والتنبيه ينسخ، وينسخ به١.
_________________
(١) = فإذا قسنا الذرة على البر والشعير، في تحريم التفاصل، بجامع الكيل، بناء على أنه العلة فيهما، ثم قال الشارع: أبحت التفاضل في السمسم، لم يجز لنا أن نجعل الإباحة في السمسم ناسخة للتحريم في الذرة ولا التحريم في الذرة ناسخًا للإباحة في السمسم؛ لأن النسخ لا بد فيه من تضاد الناسخ والمنسوخ، ونحن لا نعلم أن إباحة التفاضل في السمسم، وتحريمها في الذرة متضادان، لجواز عدم اختلاف العلة فيهما، أو كون الحكم في أحدهما، أو في البر والشعير غير معلل، فينتفي التضاد، فينتفي النسخ" ثم بين بطلان قياس النسخ على التخصيص فقال: "إن النسخ إبطال للحكم؛ لأنه رفع له، والتخصيص تقرير وبيان له، لأنه عبارة عن بيان المراد من اللفظ، فإذا بان المراد منه، واستقر الحكم عليه، ورفع الحكم وتقريره متناقضان، فيمتنع استواؤهما، حتى يقال: إن ما جاز التخصيص به، جاز النسخ به، لأن ذلك يصير كقولنا: ما جاز أن يبين الحكم ويقرره، جاز أن يرفعه ويبطله، وهو باطل؛ لأنه ترتيب لحكمين متناقضين على علة واحدة" شرح مختصر الروضة "٢/ ٣٣٣-٣٣٥". ١ المقصود بالتنبيه هنا: مفهوم الموافقة؛ لأن اللفظ إما أن يدل على الحكم بمنطوقه، وإما أن يدل عليه بمفهومه، وتسمى دلالة المفهوم. والمفهوم: إما أن يكون حكمه موافقًا لحكم المنطوق، ويسمى بمفهوم الموافقة، أو فحوى الخطاب، أو تنبيه الخطاب. وأن كان حكمه مخالفًا لحكم المنطوق، سمي بمفهوم المخالفة، أو دليل الخطاب، أو لحن الخطاب. وقد اتفق الأصوليون على جواز نسخ حكم المنطوق والمفهوم الموافق دفعة واحدة، لما بينهما من التلازم. لكن اختلفوا في نسخ أحدهما مع بقاء الآخر على أربعة أقوال: =
[ ١ / ٢٦٨ ]
لأنه يفهم من اللفظ، فهو كالمنطوق وأوضح منه.
ومنع منه بعض الشافعية وقالوا: هو قياس جلي.
وليس بصحيح؛ وإنما هو مفهوم الخطاب.
ولأنه يجري مجرى النطق في الدلالة، فلا يضر تسميته قياسًا.
وإذا نسخ الحكم في المنطوق: بطل الحكم في المفهوم، وفيما يثبت بعلته أو بدليل خطابه.
وأنكر ذلك بعض الحنفية؛ لأنه نسخ بالقياس١.
_________________
(١) = الأول: لا يجوز نسخ أحدهما بدون نسخ الآخر، فلا ينسخ المنطوق ويبقى المفهوم، ولا ينسخ المفهوم، ويبقى المنطوق، بل نسخ أحدهما يستلزم نسخ الآخر. القول الثاني: أنه يجوز نسخ أحدهما مع بقاء الآخر. القول الثالث: أن نسخ المفهوم يستلزم نسخ المنطوق، وأما نسخ المنطوق فلا يستلزم نسخ المفهوم، وهو مختار ابن الحاجب. القول الرابع: إن جعل مفهوم الموافقة من باب القياس الجلي، كان نسخ أصله نسخًا له، وإن جعل من باب الدلالة اللفظية، فلا يلزم من نسخ أحدهما نسخ الآخر، بل يجوز نسخ المنطوق وبقاء المفهوم، كما يجوز نسخ المفهوم وبقاء المنطوق. وهو مختار الآمدي. انظر: مختصر ابن الحاجب ص١١٩، الإحكام للآمدي "٣/ ١٥٢" تيسير التحرير "٣/ ٢١٥". وقول المصنف: "ومنع منه بعض الشافعية الخ": هو مبني على الخلاف في التنبيه، أو مفهوم الموافقة، هل هو قياس جلي، كما يقول الشافعية، أو دلالته لفظية. ١ المصنف يرجح أن نسخ الحكم الثابت بالمنطوق نسخ للمفهوم، ثم نقل عن =
[ ١ / ٢٦٩ ]
وليس بصحيح؛ لأن هذه فروع تابعة لأصل، فإذا سقط حكم الأصل: سقط حكم الفرع.
_________________
(١) = بعض الحنفية أنهم خالفوا في ذلك، وقالوا: يختص النسخ بالمنطوق وحده، وما خرج عن محل النطق فهو حكم مستقل لا يلزم من نسخه نسخه. ورد عليهم المصنف: بأنه إذا سقط حكم الأصل، سقط حكم الفرع، لأنه تابع له. قال الطوفي. "معنى هذا الكلام: أن المنطوق -وهو مدلول اللفظ بالمطابقة أو التضمن- إذا نسخ، بطل حكم ما تفرع عليه من مفهومه، ومعلوله، ودليل خطابه، لأنها توابع له، وإذا بطل المتبوع، بطل التابع، وإذا انتفى الأصل، انتفى فرعه" شرح المختصر "٢/ ٣٣٧".
[ ١ / ٢٧٠ ]