
_________________
(١) = وعائشة وغيرهم. توفي سنة ١٠١هـ. "تذكرة الحفاظ ١/ ٨٩". ١ تقدم تخريجه في مبحث الزيادة على النص، هل هي نسخ أو لا؟ قال أبو داود: أحد رواة الحديث -عقب روايته للحديث-: "وزادني الربيع بن سليمان المؤذن هذا الحديث، قال: أخبرني الشافعي، عن عبد العزيز، قال: فذكرت ذلك لسهيل، فقال: أخبرني ربيعة -وهو عندي ثقة- أني حدثته إياه، ولا أحفظه، قال عبد العزيز: وقد كانت أصابت سهيلًا علة أذهبت بعض عقله، ونسي بعض حديثه، فكان سهيل بعد يحدثه عن ربيعة، عنه، عن أبيه" يراجع: العلل لابن أبي حاتم جـ١ ص٤٦٣، ٤٦٩. ٢ فكان ذلك إجماعًا على قبوله. قال الطوفي: "فإن قيل: لعل سهيلًا تذكر الحديث برواية ربيعة عنه، ومراجعته له في ذلك، فتخرج قصته عن الاحتجاج بها في محل النزاع. قلنا: لو كان كذلك، لما رواه بعد ذلك عن ربيعة عنه، بل كان يرويه كما لو لم ينس، عن أبيه، عن أبي هريرة، والنسيان متسلط على الإنسان فيحمل الحال عليه". "شرح المختصر جـ٢ ص٢١٧".
[ ١ / ٣٥٨ ]