ولا يجوز على أهل التواتر كتمان ما يحتاج إلى نقله ومعرفته، وأنكر ذلك الإمامية١.
_________________
(١) ١ الإمامية فرقة من الشيعة، تقول: "إن الإمامة لعلي -﵁- ولأولاده من =
[ ١ / ٣٠٠ ]
وليس بصحيح؛ لأن كتمان ذلك يجري -في القبح- مجرى الإخبار عنه بخلاف ما هو به، فلم يجز وقوع ذلك منهم وتواطؤهم عليه.
فإن قيل: قد ترك النصارى نقل كلام عيسى في المهد١؟
_________________
(١) = بعده، فهي منصب إلهي، والتصديق به ركن من أركان الإيمان عندهم. وادعوا أن هناك نصوصًا تدل على إمامة علي كتمها الصحابة -﵃- مع كثرتهم، ووقوع ذلك منهم يدل على جواز كتمان الخبر المتواتر، واستندوا في ذلك إلى أحاديث بعضها صحيح، مثل قوله -ﷺ- في شأن "علي" -﵁-: "أنت مني بمنزلة هارون من موسى، إلا أنه لا نبي بعدي" وهو حديث صحيح: أخرجه البخاري حديث رقم "٣٧٠٦" و"٤٤١٦" عن سعد بن أبي وقاص، ومسلم: حديث رقم "٢٤٠٤" والترمذي حديث رقم "٣٧٣١" وأحمد في المسند"١/ ١٧٣" والحديث وإن كان صحيحًا إلا أنه ليس صريحًا. وأجاب المصنف على ذلك بقوله: وليس بصحيح؛ فإن كتمان ما يحتاج إلى النقل، يجري مجرى الكذب، والكذب محال في حق الصحابة -﵃- حيث أثنى عليهم الخالق -جل وعلا- في العديد من الآيات، كما أثنى عليهم الرسول -ﷺ- فتواطؤهم على الكذب محال، وكذلك تواطؤهم على الكتمان. قال الشيخ: "ابن بدران": "وللجمهور أن يعارضوا الإمامية بالمثل، بأن يقولوا: إن رسول الله -ﷺ- نص على إمامة أبي بكر نصًّا جليًّا متواترًا.." "نزهة الخاطر جـ١ ص٢٥٩". ومن هذه النصوص: قوله -ﷺ-: "اقتدوا باللذين من بعدي: أبي بكر وعمر" وهو حديث صحيح وصريح، أخرجه أحمد في المسند "٥/ ٣٨٢، ٣٨٥، ٣٩٩، ٤٠٢" كما أخرجه الترمذي حديث "٣٦٦٣"، وابن ماجه حديث "٧٩" وابن عبد البر في جامع بيان العلم وفضله "٢/ ٢٢٣" وصححه ابن حبان "٢١٩٣" والحاكم "٣/ ٧٥". ١ هذه شبهة: أوردها الإمامية دعمًا لرأيهم -في جواز كتمان الخبر المتواتر-، خلاصتها: أن النصارى تركوا كلام عيسى -﵇- في المهد، مع أنه =
[ ١ / ٣٠١ ]
قلنا: لأن كلامه في المهد كان قبل ظهوره واتباعهم له.
القسم الثاني، أخبار الآحاد
وهي: ما عدا المتواتر١
اختلفت الرواية عن إمامنا -﵀- في حصول العلم بخبر الواحد:
_________________
(١) = مما يحتاج إلى نقله، وتتوفر الدواعي عليه، فهذه صورة من صور الدعوى قد وقعت، وهي تدل على الجواز. وأجاب المصنف على هذه الشبهة: بأن ذلك كان قبل نبوته، والدواعي تتوفر على نقل أعلام النبوة. قال الطوفي: "وهذا ضعيف؛ لأن كلامه في المهد كان من خوارق العادات قبل نبوته، والدواعي تتوفر على نقل مثله عادة، وإن لم يكن الناقلون أتباعا للمنقول عنه". ثم ذكر وجوهًا أخرى للرد عليهم فقال: الوجه الثاني: أنه قد نقل أن حاضري كلام المسيح في المهد لم يكونوا كثيرين، بحيث يحصل العلم بخبرهم، بل إنما كانوا زكريا وأهل مريم ومن يختص بهم، فلذلك لم ينقل متواترًا، ولا يلزم من عدم تواتره عدم نقله مطلقًا، لجواز أنهم نقلوه ولم يتواتر. الوجه الثالث: أنَّا لا نسلم أنهم لم ينقلوه، بل نقلوه وهو متواتر عندهم في "إنجيل الصَّبْوَة" يعني: الذي ذكر فيه أحوال عيسى -﵇- في صبوته، منذ ولد إلى أن رفع، وإنما لم يتوافر نقلهم لذلك عندنا لعدم مشاركتنا لهم في سببه، أو لاستغنائنا عنه بتواتر القرآن". "شرح المختصر جـ٢ ص١٠١، ١٠٢". ١ قوله: وهي ما عدا المتواتر، أي: أن خبر الواحد ما فقدت فيه شروط المتواتر أو بعض منها، بأن كان إخبارًا عن غير محسوس، أو رواية ممن يجوز الكذب عليه عادة، أو جماعة لا يمتنع تواطؤهم على الكذب عادة، أو كانوا ممن يستحيل =
[ ١ / ٣٠٢ ]
فروى: أنه لا يحصل به. وهو قول الأكثرين والمتأخرين من أصحابنا؛ لأنَّا نعلم -ضرورة- أنا لا نصدق كل خبر نسمعه.
ولو كان مفيدًا للعلم: لما صح ورود خبرين متعارضين؛ لاستحالة اجتماع الضدين.
ولجاز نسخ القرآن والأخبار المتواترة به، لكونه بمنزلتهما في إفادة العلم، ولوجب الحكم بالشاهد الواحد، ولاستوى في ذلك العدل والفاسق كما في المتواتر١.
وروي عن أحمد أنه قال: -في أخبار الرؤية- يقطع على العلم بها.
وهذا يحتمل أن يكون في أخبار الرؤية وما أشبهها، مما كثرت
_________________
(١) = منهم الكذب عادة، لكن في بعض طبقاته دون البعض. ١ نقل المصنف عن الإمام أحمد -﵁- روايتين فيما يفيده خبر الآحاد: الرواية الأولى: أنه لا يفيد العلم، واستدل على هذا الرأي بخمسة أوجه: الوجه الأول: أنه لو أفاد العلم لصدقنا كل خبر نسمعه، لكنا لا نصدق كل خبر نسمعه، فدل ذلك على أنه لا يفيد العلم. الوجه الثاني: لو أفاد خبر الواحد العلم لما تعارض خبران، لأن العلمين لا يتعارضان، لكن التعارض موجود كثيرًا في أخبار الآحاد، فدل ذلك على أنه لا يفيد العلم. الوجه الثالث: أنه لو أفاد العلم لجاز نسخ القرآن والسنة المتواترة به، لكنه لا يجوز نسخ القرآن والسنة المتواترة بالآحاد، فدل على أنه لا يفيد العلم. الوجه الرابع: أنه لو أفاد العلم لجاز الحكم بشاهد واحد، ولم يحتج إلى شاهد آخر ولا إلى اليمين عند عدمه، ولو كان مفيدًا للعلم لما احتاج لذلك. الوجه الخامس: أنه لو أفاد العلم لاستوى خبر العدل والفاسق، كما في المتواتر، لكن الفاسد والعدل لا يستويان في خبر الواحد -بالإجماع- فدل ذلك على أنه لا يفيد العلم.
[ ١ / ٣٠٣ ]
رواته، وتلقته الآمة بالقبول، ودلت القرائن على صدق ناقله، فيكون إذًا من المتواتر؛ إذ ليس للمتواتر عدد محصور.
ويحتمل أن يكون خبر الواحد عنده مفيدًا للعلم.
وهو قول جماعة من أصحاب الحديث وأهل الظاهر.
قال بعض العلماء: إنما يقول أحمد بحصول العلم بخبر الواحد فيما نقله الأئمة الذين حصل الاتفاق على عدالتهم وثقتهم وإتقانهم، ونقل من طرق متساوية، وتلقته الأمة بالقبول، ولم ينكره منهم منكر؛ فإن الصديق والفاروق -﵄- لو رويا شيئا سمعاه أو رأياه، لم يتطرق إلى سامعهما شك ولا ريب، مع ما تقرر في نفسه لهما، وثبت عنده من ثقتهما وأمانتهما.
ولذلك: اتفق السلف في نقل أخبار الصفات، وليس فيها عمل، وإنما فائدتها: وجوب تصديقها، واعتقاد ما فيها.
لأن اتفاق الأمة على قبولها إجماع منهم على صحتها، والإجماع حجة قاطعة١.
_________________
(١) ١ هذه هي الرواية الثانية المنقولة عن الإمام إحمد. وللعلماء في تخريجها عدة احتمالات: الاحتمال الأول: أنها خاصة بأحاديث الرؤية وما أشبهها من الأمور العقدية. الاحتمال الثاني: أن ذلك خاص بما وجدت معه قرائنه تقويه. الاحتمال الثالث: أن هذا هو رأي الإمام أحمد في خبر الآحاد عمومًا، وهو رأي المحدثين وأهل الظاهر. وهناك احتمال رابع -حكاه المصنف- عن بعض أهل العلم: أن ذلك خاص بما نقله الأئمة المتفق على عدالتهم وثقتهم وتلقي الأمة لما نقل عنهم بالقبول والرضا، مثل ما نقل عن الشيخين أبي بكر وعمر -﵄-. وقد لخص محمد الأمين الشنقيطي آراء العلماء في هذه المسألة فقال: =
[ ١ / ٣٠٤ ]
_________________
(١) "حاصل كلام أهل الأصول في هذه المسألة: أن فيها للعلماء ثلاثة مذاهب: الأول: وهو مذهب جماهير الأصوليين: أن أخبار الآحاد إنما تفيد الظن فقط، ولا تفيد اليقين. المذهب الثاني: أنه يفيد اليقين إن كان الرواة عدولًا ضابطين. وهو رواية عن الإمام أحمد، وحكاه الباجي عن ابن خويز منداد من المالكية، وهو مذهب الظاهرية. المذهب الثالث: هو التفصيل: بأنه إذا احتفت به قرائن دالة على صدقه أفاد اليقين، وإلا أفاد الظن. ومن أمثلة ذلك: أحاديث الشيخين -البخاري ومسلم- لأن القرائن دالة على صدقهما، لجلالتهما في هذا الشأن وتقديمهما في تمييز الصحيح على غيرهما، وتلقي العلماء لكتابيهما بالقبول، وهذا التلقي وحده أقوى في إفادة العلم من مجرد كثرة الطرق، كما قاله غير واحد. واختار هذا القول: ابن الحاجب، وإمام الحرمين، والآمدي، والبيضاوي، وممن اختار هذا القول: أبو العباس ابن تيمية -رحمه الله تعالى-. وحمل بعضهم الرواية عن أحمد: على ما قامت القرائن على صدقه خاصة دون غيره. ا. هـ ملخصًا من مذكرة الشيخ الشنقيطي ص١٠٣. [خبر الآحاد في العقيدة] ثم تطرق -رحمه الله تعالى- إلى قضية أخرى مهمة، وهي: أن أخبار الآحاد متى صحت، يجب قبولها في الأصول، كما يجب في الفروع، فقال: "اعلم أن التحقيق الذي لا يجوز العدول عنه: أن أخبار الآحاد الصحيحة كما تقبل في الفروع، تقبل في الأصول، فما ثبت عن النبي -ﷺ- بأسانيد صحيحة من صفات الله يجب إثباته واعتقاده على الوجه اللائق بكمال الله وجلاله على نحو: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ . وبهذا تعلم أن ما أطبق عليه أهل الكلام ومن تبعهم من أن أخبار الآحاد لا تقبل في العقائد ولا ثبت بها شيء من صفات الله زاعمين أن أخبار الآحاد لا تفيد اليقين وأن العقائد لا بد فيها من اليقين باطل لا يعول عليه. ويكفي من ظهور بطلانه أنه يستلزم رد الروايات الصحيحة الثابتة عن النبي -ﷺ- بمجرد تحكيم العقل.
[ ١ / ٣٠٥ ]
_________________
(١) والعقول تتضاءل أمام عظمة صفات الله، وقد جرت عادة المتكلمين أنهم يزعمون أن ما يسمونه الدليل العقلي وهو القياس المنطقي الذي يركبونه من مقدمات اصطلحوا عليها أنه مقدم على الوحي. وهذا من أعظم الباطل لأن ما يسمونه الدليل العقلي ويزعمون أن إنتاجه للمطلوب قطعي، هو جهل وتخبط في الظلمات. ومن أوضح الأدلة، وأصرحها في ذلك أن هذه الطائفة تقول مثلًا: إن العقل يمنع كذا من الصفات ويوجب كذا منها، وينفون نصوص الوحي بناء على ذلك فيأتي خصومهم من طائفة أخرى ويقولون: هذا الذي زعمتم أن العقل يمنعه كذبتم فيه بل العقل يوجبه. وما ذكرتم بأنه يجيزه كذبتم فيه بل هو يمنعه وهذا معروف في الكلام في مسائل كثيرة معروفة، كاختلافهم في أفعال العبد وجواز رؤية الله بالأبصار، وهل العرض يبقى زمانين إلى غير ذلك. فيجب على المسلم أن يتقبل كل شيء عن النبي -ﷺ- بسند صحيح، ويعلم أنه إن لم يحصل له الهدي والنجاة باتباع ما ثبت عنه -ﷺ- فإنه لا يحصل له ذلك بتحكيم عقله التائه في ظلمات الحيرة والجهل. وعلى كل حال فإثبات صفات الله بأخبار الآحاد الصحيحة واعتقاد تلك الصفات كالعمل بما دلت عليه من أوامر الله ونواهيه، كما أنها تثبت بها أوامره ونواهيه وكذلك تثبت بها صفاته. "المصدر السابق ص١٠٤، ١٠٥". والذي قاله الشيخ الشنقيطي هو ما نقل عن المحققين من العلماء، منهم الأئمة: مالك بن أنس، والشافعي، وأحمد بن حنبل، وأبو الحسين الكرابيسي، وابن خويز منداد، وابن كج، وابن حزم، وابن قيم الجوزية، وبدر الدين الزركشي، والشيخ محمد ناصر الدين الألباني، فقد ألف رسالة في ذلك بعنوان: "وجوب الأخذ بحديث الآحاد في العقيدة والرد على شبه المخالفين". وهو ما توصلت إليه في بحث بعنوان: "حجية خبر الآحاد في العقيدة". تحت الطبع. ومن الأدلة التي استندت إليها في هذا البحث:
[ ١ / ٣٠٦ ]
_________________
(١) = الدليل الأول: حديث ابن عباس -﵄- أن رسول الله -ﷺ- لما بعث معاذًا -﵁- على اليمن قال: "إنك تقدم على قوم أهل كتاب، فليكن أول ما تدعوهم إليه عبادة الله، فإن عرفوا الله فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم خمس صلوات في يومهم وليلتهم، فإذا فعلوا فأخبرهم أن الله فرض عليهم زكاة من أموالهم وترد على فقرائهم، فإذا أطاعوا بها فخذ منهم واتق كرائم أموال الناس". أخرجه البخاري: ٢٤- كتاب الزكاة: ٤١، باب وجوب الزكاة ٣/ ٢٦١، وباب لا تؤخذ كرائم أموال الناس في الصدقة: ٣/ ٣٢٢، وباب أخذ الصدقة من الأغنياء وترد في الفقراء حيث كانوا: ٣/ ٣٥٧، وفي المظالم، باب الاتقاء والحذر من دعوة المظلوم: ٥/ ١٠١، وفي المغازي، باب بعث أبي موسى ومعاذ إلى اليمن ٨/ ٦٤، وفي التوحيد، باب ما جاء في دعاء النبي -ﷺ- أمته إلى توحيد الله ﵎: ١٣/ ٣٤٧، ومسلم في الإيمان ١/ ٥٠. فقد أمره رسول الله -ﷺ- أن يبلغهم قبل كل شيء عقيدة التوحيد، وأن يعرفهم بالله ﷿، وما يجب له وما ينزه عنه، فإذا عرفوه تعالى بلغهم ما فرض الله عليهم، وذلك ما فعله معاذ يقينًا، فهو دليل على أن العقيدة تثبت بخبر الواحد، وتقوم به الحجة على الناس، ولولا ذلك لما اكتفى رسول الله -ﷺ- بإرسار معاذ وحده. ومن لم يسلم بما ذكرنا لزمه أحد أمرين لا ثالث لهما:
(٢) القول بأن رسله ﵈ ما كانوا يعلمون الناس العقائد، لأن النبي -ﷺ- لم يأمرهم بذلك، وإنما أمرهم بتبليغ الأحكام فقط، وهذا باطل لمخالفته لحديث معاذ المتقدم.
(٣) أنهم كانوا مأمورين بتبليغها، وأنهم فعلوا ذلك، فبلغوا الناس كل العقائد الإسلامية ومنها هذا القول المزعوم: "لا تثبت العقيدة بخبر الآحاد" فإنه في نفسه عقيدة كما سبق، وعليه فقد كان هؤلاء الرسل رضوان الله عليهم يقولون للناس: آمنوا بما نبلغكم إياه من العقائد، ولكن لا يجب عليكم أن تؤمنوا بها لأنها خبر آحاد، وهذا باطل أيضًا كالذي قبله، وما لزم منه باطل فهو باطل، =
[ ١ / ٣٠٧ ]
_________________
(١) فثبت بطلان هذا القول، وثبت وجوب الأخذ بخبر الآحاد في العقائد. وجوب الأخذ بحديث الآحاد في العقيدة للشيخ الألباني ص١١، ١٢. الدليل الثاني: قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾ [المائدة: ٦٧] وقال تعالى: ﴿مَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلاغُ﴾ [المائدة: ٩٩]، وقال -ﷺ-: "بلغوا عني" متفقعليه. وقال لأصحابه في الجمع الأعظم يوم عرفة: "أنتم تسألون عني فما أنتم قائلون"، قالوا: "نشهد أنك قد بلغت وأديت ونصحت" رواه مسلم في الحج "١٤٧": وأبو داود "١٩٠٥" وابن ماجه "٣١١". ومعلوم أن البلاغ هو الذي تقوم به الحجة على المبلغ، ويحصل به العلم، فلو كان خبر الواحد، لا يحصل به العلم لم يقع به التبليغ الذي تقوم به حجة الله على العبد، فإن الحجة إنما تقوم بما يحصل به العلم. وقد كان رسول الله -ﷺ- يرسل الواحد من أصحابه يبلغ عنه، فتقوم الحجة على من بلغه، وكذلك قامت حجته علينا بما بلغنا العدول الثقات من أقواله وأفعاله وسنته، ولو لم يفد العلم لم تقم علينا بذلك حجة، ولا على من بلغه واحد أو اثنان أو ثلاثة أو أربعة أو دون عدد التواتر. وهذا من أبطل الباطل. فيلزم من قال: إن أخبار الرسول -ﷺ- لا تفيد العلم أحد أمرين:
(٢) إما أن يقول: إن الرسول لم يبلغ غير القرآن، وما رواه عنه عدد التواتر، وما سوى ذلك لم تقم به حجة ولا تبليغ.
(٣) وإما أن يقول إن الحجة والبلاغ حاصلان بما لا يوجب علمًا ولا يقتضي عملًا. وإذا بطل هذان الأمران بطل بأن أخباره -ﷺ- التي رواها الثقات العدول الحفاظ وتلقتها الأمة بالقبول لا تفيد علمًا. وهذا ظاهر لا خفاء به. مختصر الصواعق المرسلة "٢/ ٣٩٦".
[ ١ / ٣٠٨ ]
فأما التعارض -فيما هذا سبيله- فلا يسوغ إلا كما يسوغ في الأخبار المتواترة وآي الكتاب١.
وقولهم: "إنا لا نصدق كل خبر نسمعه" فلأننا إنما جعلناه مفيدًا للعلم؛ لما اقترن به من قرائن زيادة الثقة، وتلقي الأمة له بالقبول٢.
ولذلك اختلف خبر العدل والفاسق٣.
وأما الحكم بشاهد واحد: فغير لازم؛ فإن الحاكم لا يحكم بعلمه، وإنما يحكم بالبينة التي هي مظنة الصدق٤. والله أعلم.
_________________
(١) ١ المصنف بعد أن أورد الرأي الثاني المنقول عن الإمام أحمد وما فيه من احتمالات بدأ يرد على الوجوه التي استدل بها على أن خبر الآحاد يفيد الظن، وتقدم أنها خمسة، لكنه هنا لم يلتزم الترتيب، كما لم يرد على الوجه الثالث منها. وقوله: "فأما التعارض إلخ" هذا هو الرد على الوجه الثاني الذي خلاصته: أن خبر الآحاد لو أفاد العلم لما وقع تعارض بين الأدلة المتعارضة القطعية من السنة المتواترة وآي القرآن الكريم، وذلك بالجمع بين الدليلين إن أمكن، أو يعتبر المتأخر ناسخًا للمتقدم، أو حمل المطلق على المقيد، إلى آخر وجوه الجمع بين المتعارضات. ٢ هذا هو الرد على الوجه الأول: وهو أن التفرقة بين خبر وخبر، إنما جاءت من القرائن، كزيادة الثقة في الراوي، أو تلقي الأمة له بالقبول. ٣ هذا رد على الوجه الخامس: وهو أنه لو أفاد العلم لاستوى خبر العدل والفاسق، كالمتواتر، فإنه لا يشترط فيه أن يكون المخبرون عدولًا. فرد على ذلك: بأن التفرقة جاءت من القرينة. ٤ هذا رد على الوجه الرابع: وهو أنه لو أفاد العلم لجاز الحكم بشاهد واحد، ولم يحتج إلى شاهد آخر، أو اليمين عند عدمه. فأجاب عن ذلك: بأن هذا ليس =
[ ١ / ٣٠٩ ]