والذي عليه سلف الأمة وجمهور الخلف: أن الصحابة -﵃- معلومة عدالتهم بتعديل الله وثنائه عليهم.
قال الله -تعالى-: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ﴾ ١.
_________________
(١) ١ سورة التوبة الآية: ١٠٠ وتمام الآية: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ .
[ ١ / ٣٤٥ ]
قال: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ١ وقال: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّار﴾ ٢.
وقال النبي -ﷺ- "خير الناس قرني" ٣، وقال: "إن الله اختارني، واختار لي أصحابًا وأصهارًا وأنصارًا" ٤.
فأي تعديل أصح من تعديل علام الغيوب، وتعديل رسوله -ﷺ-؟
ولو لم يرد لكان فيما اشتهر وتواتر من حالتهم في طاعة الله -تعالى- وطاعة رسوله -ﷺ- وبذل المهج٥ ما يكفي في القطع بعدالتهم.
وهذا يتناول من يقع عليه اسم الصحابي، ويحصل ذلك بصحبته ساعة ورؤيته مع الإيمان به٦.
_________________
(١) ١ سورة الفتح من الآية: ١٨. ٢ سورة الفتح من الآية: ٢٩. ٣ حديث صحيح رواه عمران بن حصين قال: سمعت رسول الله -ﷺ- يقول: "خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم " أخرجه البخاري في أول كتاب فضائل الصحابة، ومسلم: كتاب فضائل الصحابة، باب فضل الصحابة، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم. حديث رقم "٢٥٣٥" وأبو داود: كتاب السنة، باب في فضل أصحاب النبي -ﷺ-، حديث "٤٦٥٧" والترمذي: كتاب الفتن، باب ما جاء في القرن الثالث. والنسائي: كتاب الأيمان والنذور، باب الوفاء بالنذر، وأحمد في المسند "٤/ ٤٢٦، ٤٣٦، ٤٤٠". ٤ أخرجه الحاكم في المستدرك "٣/ ٤٤٣" وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه، والخطيب في تاريخه "١٣/ ١٤٠" والطبراني في الكبير "١٧/ ١٤٠" بلفظ: "إن الله اختارني، واختار لي أصحابًا، فجعل لي بينهم وزراء وأنصارًا، فمن سبهم فعليه لعنة الله والملائكة والناسب أجمعين، لا يقبل منه يوم القيامة صرف ولا عدل" قال الهيثمي في مجمع الزوائد "١٠/ ١٧": "فيه من لم أعرفه". ٥ المهج: جمع مهجة، وهي الدم، أو الروح والنفس. ٦ هذا تعريف للصحابي الذي تقدمت الأدلة على أنهم جميعًا عدول، وأن مجهول =
[ ١ / ٣٤٦ ]
ويحصل لنا العلم بذلك بخبره عن نفسه، أو عن غيره: أنه صحب النبي -ﷺ-.
فإن قيل: إن قوله: [أنا صحابي] شهادة لنفسه، فكيف يقبل؟
قلنا: إنما هو خبر عن نفسه بما يترتب عليه حكم شرعي يوجب العمل، لا يلحق غيره مضرة، ولا يوجب تهمة، فهو كرواية الصحابي عن النبي -ﷺ-.
_________________
(١) = الحال منهم تقبل روايته. هذا هو مقصود المصنف. والذي ذكره في تعريف الصحابي هو رأي من الآراء التي قيلت في هذا المقام. وقد أجمل الغزالي هذه الآراء في المستصفى جـ٢ ص٢٦١ فقال: "فإن قيل: القرآن أثنى عل الصحابة، فمن الصحابي؟ أمن عاصر رسول الله -صلي الله عليه وسلم-؟ أو من لقيه مرة؟ أو من صحبه ساعة؟ أو من طالت صحبته؟ وما حد طولها؟ قلنا: الاسم لا يطلق إلا على من صحبه، ثم يكفي للاسم -من حيث الوضع- الصحبة ولو ساعة. ولكن العرف يخصص الاسم بمن كثرت صحبته" وهناك آراء آخرى كثيرة، وبيان المدة التي يجب أن يصحب النبي -ﷺ- فيها تراجع في المطولات. ١ قال الطوافي: "بل يوجب تهمة، وهو تحصيل منصب الصحبة لنفسه، ويضر بالمسلمين، حيث يلزمهم قبول ما يرويه مع هذه التهمة" شرح المختصر "٢/ ١٨٧" وقال ابن بدران: "والحق أنه لا بد من تقييد من قال بقبول خبره أنه صحابي: أن تقوم القرائن الدالة على صدق دعواه، وإلا لزم خبر كثير من الكذابين الذين ادعوا الصحبة".
[ ١ / ٣٤٧ ]