فأما نسخ القرآن، والمتواتر من السنة، بأخبار الآحاد: فهو جائز عقلًا؛ إذ لا يمتنع أن يقول الشارع: تعبدناكم بالنسخ بخبر الواحد.
وغير جائز شرعًا١.
وقال قوم من أهل الظاهر: يجوز٢.
وقالت طائفة: يجوز في زمن النبي -ﷺ- ولا يجوز بعده٣؛ لأن أهل قباء قبلوا خبر الواحد في نسخ القبلة.
_________________
(١) ١ وهذا هو رأي جمهور العلماء. وقد نقل الغزالي في المستصفى "٢/ ١٠٧" عدم جواز نسخ القرآن بالمتواتر والآحاد عن الخوارج. ٢ انظر: الإحكام لابن حزم "٤/ ٦١٧". ٣ وهو الذي رجحه الغزالي حيث قال: "المختار: جواز ذلك عقلًا لو تعبّد به، ووقوعه سمعًا في زمان رسول الله -ﷺ- بدليل: قصة قباء". وحكاه الشوكاني عن بعض العلماء: كأبي بكر الباقلاني، وأبي الوليد الباجي، والقرطبي، انظر: إرشاد الفحول "٢/ ٧٩" والعجب من العلماء الذين قالوا بهذا الرأي، كيف غاب عنهم أنه لا نسخ بعد عصر النبوة، والأعجب منه ما ذهب إليه الظاهرية من جوازه مطلقًا مع ما اتفق عليه الجميع من أن الإجماع لا ينسخ، ولا ينسخ به، لأن الإجماع لا يكون إلا بعد وفاة الرسول -ﷺ-؟! =
[ ١ / ٢٦٣ ]
وكان النبي -ﷺ- يبعث آحاد الصحابة إلى أطراف دار الإسلام، فينقلون الناسخ والمنسوخ.
ولأنه يجوز التخصيص به، فجاز النسخ به كالمتواتر.
ولنا: إجماع الصحابة -﵃- على أن القرآن والمتواتر لا يرفع بخبر الواحد، فلا ذاهب إلى تجويزه، حتى قال عمر -﵁-: "لا ندع كتاب ربنا وسنة نبينا لقول امرأة: لا ندري أصدقت أم كذبت"١.
_________________
(١) = ومن الغريب أن "الطوفي" يميل إلى مذهب الظاهرية وينصره، ويورد العديد من الأدلة على ذلك، مع أنه قال -بعد ذلك- في المسألة السابعة: "الحكم الثابت بالإجماع لا ينسخ، أي: لا يكون منسوخًا. وتقريره، أن النسخ لا يكون إلا في عهد النبوة، والإجماع لا يكون إلا بعد عهد النبوة، ويلزم من ذلك أن حكم الإجماع لا ينسخ. أما أن النسخ لا يكون إلا في عهد النبوة؛ فلأن النسخ رفع للحكم، وإبطال له وتغيير، وذلك إنما يكون في عهد النبوة، لأنه زمن الوحي الرافع للأحكام، وبعد انقراض عهد النبوة يستقر الشرع، فلا يجوز تغيير شيء منه، ولا يبقى إلا اتباع ما انقرض عليه عصر النبوة" شرح المختصر "٢/ ٣٣٠-٣٣١". ١ أخرجه مسلم: كتاب الطلاق، باب المطلقة ثلاثًا لا نفقة لها، والترمذي: كتاب الطلاق، باب ما جاء في المطلقة ثلاثًا لا نفقة لها ولا سكنى، وأحمد في المسند "٦/ ٤١٥" عن فاطمة بنت قيس أنها قالت: طلقني زوجي ثلاثًا فلم يجعل لي رسول الله -ﷺ- سكنى ولا نفقة، فلما بلغ ذلك عمر بن الخطاب قال: لا ندع كتاب ربنا وسنة نبينا لقول امرأة، لعلها حفظت أو نسيت، لها السكنى والنفقة، قال الله ﷿ ﴿لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ [سورة الطلاق: ١] .
[ ١ / ٢٦٤ ]