قال التلمساني: واعلم أن من شرط هذا الاستدلال بيان أن الوقت وقت حاجة للبيان، بحيث يكون التأخير معصية (١).
وهذا النوع أعني دلالة سكوته - ﷺ - يقرب من السنة التقريرية إلا أن السنة التقريرية - كما سيأتي في المطلب الآتي - لا بد أن يقترن بها فعل أو قول من بعض الصحابة - ﵃ - بخلاف دلالة السُّكوت فإنها أعَمَّ؛ إذ قد يقترن بها استفسار وسؤال سابق، فتكون من قبيل السُّنَّة التَّقريرية، وقد لا يقترن بها سُؤال؛ فتكون من قبيل التمسك بالأصل، وهو براءة الذمة؛ فتكون من قبيل سُنَّة التَّرْكِ.
القسم الخامس: ما تَرَكَه - ﷺ - لعدم القدرة عليه، وهذا التَّرْك لم يوجد معه القصد إلى التَّرْك (٢).
وهذا على التحقيق لا يُسَمَّى تَرْكًا؛ لكونه غير داخل تحت حقيقة التَّرْك؛ إذ الترك كما تقدم مخصوص بتَرْكِ فعل المقدور عليه.
ومن الأمثلة عليه: تركه - ﷺ - الإتيان بالمستجدات الواقعة
_________________
(١) انظر مفتاح الوصول ص (٥٨٣).
(٢) انظر مجموع الفتاوى (٢٠/ ٣١٤).
[ ٣٦ ]
بعد عصره - ﷺ - كَتَرْكه - ﷺ - قتال مانعي الزكاة؛ فإن جحد وجوب الزكاة إنما وقع في عهد أبي بكر - ﵁ - وكتَرْكِه - ﷺ - دخول الحَمَّامَات، فإن هذه الحَمَّامَات لم تكن معروفة ولا متوافرة في بلاد المسلمين قبل الفتوحات.
وبناء على ذلك فإن تَرْكه - ﷺ - عاد إلى أربعة أقسام، وهي ترجع إلى قسمين: تَرْكُ تشريعي وتَرْكُ مُعَلَّل.
فالتَّرك التشريعي نوعان: فقد يكون خاصًا به - ﷺ -، وقد يكون تَرْكُه - ﷺ - عامًا له ولأمته، وهذا - أعني التَّرْك التشريعي العام - هو التَّرْك الرَّاتب، وهو مَحَل الاقتداء، وهو الذي يُطْلَق عليه سُنَّة التَّرْك.
وأما الأنواع الأخرى من التُّرُوك فإنها داخلة تحت تَرْكِه - ﷺ - لكنها لا تُسَمَّى سُنَّة تَرْكِيَّة.
وأما التَّرْكُ المُعَلَّل فهو ما وقع فيه التَّرْك لأجل عِلَّة معينة غير عِلَّة التشريع وبيان الحكم.
وذلك أن الترك - ها هنا - حكم معلل بوجود مانع معين، وهذا المانع يتضمن معنى معتبرًا.
إذ قد يرجع هذا المعنى أو المانع إلى الجِبِلَّة والعادة، وقد يرجع إلى تحصيل مصلحة أو درء مفسدة.
وحيث إن الحكم يدور مع علته وجودًا وعدمًا، فإن هذا المعنى أو المانع متى تبين زواله وعُلِمَ انتفاؤه زال حكم التَّرْك
[ ٣٧ ]
وانقطع وصار الإتيان بهذا الأمر المتروك مشروعًا متى ما وُجِدَ في الشرع ما يقتضيه.
فهذا القسم من التَّرْكِ يُسَمَّى بالتَّرْك غير الرَّاتب؛ لأنه منوط بقيام علته، ومقيد بها، ولا يُشْرَع فيه الاقتداء بالنبي - ﷺ -.
وقد أشار ابن تيمية إلى هذين القسمين من التَّرْك بقوله: " فاستحباب الصلاة عقب السعي كاستحبابها عند الجمرات أو بالموقف بعرفات أو جعل الفجر أربعًا قياسًا على الظهر".
والتَّرْكُ الرَّاتب سُنَّة كما أن الفعل الرَّاتب سُنَّة.
بخلاف ما كان تَرْكِه بعدم مقتضى أو فوات شرط أو وجود مانع وحدث بعده من المقتضيات والشروط وزوال المانع ما دلَّت الشريعة على فعله حينئذ كجمع القرآن في المصحف وجَمْعِ الناس التراويح على إمام واحد وتعلم العربية وأسماء النقلة للعلم وغير ذلك مما يحتاج إليه في الدين، بحيث لا تتم الواجبات أو المستحبات الشرعية إلا به.
وإنَّمَا تَرْكُه - ﷺ - لفوات شرطه أو وجود مانع" (١):
وبذلك يمكن تعريف سُنَّة التَّرْك بأنها: " تَرْكُه - ﷺ - فعل الشيء مع وجود مقتضيه بيانًا لأمته".
_________________
(١) انظر: مجموع الفتاوى (٢٦/ ١٧٢).
[ ٣٨ ]
وقد تضمن هذا التعريف قُيودًا أربعة:
القيد الأول: أن يكون هذا الأمر المَتْرُوك مقدورًا عليه من جهة النبي - ﷺ -، وذلك أن التَّرْك - حسبما تقدم في التعريف اللغوي - عدم فعل المقدور عليه.
وبهذا القيد يخرج ما تَرَكَه - ﷺ - لعدم القدرة عليه؛ فإن هذا النوع من الترك لم يوجد معه القصد إلى الترك (١).
وهذا على التحقيق لا يسمى تَرْكًا؛ لكونه غير داخل تحت حقيقة التَّرْك؛ إذ الترك مخصوص بترك فعل المقدور عليه.
ومن الأمثلة على ذلك: تركه - ﷺ - الإتيان بالمستجدات الواقعة بعد عصره - ﷺ - مع وجود مقتضيها؛ كتركه - ﷺ - استعمال مكبرات الصوت الحديثة في نقل الأذان وتكبيرات الإمام والخطبة فهي غير مقدور عليها.
وقد مثل ابن تيمية لذلك بتركه - ﷺ - دخول الحمامات، وذلك أن هذه الحمامات لم تكن معروفة ولا متوافرة في بلاد المسلمين قبل الفتوحات.
قال ﵀: ليس لأحد أن يحتج على كراهة دخولها أي الحمامات أو عدم استحبابه بكون النبي - ﷺ - لم يدخلها ولا أبو بكر وعمر، فإن هذا إنما يكون حجة لو
_________________
(١) انظر: مجموع الفتاوى (٢٠/ ٣١٤).
[ ٣٩ ]
امتنعوا من دخول الحمام، وقصدوا اجتنابها، أو أمكنهم دخولها فلم يدخلوها.
وقد علم أنه لم يكن في بلادهم حينئذ حمام، فليس إضافة عدم الدخول إلى وجود مانع الكراهة أو عدم ما يقتضي الاستحباب، بأولى من إضافته إلى فوات شرط الدخول، وهو القدرة والإمكان (١).
القيد الثاني: أن يكون هذا الأمر المتروك من قبيل الأفعال فالسنة التركية مخصوصة بتركه - ﷺ - للفعل دون تركه - ﷺ - للقول.
وبهذا القيد يحترز من السنة التقريرية؛ فإنها من قبيل السكوت وذلك تركه - ﷺ - للقول.
القيد الثالث: أن يكون هذا الأمر المتروك من الأمور التي قام سببها ووجدت الحاجة إلى فعلها.
وبهذا القيد خرج ما تركه الرسول - ﷺ - لعدم الحاجة إليه في زمنه، إلا أن الحاجة إليه طرأت فيما بعد، وهذا هو باب المصالح المرسلة، وذلك أن المصلحة المرسلة فعل أمر لم يكن في عهد النبي لكن دعت الحاجة إلى فعله بعد زمنه.
ومن الأمثلة على ذلك: تَرْكه - ﷺ - قتال مانعي الزكاة؛ فإن منع الزكاة إنما وقع في عهد أبي بكر - ﵁.
_________________
(١) مجموع الفتاوى (٢٠/ ٣١٤) ..
[ ٤٠ ]
وخرج بهذا القيد - أيضًا: تَرْكه - ﷺ - للمنهيات والمنكرات، إذ ليس هنالك ما يقتضي فعل المعصية، بل الشرع يقتضي تَرْكها واجتنابها.
القيد الرابع: أن يقع هذا التَّرْكُ من النَّبي - ﷺ - على وجه التشريع والبيان؛ وذلك أن يَتْرُك الرَّسُول - ﷺ - فعل الشيء ليبين لأمته أن المشروع في هذا الشيء تَرْكُه وعدم فعله.
وبهذا القيد خَرَجَ ما تَرَكَه - ﷺ - لا على وجه التشريع، وإنما تَرْكُه مِن أجل قيام مانع من الموانع: إما لمانع جِبِلِّي، كَتَرْكِه - ﷺ - أكل الضَّب (١)، أو تأليفًا للقلوب؛ كَتَرْكِه - ﷺ - نقض الكعبة وبنائها على قواعد إبراهيم - ﵇ (٢)، أو لغير ذلك من المعاني.
وخرج بهذا القيد - أيضًا - تَرْكه - ﷺ - فعل أمر من الأمور الدنيوية المحضة؛ فإن هذا التَّرْك منه - ﷺ - إنما يقع من جهة كونه بشرًا، فهو راجع إلى أفعاله - ﷺ - الجِبِلِّيَّة والعادية، وهي في الأصل تأخذ حكم الإباحة.
ومن الأمثلة على ذلك: أمرُه - ﷺ - بِتَرْك تأبير النخل، فعن موسى بن طلحة عن أبيه - ﵁ - قال: مررت مع رسول الله - ﷺ - بقوم على رؤوس النخل فقال: «ما يصنع هؤلاء» فقالوا:
_________________
(١) أخرجه البخاري ص (١١٣٤) برقم (٥٣٩١) ومسلم ص (١٠٤١) برقم (١٩٤٦) وقد تقدم.
(٢) أخرجه البخاري ص (٧٠٤) برقم (٣٣٦٨) وقد تقدم.
[ ٤١ ]
يلقحونه؛ يجعلون الذكر في الأنثى فيلقح؛ فقال رسول الله - ﷺ - «ما أظن يغني ذلك شيئًا» قال: فأُخبروا بذلك فتركوه، فأخبر رسول الله - ﷺ - بذلك فقال: «إن كان ينفعهم ذلك فليصنعوه؛ فإني إنما ظننت ظنًا فلا تؤاخذوني بالظن، ولكن إذا حدثتكم عن الله شيئًا فخذوا به فإني لن أكذب على الله - ﷿ -» (١).
وقد خرج بهذا القيد - أيضًا - التَّرْك الخاص به - ﷺ -؛ فإن هذا التَّرْك وإن حصل به بيان للشريعة، لكنه بيان يختص به - ﷺ - دون أمته؛ كَتَرْكِه - ﷺ - أكل الثوم (٢).
_________________
(١) أخرجه مسلم ص (١٢٤٣) برقم (٢٣٦١).
(٢) أخرجه البخاري ص (١٤٩٢) برقم (٧٣٥٩) ومسلم ص (٢٦٩) برقم (٥٦٤) وقد تقدم.
[ ٤٢ ]