حُجِّيَّة السُّنَّة
أجمع المسلمون على وجوب طاعة النبي - ﷺ - ولزوم سُنَّته (١).
قال الإمام الشافعي: "لم أسمع أحدًا نسبه الناس أو نسب نفسه إلى علم - يخالف في أن فرض الله - ﷿ - اتباع أمر رسول الله - ﷺ - والتسليم لحكمه؛ بأن الله - ﷿ - لم يجعل لأحد بعده إلا اتباعه، وأنه لا يلزم قول بكل حال إلا بكتاب الله أو سُنَّة رسوله - ﷺ -، وأن ما سواهما تبع لهما، وأن فرض الله علينا وعلى من بعدنا وقبلنا في قبول الخبر عن رسول الله - ﷺ - واحد، لا يختلف في أن الفرض والواجب قبول الخبر عن رسول الله - ﷺ -، إلا فرقة سأصف قولها إن شاء الله تعالى" (٢).
وقال أيضًا: "ولا أعلم من الصحابة ولا من التابعين أحدًا أخبر عن رسول الله - ﷺ - إلا قبل خبره وانتهى إليه وأثبت
_________________
(١) انظر: مجموع الفتاوى (١٩/ ٨٢ - ٩٢) وإعلام الموقعين (٢/ ٢٩٠ - ٢٩٣).
(٢) جماع العلم ص (١١، ١٢).
[ ١٦ ]
ذلك سُنَّة" (١).
وقال - ﵀: "إذا وجدتم لرسول الله - ﷺ - سُنَّة فاتبعوها ولا تلتفتوا إلى قول أحد" (٢).
وقال ابن تيمية: "وهذه السُّنَّة إذا ثبتت فإن المسلمين كلهم متفقون على وجوب اتباعها" (٣).
والأدلة على وجوب اتباع السُّنَّة كثيرة جدًا (٤):
فمن القرآن الكريم (٥):
١ - الأمر بطاعة الرسول - ﷺ - قال - تعالى: ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ﴾ [آل عمران: ٣٢].
٢ - ترتيب الوعيد على من يخالف أمر النبي - ﷺ -، قال - تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور: ٦٣].
٣ - نفي الخيار عن المؤمنين إذا صدر حكم عن رسول الله - ﷺ -، قال - تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى
_________________
(١) مفتاح الجنة، ص (٣٤)
(٢) مفتاح الجنة ص (٧٧).
(٣) مجموع الفتاوى (١٩/ ٨٥، ٨٦).
(٤) انظر مسائل الإمام أحمد برواية ابنه عبد الله (٣/ ١٣٥٥ - ١٣٦١) ومعارج القبول (٢/ ٤١٦ - ٤٢٠) وللاستزادة يراجع كتاب حجية السنة للدكتور عبد الغني عبد الخالق ص (١٧٨) وما بعدها، وكتاب السنة حجيتها ومكانتها للدكتور محمد لقام السلفي ص (٢٩، ٣٠).
(٥) انظر الرسالة ص (٧٩، ٨٤) ومجموع الفتاوى (١٩/ ٨٣) وإعلام الموقعين (١/ ٤٩، ٥٠) (٢/ ٢٨٩، ٢٩٠).
[ ١٧ ]
اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٣٦].
٤ - الأمر بالرد إلى الرسول - ﷺ - عند النزاع، قال - تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء: ٥٩].
٥ - جعل الرد إلى الرسول - ﷺ - عند النزاع من موجبات الإيمان ولوازمه، قال - تعالى: ﴿فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ﴾ [النساء: ٥٩].
ومن السنة:
قوله - ﷺ -: «فعليكم بسُنَّتي وسُنَّة الخلفاء المهديين الراشدين تمسكوا بها وعَضُّوا عليها بالنَّواجِذ» (١).
وقوله - ﷺ -: «دعوني ما تركتكم، فإنما أهلك من كان قبلكم سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم، فإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه، وإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم» (٢).
وقوله - ﷺ -: «ألا إني أوتيت الكتاب ومثله معه، لا يوشك رجل شبعان على أريكته، يقول: عليكم بهذا القرآن، فما وجدتم فيه من حلال فأحلوه وما وجدتم فيه من حرام فحرِّموه» (٣).
_________________
(١) أخرجه أبو داود والترمذي، وقد تقدم.
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه ص (٤٨٠) برقم (٧٢٨٨).
(٣) أخرجه أبو داود في سننه (٤/ ٢٠٠) برقم (٤٦٠٤) ونحوه عند الترمذي في سننه (٥/ ٣٧، ٣٨) برقم (٢٦٦٣، ٢٦٦٤) وقال: حسن صحيح، وابن ماجة في سننه (١/ ٦، ٧) برقم (١٢، ١٣).
[ ١٨ ]
وقوله - ﷺ -: «ألا وإن ما حرم رسول الله مثل ما حرم الله» (١).
هذه بعض النصوص الدالة على حُجِّيَّة السُّنَّة وبذلك يعلم أن الاحتجاج بالسُّنَّة أصل ثابت من أصول هذا الدين وقاعدة ضرورية من قواعد.
_________________
(١) أخرجه ابن ماجه في سننه (١/ ٦) برقم (١٢) والترمذي في سننه (٥/ ٣٨) برقم (٢٦٦٤) وقال: حسن غريب.
[ ١٩ ]
الفصل الأول