اعلم أن ذلك لا يعرف بدليل العقل، ولا بقياس: بل بمجرد النقل، وذلك من طرق١:
أحدها: أن يكون في اللفظ: كقوله -ﷺ-: "كنت نهيتكم عن زيارة القبور" ٢، "كنت
_________________
(١) ١ معنى ذلك: أن النسخ إما رفع للحكم الشرعي المتأخر، أو بيان مدة انتهائه وكلاهما لا طريق للعقل إلى معرفته، ولو كان للعقل طريق إلى معرفة النسخ بدون النقل، لكان له طريق إلى معرفة ثبوت الأحكام ابتداء بدون النقل، وليس كذلك. وإذا ثبت أن العقل لا مجال له في معرفة الناسخ، فلم يبق إلا النقل، وله طرق كثيرة، سيأتي ذكرها. ٢ هذا جزء من حديث روي عن بريدة -﵁- بلفظ: "كنت نهتيكم عن زيارة القبور، فقد أُذن لمحمد في زيارة قبر أمه، فزوروها، فإنها تذكر الآخرة" أخرجه مسلم: كتاب الجنائز، باب استئذان النبي -ﷺ- ربه ﷿ في زيارة =
[ ١ / ٢٧٠ ]
رخصت لكم في جلود الميتة فلا تنتفعوا بها"١.
الثاني: أن يذكر الراوي تاريخ سماعه فيقول: سمعت عام الفتح، ويكون المنسوخ معلومًا بقدمه.
الثالث: أن تجمع الأمة على أن هذا الحكم منسوخ وأن ناسخه متأخر.
الرابع: أن ينقل الراوي الناسخ والمنسوخ، فيقول: "رخص لنا في المتعة فمكثنا ثلاثًا، ثم نهانا عنها"٢.
_________________
(١) = قبر أمه حديث "٩٧٧" وأبو داود: كتاب الجنائز، باب في زيارة القبور والترمذي: كتاب الجنائز، باب الرخصة في زيارة القبور، وقال: حديث حسن صحيح. كما أخرجه الإمام أحمد في المسند "٥/ ٣٥٠، ٣٥٦، ٣٥٧، ٣٥٩، ٣٦١" بلفظ "نهيتكم عن زيارة القبور فزورها". ١ هذا الحديث روي من عدة طرق: فقد أخرجه أبو داود: كتاب اللباس، باب من روى أن لا ينتفع بإهاب الميتة، والترمذي: كتاب اللباس، باب ما جاء في جلود الميتة إذا دبغت، والنسائي: كتاب الفرع، باب ما يدبغ به جلود الميتة، وابن ماجه: كتاب اللباس، باب من قال: لا ينتفع من الميتة بإهاب ولا عصب، وأحمد في المسند "٤/ ٣١٠". كما أخرجه البيهقي "١/ ٢٥، ٢٦" والطحاوي "١/ ٤٦٨" عن عبد الله بن عكيم قال: حدثني أشياخ جهينة قالوا أتانا كتاب من رسول الله -صلى الله عيله وسلم- أو قرئ إلينا كتاب رسول الله -ﷺ-: "أن لا تنتفعوا من الميتة بشيء". وللحديث -كما قلت- روايات عدة تراجع في: نصب الراية "١/ ١٢٠ وما بعدها" وتلخيص الحبير "١/ ٤٦ وما بعدها". ٢ تقدم تخريج حديث المتعة قريبًا، وهذه الرواية "رخص لنا " أخرجها مسلم حديث "١٤٠٥" من حديث سلمة بن الأكوع، قال: "رخص رسول الله -ﷺ- عام أوطاس في المتعة ثلاثًا، ثم نهى عنها".
[ ١ / ٢٧١ ]
الخامس: أن يكون راوي أحد الخبرين أسلم في آخر حياة النبي -ﷺ- والآخر لم يصحب النبي -ﷺ- إلا في أول الإسلام.
كرواية طلق بن علي الحنفي١، وأبي هريرة٢ في الوضوء من مس الفرج والله تعالى أعلم.
_________________
(١) ١ هو: طلق بن علي بن طلق بن عمرو السحيمي الحنفي اليمامي، صحابي جليل روى عنه ابنه قيس، وعبد الرحمن بن علي بن شيبان. انظر في ترجمته: "الاستعياب ٢/ ٧٧٦". روي عن النبي -ﷺ- أنه قال: " هل هو إلا بضعة منك". أخرجه عنه أبو داود: كتاب الطهارة، باب الرخصة في ذلك، أي: في ترك الوضوء من مس الذكر. كما أخرجه الترمذي: كتاب الطهارة، باب ما جاء في ترك الوضوء من مس الذكر وقال فيه: "هذا الحديث أحسن شيء روي في هذا الباب"، والنسائي كتاب الطهارة، باب ترك الوضوء من ذلك. كذلك أخرجه ابن ماجه، والبيهقي، وأحمد في المسند، والدارقطني وغيرهم. وقد ضعف الحديث الإمام الشافعي، والبيهقي، وأبو حاتم، والدارقطني، وابن الجوزي. انظر: تلخيص الحبير "١/ ١٢٥" والفتح الرباني "٢/ ٨٨ وما بعدها". ٢ هو: عبد الرحمن بن صخر الدوسي، صاحب رسول الله -ﷺ- قدم المدينة سنة سبع وأسلم، وشهد خيبر، وكني بأبي هريرة، لأنه وجد هرة فحملها في كمه، ولزم رسول الله -ﷺ- رغبة في العلم وطلب الحديث، حتى دعا له -ﷺ- بالحفظ، روى عنه أكثر من ثمانمائة رجل، توفي بالمدينة سنة ٥٧هـ. انظر: الاستيعاب "٤/ ٢٠٢"، الإصابة "٤/ ٢٠٢". وقد روى أبو هريرة -﵁- عن رسول الله -ﷺ- أنه قال: "ومن أفضى بيده إلى ذكره، ليس دونه ستر، فقد وجب عليه الوضوء". =
[ ١ / ٢٧٢ ]