فأما مراسيل غير الصحابة، وهو أن يقول: قال النبي -ﷺ- من لم يعاصره، أو يقول: قال أبو هريرة من لم يدركه: ففيها روايتان١:
إحداهما: تقبل، اختارها القاضي٢.
وهو مذهب مالك وأبي حنيفة، وجماعة من المتكلمين٣.
_________________
(١) ١ أبو يعلى في العدة جـ٣ ص٩٠٦. ٢ يراجع: المستصفى جـ٢ ص٢٨١ وما بعدها، الإحكام للآمدي جـ٢ ص١٣٣ وما بعدها، شرح مختصر الروضة جـ٢ ص٢٣٠ وما بعدها.
[ ١ / ٣٦٥ ]
والأخرى: لا تقبل، وهو قول الشافعي١، وبعض أهل الحديث وأهل الظاهر٢.
ولهم دليلان٣:
أحدهما: أنه لو ذكر شيخه ولم يعدّله وبقي مجهولًا عندنا: لم نقبله، فإذا لم يسمه فالجهل أتم، إذ من لا يعرف عينه كيف نعرف عدالته؟!
الثاني: أن شهادة الفرع لا تقبل ما لم يعين شاهد الأصل، فكذا الرواية.
وافتراق الشهادة والرواية في بعض التعبدات لا توجب فرقًا في هذا المعنى، كما لا توجب فرقًا في قبول رواية المجروح المجهول.
_________________
(١) ١ النقول عن الإمام الشافعي -في حجية المراسيل- متعارضة ومتضاربة، فالبعض يروي عنه أنها حجة، والبعض الآخر ينكر، والذي عليه المحققون: أنه اشترط لقبول الحديث المرسل بعض الشروط التي تؤدي إلى غلبة الظن بصحة الحديث، وخلاصة ذلك: أن الحديث إن كان من مراسيل الصحابة، أو كان قد أسنده غير من أرسله، أو أرسله راو آخر من غير طريق الأول، بمعنى أنه اختلفت طرق الإرسال، فيعضد بعضها بعضًا، أو يكون المرسل قد عرف من حاله أنه لا يروي إلا عن عدل، أو عضده قول صحابي، أو قول أكثر أهل العلم، فهو حجة، وإلا فلا. فإطلاق المصنف النقل عن الإمام الشافعي تبعًا للغزالي ليس بجيد. يراجع في ذلك: الرسالة تحقيق الشيخ شاكر ص٤٦١ وما بعدها، نهاية السول للإسنوي جـ٢ ص٣٢٤، شرح مختصر الروضة جـ٢ ص٢٣٠. ٢ انظر: الإحكام لابن حزم جـ١ ص١٣٥. ٣ أي: القائلون بعدم حجية المرسل.
[ ١ / ٣٦٦ ]
ووجه الرواية الأولى:
أن الظاهر من العدل الثقة: أنه لا يستجيز أن يخبر عن النبي -ﷺ- بقول، ويجزم به، إلا بعد أن يعلم ثقة ناقله وعدالته.
ولا يحل له إلزام الناس عبادة، أو تحليل حرام، أو تحريم مباح، بأمر مشكوك فيه، فيظهر أن عدالته مستقرة عنده، فهو بمنزلة قوله: "أخبرني فلان وهو ثقة عدل".
ولو شك في الحديث: ذكر من حدّثه؛ لتكون العهدة عليه دونه.
ولهذا قال إبراهيم النخعي٢: "إذا رويتُ عن عبد الله٣ وأسندت: فقد حدثني واحد عنه، وإذا أرسلت فقد حدثني جماعة عنه"٤.
وأما المجهول٥: فإن الرواية عنه ليست بتعديل له -في إحدى الروايتين-.
_________________
(١) ١ وهي: رواية قبول المرسل. ٢ هو: إبراهيم بن يزيد بن قيس بن الأسود النخعي، أحد أعلام التابعين، رأى جماعة من الصحابة، ولم يسمع منهم مباشرة، فكان يرسل عنهم، ومنهم عبد الله بن مسعود. مات بالكوفة سنة ٩٦هـ. "ميزان الاعتدال ١/ ٧٤". ٣ يقصد: عبد الله بن مسعود -﵁- تقدمت ترجمته. ٤ أخرج هذا الأثر: البيهقي في سننه "١/ ٤٨" والدراقطني "٣/ ١٧٤". ٥ بعد أن ذكر أدلة الفريقين، بدأ يناقش أدلة المنكرين لحجية مراسيل غير الصحابة. وخلاصة ما استدل به النافون للحجية: أن الواسطة المحذوفة في المرسل لا تعرف عينها، ومن لا تعرف عينه لم تعرف عدالته، ورواية مجهول العدالة مردودة -كما تقدم- ولأن شهادة الفرع لا تقبل على شهادة الأصل فكذلك الرواية، وافتراق الشهادة والرواية في بعض الأحكام لا يستلزم افتراقهما في هذا المعنى، كما أنه لا فرق بينهما في عدم قبول رواية المجروح والمجهول. =
[ ١ / ٣٦٧ ]
وفي الأخرى: تكون تعديلًا، على ما مضى، ولا كذلك ههنا.
والرواية تفارق الشهادة في أمور كثيرة:
منها: اللفظ، والمجلس، والعدد، والذكورية، والعجز عن شهود الأصل، والحرية -عندهم- وأنه لا يجوز لشهود الفرع الشهادة حتى تحملهم إياها شهود الأصل، فيقولوا: اشهدوا على شهادتنا.
والرواية تخالف هذا.
فجاز اختلافهما في هذا الحكم.
_________________
(١) = فرد المصنف على ذلك: بأن الرواية عن الجمهور ليست تعديلًا له في إحدى الروايتين، وفي الرواية الأخرى تكون تعديلًا، لكن لا يقاس عليها ما نحن فيه، لعدم معرفة الساقط، والاكتفاء بعدالة الرواي وثقته. هذا هو الرد على الدليل الأول. ثم رد على الدليل الثاني: بأن الرواية تخالف الشهادة في أمور كثيرة ذكر منها ما هو موجود في الأصل، ثم بنى على ذلك: جواز اختلاف الرواية عن الشهادة، وأن الرواية المرسلة مقبولة.
[ ١ / ٣٦٨ ]