ذكروا من أنواع المجاز مجاز (١) النقصان كقوله تعالى: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ (٢). وهو مشكل لأنه كيفية استعمال اللفظ فى غير موضوعه (٣)، وهذه المفردات مستعملة فى موضعها، إنما المتجوز فيه الإسناد وهذا من باب المجاز العقلى -الذى يتكلم فيه البيانى- لا اللغوى الذى يتكلم فيه الأصولى،
_________________
(١) انظر تفصيل الكلام على هذا النوع فى: البرهان للمؤلف ٢/ ٢٧٤، شرح الكوكب ١/ ١٧٥، شرح التنقيح للقرافى ص ٤٥، المحصول ١/ ١/ ٤٥٤، الإبهاج ١/ ٣٠٥، إرشاد الفحول ص ٢٤، سلم الأصول على المنهاج ٢/ ١٦٨، التبصرة ص ١٧٨، وتفسير القرطبى ٩/ ٢٤٥، البحر المحيط للمؤلف ١/ ٤١٤ وقارنه بما هنا، والإحكام لابن حزم ٤/ ٥٣١، والمزهر للسيوطى ١/ ٣٥٧.
(٢) جزء من الآية رقم ٨٢ من سورة يوسف. والتمثيل بالآية مبنى على أن المراد بالقرية الأبنية وهى لا تسأل، وقيل إنها مشتركة بينها وبين الناس المجتمعين فيها. وقيل: القرية حقيقة فى الناس بدليل الآيات: ﴿وَكَمْ قَصَمْنَا مِنْ قَرْيَةٍ﴾، ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا﴾. وقيل: من باب إطلاق المحل، وإرادة الحال لا من الحذف. وقيل: لا مجاز فيها أصلًا ولا حذف بل السؤال حقيقى لها ويكون معجزة ليعقوب -﵇-. وقهل: إن الدلالة على المحذوف هنا دلالة اقتضاء. قال الشيخ -﵀-: والجمهور على أن الاقتضاء من المفهوم لأنها دلالة التزام، وعامة البيانيين وأكثر الأصوليين على أنها كر وضعية، وإنما هى عقلية، ودلالة المجاز على معناه مطابقة، وهى وضعية بلا خلاف، ظهر أن الحذف هنا مدلول عليه بالاقتضاء، وأنه ليس من المجاز عند الجمهور القائلين به. منع جواز المجاز ص ٣٦، البحر المحيط ١/ ٤١٥، والإحكام لابن حزم ٤/ ٥٣٤، والرسالة للشافعى ص ٦٤.
(٣) هكذا فى الأصل، ولعله (موضعه).
[ ١٩٠ ]
إذا علمت ذلك، فاختلفوا فى المضاف المحذوف هل هو سبب التجوز أو محل التجوز؟
فذهب الإمام فخر الدين الرازى إلى أنه سبب التجوز، لأن عادة العرب نصب المفعول، فاللفظ فى هذه المادة موضوع لسؤال القرية بتقدير مضاف محذوف هو سبب التجوز وصيرورة اللفظ مجازًا (١).
وذهب البيانيون إلى أنه محل التجوز أى المتجوز عنه لا سبب المجاز، ويبنى على الطريقين أن المضافات المحذوفة التى لا توجب مجازًا هل تكون مجازات أو لا؟
فعلى الأول لا تكون كلها مجازًا إلا أن الذى باشره العامل عدل عنه إلى غيره.
وعلى الثانى تكون مجازًا أو التركيب (٢).
* * *
_________________
(١) المحصول ١/ ١/ ٤٥٠، المباحث الشرقية ١/ ٥٢٨ فما بعدها، البحر المحيط للمؤلف ١/ ٤١٤، والتلخيص ص ٣٣٦.
(٢) المجاز إما أن يقع فى مفردات الألفاظ فقط أو فى مركباتها أو فيهما معًا. فالأول مثل إطلاق الشجاع على الأسد، والحمار على البليد. وأما الذى يقع فى التركيب فهو: أن يستعمل كل لفظ من التركيب فى موضوعه الأصلى، ولكن التركيب لا يكون مطابقًا لما فى الوجود كقول العبدى: أشاب الصغر وأفنى الكبير كر الغداة ومر العشى وأما الذى يقع فى المفردات والتركيب معًا فكقولك لمن تداعبه: أحيانى اكتحالى بطلعتك. انظر الأقوال فى: المحصول ١/ ١/ ٤٤٥ فما بعدها، البحر المحيط للمؤلف وقارنه بما هنا ١/ ٤١٦، وشرح الكوكب ١/ ١٨٤.
[ ١٩١ ]