الأصل الثاني من الأدلة سنة النبي -ﷺ١
وقول رسول الله -ﷺ- حجة؛ لدلالة المعجز على صدقه، وأمر الله -سبحانه- بطاعته، وتحذيره من مخالفة أمره.
_________________
(١) = رواه الإمام أحمد في مسنده "٢/ ٨٨" والشافعي، كتاب الطهارة، باب ما جاء في نواقض الوضوء، والدارقطني: كتاب الطهارة، باب ما روي في لمس القبل والدبر والذكر، والبيهقي: كتاب الطهارة، باب الوضوء من مس الذكر بلفظ "من مس ذكره فليتوضأ"، والحاكم في المستدرك: كتاب الطهارة، باب الوضوء من مس الذكر وقال: "حديث صحيح". وأخرجه ابن حبان في صحيحه وقال: "هذا حديث صحيح سنده، وعدول نقلته". وذكر الزيلعي في نصب الراية "١/ ٥٦" أن البيهقي أخرجه من طريق البخاري موقوفًا على أبي هريرة، كما نقل ذلك عن الذهبي في مختصره. وللعلماء في ترجيح أحد الحديثين على الآخر، أو نسخ حديث أبي هريرة لحديث طلق خلاف طويل. قال أبو يعلى في العدة "٣/ ٨٣٣": "وكان خبر أبي هريرة متأخرًا، لأن أبا هريرة أسلم بعد وفاة طلق بن علي، وقبل وفاة النبي -ﷺ- بأربع سنين". وقال الطوفي -تعقيبًا على حديث "هل هو إلا بضعة منك"- قال: "فإن في بعض ألفاظه: "جئت وهم يؤسسون المسجد" وكان ذلك أول الإسلام، وحديث أبي هريرة وبسرة وأم حبيبة في نقض الوضوء بمس الذكر بعد ذلك، لأن أبا هريرة متأخر الإسلام أسلم سنة سبع، وبناء المسجد كان في أول السنة الأولى من الهجرة". شرح المختصر "٢/ ٣٤٣، ٣٤٤". ١ لم يذكر المصنف تعريف السنة في اللغة ولا في الاصطلاح، كعادة علماء الأصول، وسوف نذكر ذلك بإيجاز ونحيل القارئ إلى المصادر التي استوفت ذلك: فالسنة في اللغة: الطريقة والسيرة المستمرة، سواء أكانت حسنة أم سيئة. قال =
[ ١ / ٢٧٣ ]
_________________
(١) = الله تعالى: ﴿سُنَّةَ مَنْ قَدْ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنْ رُسُلِنَا وَلا تَجِدُ لِسُنَّتِنَا تَحْوِيلًا﴾ [الإسراء: ٧٧] . وروى مسلم في صحيحه: كتاب الزكاة، باب الحث على الصدقة ولو بشق تمرة -والترمذي وحسنه- أن رسول الله -ﷺ- قال: "من سن سنة حسنة كان له أجرها وأجر من عمل بها بعده، لا ينقص ذلك من أجورهم شيئًا، ومن سن سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها لا ينقص ذلك من أوزارهم شيئًا". وخصها بعض العلماء بالطريقة الحسنة دون غيرها. انظر: "لسان العرب جـ١٤ ص٢٢٥، تهذيب اللغة جـ٤ ص٢٩٨". وأما في الاصطلاح: فلها تعريف عام، وتعريفات خاصة، بحسب اصطلاح أهل كل فن أو علم من العلوم: فهي في الاصطلاح العام: تطلق على كل ما نقل عن رسول الله -ﷺ- أو عن السلف الصالح من الصحابة والتابعين وغيرهم من الأئمة المقتدى بهم. وهو ما جاء في قوله -ﷺ-: "عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، عضوا عليها بالنواجذ". أخرجه أبو داود حديث رقم "٤٦٠٧" والترمذي: باب الأخذ بالسنة، وابن ماجه "١/ ١٥-١٦". وهي بهذا المعنى تقابل البدعة. وأما تعريفها في الاصطلاحات الخاصة، فإنها تختلف باختلاف اصطلاح أهل كل فن: فالسنة عند المحدثين: هي ما نقل عن رسول الله -ﷺ- من أقوال وأفعال وتقريرات، وصفاته الخَلْقية والخُلُقية، سواء أكان ذلك قبل البعثة أم بعدها. وعند الفقهاء: هي ما طلب الشارع فعله طلبًا غير جازم، أو ما في فعلها ثواب، وليس في تركها عقاب، باعتبار أن الفقهاء يبحثون عن حكم أفعال العباد، من الوجوب والندب، والإباحة والحرمة والكراهة إلى آخر صفات أفعال العباد. أما علماء الأصول فقد عرفوا السنة بتعريف يتفق مع طبيعة منهجهم من =
[ ١ / ٢٧٤ ]
وهو دليل قاطع على من سمعه منه شفاهًا، فأما من بلغه بالإخبار عنه: فينقسم في حقه قسمين: تواترًا وآحادًا١.
_________________
(١) = البحث في الأدلة الشرعية واستنباط الأحكام منها -على وجه الإجمال- ولذلك قالوا في تعريفها: هي ما نقل عن رسول الله -ﷺ- من قول أو فعل أو تقرير، وزاد بعضهم جملة "مما ليس بقرآن" وقال بعضهم: "تطلق السنة على ما صدر من النبي -ﷺ- من الأفعال والأقوال التي ليست للإعجاز". وأدخلوا التقريرات في الأفعال، باعتبار أن التقرير عبارة عن الكف عن الإنكار، والكف فعل، فكان التقرير داخلًا في الأفعال. انظر: في ذلك: الإبهاج للسبكي "٢/ ١٧٠" نهاية السول "٢/ ١٧٠" الإحكام للآمدي "١/ ١٦٩" شرح الكوكب المنير "٢/ ١٦٠" شرح مختصر الروضة "٢/ ٦٢٣" وما بعدها إرشاد الفحول ص "١/ ١٥٥"، الحدود للباجي ص٥٦. ١ خلاصة هذا الكلام: أن المصنف أراد أن يستدل على أن السنة حجة من ثلاثة وجوه: الوجه الأول: أن المعجز دل على صدقه -﵊- وكل من دل المعجز على صدقه فهو صادق، فهو -ﷺ- صادق، وكل صادق قوله حجة، فقوله -﵊- حجة. والوجه الثاني: أن الله -تعالى- أمر بتصديقه، وكل من أمر الله بتصديقه كان قوله حجة. أما أن الله -تعالى- أمر بتصديقه -﵊- فلقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ﴾ [النساء: ١٣٦] أي: صدقوا؛ لأن الإيمان هو التصديق، ولا معنى للتصديق بالرسول -ﷺ- إلا اعتقاد صدقه، وقبول ما جاء به. وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي﴾ [آل عمران: ٣١] والمتابعة فرع على التصديق، وملزوم له، والأمر بالفرع والملزوم أمر بالأصل واللازم. أما أن كان من أمر الله -تعالى- بتصديقه يكون له قوله حجة؛ فلأن تصديقه إياه يقتضي أن قوله حق وصدق، والحق والصدق حجة. =
[ ١ / ٢٧٥ ]
_________________
(١) الوجه الثالث: أن الله -تعالى- حذر من مخالفة النبي -ﷺ- بقوله تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور: ٦٣] وكل من حذر الله -﷾- من مخالفته وجبت موافقته ومتابعته؛ لأن المخالفة سبب لنزول العذاب، وسبب العذاب -وهو المخالفة- حرام، وترك الحرام واجب، فترك المخالفة واجب، وترك المخالفة يستلزم المتابعة والموافقة، فتكون واجبة، وهذا هو المطلوب. انظر: شرح مختصر الروضة جـ٢ ص٦٦، ٦٧. هذا معنى ما قاله ابن قدامة. وهذه الوجوه الثلاثة ذكرها الغزالي في المستصفى، ما عدا الوجه الثالث فلم يذكره، ولكنه قال: "ولأنه لا ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى" لكن بعض الوحي يتلى، فيسمى "كتابًا" وبعضه لا يتلى وهو "السنة" المستصفى جـ٢ ص١٢٠ تحقيق الدكتور حمزة بن زهير حافظ. والواقع أن ما ذكره الغزالي أورده بعض العلماء في الاستدلال على حجية السنة، وما ذكره "ابن قدامة" وارد أيضًا، وهناك آيات أخرى كثيرة في الدلالة على حجية السنة، من أوضحها قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٥٩] . قال ابن كثير: "أطيعوا الله: أي اتبعوا كتابه، وأطيعوا الرسول: أي خذوا بسنته، وأولي الأمر منكم: أي فيما أمروكم به من طاعة الله، لا في معصية الله، وأنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق" تفسير القرآن العظيم "١/ ٥١٨". وقال ميمون بن مهران: "الرد إلى الله: هو الرجوع إلى كتابه، والرد إلى الرسول: هو الرجوع إليه في حياته، وإلى سنته بعد وفاته" جامع بيان العلم وفضله "٢/ ١٩٠". وكما دل القرآن الكريم على حجية السنة، فقد دلت السنة نفسها على أن سنة الرسول -ﷺ- حجة يجب الالتزام بما جاءت به من أحكام، والأحاديث الواردة في هذا الشأن كثيرة، منها:
(٢) عن مالك -﵁- أنه بلغه أن النبي -ﷺ قال: "تركت فيكم =
[ ١ / ٢٧٦ ]
_________________
(١) = أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما: كتاب الله تعالى وسنة رسوله".
(٢) روى البخاري بسنده عن أبي هريرة -﵁- كتاب الاعتصام: باب الاقتداء بسنن رسول الله -ﷺ- أن رسول الله -ﷺ- قال: "كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى" قالوا: ومن يأب يا رسول الله؟ قال: "من أطاعني دخل الجنة ومن عصاني فقد أبى".
(٣) عن عبد الرحمن بن أبي عوف، عن المقدام بن معد يكرب، عن رسول الله -ﷺ- أنه قال: "ألا إني أوتيت الكتاب ومثله معه، ألا يوشك رجل شبعان على أريكته يقول: عليكم بهذا القرآن، فما وجدتم فيه من حلال فأحلوه، وما وجدتم فيه من حرام فحرموه، ألا لا يحل لكم الحمار الأهلي، ولا كل ذي ناب من السباع.." الحديث. رواه أحمد في مسنده "٤/ ١٣٠-١٣١" وأبو داود في سننه حديث "٤٦٠٤" ورواه الترمذي بلفظ "ألا هل عسى رجل يبلغه الحديث عني وهو متكئ على أريكته فيقول: بيننا وبينكم كتاب الله، فما وجدنا فيه من حلال استحللناه، وما وجدنا فيه حرامًا حرمناه، وإن ما حرم رسول الله -ﷺ- كما حرم الله" انظر: مفتاح الجنة في الاحتجاج بالسنة للسيوطي ص١١. كذلك دل الإجماع على حجيّة السنة، منذ عصر الصحابة -﵃- والتابعين، والأئمة المجتهدين، وإلى يومنا هذا، لم يشذ عن ذلك إلا من لا حظ له في الإسلام. فقد كان الصحابة -﵃- إذا عرضت عليهم مسألة بحثوا عن حكمها في كتاب الله تعالى، فإذا لم يجدوا حكمها في القرآن بحثوا عنها في السنة، هكذا كانت سياسة الخليفة الأول: أبي بكر الصديق -﵁- وكذلك عمر بن الخطاب، ومن جاء بعدهما من الصحابة والتابعين والأئمة المجتهدين. روى الدارمي عن ميمون بن مهران قال: "كان "أبو بكر" ‘إذا ورد عليه الخصوم نظر في كتاب الله، فإن وجد فيه ما يقضي به، قضي به بينهم، وإن لم يجد في كتاب الله، نظر: هل كانت من النبي -ﷺ- فيه سنة؟ فإن علمها قضى بها، فإن لم يعلم خرج فسأل المسلمين فقال: أتاني كذا وكذا فنظرت في =
[ ١ / ٢٧٧ ]
_________________
(١) = كتاب الله، وفي سنة رسول الله -ﷺ- فلم أجد في ذلك شيئًا، فهل تعلمون أن النبي -ﷺ- قضى في ذلك بقضاء؟ فربما قام إليه الرهط فقالوا: نعم، قضى فيه بكذا وكذا، فيأخذ بقضاء رسول الله -ﷺ- ويقول -عند ذلك-: الحمد لله الذي جعل فينا من يحفظ عن نبينا. وإن أعياه ذلك دعا رءوس المسلمين وعلماءهم، فاستشارهم، فإذا اجتمع رأيهم على أمر قضى به". وكتب "عمر" -﵁- إلى "شريح" لما ولاه قضاء الكوفة كتابًا قال له فيه: "انظر ما تبين لك من كتاب الله فلا تسأل عنه أحدًا، وما لم يتبين لك فاتبع فيه سنة رسوله -ﷺ- وما لم يتبين لك من السنة فاجتهد رأيك، واستشر أهل العلم والصلاح" انظر: إعلام الموقعين جـ١ ص٨٤ وما بعدها. وهكذا كان التابعين -﵃- والأئمة المجتهدون، يرجعون إلى السنة النبوية بعد القرآن الكريم، بل كانوا يرجعون إلى السنة لبيان ما جاء به القرآن مجملًا، باعتبارها الشارحة والمفسرة للقرآن الكريم. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: " وليعلم أنه ليس أحد من الأئمة المقبولين -عند الأمة قبولًا عامًّا- يتعمد مخالفة رسول الله -ﷺ- في شيء من سنته، دقيق ولا جليل، فإنهم متفقون اتفاقًا على وجوب اتباع الرسول -ﷺ- وعلى أن كل أحد من الناس يؤخذ من قوله ويترك، إلا رسول الله -ﷺ- ولكن إذا وجد لواحد منهم قول قد جاء حديث صحيح بخلافه، فلا بد له من عذر في تركه" رفع الملام عن الأئمة الأعلام ص٣-٤. والمراد بالمعجز: القرآن الكريم، حيث عجز العرب جميعًا عن أن يأتوا بمثله، أو بمثل أقل سورة منه، بل عجز الإنس والجن جميعًا عن الإتيان بمثله، كما جاء في قوله تعالى: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْأِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ [الإسراء: ٨٨] . وفي بعض النسخ المطبوعة "المعجزة" وهي أعم من أن تكون قرآنًا أو غيره، =
[ ١ / ٢٧٨ ]