وتجوز رواية الحديث بالمعنى للعالم المفرق بين المحتمل وغير المحتمل والظاهر والأظهر، والعام والأعم عند الجمهور١.
فيبدل لفظًا مكان لفظ فيما لا يختلف الناس فيه: كالألفاظ المترادفة.
_________________
(١) ١ ومنهم الأئمة الأربعة. وتفصيل القول في هذه المسألة: أن الراوي للحديث: إن =
[ ١ / ٣٦٠ ]
مثل: القعود والجلوس، والصب والإراقة، والحظر والتحريم، والمعرفة والعلم، وسائر ما لا يشك فيه، ولا يتطرق إليه الاستنباط والفهم.
ولا يجوز إلا فيما فهمه قطعًا، دون ما فهمه بنوع استنباط، واستدلال يُختلف فيه.
ولا يجوز -أيضًا- للجاهل بمواقع الخطاب، ودقائق الألفاظ.
ومنع منه بعض أصحاب الحديث مطلقًا لقول النبي -ﷺ-: "نضر الله امرأ سمع مقالتي فأداها كما سمعها فرب مبلغ أوعى من سامع" ٢.
_________________
(١) = كان غير عالم بمقتضيات الألفاظ، والفرق بينها من جهة الإطلاق والتقييد، والعموم والخصوص، فلا يجوز له الرواية بالمعنى، لأنه قد يبدل لفظًا بلفظ يساويه -في ظنه- وهو ليس كذلك، فيترتب على ذلك خلل في المعنى. أما إن كان عالمًا بما تقدم، فإن كان المعنى غير متطابق فلا يجوز. وإن كان مطابقًا: فقد جوزه جمهور العلماء، بشروط يأتي بيانها. ومنعه جماعة، منهم: محمد بن سيرين "ت١١٠هـ" وبعض السلف. وشروط الجمهور لجواز نقل الحديث بالمعنى كما يلي:
(٢) أن يكون الناقل عالمًا باللسان العربي، لا تخفى عليه النكت الدقيقة التي يحصل بها الفرق بين معاني الألفاظ. كما مثل المنصف.
(٣) أن يكون جازمًا بمعنى الحديث، وليس عن طريق الاستنباط أو الاستدلال بمختلف فيه.
(٤) أن لا يكون اللفظ الذ نقل به الراوي معنى الحديث أخفى من لفظ النبي -ﷺ-. قال القرافي: "يجوز بثلاثة شروط: أن لا يزيد الترجمة، ولا ينقص، ولا يكون أخفى من لفظ الشارع" شرح تنقيح الفصول ص١٦٤. قال الطوفي: "هذا هو معنى المطابقة" شرح المختصر "٢/ ٢٤٥". ١ وهذا ما سبق توضيحه. ٢ تقدم تخريجه.
[ ١ / ٣٦١ ]
ولنا: الإجماع على جواز شرح الشرع للعجم بلسانهم، فإذا جاز إبدال كلمة عربية بأعجمية ترادفها، فبعربية أولى.
وكذلك كان سفراء النبي -ﷺ- يبلغونهم أوامره بلغتهم.
وهذا لأنا نعلم أنه لا يعتد١ باللفظ، وإنما المقصود فهم المعنى، وإيصاله إلى الخلق.
ويدل على ذلك: أن الخطب المتحدة والوقائع، رواها الصحابة بألفاظ مختلفة.
ولأن الشهادة آكد من الرواية، ولو سمع الشاهد شاهدًا يشهد بالعجمية: جاز أن يشهد على شهادته بالعربية.
ولأنه تجوز الرواية عن غير النبي -ﷺ- بالمعنى، فكذلك عنه؛ فإن الكذب فيهما حرام٢.
والحديث حجة لنا٣؛ لأنه ذكر العلة، وهو اختلاف الناس في الفقه والفهم ونحن لا نجوّزه لغير من يفهم.
_________________
(١) في الأصل "تعتد" وما أثبتناه من المستصفى. قال العلماء: هذا في غير الألفاظ المتعبد بلفظها، كالأذان والإقامة والتكبير، والتشهد في الصلاة، فلا يجوز نقله بالمعنى؛ لأننا متعبدون بلفظه، ومثل ذلك ما كان من جوامع الكلم التي اختص بها النبي -ﷺ- فلا يجوز نقله بالمعنى. ٢ وأقول: قياس الكذب على رسول الله -ﷺ- على غيره قياس مع الفارق؛ فقد روى مسلم في مقدمة صحيحه عن المغيرة بن شعبة قال: سمعت رسول الله -ﷺ-: يقول: "إن كذبًا علي ليس ككذب على أحد، فمن كذب علي متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار" انظر: صحيح مسلم بشرح النووي "١٤/ ٥٧" طبعة الشعب. ٣ هذا رد على دليل المخالف وهو الحديث المتقدم. قال الغزالي: "وهذا الحديث =
[ ١ / ٣٦٢ ]
جواب آخر:
أن من روى بالمعنى فقد روى كما سمع، ولهذا لا يعد كذبًا.
قال أبو الخطاب: لا يجوز أن يبدل لفظًا بأظهر منه؛ لأن الشارع ربما قصد إيصال الحكم باللفظ الجلي تارة، وبالخفي أخرى١.
_________________
(١) = بعينه قد نقل بألفاظ مختلفة، والمعنى واحد، وإن أمكن أن تكون جميع الألفاظ قول رسول الله -ﷺ- في أوقات مختلفة، لكن الأغلب أنه حديث واحد، ونقل بألفاظ مختلفة، فإنه روى: "رحم الله امرأ"، "نضر الله امرأ"، وروى: "رب حامل فقه لا فقه له" وروى: "رب حامل فقه غير فقيه". المستصفى "٢/ ٢٨٠". ١ انظر: التمهيد "٣/ ١٦٢". قال الطوفي -معللًا لذلك-: "لأن الشارع ربما قصد إيصال الحكم إلى المكلفين باللفظ الجلي تارة؛ تسهيلًا للفهم عليهم، وباللفظ الخفي أخرى؛ تكثيرًا لأجرهم بإجالة النظر فيه". شرح مختصر الروضة "٢/ ٢٤٨".
[ ١ / ٣٦٣ ]