ويمكن بيان ذلك في النقاط الآتية:
أولًا: أن التَّرْكَ داخل تحت التكليف (١).
التَّرْكُ معدود من الأفعال المُكلَّف بها؛ خلافًا لمن زعم أن التَّرك أمر عدمي لا وجود له، والعدم عبارة عن لا شيء.
والدليل على أن الترك فعل من القرآن قوله - تعالى: ﴿كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ [المائدة: ٧٩] فسمَّى الله عدم تناهيهم عن المنكر فعلا وذمهم على هذا الفعل، فقال - سبحانه: ﴿لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾، ومن السُّنَّة قوله - ﷺ -: «المُسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده» (٢) فَسُمِّيَ تَرْكُ الأذى إسلامًا وهو يدل على أن التُّرْك فعل.
_________________
(١) انظر: مذكرة الشنقيطي ص (٣٨، ٣٩).
(٢) أخرجه البخاري ص (٨) برقم (١٠) ومسلم ص (٤٧) ص (٤١).
[ ٢٤ ]
ثانيًا: متى يكون الترك مطلوبًا أو مباحًا في الشرع؟ (١)
١ - إذا وقع تَرْك ما أحله الله على وجه معتبر شرعًا وذلك إذا اقترن بهذا التَّرْك نية صحيحة، أو كان التَّرك وسيلة مفضية إلى العمل الصالح وعونًا عليه؛ فإن هذا التَّرك على هذا الوجه يدخل تحت معنى العبادة، فلا يكون بدعة حينئذ، وذلك كمن نوى بترك النَّوم ليلًا لإدراك صلاة الفجر، أو كان ترك النوم بالنسبة إليه سببًا للبر بوالديه أو أحدهما.
٢ - إذا وقع التَّرك لسبب معقول؛ كمن يترك الطعام لأنه يضره في جسمه، أو لأنه لا يجد ثمنه، أو ما أشبه ذلك من الدواعي الخاصة، ومنه تَرْك النبي - ﷺ - لأكل الضَّب لقوله فيه «إنه لم يكن بأرض قومي فأجدني أَعافه» (٢)، ولا يُسَمَّى مثل هذا تحريمًا لأن التحريم يستلزم القصد إليه، وهذا ليس كذلك فهذا التَّرْك في أصله من قبيل المباح.
٣ - ترك الأمور المشتبهات من باب الاحتياط؛ فإن هذا من باب الورع، وهو الوارد في قوله - ﷺ -: «دع ما يريبك إلى ما لا يريبك» (٣)، وقوله - ﷺ -: «فمن اتقى الشبهات استبرأ لدينه
_________________
(١) انظر: الحوادث والبدع ص (٤٣) والباعث ص (٥٧) والاعتصام (١/ ٤٢، ٤٥) (٢/ ١٠٧) والإبداع ص (٥١ - ٥٣).
(٢) أخرجه البخاري ص (١١٣٤) برقم (٥٣٩١) ومسلم ص (١٠٤١) برقم (١٩٤٦).
(٣) أخرجه الترمذي (٤/ ٦٦٨) برقم (٢٥١٨) وقال: هذا حديث حسن صحيح، وصححه الألباني انظر: صحيح الجامع (٢/ ٦٣٧) برقم (٣٣٧٨).
[ ٢٥ ]
وعرضه» (١).
٤ - تَرْك بعض السُّنَّة سُدًا للذريعة؛ لئلا يُظن الوجوب وهذا خاص بمن كان من الناس في مظنة الاقتداء به، وهو منقول عن السلف؛ كَتَرْكِ بعض الصحابة - ﵃ - الأُضحية؛ خشية أن يظن الناس أنها واجبة؛ نُقِلَ ذلك عن أبي بكر وعمر وابن عباس - ﵄ - وقال أبو مسعود البدري - ﵁: «إني لأترك أضحيتي وإني لمن أيسركم؛ مخافة أن يظن الجيران أنها واجبة» (٢).
والأصل في ذلك: تَرْك النبي - ﷺ - قتل المنافقين (٣)، وتَرْكه - ﷺ - هدم الكعبة وبنائها على قواعد إبراهيم - ﷺ - (٤).
قال ابن القيم: " .. هذا إذا أمن المفتي غائلة الفتوى، فإن لم يأمن غائلتها وخاف من ترتب شر أكثر من الإمساك عنها أمسك عنها، ترجيحًا لدفع أعلى المَفسدتين باحتمال أدناهما، وقد أمسك النبي - ﷺ - عن نقض الكعبة وإعادتها على قواعد إبراهيم لأجل حُدثان عهد قريش
_________________
(١) أخرجه البخاري ص (١٧) برقم (٥٢) ومسلم واللفظ ص (٨٣٣) برقم (١٥٩٩).
(٢) أخرجه البيهقي في السنن الكبرى (٩/ ٢٦٥) وصححه الحافظ ابن حجر في التلخيص الحبير (٤/ ١٤٥).
(٣) أخرجه البخاري ص (٧٣٥) برقم (٣٥١٨) ومسلم ص (١٣٥١) برقم (٢٥٨٤).
(٤) أخرجه البخاري ص (٧٠٤) برقم (٣٣٦٨).
[ ٢٦ ]
بالإسلام، وأن ذلك رُبَّما نفَّرهم عنه بعد الدخول فيه".
وكذلك إن كان عقل السائل لا يحتمل الجواب عمَّا سأل عنه، وخاف المسئول أن يكون فِتْنَة له، أمسك عن جوابه (١).
ثالثًا: متى يصير التَّرْكُ بدعة (٢)؟
ترك ما أحلَّه الله - تعالى - يصير بدعة ضلالة في حالتين:
الحالة الأولى: أن يعتقد تحريم فعل ما أحلَّه الله.
والأصل في ذلك: التحريم الواقع من الكفار؛ كالبحيرة والسائبة والوصيلة والحام؛ كما ورد ذلك في قوله - تعالى: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَأَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾ [المائدة: ١٠٣].
ومن الأمثلة على ذلك:
١ - اعتقاد تحريم التمتع بالطيبات.
٢ - اعتقاد حُرْمة جميع ما يُصنع ويأتي من بلاد الكافرين، من أطعمة وألبسة وغيرها.
٣ - اعتقاد حُرْمة بعض المخترعات العصرية، كالوسائل الكهربائية.
والحالة الثانية: أن يقترن بِتَرْك فِعْل ما أحَلَّه الله قصد
_________________
(١) إعلام الموقعين (٤/ ١٥٧، ١٥٨).
(٢) انظر الاعتصام (١/ ٤٢ - ٤٥) والإبداع ص (٥١ - ٥٣).
[ ٢٧ ]
التعبد ونية التقرب إلى الله، من وجه لم يعتبره الشارع، وإن كان هذا التَّارِك يعتقد في نفسه أن إتيان هذا الفعل حلال من حيث الأصل.
وذلك مثل التَّقَرُّب إلى الله - تعالى - بِتَرْك النوم ليلًا أو تَرْك الأكل نهارًا، أو تَرْك إتيان النساء، وهذا ما وَرَدَ في قصة الرَّهْطِ الثلاثة.
فعن أنس بن مالك - ﵁ - قال: «جاء ثلاثة رَهْط إلى بيوت أزواج النبي - ﷺ - يسألون عن عبادة النبي - ﷺ - فلما أخبروه كأنهم تَقَالُّوها فقالوا: وأين نحن من النبي - ﷺ - قد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخَّر.
قال أحدهم: أما أنا فأصلي الليل أبدًا، وقال آخر: أنا أصوم الدهر ولا أُفْطِر. وقال آخر: أنا اعتزل النساء فلا أتزوج أبدًا.
فجاء رسول الله - ﷺ - فقال: «أنتم الذين قلتم كذا وكذا؟ أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له، لكني أصوم وأُفْطِر، وأُصلي وأرقد، وأتزوج النساء فمن رَغِبَ عن سُنَّتي فليس مني» (١).
وذلك أن هؤلاء الثلاثة أرادوا التقرب إلى الله - تعالى - بِتَرْكِ الحلال، وهو تَرْكُ النوم ليلًا، وتَرَكُ الإفطار نهارًا، وتَرَكُ الزَّواج.
_________________
(١) أخرجه البخاري ص (١٠٧٠) برقم (٥٠٦٣).
[ ٢٨ ]
ثم إن الرسول - ﷺ - قد أنكر عليهم صنيعهم هذا وبَيَّنَ سُنَّتِه وجَلَّاها، فقال: «لَكِنِّي أصوم وأُفطر، وأُصلي وأرقد، وأتزوج النِّساء، فمن رَغِبَ عن سُنَّتِي فليس مِنِّي» والرغبة عن السنة مُوقِع في البدعة.
والأصل في ذلك: قول الله - تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ [المائدة: ٨٧] حيث نهى أوَّلًا عن تحريم الحلال ثم جاءت الآية تشعر بأن ذلك اعتداء لا يحبه الله، وذلك أن التَّرك المقصود معارضة للشارع في شرع التحليل.
ومما يَحْلَق بهذا النوع من التَّرك: الاقتصار في الملبس على الخشن من غير ضرورة، أو الاقتصار على البشيع في المأكل من غير عذر فإنه تَنَطُّع؛ لأنه من قبيل التشديد والتَّنَطُّع المذموم، وفيه أيضًا مَنْ قصد الشهرة ما فيه، وهذا كله قد يفضي إلى الوقوع في الغلو المنهي عنه.
رابعًا: متى يصير الترك معصية (١).
يُعَدُّ التَّرْكُ معصية: إذا تُرِكَ ما هو مطلوب في الشرع كَسَلًا أو تضييعًا أو عبثًا، فهذا الضرب من التَّرْكِ راجع إلى مخالفة أمر الشارع، فإن كان في أمر يفيد الوجوب فالتَّرك يكون حينئذ معصية؛ كَتَرْك الطَّعام يوم العيد.
_________________
(١) انظر: الاعتصام (١/ ٤٢ - ٤٥) والإبداع ص (٥١ - ٥٣).
[ ٢٩ ]
وإن كان التَّرْك في أمر يفيد النَّدب، فهذا التَّرك لا يُعَدُّ معصية؛ كترك الاستياك والتَّطَيُّب لصلاة الجمعة.
[ ٣٠ ]