يَنْبَغِي أَن نعلم أَنه كَانَت هُنَاكَ مدرستان للسلف واتجاهان فِي طَريقَة تحمل الْعلم وتبليغه: الأولى مدرسة المحدّثين، وَالْأُخْرَى مدرسة الْفُقَهَاء، قَالَ ابْن الْقيم فِي التَّعْرِيف بِهَاتَيْنِ المدرستين١: الْعلمَاء منقسمون إِلَى قسمَيْنِ: حفاظ الحَدِيث وجهابذته القادة الَّذين هم أَئِمَّة الْأَنَام وزوامل الْإِسْلَام الَّذين حفظوا على الْأمة معاقد الدّين ومعاقله وحموا من التكدير والتغيير موارده ومناهله حَتَّى ورد من سبقت لَهُ من الله الْحسنى تِلْكَ المناهل صَافِيَة من الأدناس لم تشبها الآراء تغييرًا، ووردوا فِيهَا عينا يشرب بهَا عباد الله يفجرونها تفجيرًا..
وفقهاء الْإِسْلَام: من دارت الْفتيا على أَقْوَالهم بَين الْأَنَام الَّذين خُصّوا
_________________
(١) ١ إِعْلَام الموقعين ١ـ٩.
[ ٧٦ ]
باستنباط الْأَحْكَام وعنُوا بضبط قَوَاعِد الْحَلَال وَالْحرَام فهم فِي الأَرْض بِمَنْزِلَة النُّجُوم فِي السَّمَاء بهم يَهْتَدِي الحيران فِي الظلماء وحاجة النَّاس إِلَيْهِم أعظم من حَاجتهم إِلَى الطَّعَام وَالشرَاب، وطاعتهم أفرض عَلَيْهِم من طَاعَة الْأُمَّهَات والآباء بِنَصّ الْكتاب قَالَ الله تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ قَالَ ابْن عَبَّاس: "أولو الْأَمر هم الْعلمَاء". اهـ.
قلت: فالمحدّثون اشتغلوا بِرِوَايَة السّنة وَنقد الْأَسَانِيد وَمَعْرِفَة الرِّجَال فحفظوا بذلك هَذَا الأَصْل الْعَظِيم مِمَّا دَاخله من دسائس الوضاعين وغفلات الصَّالِحين، وتخصصهم بِهَذَا الشَّأْن وتفرغهم لَهُ شغلهمْ عَن الاستنباط وَالْفِقْه وَلذَلِك تَجِد مشاهير الْمُحدثين كَابْن معِين وَابْن أبي حَاتِم وَالْبُخَارِيّ وَمُسلم وَغَيرهم مقلين فِي مجَال الْفِقْه..
وَالْفُقَهَاء اشتغلوا بدراسة النُّصُوص وفحص مَعَانِيهَا واستخراج عللها ومراميها، وَالْجمع بَينهَا أَو التَّرْجِيح، وَمَعْرِفَة ناسخها ومنسوخها وَوَضَعُوا الْأُصُول وَالْقَوَاعِد الَّتِي بهَا تُفهم النُّصُوص وتُستخرج الْأَحْكَام وَيعرف الْحَلَال وَالْحرَام، وانتصبوا للْفَتْوَى فَأَكْثرُوا مِنْهَا، وتعرضوا للْقِيَاس والتفريع فتوسعوا فيهمَا، فَصَارَت لَهُم بذلك مَذَاهِب متكاملة، ومناهج متمايزة، واشتهرت مِنْهَا الْمذَاهب الْأَرْبَعَة الَّتِي تعْتَبر كل وَاحِدَة مِنْهَا مدرسة مكتملة الْمنْهَج بأصولها وقواعدها وفروعها..
وتخصص الْفُقَهَاء بِهَذَا الشَّأْن وتفرغهم لَهُ شغلهمْ عَن الرِّوَايَة والإسناد فَكَانُوا فِي الْغَالِب مقلين فِيهَا، وقلما تَجِد إِمَامًا جمع بَيت التَّوَسُّع والتبحر فِي مجالي الرِّوَايَة وَالْفِقْه كَمَا يُقَال فِي الإِمَام أَحْمد ﵀.
أما أَبُو حنيفَة فقد كَانَ مقلًا فِي الراوية، إِلَّا أَن ذَلِك لَا يَعْنِي عدم حفظه للْحَدِيث إِذْ مَا جَاءَ بالفقه إِلَّا من النّظر فِي كَلَام الله وَكَلَام رَسُوله ﷺ وَإِنَّمَا شُغل بالاستنباط عَن رِوَايَة مَا بلغه من الحَدِيث، وَمن تتبع عناية هَذَا الإِمَام بالأدلة عرف ذَلِك..
[ ٧٧ ]
هَذَا إِذا عرفنَا أَنه كَانَ بِالْكُوفَةِ وَالْبَصْرَة زمن أبي حنيفَة أَكثر من مائَة وَعشْرين صحابيًا، وَإِذا عرفنَا انه أَخذ وَسمع من أَكثر من أَرْبَعَة وَسبعين من الْمُحدثين وَالْفُقَهَاء عدّ مِنْهُم الْحَافِظ الْمزي عددا وَمن أشهرهم: طَاوس بن كيسَان، وَالشعْبِيّ، وَعبد الله بن دِينَار، وَعبد الرَّحْمَن بن هُرْمُز، وَعَطَاء، وَقَتَادَة بن دعامة السدُوسِي، وَالزهْرِيّ، وَهِشَام بن عُرْوَة وَغَيرهم، وَإِذا عرفنَا أَيْضا أَنه كَانَ من تلاميذه كبار الْمُحدثين والحفاظ كَعبد الله بن الْمُبَارك، وَأبي يُوسُف، وَزفر بن الْهُذيْل وَغَيرهم: تَيَقنا أَن مذْهبه كَانَ نابعًا من الْأَثر، ومستقيًا من السّنة بِوَاسِطَة هَذِه الروافد..
روى ابْن أبي رزمة أَنه كَانَ إِذا قدم الْكُوفَة أحد من الْمُحدثين يَقُول أَبُو حنيفَة لأَصْحَابه: "انْظُرُوا هَل عِنْده من الحَدِيث شَيْء لَيْسَ عندنَا؟ "١.
فَمن يتَصَوَّر مَعَ هَذَا أَن أَبَا حنيفَة فَقِيه لَا يحفظ الحَدِيث٢ وَكَيف يصير الرجل إِمَامًا فِي الْفِقْه وَهُوَ لَيْسَ بحافظ للْحَدِيث.. لذَلِك ترى الْمُحدثين مثل أبي دَاوُد وَابْن حجر لما ترجما لأبي حنيفَة - وَفِيه دارت الْأَقَاوِيل - اكتفيا بِالْإِشَارَةِ إِلَى إِمَامَته فَقَالَ أَبُو دَاوُد: "أَبُو حنيفَة إِمَام"، وَقَالَ ابْن حجر: "أَبُو حنيفَة الإِمَام الْمَشْهُور".
[ ٧٨ ]