اعلم أنه نقل عن جماعة من أكابر أصحابنا موافقة المعتزلة فى قولهم: يجب شكر المنعم عقلًا، ويجب العمل بخبر الواحد عقلًا، وبالقياس عقلًا، منهم ابن سريج، وتلميذه الإمام الكبير محمد بن على القفال الشاشى (١) الذى قال فيه الحاكم (٢) -فى تاريخ نيسابور-: هو أعلم الشافعيين فيما وراء النهر بالأصول (٣).
_________________
(١) هو محمد بن على بن إسماعيل القفال الشاشى الكبير. أوحد عصره فى الأصول والفقه وعلم الكلام. من شيوخه: ابن خزيمة، ومحمد بن جرير، وأبو القاسم البغوى. من تلاميذه: أبو عبد اللَّه الحاكم، والحليمى، وابن منده. من تآليفه: كتاب فى أصول الفقه، وتفسير كبير، وشرح الرسالة للإمام الشافعى. ولد عام ٢٩١ هـ، وتوفى عام ٣٦٥ هـ. تبيين كذب المفترى ص ١٨٢، وفيات الأعيان ٣/ ٣٣٨، طبقات السبكى ٣/ ٢٠٠، وطبقات ابن هداية اللَّه ص ٨٨.
(٢) هو محمد بن عبد اللَّه بن محمد بن حمدويه الضبى الطهماق النيسابورى المعروف بابن البيع، حافظ متفق على إمامته. من شيوخه: محمد بن يعقوب الأصم، وأبو على النيسابورى، وأبو حامد ابن حسنويه. من تلاميذه: الدارقطنى، وأبو ذر الهروى، وأبو بكر البيهقى. من تآليفه: تاريخ نيسابور، والمستدرك، والإكليل. ولد عام ٣٢١ هـ، وتوفى عام ٤٠٥ هـ. تبيين كذب المفترى ص ٢٢٧، وفيات الأعيان ٣/ ٤٠٨، ميزان الاعتدال ٣/ ٦٠٨، طبقات السبكى ٤/ ١٥٥، ولسان الميزان ٥/ ٢٣٢.
(٣) نقل بن عساكر هذه العبارة عن الحاكم فى تبيين كذب المفترى ص ١٨٢.
[ ١٠٦ ]
وقد ذكر الحافظ ابن عساكر (١) أن القفال كان فى أول أمره مائلًا عن الاعتدال قائلًا بالاعتزال (٢) ثم رجع إلى مذهب الأشعرى.
وقال القاضى أبو بكر فى التقريب والإرشاد، والأستاذ أبو (٣) إسحاق فى تعليقه فى أصول الفقه وقد حكيا هذه المذاهب: اعلم أن هذه الطائفة من أصحابنا ابن سريج وغيره كانوا برعوا فى فن الفقه ولم يكن لهم قدم (٤) راسخ فى الكلام وطالعوا على الكبر كتب المعتزلة فاستحسنوا عبارتهم وقولهم فى شكر المنعم عقلًا، فذهبوا إلى ذلك غير عالمين بما تؤدى إليه هذه المقالة من قبح القول، انتهى.
وهذان الوجهان فى الاعتذار عن هؤلاء الأئمة من وصمة (٥) الاعتزال.
_________________
(١) هو على بن الحسن بن هبة اللَّه بن عبد اللَّه المعروف بابن عساكر، من أعيان فقهاء الشافعية، حافظ، محدث. من شيوخه: أبو العلاء الهمدانى، وأبو سعيد السمعانى، وأبو الحسن السلمى. من تلاميذه: ولده القاسم، وأبو جعفر القرطبى، ويونس السفيانى. من تآليفه: تاريخ الشام، والأطراف، وتبيين كذب المفترى. ولد عام ٤٩٩ هـ، وتوفى عام ٥٧١ هـ. وفيات الأعيان ٢/ ٤٧١، تذكرة الحفاظ ٤/ ٣٢٨، طبقات السبكى ٧/ ٢١٥، وابن كثير ١٢/ ٢٩٤.
(٢) انظر تبيين كذب المفترى ص ١٨٣.
(٣) هو إبراهيم بن محمد بن إبراهيم ين مهران الأسفرائينى، أحد الأئمة فى الأصول والفروع. من شيوخه: أبو بكر الإسماعيلى، ومحمد بن عبد اللَّه الشافعى، ودعلج السجزى. من تلاميذه: القاضى أبو الطيب الطبرى، وأبو القاسم القشيرى، وأبو السائب هبة اللَّه. من مؤلفاته: التعليقة فى أصول الفقه، والجامع فى أصول الدين، ولد عام ٣٤٤ هـ. توفى عام ٤١٨ هـ. وفيات الأعيان ١/ ٨، ابن كثير ١٢/ ٢٤، وطبقات السبكى ٤/ ٢٥٦، الأعلام ١/ ٥٩.
(٤) المراد به هنا: السبق. قال فى المصباح المنير: "وله فى العلم قدم أى سبق". انظره ٢/ ٧٥٨.
(٥) قال فى القاموس: وصمه كوعده: شده بسرعة والعود صدعه من غير بينونة والشىء عابه. ٤/ ١٨٦.
[ ١٠٧ ]