وهي على أربع مراتب:
أعلاها: قراءة الشيخ عليه في معرض الإخبار ليروي عنه.
وذلك يسلّط الراوي أن يقول: حدثني، وأخبرني، وقال فلان، وسمعته يقول.
الثانية: أن يقرأ على الشيخ فيقول: نعم، أو يسكت، فتجوز الرواية به، خلافًا لبعض أهل الظاهر.
ولنا: أنه لو لم يكن صحيحًا لم يسكت.
نعم لو كان ثَمَّ مخيلة٢ إكراه، أو غفلة لا يكتفى بسكوته.
وهذا يسلط الراوي على أن يقول: أنبأنا أو حدثنا فلان قراءة عليه.
وهل يجوز أن يقول: أخبرنا، أوحدثنا؟ على روايتين٣:
إحداهما: لا يجوز، كما لا يجوز أن يقول: سمعت من فلان.
والأخرى: يجوز. وهو قول أكثر الفقهاء٤.
لأنه إذا أقر به كقوله: نعم. والجواب بنعم كالخبر، بدليل ثبوت أحكام الإقرار به.
ولذلك يقول: أشهدني على نفسه٥.
_________________
(١) ١ هذه الكيفية لغير الصحابي، أما الصحابي: فقد تقدم حكمها. ٢ مخيلة: مصدر خال الشيء يخاله: أي يظنه. ٣ أي: عن الإمام أحمد. ٤ ومنهم: أبو حنيفة ومالك وأكثر العلماء. ٥ هذا تقوية للرواية الثانية: ومعناه: أن من قيل له: أَلِفلان عليك عشرة دراهم =
[ ١ / ٣٤٩ ]
وكذلك إذا قال الشيخ: أخبرنا، أو حدثنا، هل يجوز للراوي عنه إبدال إحدى اللفظتين بالأخرى؟
على روايتين:
وهل يجوز أن يقول سمعت فلانًا؟
فقد قيل: لا يجوز؛ لأنه يشعر بالنطق، وذلك كذب، إلا إذا علم بصريح قوله أو بقرينة أنه يريد القراءة على الشيخ.
الثالثة: الإجازة:
وهي أن يقول: أجزت لك ان تروي عني الكتاب الفلاني، أو ما صح عندك من مسموعاتي١.
_________________
(١) = فقال: نعم، كان للشاهد عليه أن يقول: أشهدني على نفسه بعشرة دراهم، مع أنه لا مستند له إلا قوله نعم، فكذا في الرواية، بل أولى. ١ العلماء يقسمون الإجازة إلى أربعة أقسام: الأول: الإجازة لمعين في غير معين، كقوله: أجزت لك أو لكم أن تروي أو ترووا عني الكتاب الفلاني. الثاني: الإجازة لمعين في غير معين، كقوله: أجزت لك أن تروي عني جميع مروياتي. الثالث: الإجازة لغير معين في معين، كأن يقول: أجزت للمسلمين أن يرووا عني الكتاب الفلاني. الرابع: الإجازة لغير معين من غير معين، كأن يقول: أجزت للمسلمين أن يرووا عني جميع مروياتي. وجمهور العلماء على جواز الرواية والعمل بالإجازة، حتى حكي الإجماع على ذلك. ومنع الرواية بالإجازة والمناولة جماعة من العلماء منهم: القاضي حسين والماوردي، وهي إحدى الروايتين عن الشافعي، وحكاه الآمدي عن أبي حنيفة =
[ ١ / ٣٥٠ ]
الرابعة: المناولة:
وهي أن يقول: خذ هذا الكتاب فاروه عني.
فهو كالإجازة؛ لأن مجرد المناولة دون اللفظ لا يغني، واللفظ وحده يكفي، وكلاهما تجوزالرواية به، فيقول حدثني، أو أخبرني إجازة.
فإن لم يقل: "إجازة" لم يجز.
وجوَّزه قوم. وهو فاسد؛ لأنه يشعر بسماعه منه، وهو كذب.
وحكي عن أبي حنيفة وأبي يوسف١: أنه لا يجوز الرواية بالمناولة والإجازة، وليس بصحيح؛ لأن المقصود: معرفة صحة الخبر، لا عين الطريق٢.
وقوله: "هذا الكتاب مسموعي، فاروه عني" -في التعريف- كقراءته والقراءة عليه.
وأما إن قال: "سماعي" ولم يقل: "اروه عني" فلا تجوز الرواية
_________________
(١) = وأبي يوسف، ونقله القاضي عبد الوهاب عن مالك. وقال ابن حزم: إنها بدعة. انظر: الإحكام "٢/ ١٠٠"، كشف الأسرار "٣/ ٤٥" المسودة ص٢٨٧. ١ هو: يعقوب بن إبراهيم بن حبيب، صاحب أبي حنيفة، والذي ساعد على نشر مذهبه، من أهم مؤلفاته: "الخراج" توفي سنة ١٨٢هـ. "الفوائد البهية ص٢٢٥". ٢ طريق الحديث: هو قول الراوي: حدثنا فلان عن فلان إلى السند، وهو وسيلة إلى معرفة صحة الحديث، فمعرفة صحة الحديث هي المقصودة. والقاعدة: أن المقاصد إذا حصلت بدون الوسائل، سقطت الوسائل، لأنها ليست مقصودة لنفسها، ومعرفة صحة الخبر، حصلت بالإجازة أو المناولة؛ لأن المخبر عدل جازم بالإذن في الرواية، والظاهر أنه ما أذن إلا فيما هو عالم بصحته وروايته له. انظر: "شرح مختصر الروضة جـ٢ ص٢٠٩".
[ ١ / ٣٥١ ]
عنه؛ لأنه لم يأذن، فلعله لا يجوّز الرواية، لخلل يعرفه.
وكذا لو قال: "عندي شهادة" لا يشهد بها ما لم يقل "أذنت لك أن تشهد على شهادتي".
فالرواية شهادة، والإنسان قد يتساهل في الكلام، لكن عند الجزم بها١ يتوقف٢.
وكذلك لو وجد شيئًا مكتوبًا بخطه: لا يرويه عنه.
لكن يجوز أن يقول: "وجدت بخط فلان".
أما إذا قال العدل: "هذه نسخة من صحيح البخاري"٣ فليس له أن يروي عنه.
_________________
(١) ١ أي بالشهادة. ٢ قوله: "والإنسان قد يتساهل إلخ" جواب عن سؤال مقدر، وهو أن يقال: لو علم أن في روايته خللًا، لما قال له: خذ هذا الكتاب، أو هو سماعي؛ لأنه تغرير للسامع بالرواية عنه، فيكون غشًّا في الدين. والجواب: أن الإنسان قد يتساهل في الكلام، وعند العمل والجزم والتحقيق يتوقف، وحينئذ لا يمتنع أن يقول له: خذ هذا الكتاب ليستفيد به نظرًا، أو هو سماع، ترغيبًا له في الرواية عنه لغيره، أو لذلك الكتاب بعينه، بشرط أن يتحقق حال روايته له فيما بعد. "شرح مختصر الروضة جـ٢ ص٢١١". ٣ البخاري: هو محمد بن إسماعيل بن إبراهيم الجعفي البخاري، أبو عبد الله الإمام الحافظ، أمير المؤمنين في الحديث، وصاحب أصح كتاب بعد القرآن الكريم، جمع فيه سبعة آلاف ومائتين وخمسة وسبعين حديثًا، وقيل غير ذلك. ولد ببخارى سنة ١٩٤هـ وتوفي سنة ٢٥٦هـ بقرية تسمى "خرتنك" على بعد ثلاثة فراسخ من سمرقند. انظر في ترجمته: "تذكرة الحفاظ ٢/ ١٢٢، تهذيب التهذيب ٩/ ٤٧".
[ ١ / ٣٥٢ ]
وهل يلزم العمل به؟
فقيل: إن كان مقلدًا: فليس له العمل به؛ لأن فرضه تقليد المجتهد١.
وإن كان مجتهدًا: لزمه٢؛ لأن أصحاب رسول الله -ﷺ- كانوا يحملون صحف الصدقات إلى البلاد، وكان الناس يعتمدون عليها بشهادة حاملها بصحتها، دون أن يسمعها كل واحد منه، فإن ذلك يفيد سكون النفس وغلبة الظن.
وقيل: لا يجوز العمل بما لم يسمعه٣. والله أعلم.
فصل: إذا وجد سماعه بخط يوثق به، جاز له أن يرويه وإن لم يذكر سماعه، إذا غلب على ظنه أنه سمعه. وبه قال الشافعي.
وقال أبو حنيفة: لا يجوز، قياسًا على الشهادة.
ولنا: ما ذكرنا من اعتماد الصحابة على كتب النبي -ﷺ-.
_________________
(١) ١ لقصوره عن معرفة الحكم مع تعارض الأدلة. ٢ أي: لزمه العمل به، لأن المحذور، في العمل بالحديث، إما من جهة ضعفه، أو من جهة الخطأ في دلالته، وكلاهما منتف ههنا. أما الضعف: فقد انتفى بقول العدل العارف: هذه نسخة صحيحة. وأما الخطأ في الدلالة فمنتف لأن المجتهد عارف بتنزيل الأدلة منازلها، وكيفية التصرف فيها، ولأن الصحابة كانوا يحملون صحف الصدقات وغيرها إلى البلاد، كما، قال المصنف. انظر: "شرح مختصر الروضة جـ٢ ص٢١٢". ٣ لعدم سماعه له.
[ ١ / ٣٥٣ ]
ولأن مبنى الرواية على حسن الظن وغلبته، بناء على دليل، وقد وجد ذلك.
والشهادة لا نسلمها على إحدى الروايتين.
وعلى الأخرى: الشهادة آكد؛ لما علم بينهما من الفروق. والله أعلم١.
_________________
(١) ١ خلاصة هذا الفصل: أنه إذا وجد سماعه بخط يغلب على الظن به أنه سمعه، مع أنه ناس للسماع، فهل له أن يرويه اعتمادًا على الخط، وهو ما اختاره المؤلف، وعزاه للشافعي، وعلل ذلك: بأن مبنى الرواية على حسن الظن وغلبته بناء على دليل، وقد وجد ذلك في هذه المسألة؛ لأن الثقة بالخط المذكور يغلب على الظن بها صحة السماع المذكور، وهذه هي الرواية الأولى عن الإمام أحمد. والرواية الثانية: لا يجوز له أن يروي ذلك اعتمادًا على الخط بسبب نسيانه للسماع، وهو مروي عن أبي حنيفة قياسًا للرواية على الشهادة. واعترض المصنف على قياس الرواية على الشهادة من جهتين: الأولى: أن الشهادة تصح اعتمادًا على الخط الموثوق به، وإن لم يتذكرها على إحدى الروايتين عن الإمام أحمد. الثانية: أن الشهادة أضيق من الرواية، فهي آكد من الرواية، وأغلظ، فإذا وجد خطه ولم يذكر، لم يشهد به. انظر: مذكرة أصول الفقه للشيخ الشنقيطي ص١٣١، التمهيد لأبي الخطاب "٣/ ٩٧٤".
[ ١ / ٣٥٤ ]