يجوز نسخ القرآن بالقرآن.
والسنة المتواترة بمثلها.
والآحاد بالآحاد٢.
والسنة بالقرآن، كما نسخ التوجه إلى بيت المقدس٣ وتحريم
_________________
(١) ١ هذا جواب عن دليل ابن الخطاب. ٢ خلاصة ذلك: أن نسخ القرآن بالقرآن، والسنة المتواترة بالسنة المتواترة، والآحاد بالآحاد، هذه الوجوه الثلاثة لا خلاف في وقوعها؛ لوجود التماثل بينها، فجاز أن يرفع بعضه ببعض. أما نسخ السنة بالقرآن: فالجمهور من العلماء على جوازه، خلافًا للإمام الشافعي فعنه في المسألة روايتان. قال الآمدي في الإحكام "٣/ ١٤٦": "هو جائز عقلًا، وواقع سمعًا عند الأكثر من الأشاعرة والمعتزلة والفقهاء، وممتنع في أحد قولي الشافعي". ٣ بيانه: أن التوجه إلى بيت المقدس كان ثابتًا بالسنة، فنسخ ذلك بقوله تعالى: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ﴾ [البقرة: ١٤٤] والوقوع دليل على الجواز وزيادة. والسنة التي يشير إليها المصنف: هي ما جاء في صحيح البخاري "١/ ٨٢" حاشية السندي، ومسلم "١/ ٣٧٤" تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي عن البراء بن عازب -﵁- "أن رسول الله -ﷺ- صلى إلى بيت المقدس ستة عشر شهرًا، أو سبعة عشر شهرًا، وكان يعجبه أن تكون قبلته قبلة البيت، وإنه صلى =
[ ١ / ٢٥٧ ]
المباشرة في ليالي رمضان١، وجواز تأخير الصلاة حالة الخوف بالقرآن، وهو في السنّة١.
فأما نسخ القرآن بالسنة المتواترة:
فقال أحمد -﵀-: لا ينسخ القرآن إلا قرآن يجيء بعده٣ قال القاضي: ظاهره أنه منع منه عقلًا وشرعًا٤.
_________________
(١) = أول صلة صلاها: صلاة العصر، وصلى معه قوم، فخرج رجل ممن كان صلى معه فمر على أهل المسجد وهم راكعون، فقال: أشهد بالله لقد صليت مع النبي -ﷺ- قِبَل مكة، فداروا كما هم قِبَل البيت..". وروي مثله عن ابن عباس -﵄- "تفسير ابن كثير ١/ ١٨٠". ١ روى البخاري عن البراء بن عازب -﵁- قال: لما نزل صوم رمضان كانوا لا يقربون النساء رمضان كله، وكان رجال يخونون أنفسهم، فأنزل الله -تعالى-: ﴿عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ﴾ [البقرة: ١٨٧] انظر: صحيح البخاري بحاشية السندي "١/ ١٠٣" أحكام القرآن للجصاص "١/ ٢٢٦"، فتح القدير للشوكاني "١/ ١٨٧". ٢ فقد صح عنه -صلى الله عليه- أنه قال يوم الخندق، وقد أخر الصلاة: "حشا الله قبورهم نارًا". حديث صحيح أخرجه البخاري "١/ ١٦٨" بحاشية السندي، ومسلم "١/ ٤٣٧". وقد تقدم الكلام على مشروعية صلاة الخوف وعدم تأخير الصلاة أثناء القتال. ٣ وهو المنقول عن الإمام الشافعي في الرسالة ص١٠٦ وما بعدها، كما أنه رأي أكثر الشافعية، وأكثر الظاهرية على ما في الإحكام للآمدي "٣/ ١٥٣" وانظر: شرح مختصر الطوفي "٢/ ٣٢٠". ٤ عبارة أبي يعلى في العدة "٣/ ٧٨٨": "لا يجوز نسخ القرآن بالسنة شرعًا، ولم يوجد ذلك، نص عليه أحمد -﵀- في رواية الفضل بن زياد، وأبي الحارث، وقد سئل: هل تنسخ السنة القرآن، فقال: لا ينسخ القرآن إلا قرآن =
[ ١ / ٢٥٨ ]
وقال أبو الخطاب وبعض الشافعية: يجوز ذلك١؛ لأن الكل من عند الله، ولم يعتبر التجانس.
والعقل لا يحيله؛ فإن الناسخ -في الحقيقة- هو الله -سبحانه- على لسان رسوله -ﷺ- بوحي غير نظم القرآن.
وإن جوزنا له النسخ بالاجتهاد٢، فالإذن في الاجتهاد من الله -تعالى-.
وقد نسخت الوصية للوالدين والأقربين بقوله: "لا وصية لوارث" ٣.
_________________
(١) = يجيء بعده، والسنة تفسر القرآن، وبهذا قال الشافعي". ١ ونص عبارته في التمهيد "٢/ ٣٦٩": "فأما نسخ القرآن بالسنة المتواترة: فقال شيخنا: لا يجوز ذلك شرعًا، ويجوز عقلًا، إلا أن أحمد قال في رواية الفضل بن زياد وأبي الحارث: لا ينسخ القرآن إلا قرآن يجيء بعده، والسنة تفسر القرآن، فظاهره أنه منع من نسخه شرعًا وعقلًا وبه قال الشافعي. وقال أكثر الفقهاء، والحنفية، والمالكية، وعامة المتكلمين: يجوز ذلك وهو الأقوى عندي. وقد قال أحمد في رواية صالح فيما خرجه في الحبس: "بعث الله نبيه وأنزل عليه كتابه، وجعل رسوله الدال على ما أراد من ظاهره وباطنه، وخاصه وعامه، وناسخه ومنسوخه" وهذا يدل على أنه ينسخه بقوله، إلا أن قوله ذلك لا يكون إلا صادرًا عن الوحي، فيعلم به أن الله -تعالى- الناسخ على لسان نبيه". وبذلك يظهر أن النقل عن الإمام أحمد مختلف، وعنه روايتان في المسألة، والذي يرجحه أبو الخطاب الجواز، حيث قال: "وهو الأقوى عندي" واعتبر أن الكل وحي من عند الله تعالى، وإن كان القرآن وحيًا باللفظ والمعنى، والسنة وحيًا بالمعنى دون اللفظ. ٢ الضمير في "له" للنبي -ﷺ- ومعناه: أن ما كان منه -ﷺ- عن اجتهاد فهو من الله -تعالى- لأن الله قد أذن له فيه. ٣ الوصية للوالدين والأقربين كانت واجبة بقوله تعالى في سورة البقرة آية: ١٨٠: =
[ ١ / ٢٥٩ ]
ونسخ إمساك الزانية في البيوت١ بقوله: "قد جعل الله لهن سبيلًا البكر بالبكر مائة وتغريب عام، والثيب بالثيب الجلد والرجم"٢.
ولنا٣: قول الله -تعالى-: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا﴾
_________________
(١) ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ وقد تقدم الكلام عليها وعلى الناسخ لها في فصل وجوه النسخ في القرآن. وأما حديث "لا وصية لوارث" فهو حديث صحيح روي من عدة طرق مشهورة، جاء في بعضها: "إن الله قد أعطى كل ذي حق حقه، فلا وصية لوارث" أخرجه أبو داود في كتاب الوصايا، باب ما جاء في الوصية للوارث عن أبي أمامة الباهلي، والترمذي: كتاب الوصايا، باب ما جاء لا وصية لوارث، كما أخرجه عن عمرو بن خارجة: ثم قال: حديث حسن صحيح. كما أخرجه ابن ماجه من حديث أبي أمامة وعمرو بن خارجة أيضًا، وأخرجه النسائي عن عمرو بن خارجة. وللحديث -كما قلت- طرق أخرى كثيرة، وهو وإن كان حديث آحاد، إلا أن الأمة مجمعة على العمل به كما في الأحكام للآمدي "٣/ ٢١٧". ١ وهو قوله تعالى في سورة النساء الآية ١٥: ﴿وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا﴾ . ٢ الحديث أخرجه مسلم: كتاب الحدود، باب حد الزنا، وأبو داود: كتاب الحدود، باب في الرجم، والترمذي: كتاب الحدود باب في الرجم على الثيب، وابن ماجه: كتاب الحدود، باب حد الزنا، وأحمد في المسند "٣/ ٤٧٦"، والشافعي: كتاب الحدود، باب رجم الزاني المحصن وجلد البكر وتغريبه، من حديث عبادة بن الصامت مرفوعًا وأوله: "خذوا عني، خذوا عني " إلى آخر الحديث. ٣ بدأ المصنف يورد الأدلة على أن السنة لا تنسخ القرآن.
[ ١ / ٢٦٠ ]
أَوْ مِثْلِهَا..﴾ والسنة لا تساوي القرآن، ولا تكون خيرًا منه.
وقد روى الدارقطني٢ في سننه عن جابر٣ أن النبي -ﷺ- قال: "القرآن ينسخ حديثي، وحديثي لا ينسخ القرآن"٤.
ولأنه لا يجوز نسخ تلاوة القرآن وألفاظه بالسنة، فكذلك حكمه٥.
_________________
(١) ١ سورة البقرة من الآية: ١٠٦. ٢ هو: الإمام الحافظ: علي بن عمر بن أحمد بن مهدي أبو الحسن البغدادي، روى عن البغوي وغيره، كما روى عنه الحاكم وأبو حامد الإسفراييني، من مؤلفاته "السنن" و"العلل" ولد سنة ٣٠٦هـ وتوفي سنة ٣٨٥هـ. "تذكرة الحفاظ ٣/ ٥٥٨، شذرات الذهب ٣/ ١١٦". ٣ هو: الصحابي الجليل: جابر بن عبد الله بن عمرو بن حرام بن كعب الأنصاري السلمي، كان من علماء الصحابة، وشهد معظم المشاهد مع رسول الله -ﷺ- توفي سنة ٧٠هـ وقيل: سنة ٧٧هـ. "الإصابة ١/ ٤٣٤". ٤ أخرجه الدارقطني في نوادره "٤/ ١٤٥". قال الذهبي عنه: "إنه موضوع، آفته جبرون بن واقد "أحد رواته" فإنه متهم وليس بثقة، فكيف يكزن خبره نصًّا في المسألة. كما أن فيه محمد بن داود القنطري، وهو متهم أيضًا. انظر: "الميزان للذهبي ١/ ٣٨٨". قال الطوفي: "وأما الحديث فلا تقوم الحجة بمثله ههنا؛ لأنه أصل كبير، ومثله لا يخفى في العادة، لتوفر الدواعي على نقل ما كان كذلك عادة، فلو ثبت لاشتهر، ثم لم يخالفه أحد من العلماء لشهرته ودلالته. سلمنا صحته، لكنه ليس نصًّا في محل النزاع، بل هو ظاهر؛ لأن لفظه عام، ودلالة العام ظاهرة، لا قاطعة، فيحمل على أن خبر الواحد لا ينسخ القرآن، يبقى المتواتر، لا دليل على المنع فيه من ذلك" شرح المختصر "٢/ ٣٢٢-٣٢٣". ٥ خلاصة ذلك: أن المصنف استدل على عدم جواز نسخ القرآن بالسنة بثلاثة أدلة، أحدها: الآية، وثانيها: الحديث، وثالثها: أن السنة لا تنسخ لفظ القرآن، وهو =
[ ١ / ٢٦١ ]
وأما الوصية: فإنها نسخت بآية المواريث، قاله ابن عمر١، وابن عباس٢. وقد أشار النبي -ﷺ- إلى هذا بقوله: "إن الله قد أعطى كل ذي
_________________
(١) = متفق عليه، فكذلك لا تنسخ حكمه؛ لاشتراك لفظ القرآن وحكمه في القوة والتعظيم وصيانته عن أن يرفع بما هو دونه. وأجاب المجوزون عن الآية: بأن المراد: نأت بخير منها في الحكم ومصلحته، والسنة تساوى القرآن في ذلك؛ إذ المصلحة الثابتة بالسنة قد تكون أضعاف المصلحة الثابتة بالقرآن، إما في عظم الأجر، بناء على نسخ الأخف بالأثقل، أو في تخفيف التكليف، بناء على نسخ الأثقل بالأخف. "شرح مختصر الروضة ٢/ ٣٢٢". قال الغزالي في المستصفى "٢/ ١٠٤": "ليس المراد: الإتيان بقرآن آخر خير منها؛ لأن القرآن لا يوصف بكون بعضه خيرًا من البعض بل معناه: أن يأتي بعمل خير من ذلك العمل، لكونه أخف منه، أو لكونه أجزل ثوابًا". وقد تقدم الرد على الاستدلال وما فيه. وأما قولهم: "السنة لا تنسخ لفظ القرآن، فكذلك لا تنسخ حكمه". فجوابه: أن هناك فرقًا بين لفظ القرآن وبين حكمه، إذ إن لفظ القرآن معجز، والسنة ليست معجزة، فلا تقوم مقامه في الإعجاز، فلا تقوى على نسخ لفظه، أما الحكم: فالمراد منه تكليف الخلق به، والسنة تقوم مقامه في ذلك. قال الطوفي -﵀- مبينًا السبب في هذا الخلاف: "تلخيص مأخذ النزاع في المسألة: أن بين القرآن ومتواتر السنة جامعًا وفارقًا: فالجامع بينهما: ما ذكرناه من إفادة العلم، وكونهما من عند الله -تعالى-. والفارق: إعجاز لفظ القرآن، والتعبد بتلاوته، بخلاف السنة، فمن لاحظ الجامع، أجاز النسخ، ومن لاحظ الفارق منعه" شرح المختصر "٢/ ٣٢٣". ١ هو: عبد الله بن عمر بن الخطاب العدوي، صحابي جليل، هاجر إلى المدينة وعمره عشر سنوات، كان من أهل العلم والورع والعبادة، وكان شديد الاتباع لآثار رسول الله -ﷺ- وهو أحد الستة المكثرين من الرواية. توفي بمكة سنة ٧٣هـ على الراجح. انظر: "الإصابة ٢/ ٣٤٧، تذكرة الحفاظ ١/ ٣٧". ٢ تقدمت ترجمته.
[ ١ / ٢٦٢ ]
حق حقه، فلا وصية لوارث" وأما الآية الآخرى: فإن الله -سبحانه- أمر بإمساكهن إلى غاية يجعل لهن سبيلًا، فبين النبي -ﷺ- أن الله جعل لهن السبيل. وليس ذلك بنسخ. والله أعلم.
[ ١ / ٢٦٣ ]