ذهب الكعبى (١) إلى أن لا مباح فى الشريعة وشق عصا المسلمين فى ذلك. هذا نقل إمام الحرمين (٢) وابن برهان وغيرهما (٣) وبنى مذهبه فى ذلك على أصل هو أن الأمر بالشىء نهى عن ضده، والنهى عن الشىء أمر بضده إن كان له ضد واحد كالحركة مع السكون، فإن كان له أضداد كان النهى عنه أمرًا بأضداده على سبيل البدل، فانهى عن القيام أمر بواحد من القعود والاضطجاع والاستلقاء، قال: فما من شىء من هذه الاضداد إلا وهو من حيث النظر إلى نفسه واجب وإن ثبت التخيير بينها (٤)، لأن ذلك لا يخرجه عن حقيقة الواجب، كالواجب الموسع فهو واجب من هذا الوجه ومباح من حيث ثبوت التخيير فيه (٥).
_________________
(١) هو عبد اللَّه بن أحمد بن محمود الكعبى البلخى. رأس طائفة من المعتزلة تنسب إليه، ينكر صفات اللَّه ﷿، ويقول: إن الصفة هى عين الذات، أخذ الاعتزال عن الحسين الخياط، له آراء فى العقائد والأصول خاصة به. من تآليفه: المقالات، وكتاب قبول الأخبار ومعرفة الرجال. توفى عام ٣١٩ هـ. وفيات الأعيان ٢/ ٢٤٨، ابن كثير ١١/ ١٦٤، لسان الميزان ٣/ ٢٥٥، فؤاد سزكين ٢/ ٤٠٧.
(٢) انظر البرهان ١/ ٢٩٤، والمستصفى ١/ ٤٧، ومنتهى السول للآمدى ١/ ٣١، ومنتهى الوصول لابن الحاجب ص ٢٩.
(٣) فى الأصل (وغيرهم).
(٤) فى الأصل (بينهما).
(٥) حاصل القول فى هذه المسألة ردها إلى القصد، فالغرض من النهى عن الزنا مثلًا هو عدم وقوع الزنا لا أن المراد منه ضد من أضداده، والمباح مقصود بقصد الإباحة وليس مقصودًا بالإيجاب، والكعبى لا ينكر ذلك، وغيره لا ينكر أن المباح قد يقع ذريعة إلى الكف عن المحظور، والذى يوضحه هو أن الزنا محظور لنفسه وهو ترك =
[ ١١٢ ]
قال إمام الحرمين، وابن برهان، والآمدى وغيرهم: ولا محيص عما ألزمه الكعبى إلا بإنكار ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب وهو لا يمكن، ولهذا اختار إمام الحرمين وابن برهان أنه يجب الشرط الشرعى دون ما عداه من الشروط العقلية والعادية (١).
* * *
_________________
(١) = للقتل فليكن محظورًا من حيث إنه زنا، واجبًا من حيث إنه ترك للقتل. ومن لم يتفطن لوقوع المقاصد فى الأوامر والنواهى فليس على بصيرة فى وضع الشريعة، هذا بالإضافة إلى أن إنكار الإباحة هجوم عظيم على الإجماع وخرق له، لأن الكعبى وأتباعه مسبوقون بإجماع الأمة على الإباحة. انظر البرهان لإمام الحرمين ١/ ٢٩٤، والبحر المحيط للمؤلف ١/ ١٥٧، وقد ذكر أوجهًا كثرة فى الرد على الكعبى، والمستصفى ١/ ٤٧، المنخول ص ١١٦، والموافقات للشاطبى ١/ ١٢٤.
(٢) انظر البرهان لإمام الحرمين فإن فيه ما يخالف هذا حيث قال: وسبيل مكالمته (يعنى الكعبى) ينبنى على ما تنجز الفراغ منه الآن، وقد مضى فى الأوامر إذ تكلمنا فى أن الأمر بالشىء لا يكون نهيًا عن أضداد المأمور به بما يكشف المقصود فى ذلك، ويوضحه التعليق السابق ١/ ٢٩٤. فلعل إمام الحرمين ذكر ما قاله المؤلف فى أحد كتبه الأصولية غير البرهان. وأما بالنسبة للآمدى فإنه ذكر ما قاله المؤلف وعبارته: وبالجملة وإن استبعده من استبعد -يعنى قول الكعبى- فهو فى غاية الغوص والإشكال، وعسى أن يكون عند غيرى حله. الإحكام ١/ ١٧٨، وانظر منتهى الوصول لابن الحاجب ص ٢٩، البحر للمؤلف ١/ ١٥٦ - ١٥٨، والمستصفى ١/ ٤٧.
[ ١١٣ ]