والزيادة على النص ليست بنسخ٢.
وهي على ثلاث مراتب:
أحدهما: أن لا تتعلق الزيادة بالمزيد عليه، كما إذا أوجب الصلاة، ثم أوجب الصوم.
فلا نعلم فيه خلافًا، لأن النسخ: رفع الحكم وتبديله، ولم يتغير حكم المزيد عليه، بل بقي وجوبه وإجزاؤه.
_________________
(١) ١ لأنه -﵇- ليس داخلًا في التكليف، بل هو مكلف بالتبليغ فقط. ٢ معنى كلام المصنف: أن الزيادة على النص ليست بنسخ في جميع المراتب التي سيذكرها، وأن النوع الأول -على ما سيأتي- ليس فيه خلاف، والمرتبتان الأخيرتان فيهما خلاف، إلا أن المصنف حسم المسألة -من وجهة نظره- مبدئيًّا قال الطوفي -مبينًا محل الاتفاق ومحل الخلاف-: "الزيادة على النص إما أن لا تتعلق بحكم النص أصلًا، أو تتعلق به، فإن لم تتعلق به، فليست نسخًا له إجماعًا، وذلك كزيادة إيجاب الصوم، بعد إيجاب الصلاة، فإنه ليس نسخًا لإيجاب الصلاة بالإجماع.
[ ١ / ٢٤٢ ]
الرتبة الثانية:
أن تتعلق الزيادة بالمزيد عليه تعلّقًا ما، على وجه لا يكون شرطًا فيه، كزيادة التغريب على الجلد في الحد١، وعشرين سوطًا على الثمانين في حد القذف.
_________________
(١) = وإن تعلقت الزيادة بحكم النص المزيد عليه، فتلك الزيادة إما جزء له، أو شرط، أو لا جزء ولا شرط: مثال كونها جزءًا له: زيادة ركعة في الصبح، أو عشرين سوطًا في حد القذف، فتصير الصبح ثلاث ركعات، والركعة الثالثة جزء منها، وحد القذف مائة سوط، والعشرون الزائدة جزء منها. ومثال كونها شرطًا: نية الطهارة، هي شرط لها، وقد زيدت بالحديث والاستدلال على باقي آية الوضوء من أفعاله، بناء على أن النية ليست مستفادة من الآية، على خلاف فيه. ومثال كون الزيادة لا جزءًا ولا شرطًا: التغريب على الجلد في زنى البكر، إذ الجلد لا يتوقف على التغريب توقف الكل على جزئه، ولا توقف المشروط على شرطه، وليس شيء من ذلك نسخًا عندنا، خلافًا للحنفية. وحكى الآمدي عن القاضي عبد الجبار، والغزالي، في المثالين، أنهما وافقا الحنفية في أنه نسخ". شرح المختصر "٢/ ٢٩١-٢٩٢". ١ يقصد بذلك: حد الزاني غير المحصن، فإن قوله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ ﴾ يفيد أن هذا هو الحد فقط، ثم زيد على هذا النص تغريب عام بما رواه مسلم: في كتاب الحدود، باب حد الزنا، وأبو داود، والترمذي، وابن ماجه، والدارمي، وأحمد في مسنده "٣/ ٤٧٦" من حديث عبادة بن الصامت -﵁- مرفوعًا أن رسول الله -ﷺ- قال: "خذوا عني، خذوا عني، قد جعل الله لهن سبيلًا: البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام، والثيب بالثيب جلد مائة والرجم". أما زيادة عشرين سوطًا في حد القذف، فهو مثال افتراضي كمثال زيادة ركعة في صلاة الصبح. =
[ ١ / ٢٤٣ ]
فذهب أبو حنيفة إلى أنه نسخ؛ لأن الجلد كان هو: الحد كاملًا، يجوز الاقتصار عليه، ويتعلق به التفسيق، ورد الشهادة، وقد ارتفعت هذه الأحكام بالزيادة.
ولنا:
أن النسخ: هو رفع حكم الخطاب، وحكم الخطاب بالحد: وجوبه وإجزاؤه على نفسه، وهو باق، وإنما انضم إليه الأمر بشيء آخر فوجب الإتيان به، فأشبه الأمر بالصيام بعد الصلاة.
فأما صفة الكمال: فليس هو حكمًا مقصودًا شرعيًّا، بل المقصود: الوجوب والإجزاء، وهما باقيان.
ولهذا لو أوجب الشرع الصلاة -فقط- كانت كلية ما أوجبه الله وكماله، فإذا أوجب الصوم، خرجت الصلاة عن كونها كلية١ الواجب، وليس بنسخ اتفاقا٢.
وأما الاقتصار عليه: فليس هو مستفادا من منطوق اللفظ؛ لأن وجوب الحد لا ينفي وجوب غيره.
وإنما يستفاد من المفهوم، ولا يقولون به٣.
_________________
(١) = قال الشيخ ابن قدامة في المغني "١٢/ ٣٨٦": "وحد القذف ثمانون، إذا كان القاذف حرًّا، للآية، والإجماع، رجلًا كان أو امرأة ". ١ في الأصل: "كل" وما أثبتناه من المستصفى. ٢ خلاصة هذا الدليل: أن النسخ عبارة عن: رفع الحكم الثابت بالخطاب، والحكم ههنا باق لم يرتفع، وإنما زيد عليه شيء آخر، والزيادة عليه لا تقتضي رفعه، فثبت أن الزيادة ليست نسخًا، انظر: شرح المختصر "٢/ ٢٩٢". ٣ هذا رد لقول الحنفية: إن الجلد كان هو الحد فقط، فيجوز الاقتصار عليه. فأجاب المصنف: بأن دعواكم هذه ليست مستفادة من منطوق اللفظ، وإنما هو =
[ ١ / ٢٤٤ ]
ثم رفع المفهوم كتخصيص العموم، فإنه رفع بعض مقتضى اللفظ، فيجوز بخبر الواحد.
ثم إنما يستقيم هذا: أن لو ثبت حكم المفهوم واستقر، ثم ورد التغريب بعده، ولا سبيل إلى معرفته، بل لعلة وردتنا بالإسقاط المفهوم متصلًا به أو قريبًا منه١.
وأما التفسيق، ورد الشهادة، فإنما يتعلق بالقذف، لا بالحد.
ثم لو سلّم بتعلقه بالحد: فهو تابع غير مقصود، فصار كحل النكاح بعد العدة، ثم تصرف الشرع في العدة بردها من حول إلى أربعة أشهر وعشر، ليس تصرفًا في حل النكاح، بل في نفس العدة٢.
_________________
(١) = مستفادة من المفهوم، وأنتم لا تقولون به، فإنكم لا تعتبرون دلالة المفهوم حجة. ١ هذا رد آخر من المصنف على عدم تسليم المدعي، حاصله: أن ما ذكره الحنفية من أن الحد كان الجلد فقط، والتغريب زيادة عليه فكانت نسخًا، قولهم هذا غير مستقيم؛ إلا إذا علم أن الحكم كان قد استقر وثبت، ثم جاءت الزيادة بعد ذلك، لأنه من المتفق عليه بيننا وبينهم أن من شرط النسخ أن يتأخر الناسخ عن المنسوخ، وهنا لم يتحقق هذا الشرط، لاحتمال أن يكون التغريب جاء بيانًا من الرسول -ﷺ- مقارنًا للآية، أو بعدها بقليل، وهذا يجعله خارجًا عن النسخ. ٢ توضيح ذلك: أن الحنفية قالوا -في دليلهم السابق-: "إن الجلد قبل زيادة التغريب كان حدًّا كاملًا مستقلًّا بعقوبة الزاني، يتعلق به أن المحدود صار فاسقًا لا تقبل شهادته، وبعد زيادة التغريب لم يبقَ حدًّا تامًّا مستقلًّا صالحًا لتعلق الأحكام به، بل جزءًا أولًا للحد، والتغريب جزءًا ثانيًا له، فارتفعت الأحكام التي أنيطت بالجزء الأول واستقرت بتمام الجزئين، وهذا هو معنى النسخ. فأجاب المصنف عن ذلك: بأن التفسيق ورد الشهادة لا يتعلقان بالحد، وإنما بالقذف، ومع التسليم بذلك، فهما تابعان وليسا مقصودين أصليين، شأنهما شأن حل النكاح بعد عدة الوفاة.
[ ١ / ٢٤٥ ]
فإن قيل: قوله تعالى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُم﴾ ١ يقتضي أن لا يحكم بأقل منهما، والحكم بشاهد ويمين٢ نسخ له.
قلنا: هذا إنما استفيد من مفهوم اللفظ، وقد أجبنا عنه٣.
الرتبة الثالثة:
أن تتعلق الزيادة بالمزيد عليه تعلق الشرط بالمشروط، بحيث يكون المزيد عليه وعدمه واحدًا، كزيادة النية في الطهارة، وركعة في الصلاة فذهب بعض من وافق في الرتبة الثانية إلى أن الزيادة ههنا نسخ؛ إذ كان حكم المزيد عليه: الإجزاء والصحة، وقد ارتفع٤.
وليس بصحيح؛ لأن النسخ: رفع حكم الخطاب بمجموعه، والخطاب اقتضى: الوجوب والإجزاء، والوجوب باقٍ بحاله، وإنما ارتفع الإجزاء، وهو بعض ما اقتضى اللفظ، فهو كرفع المفهوم، وتخصيص العموم.
_________________
(١) ١ سورة البقرة من الآية: ٢٨٢. ٢ يشير إلى الحديث الذي رواه ابن عباس -﵄- أن رسول الله -ﷺ- "قضى بيمن وشاهد". أخرجه مسلم: كتاب الأقضية، باب القضاء باليمين والشاهد، وأبو داود: كتاب الأقضية، باب القضاء باليمين والشاهد وابن ماجه: كتاب الأحكام، باب القضاء بالشاهد واليمين، والشافعي: كتاب القضاء والشهادات، باب القضاء باليمين مع الشاهد. ٣ وهو أن الحنفية لا يرون حجية دلالة المفهوم. ٤ ظاهر العبارة أن بعض العلماء الذين يرون أن الزيادة على النص ليست نسخًا في المرتبة الثانية انضموا في المرتبة الثالثة إلى الحنفية فقالوا: إنها تعتبر نسخًا، ولذلك جاء في بعض النسخ "فذهب بعض الشافعية إلى أن الزيادة ههنا نسخ". ويؤيد هذا التفسير قول المصنف -بعد ذلك-: "ثم لا يصح هذا من أصحاب الشافعي؛ فإنهم اشترطوا النية للطهارة، والطهارة للطواف بالسنة، وأصلها ثابت بالكتاب".
[ ١ / ٢٤٦ ]
ثم إنما يستقيم أن لو ثبت الإجزاء واستقر، ثم وردت الزيادة بعده ولم يثبت.
بل ثبوت الزيادة بالقياس المقارن للفظ، أو لخبر يحتمل أن يكون متصلًا بيانًا للشرط، فلا معنى لدعوى استقراره بالتحكم١.
ثم لا يصح هذا من أصحاب الشافعي؛ فإنهم اشترطوا النية للطهارة٢، والطهارة للطواف٣ بالسنة، وأصلها ثابت بالكتاب.
فإن قيل:
فالطهارة المنْوية غير الطهارة بلا نية، وإنما هي نوع آخر، فاشتراط النية يوجب رفع الأولى بالكلية.
_________________
(١) ١ خلاصة ذلك: أن دعوى النسخ تستقيم أن لو ثبت الحكم واستقر، ثم جاءت الزيادة متأخرة عنه، لأن من شروط النسخ تأخر الناسخ عن المنسوخ، وهذا غير مسلم، فإن الزيادة إما أن تكون ثابتة بقياس مقارن لنزول اللفظ، أو بخبر متصل به -أيضًا- فدعوى استقرار الحكم تحكم لا دليل عليه. ٢ للحديث الصحيح الذي أخرجه البخاري: في باب كيف كان بدء الوحي، وفي كتاب العتق، باب الخطأ والنسيان في العتاق والطلاق، وفي كتاب الإيمان، باب النية في الإيمان، عن عمر بن الخطاب -﵁- مرفوعًا، أن النبي -ﷺ- قال: "إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى..". كذلك أخرجه مسلم في كتاب الإمارة، باب قوله -ﷺ-: "إنما الأعمال بالنية" وأبو داود وابن ماجه والترمذي والنسائي وغيرهم. ٣ للحديث الذي أخرجه البيهقي والحاكم وابن حبان والدارمي عن ابن عباس مرفوعًا أن النبي -ﷺ- قال: "الطواف بالبيت صلاة، إلا أن الله أباح فيه الكلام" وفي رواية: "الطواف حول البيت مثل الصلاة، إلا أنكم تتكلمون فيه، فمن تكلم فيه فلا يتكلمن إلا بخير" وله طرق أخرى كثيرة. انظر: فيض القدير "٤/ ٢٩٣"، التلخيص الحبير "١/ ١٢٩".
[ ١ / ٢٤٧ ]
قلنا: هذا باطل؛ فإنها لو كانت غيرها: لوجب أن لا تصح الطهارة المنوية، عند من لا يوجب النية؛ لكونها غير مأمور بها١.
_________________
(١) ١ خلاصة ذلك: أن المنسوخ هل يشترط أن يكون مقصودًا بالرفع أو لا؟ فإن اشترط أن يكون مقصودًا، لم يكن رفع استقلال المزيد عليه بالحكم نسخًا، لأنه حاصل بالاقتضاء الضروري. وإن لم يشترط ذلك، بل يكفي في المنسوخ أن يكون مرتفعًا بالقصد أو الاقتضاء الضروري، كان رفع الاستقلال نسخًا. انظر: نزهة الخاطر العاطر "١/ ٢١٤".
[ ١ / ٢٤٨ ]