ويعتبر في الراوي المقبول روايته أربعة شروط:
الإسلام، والتكليف، والعدالة، والضبط.
أما الإسلام: فلا خلاف في اعتباره؛ فإن الكافر متهم في الدين٢.
_________________
(١) = الواحد أن يرويه عن النبي -ﷺ- اثنان، ثم يرويه عن كل واحد اثنان، وهكذا إلى الحد الذي يتعذر معه إثبات حديث أصلًا، وقاس خبر الواحد على الشهادة. ورد عليه المصنف من وجهين: الأول: الأدلة المتقدمة التي دلت على وجوب العمل بخبر الواحد وهي صحيحة وكثيرة. الثاني: عدم صحة قياس خبر الواحد على الشهادة لأنها تفارق الخبر من أوجه كثيرة منها: أن الشهادة دخلها التعبد، ولذلك لا تقبل فيها النساء بدون الرجال، إلا في المواضع التي لا يصح اطلاع الرجال عليها. ومنها: أن الشهادة إنما تكون على معين من الناس، فاحتيط له أكثر من غيره، بخلاف الرواية فإنها تكون في جملة أحكام الناس، وينبني عليها قواعد كلية، فلا يتجرأ المسلم على الكذب فيها. ١ لما انتهى المصنف من بيان جواز التعبد بخبر الواحد عقلًا وسمعًا، أراد أن يبين أن الواحد الذي تقبل روايته له شروط لا بد من تحقيقها. ٢ فلا يؤتمن عليه من خبر ديني، كالرواية، والإخبار عن جهة القبلة، ولا يقبل خبره في وقت الصلاة، وطهارة موضعها، وطهارة الماء، ووقت السحور والإفطار، والأصل في ذلك قوله سبحانه: ﴿لا تَتَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ قَدْ يَئِسُوا مِنَ الْآخِرَةِ كَمَا يَئِسَ الْكُفَّارُ مِنْ أَصْحَابِ الْقُبُورِ﴾ [الممتحنة: ١٣] وقوله -تعالى-: ﴿لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَادًا فِي سَبِيلِي وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِي تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَا أَعْلَنْتُمْ وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ =
[ ١ / ٣٢٩ ]
فإن قيل: هذا يتجه في كافر لا يؤمن بنبينا -ﷺ- إذ لا يليق بالسياسة تحكيمه في دين لا يعتقد تعظيمه.
أما الكافر المتأول: فإنه معظم للدين، يمتنع من المعصية، غير عالم أنه كافر، فلم لا تقبل روايته؟
قلنا: كل كافر متأول، فاليهودي -أيضًا- متأول؛ فإن المعاند هو الذي يعرف الحق بقلبه ويجحده بلسانه، وهذا يندر، بل تورّع هذا من الكذب كتورع اليهودي، فلا يلتفت إلى هذا، ولا يستفاد هذا المنصب بغير الإسلام١.
وقال أبو الخطاب -في الكافر والفاسق المتأولين-: إن كان داعية فلا يقبل خبره؛ فإنه لا يؤمن أن يضع حديثًا على موافقة هواه، وإن لم يكن داعية:
فكلام أحمد -﵀- يحتمل الأمرين: من القبول وعدمه؛ فإنه قد قال: "احتملوا الحديث من المرجئة"٢.
وقال: يكتب عن القدري٣ إذا لم يكن داعية.
_________________
(١) = ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيل﴾ [الممتحنة: ١] أي لا تتولهم في الدين، وهذه الفروع من الدين: شرح المختصر "٢/ ١٣٦". "وهذا ما أكده القرآن الكريم في العديد من آياته، يقول الله تعالى في سورة البقرة آية: ١٤٦: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ . ٢ المرجئة: طائفة من أهل الكلام، يزعمون أن الإيمان هو المعرفة بالله والمحبة والخضوع، بالقلب والإقرار بالوحدانية، وما جاءت به الرسل ليس داخلًا في أصل الإيمان، فلا تضر مع الإيمان معصية، ولا تنفع مع الكفر طاعة، وهم فرق كثيرة. انظر في معتقداتهم: "الفرق بين الفرق ص٢٠٣، والملل والنحل ١/ ١٨٦". ٣ تقدم التعريف بالقدرية.
[ ١ / ٣٣٠ ]
واستعظم الرواية عن سعد العوفي١ وقال: هو جهمي، امتحن فأجاب٢.
واختار أبو الخطاب: قبول رواية الفاسق المتأول، لما ذكرناه، وأن توهم الكذب منه كتوهمه من العدل؛ لتعظيمه المعصية وامتناعه منها، وهو مذهب الشافعي.
ولذلك كان السلف يروي بعضهم عن بعض، مع اختلافهم في المذاهب والأهواء٣.
_________________
(١) ١ هو: سعد بن محمد بن الحسن بن عطية بن سعيد العوفي، ضعيف، قال فيه الإمام أحمد: "جهمي" وقال: "ولم يكن هذا -أيضًا- ممن يستأهل أن يكتب عنه، ولا كان موضعًا لذاك" توفي سنة ٢٧٦هـ. انظر: تاريخ بغداد "٩/ ١٢٦". ٢ وعبارة أبي يعلى في العدة "٣/ ٩٤٨": "امتحن فأجاب قبل أن يكون ترهيب". والجهمية: فرقة تنسب إلى "جهم بن صفوان" من الجبرية، وافق المعتزلة في نفي الصفات الأولية: ونفي عن الله -كل ما يوصف به خلقه: كالعلم والحياة، ويقول: إن الإنسان لا يقدر على شيء، وتنسب له الأفعال مجازًا، كما تنسب للجماد، ويقول بفناء الجنة والنار، وأن الإيمان هو المعرفة فقط، كما ينفي رؤية الله -تعالى- في الآخرة. انظر: في عقيدة هذه الفرقة "الملل والنحل جـ١ ص٨٧". ٣ أرى أن تعليل ابن قدامة في قبول رواية الفاسق المتأول بالقياس على اختلاف السلف الصالح، غير مقبول، وهو قياس مع الفارق، فاختلاف السلف كانت له أسباب ومبررات مشروعة، مثل: اختلاف الرواية، أو عدم اطلاع البعض على الدليل أصلًا، وما إلى ذلك من الأسباب التي تذكر في بيان سبب الخلاف. والذي نرجحه في هذه المسألة: عدم قبول رواية الفاسق، حتى لو كان متأولًا. وما نقله المصنف عن الشافعي يخالف ما نقل عنه في الأم، حيث رأى عدم انعقاد النكاح بشهادة الفاسق "الأم ٥/ ٢٢".
[ ١ / ٣٣١ ]
والثاني: التكليف:
فلا يقبل خبر الصبي والمجنون، لكونه لا يعرف الله -تعالى- ولا يخافه، ولا يلحقه مأثم، فالثقة به أدنى من الثقة بقول الفاسق؛ لكونه يعرف الله -تعالى- ويخافه، ويتعلق المأثم به، ولأنه لا يقبل قوله فيما يخبر عن نفسه -وهو الإقرار- ففيما يخبر به عن غيره أولى١.
أما ما سمعه صغيرًا، ورواه بعد البلوغ: فهو مقبول؛ لأنه لا خلل في سماعه ولا أدائه.
ولذلك: اتفق السلف على قبول أخبار أصاغر الصحابة: كابن عباس، وعبد الله بن جعفر٢، وعبد الله بن الزبير٣،
_________________
(١) = وقال الغزالي: "ومذهب الشافعي: أن الكفر نقصان، والفسق يوجب الرد للتهمة". "المستصفى جـ٢ ص٢٤٢". وقال: "وتورع المتأول عن الكذب كتورع النصراني، فلا ينظر إليه، بل هذا المنصب لا يستفاد إلا بالإسلام، وعرف ذلك بالإجماع، لا بالقياس" المصدر السابق ص٢٣٠. قال الشيخ الشنقيطي: "اعلم أن الكافر لا تقبل روايته على التحقيق ولو كان متأولًا معظمًا للدين؛ لأن منصب القبول لا يستفاد بغير الإسلام، وخلاف من خالف في هذا لا يعول عليه" مذكرة أصول الفقه ص١١٢. ١ فرق بعض العلماء بين الصبي المميز وغير المميز، فقلبوا رواية المميز. قال القاضي أبو يعلى: "فأما تحمله الخبر، إن كان عاقلًا مميزًا، ورواه بعد بلوغه، فجائز؛ لإجماع السلف على عملهم بخبر ابن عباس وابن الزبير وغيرهم من أحداث الصحابة". "العدة جـ٣ ص٩٤٩". ٢ هو: عبد الله بن جعفر بن أبي طالب بن عبد المطلب، ولد بأرض الحبشة لما هاجر إليها أبواه: جعفر، وأسماء بنت عميس، التي تزوجها أبو بكر بعد وفاة جعفر، ثم علي -بعد أبي بكر-. كانت سنّه عند وفاة النبي -ﷺ- عشر سنين توفي سنة ٨٠هـ. انظر: "الإصابة ٤/ ٤٠". ٣ هو: عبد الله بن الزبير بن العوام، القرشي الأسدي، ولد سنة اثنتين من الهجرة، =
[ ١ / ٣٣٢ ]
والحسن١، والحسين٢، والنعمان بن بشير٣، ونظرائهم.
وعلى ذلك درج السلف والخلف: في إحضارهم الصبيان مجالس السماع، وقبولهم لشهادتهم فيما سمعوه قبل البلوغ.
والثالث: الضبط٤:
فمن لم يكن حاله السماع ممن يضبط، ليؤدي في الآخرة٥ على
_________________
(١) = وقيل في السنة الأولى، وأمه أسماء بنت أبي بكر، بويع بالخلافة سنة ٦٤هـ عقب موت يزيد، ولم يتخلف عن مبايعته إلا أهل الشام، ثم قتل وصلب سنة ٧٣هـ. "الاستيعاب ٣/ ٩٠٥". ١ هو: الحسن بن علي بن أبي طالب، ابن بنت رسول الله -ﷺ- السيدة فاطمة الزهراء ولد سنة ٣ للهجرة، تولى الخلافة بعد مقتل أبيه، ثم تنازل عنها لمعاوية حقنًا لدماء المسلمين. توفي بالمدينة سنة ٤٩هـ. "الإصابة ٢/ ٦٨". ٢ هو: الحسين بن علي بن أبي طالب، سبط رسول الله -ﷺ- وابن السيدة فاطمة الزهراء، سيد شباب أهل الجنة، قتل في كربلاء على يد عبيد الله بن زياد سنة ٦١هـ. "الإصابة ٢/ ٧٦". ٣ هو: النعمان بن بشير بن سعد الأنصاري الخزرجي، ولد قبل وفاة النبي -ﷺ- بثمان سنين، تولى إمرة الكوفة في خلافة معاوية ستة أشهر، ثم تولى له إمرة حمص، ولابنه يزيد من بعده، ولما مات يزيد دعا لابن الزبير، فخالفه أهل "حمص" وقتلوه سنة ٦٤هـ. "الاستيعاب ٤/ ١٤٩٦". ٤ أصل الضبط: إمساك الشيء باليد، أو اليدين، إمساكًا يؤمن مع الفوات، ثم استعمل -مجازًا- في حفظ الوالي ونحوه البلاد بالحزم وحسن السياسة، وفي حفظ المعاني بألفاظها، أو بدونها بالقوة الحافظة. ويستعمل في اصطلاح المحدثين في التحري والتشديد في النقل، والمبالغة في إيضاح الخط بالإعراب، والشكل، والنقط. "شرح مختصر الروضة جـ٢ ص١٤٤-١٤٥". ٥ أي بعد البلوغ.
[ ١ / ٣٣٣ ]
الوجه١، لم تحصل الثقة بقوله.
الرابع: العدالة٢:
فلا يقبل خبر الفاسق؛ لأن الله -تعالى- قال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ ٣. وهذا زجر عن الاعتماد على قبول [قول] الفاسق.
ولأن من لا يخاف الله -سبحانه- خوفًا يزعه٤ عن الكذب لا تحصل الثقة بقوله.
_________________
(١) ١ عبارة المستصفى: "على وجهه" أي: لم يغير اللفظ ولا المعنى. ٢ قال الغزالي: "والعدالة: عبارة عن استقامة السيرة والدين. ويرجع حاصلها إلى: هيئة راسخة في النفس، تحمل على ملازمة التقوى والمروءة جميعًا، حتى تحصل ثقة النفوس بصدقه، فلا ثقة بقول من لا يخاف الله -تعالى- خوفًا وازعًا عن الكذب. ثم لا خلاف في أنه لا يشترط العصمة من جميع المعاصي، ولا يكفي -أيضًا- اجتناب الكبائر، بل من الصغائر ما يرد به، كسرقة بصلة، وتطفيف حبة قصدًا. وبالجملة: كل ما يدل على ركاكة دينه، إلى حد يستجرئ على الكذب بالأغراض الدنيوية". "المستصفى جـ٢ ص٢٣١". ٣ سورة الحجرات من الآية: ٦. ٤ يزعه: أي يكفه ويمنعه.
[ ١ / ٣٣٤ ]