التكليف في اللغة: إلزام ما فيه كلفة. أي: مشقة١.
قالت الخنساء٢ في صخر٣:
يكلفه القوم ما نابهم٤ وإن كان أصغرهم مولدًا٥
_________________
(١) = باب: طلاق المكره ٧/ ٣٥٧، والحاكم في المستدرك، كتاب الطلاق ٢/ ١٩٨.
(٢) ومنه: من ارتكب شيئًا ثبت تحريمه، ولكنه يجهل التحريم لعذر، كمن يتزوج امرأة محرمة عليه وهو لا يعلم، كأن تكون أخته من الرضاعة، وهو لا يعلم بذلك، فإذا تبين الإنسان ذلك بعد الزواج فرّق بينهما دون مؤاخذة، فلا حد عليهما. ١ جاء في القاموس المحيط "٣/ ١٩٨": "والتكليف: الأمر بما يشق، وتكلفه: تجشمه". ٢ هي: تماضر بنت عمرو بن الحارث بن الشريد، من بني سليم، من أهل نجد، أشهر شواعر العرب، وأشهرهن على الإطلاق، عاشت في الجاهلية، وأدركت الإسلام فأسلمت، ووفدت على رسول الله -ﷺ- مع قومها، فكان رسول الله -ﷺ- يستنشدها ويعجبه شعرها، توفيت سنة ٢٤هـ. "الشعر والشعراء لابن قتيبة ص٢١٣، أسد الغابة ٧/ ٨٨". ٣ هو: صخر بن عمرو بن الحارث، قتل يوم كلاب، وقيل: يوم ذي الأثل، طعنه ربيعة بن ثعلبة الأسدي، وكان من فرسان العرب وشجعانهم. فلما قتل رثته أخته "الخنساء" بقصيدة طويلة مطلعها: أعيني جودا ولا تجمدا ألا تبكيان لصخر الندا ٤ في ديوان الخنساء ص٣١ "ما عالهم". ٥ انظر: ديوان الخنساء ٣١ ط. الأندلس.
[ ١ / ١٥٣ ]
وهو في الشريعة: الخطاب بأمر أو نهي١.
وله شروط بعضها يرجع إلى المكلف، وبعضها يرجع إلى نفس المكلف به.
أما ما يرجع إلى المكلف: فهو أن يكون عاقلا يفهم الخطاب٢.
فأما الصبي والمجنون: فغير مكلفين؛ لأن مقتضى التكليف: الطاعة والامتثال: ولا تمكن إلا بقصد الامتثال، وشرط القصد: العلم بالمقصود، والفهم للتكليف إذ من لا يفهم كيف يقال له افهم؟ "ومن لا يسمع الصوت كالجماد كيف يكلم؟ وإن سمع ولم يفهم كالبهيمة، فهو كمن لا يسمع"٣.
ومن يفهم فهما ما "لكنه لا يفهم ولا يثبت كالمجنون وغير المميز"٤ فخطابه ممكن، لكن اقتضاء الامتثال منه -مع أنه لا يصح منه قصد صحيح- غير ممكن. ووجوب الزكاة٥ والغرامات في مال الصبي
_________________
(١) ١ اعترض على هذا التعريف بأنه لا يشمل المباح، فليس فيه أمر ولا نهي. وأجيب: بأنه ألحق بالأحكام التكليفية من قبيل التغليب، فأطلق عليه اسم التكليف تجوزًا، وقيل: إن المباح يجب اعتقاد إباحته، فهو داخل تحت الحكم التكليفي. ٢ المصنف جمع بين العقل وفهم الخطاب، لأن الإنسان قد يكون عاقلًا ولا يفهم الخطاب كالصبي الناسي والسكران والمغمى عليه، فإنهم في حكم العقلاء من بعض الوجوه وهم لا يفهون. ٣ ما بين القوسين من المستصفى ص"١٠١" طبعة الجندي وهي في الأصل: "ومن لا يسمع لا يقال له: تكلم، وإن سمع ولم يفهم كالبهيمة فهو كمن لا يسمع". ٤ ما بين القوسين من المستصفى ص"١٠١" وهي في الأصل: "ومن لا يفهم فهمًا ما كغير المميز" وفيها نقص واضح. ٥ هذا دفع لاعتراض قد يرد مفاده: إذا كان الصبي والمجنون غير مكلفين فكيف =
[ ١ / ١٥٤ ]
والمجنون ليس تكليفًا لهما، إذ يستحيل التكليف بفعل الغير١.
وإنما معناه: أن الائتلاف وملك النصاب سبب لثبوت هذه الحقوق في ذمتهما، بمعنى أنه سبب لخطاب الولي بالأداء في الحال، وسبب لخطاب الصبي بعد البلوغ، وهذا ممكن، إنما المحال أن يقال لمن لا يفهم: افهم.
وإنما أهلية ثبوت الأحكام في الذمة بالإنسانية التي بها يستعد لقبول قوة العقل الذي به يفهم التكليف في ثاني الحال. والبهيمة ليس لها أهلية فهم الخطاب، لا بالقوة ولا بالفعل، فلم يتهيأ ثبوت الحكم في ذمتها.
والشرط لا بد أن يكون حاصلا أو ممكن الحصول على القرب فنقول: هو موجود بالقوة.
كما أن شرط الملكية: الإنسانية، وشرط الإنسانية الحياة، والنطفة يثبت لها الملك مع عدم الحياة التي هي شرط الإنسانية؛ لوجودها بالقوة.
فكذا الصبي مصيره إلى العقل، فصلح لثبوت الحكم في ذمته ولم يصلح للتكليف في الحال.
فأما الصبي المميز: فتكليفه ممكن؛ لأنه يفهم ذلك، إلا أن الشرع حط التكليف عنه تخفيفا "لأن العقل خفي، وإنما يظهر فيه على التدريج"٢ إذ لا يمكن الوقوف بغتة على الحد الذي يفهم به خطاب
_________________
(١) = نوجب عليهما دفع الزكاة، وضمان المتلفات. فأجاب المصنف: بأن ذلك من قبيل خطاب الوضع، لوجود سببه، وليس من قبيل خطاب التكليف، والحكم الوضعي يتعلق بالمكلف وغيره. ١ لفظ "الغير" من المستصفى ص"١٠١". ٢ ما بين القوسين من المستصفى ص"١٠٢" وهي في الأصل: "ليظهر خفي التدريج" وفيها تحريف ظاهر.
[ ١ / ١٥٥ ]
الشارع، ويعلم الرسول والمرسِل، فنصب له علامة ظاهرة.
وقد روي أنه مكلف١.
_________________
(١) ١ وهناك رواية ثالثة -عن الإمام أحمد- أنه مكلف بالصلاة إذا بلغ عشرًا لكونه يعاقب على تركها، كما في الحديث: " واضربوهم عليها لعشر" والواجب: ما عوقب على تركه. قال المصنف في الكافي "١/ ٩٤": "والمذهب الأول" أي لا تجب على الصبي حتي يبلغ؛ للحديث ولأن الطفل لا يعقل.
[ ١ / ١٥٦ ]