اختلف في الأفعال والأعيان المنتفع بها قبل ورود الشرع ما حكمها١:
فقال التميمي٢، وأبو الخطاب، والحنفية: هي على الإباحة: إذ
_________________
(١) ١ وضح الشيخ الشنقيطي محال الاتفاق ومحل الخلاف في المسألة فقال: "الأعيان المنتفع بها لها ثلاث حالات: الحالة الأولى: أن يكون فيها ضرر محض، ولا نفع فيها -ألبتة- كأكل الأعشاب السامة القاتلة. الحالة الثانية: أن يكون فيها نفع محض، ولا ضرر فيها أصلًا. الحالة الثالثة: أن يكون فيها نفع من جهة، وضرر من جهة أخرى. فإن كان فيها ضرر محض، ولا نفع فيها، أو كان ضررها أرجح من نفعها أو مساويا له، فهي حرام؛ لقوله -ﷺ-: "لا ضرر ولا ضرار" وإن كان نفعها خالصًا لا ضرر معه، أو معه ضرر خفيف، والنفع أرجح منه فأرجح الأقوال الجواز، وقد أشار المصنف إلى هذا التفصيل بقوله: "المنتفع بها" فمفهومه: أن ما لا نفع فيه لا يدخل في كلامه" انتهى ببعض تصرف. "مذكرة أصول الفقه ص٢٠". وهذه المسألة مفرعة على مسألة: الحسن والقبح العقليين. وللعلماء فيها مذاهب كثيرة منها: ما رجحه المصنف، وهي أنها مباحة مطلقًا، وقيل: إنها على الحظر حتى يأتي الشرع بالإباحة، ومنهم من توقف في الجزم برأي معين. يراجع في ذلك: المستصفى "١/ ٦٣"، والإحكام للآمدي "١/ ٩١". ٢ هو: عبد العزيز بن حارث بن أسد، أبو الحسن التميمي، المولود سنة ٣١٧هـ. صحب أبا القاسم الخرقي وأبا بكر بن عبد العزيز، كان من أعيان علماء الحنابلة، له مؤلفات في الأصول والفروع. توفي سنة ٣٧١هـ. انظر: "طبقات الحنابلة جـ٢ ص١٣٩، المنهج الأحمد جـ٢ ص٦٦".
[ ١ / ١٣٢ ]
قد علم انتفاعنا بها من غير ضرر علينا، ولا على غيرنا، فليكن مباحًا.
ولأن الله -سبحانه- خلق هذه الأعيان لحكمة لا محالة، ولا يجوز أن يكون ذلك لنفع يرجع إليه، فثبت أنه لنفعنا.
وقال ابن حامد١، والقاضي٢، وبعض المعتزلة: هي على الحظر؛ لأن التصرف في ملك الغير بغير إذنه قبيح، والله -سبحانه- المالك ولم يأذن٣.
ولأنه٤ يحتمل أن في ذلك ضررًا، فالإقدام عليه خطر٥.
_________________
(١) ١ هو: الحسن بن حامد بن علي بن مروان، إمام الحنابلة في عصره ومعلمهم ومفتيهم. من مؤلفاته: "الجامع" في الفقه وكتاب في أصول الفقه. توفي سنة ٤٠٣هـ. انظر: "طبقات الحنابلة جـ٢ ص١٧١، شذرات الذهب جـ٣ ص١٦٦". ٢ تقدمت ترجمته قريبًا. ٣ هذا هو الدليل الأول للقائلين بالحظر: قياس تصرف العبد في ملك الله -تعالى- على التصرف في ملك العباد، وهو ما يسميه الأصوليون: قياس أحكام الله تعالى على أحكام الخلق فيما بينهم، ونظم القياس هكذا: الواحد منا لا يجوز له أكل طعام غيره أو شرب شرابه، أو ركوب دابته، أو لبس ثوبه بغير إذنه، فكذلك أحكام الله تعالى، لا يجوز لنا التصرف فيها أن الحكم عليها بدون إذنه سبحانه. ٤ هذا هو الدليل الثاني للقائلين بالحظر، وتقريره: أن الإقدام على هذا الانتفاع خطر، أي مخاطرة بالنفس، فالإمساك عنه أحوط لها في العقل. أما أنه خطر، فلأن بتقدير الحل في نفس الأمر أمَنَةً من العذاب، وبتقدير التحريم تكون معرضة له، فهذا وجه المخاطرة، وهو: ركوب أمر يلحق فيه الضرر على بعض الاحتمالات. وأما أن الإمساك عن الانتفاع المذكور يكون أحوط، فهو من القضايا الضرورية عقلًا وشرعًا وعرفًا. "شرح مختصر الروضة جـ١ ص٣٩٥". ٥ في الأصل "حظر" وصححناه من شرح مختصر الروضة.
[ ١ / ١٣٣ ]
وقال أبو الحسن الجزري١، وطائفة من الواقفية٢: لا حكم لها؛ إذ معنى الحكم: الخطاب، ولا خطاب قبل ورود السمع.
والعقل لا يبيح شيئا ولا يحرمه، وإنما هو معرف للترجيح والاستواء، وقبح التصرف في ملك الغير إنما يعلم بتحريم الشارع ونهيه.
ولو حكمت فيه العادة [لقضت بأنه] إنما يقبح في حق من يتضرر بالتصرف في ملكه، بل يقبح المنع مما لا ضرر فيه، كالظل وضوء النار.
وهذا القول هو اللائق بالمذهب، إذ العقل لا دخل له في الحظر والإباحة، على ما سنذكره -إن شاء الله تعالى- وإنما تثبت الأحكام بالسمع.
وقد دل السمع على الإباحة على العموم بقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ ٣.
_________________
(١) ١ هو: أحمد بن نصر بن محمد، أبو الحسن الجزري -نسبة إلى جزيرة ابن عمر بالعراق- من قدماء الحنابلة، ومن المبرزين في المناظرة، والجدل والأصول والفروع. توفي سنة ٣٨٠هـ "طبقات الحنابلة ٢/ ١٦٧". ٢ هم الذين يقفون في المسائل المختلف فيها، ولا يجزمون فيها برأي معين، والتوقف له معنيان، أو سببان: إما لعدم الدليل أصلًا، وإما لتعارض الإدلة. ٣ سورة البقرة من الآية: ٢٩ وقد بين الشيخ "ابن بدران" وجه الاستدلال بالآية الكريمة فقال: "وجه الاستدلال: أنه ﷾ أخبرهم -في معرض الامتنان عليهم وتذكيرهم النعمة- أنه خلق لهم ما في الأرض وسخره لهم، واللام للاختصاص أو الملك، إذا صادفت قابلًا له، والخلق قابلون للملك، وهو في الحقيقة: تخصيص من الله -سبحانه- لهم بانتفاعهم به؛ إذ لا مالك -على الحقيقة- إلا الله -﷾- فاقتضى ذلك: أنهم متى اجتمعوا وما خلق لهم وسخر لهم في الوجود ملكوه، وإذا ملكوه جاز انتفاعهم به؛ إذ فائدة الملك: جواز الانتفاع". "نزهة الخطر جـ١ ص١٩".
[ ١ / ١٣٤ ]
وبقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِش﴾ الآية١.
وقوله تعالى: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ﴾ ٢.
وبقوله تعالى: ﴿قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا﴾ الآية٣. ونحو ذلك.
وقول النبي -ﷺ-: " وما سكت الله عنه فهو مما عفا عنه" ٤ وقوله: "إن أعظم المسلمين في المسلمين جرمًا: من سأل عن شيء لم
_________________
(١) ١ سورة الأعراف من الآية: ٣٣. ٢ سورة الأنعام من الآية: ١٥١. ٣ سورة الأنعام من الآية: ١٤٥. ووجه الاستدلال بالآيات الثلاث: أن الله -تعالى- حصر المحرمات فيما ذكر فيها، فدل ذلك على أن غير المذكورات في الآيات على الإباحة. ٤ رواه الترمذي في سننه حديث رقم "١٧٢٦" وابن ماجه في سننه رقم "٣٣٦٧" والحاكم في المستدرك "٤/ ١١٥"، والبيهقي "٩/ ٣٢٠" عن سلمان الفارسي -﵁- قال: سئل رسول الله -ﷺ- عن السمن والجبن والفراء فقال: "الحلال: ما أحل الله في كتابه، والحرام: ما حرم الله في كتابه، وما سكت عنه فهو مما عفى عنه". والفراء: جمع "الفرا" بفتح: حمار الوحش. وقيل: جمع "الفرو" الذي يلبس. ويشهد لهذا القول: ما فعله الترمذي؛ فإنه ذكر في باب لبس الفرو وإنما سألوه عنه حذرًا من صنيع الكفر من اتخاذ الفرو من جلود الميتة غير مدبوغة. وفي سند الحديث مقال، حيث ضعف المحدثون أحد رواته وهو: "سيف بن هارون". قال الترمذي: وكأن الموقوف أصح. ومع ذلك فللحديث: ما يؤيده ويقويه من أحاديث أخرى تؤدي نفس المعنى، =
[ ١ / ١٣٥ ]
يحرم على الناس، فحرم من أجل مسألته"١.
وفائدة الخلاف: أن من حرم شيئًا أو أباحه كفاه فيه استصحاب حال الأصل.
_________________
(١) = منها قوله -ﷺ-: "إن الله -تعالى- فرض فرائض فلا تضيعوها، وحد حدودًا فلا تعتدوها وحرم أشياء فلا تنتهكوها، وسكت عن أشياء رحمة بكم غير نسيان فلا تبحثوا عنها" انظر: "مجمع الزوائد ٧/ ٧٥". ١ حديث صحيح رواه البخاري: كتاب الاعتصام، باب ما يكره من كثرة السؤال وتكلف ما لا يعنيه، ومسلم في الفضائل، وأبو داود في السنة، ووجه الدلالة من الحديث ظاهر.
[ ١ / ١٣٦ ]