الأصل في ذلك: أن سُنَّة التَّرك دليل خاص يقدم على كل عموم.
وإليك توضيح ذلك بالأمثلة:
المثال الأول: تَرْكه - ﷺ - للأذان في العيدين (١)؛ فإن الرسول - ﷺ - تَرَكَه مع وجود المقتضي لفعله في عهده وهو إقامة ذكر الله ودعاء الناس إلى الصلاة.
فهذا التَّرْك دليل خاص يقدم على العمومات الدَّالة على فضل ذكر الله، كقوله _تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا﴾ [الأحزاب: ٤١] والأذان من الذِّكر الذي يدخل تحت هذا العموم.
قال ابن تيمية تعليقًا على هذا المثال: "فهذا مثال لما حدث مع قيام المقتضي له وزوال المانع لو كان خيرًا.
فإنَّ كل ما يبديه المحدث لهذا من المصلحة، أو يستدل به من الأدلة قد كان ثابتًا على عهد رسول الله - ﷺ - ومع هذا لم يفعله رسول الله - ﷺ -.
_________________
(١) أخرجه أبو داود (١/ ٢٩٨) برقم (١١٤٧) وصححه النووي، وقد تقدم.
[ ٨٣ ]
فهذا التَّرْك سُنَة خاصة، مقدمة على كل عموم وكل قياس (١).
المثال الثاني: إسقاط الزكاة من الخضر والبقول مع وجوب الزكاة فيها بعموم قول النبي - ﷺ -: «فيما سقت السماء والعيون أو كان عثريًا العشر، وما سُقِي بالنضح نصف العشر» (٢) لأن عدم نقل أن النبي - ﷺ - أخذ الزكاة منها يُنَزَّل كالسُنَّة القائمة في أن لا زكاة فيها.
المثال الثالث: تَرْكه - ﷺ - استلام الرُّكنين الشاميين، وغيرهما من جوانب البيت.
وقد ورد في ذلك أن ابن عباس ومعاوية - ﵄ - طافا بالبيت فاستلم معاوية - ﵁ - الأركان الأربعة، فقال ابن عباس - ﵄ - إنَّ رسول الله - ﷺ - لم يستلم إلا الركنين اليمانيين، فقال معاوية - ﵁: ليس من البيت شيء متروك، فقال ابن عباس - ﵄: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١] فرجع إليه معاوية - ﵁ (٣).
_________________
(١) اقتضاء الصراط المستقيم (٢/ ٥٩٧).
(٢) أخرجه البخاري ص (٣٠١) برقم (١٤٨٣).
(٣) انظر: اقتضاء الصراط المستقيم (٢/ ٧٩٨ - ٧٩٩).
[ ٨٤ ]