واختلف الناس فيه:
فمنهم من قال: يحصل باثنين، ومنهم من قال: يحصل بأربعة. وقال قوم بخمسة، وقال قوم بعشرين، وقال آخرون بسبعين، وقيل غير ذلك١.
_________________
(١) ١ فقيل: أربعون، وقيل: ثلاثمائة، وقيل: عشرة، عدد أهل بيعة الرضوان. قال =
[ ١ / ٢٩٧ ]
والصحيح: أنه ليس له عدد محصور، فإنا لا ندري متى حصل علمنا بوجود "مكة" ووجود الأنبياء -﵈- ولا سبيل إلى معرفته؛ فإنه لو قتل رجل في السوق، وانصرفت جماعة فأخبرونا بقتله، فإن قول الأول يحرك الظن، والثاني يؤكده، ولا يزال يتزايد حتى يصير ضروريًّا ولا يمكننا تشكيك أنفسنا فيه.
فلو تصور الوقوف على اللحظة التي حصل فيها العلم ضرورة، وحفظ حساب المخبرين، وعددهم: لأمكن الوقوف عليه، ولكن إدراك تلك اللحظة عسير؛ فإنه تتزايد قوة الاعتقاد تزايدًا خفيّ التدريج، كتزايد عقل الصبي المميز، إلى أن يبلغ حد التكليف، وتزايد ضوء الصبح إلى أن ينتهي إلى حد الكمال، فلذلك: تعذّر على القوة البشرية إدراكه.
فأما ما ذهب إليه المخصصون بالأعداد، فتحكم فاسد، لا يناسب الغرض، ولا يدل عليه، وتعارض أقوالهم يدل على فسادها.
فإن قيل: فكيف تعلمون حصول العلم بالتواتر، وأنتم لا تعلمون أقل عدده؟
قلنا: كما نعلم أن الخبز مشبع، والماء مرو، وإن كنا لا نعلم أقل
_________________
(١) = الطوفي: وهو وهم لأن أهل بيعة الرضوان، وهي بيعة الحدبيبة تحت الشجرة، كانوا ألفًا وخمسمائة. شرح مختصر الروضة جـ٢ ص٨٩، ٩٠. جاء في صحيح البخاري "٤١٥٠" عن البراء بن عازب: "كنا مع النبي -ﷺ- أربع عشر مائة" وجاء فيه أيضًا "٤١٥١" عن البراء: "أنهم كانوا خمس عشرة مائة" وفيه روايات أخرى بأعداد مخالفة. والخلاصة: أن الضابط في حصول عدد التواتر: حصول العلم بالخبر، فمتى حصل العلم بالخبر المجرد عن القرائن علمنا حصول التواتر. أما إذا وجدت قرائن، فهذه تزيد الخبر قوة، حتى ولو كان من خبر الآحاد.
[ ١ / ٢٩٨ ]
مقدار يحصل به ذلك، فنستدل بحصول العلم الضروري على كمال العدد لا أنَّا نستدل بكمال العدد على حصول العلم.
فصل
ليس من شرط التواتر: أن يكون المخبرون مسلمين، ولا عدولًا؛ لأن إفضاءه إلى العلم، من حيث إنهم مع كثرتهم لا يتصور اجتماعهم على الكذب وتواطؤهم عليه، ويمكن ذلك في الكفار، كإمكانه في المسلمين٢.
_________________
(١) ١ حاصل ذلك: أن المصنف أورد اعتراضًا خلاصته: أن حصول العلم فرع عن حصول العدد، فلو عرف حصول العدد بحصول العلم لكان دورًا، أي: يتوقف معرفة أحدهما على معرفة الآخر. وحاصل ما أجاب به المصنف: أنا لا نسلم وجود الدور، لأن الدور يتحقق إذا كانت الجهة متحدة، وهذا غير موجود فيما نحن فيه، لأن حصول العلم معلول الإخبار ودليله، فالإخبار علة حصول العلم ومدلول له، والاستدلال على وجود العلة بوجود المعلول لا دور فيه، وإلا لما صح الاستدلال على وجود الصانع -ﷻ- بوجود العلم، لأنه علته، والموجد له، ولأن العلة لازم المعلول، والاستدلال على وجود اللازم بوجود الملزوم لا خلاف في صحته، وهذا كما نقول في الشبع: هو معلول الطعام المشبع، ودليله: أنه لا شبع إلا بمشبع، والري معلول الشراب المروي، ودليله: أنه لا ري إلا بمروٍ، وإن كنا لا نعلم القدر الكافي من المشبع والمروي ابتداء، لكن إذا شبعنا وروينا علمنا أننا تناولنا من الطعام أو الشراب قدرًا مشبعًا أو مرويًا، فكذلك ما نحن فيه، لا نعلم مقدار العدد المحصل للعلم ما هو؟ فإذا حصل العلم بالخبر علمنا حصول العدد المحصل للعلم، لأنه لازم لحصول العلم وشرط له، والمشروط والملزوم يدلان على وجود اللازم والشرط. "نزهة الخاطر العاطر جـ١ ص٢٥٦-٢٥٧". ٢ هذا هو رأي جمهور العلماء. قال الطوفي: لأن مناط حصول العلم كثرتهم، =
[ ١ / ٢٩٩ ]
ولا يشترط -أيضًا- ألا يحصرهم عدد، ولا تحويهم بلد؛ فإن الحجيج إذا أخبروا بواقعة صدتهم عن الحج، وأهل الجمعة إذا أخبروا عن نائبة في الجمعة منعت من الصلاة، علم صدقهم مع دخولهم تحت الحصر وقد حواهم مسجد، فضلًا عن البلد١.
_________________
(١) = بحيث لا يجوز عادة تواطؤهم على الكذب، لا العدالة والإسلام وسائر أوصاف الرواية؛ لأن ذلك إنما يشترط في الشهادات، وأخبار الآحاد، لأنها إنما تفيد الظن، أما التواتر: فهو يفيد للعلم الضروي أو النظري -كما سبق- فهو مستغن عن اعتبار أوصاف المخبرين المراد لتقوية الظن وغلبته. "شرح مختصر الروضة ٢/ ٩٤". ١ ومعناه: أن الناس المجتمعين في الحج، لو أخبروا بأنه عرض لهم مانع منعهم من أداء الحج في ذلك العام، كعدو صدهم عن دخول البيت، أو غور عيون الماء في الطريق، ونحو ذلك؛ لحصل لنا العلم بخبرهم، مع أنهم محصورون تحت عدد يمكن، معرفته، وكذلك أهل الجامع -يوم الجمعة- لو أخبروا بوجود مانع منعهم من صلاة الجمعة، كعدم وجود الإمام، أو هجوم عدو جعلهم يخرجون من المسجد، حصل لنا العلم بخبرهم، مع أنهم محصورون في عدد معين، وفي مسجد، فضلًا عن بلد. وخالف في ذلك بعض العلماء، واشترطوا الإسلام والعدالة في المخبرين. كما أورد الغزالي آراء آخرى في المسألة. انظر: التمهيد لأبي الخطاب "٣/ ٣٣" المستصفى "٢/ ١٥٦ وما بعدها".
[ ١ / ٣٠٠ ]