دلالة السُّنَّة التَّرْكِيَّة
سُنَّة التَّرْك قِسْمٌ من أقسام السُّنَّة المُطهَّرة، وهي حُجَّة شرعية مُعتبرة، وذلك أنَّ تَرْكَ الرسول - ﷺ - للشيء دليل على تحريمه؛ فيجب حينئذ تَرْك ما تَرَكَه رسول الله - ﷺ -.
إلا أن هذا ليس على إطلاقه؛ إذ مجرد تَرْكه - ﷺ - للشيء لا يدل على تحريم هذا الشيء المتروك، وإنَّما يُستفاد التحريم من تَرْكه - ﷺ - متى انضم إلى هذا التَّرك القرائن المفيدة للتحريم، ولذا فإنَّ الاحتجاج بتَرْكه - ﷺ - لا بد أن تتوافر فيه شروط، هذا ما يمكن ذكره إجمالًا، وإليك فيما يأتي تفصيل ذلك في أصول خمسة:
الأصل الأول: أن النَّبيَّ - ﷺ - إذا تَرَكَ أمرًا من الأمور فإن هذا التَّرك مَحَلٌ للاقتداء والتَّأَسِّي به - ﷺ - وذلك أن تَرْكِه - ﷺ - جُزْء من سُنَّته - ﷺ - إذ سُنَّته تَعُمُّ جميع أفعاله وتَرْكِه - ﷺ -.
وقد دَلَّ على ذلك عُموم قوله - تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآَخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الأحزاب: ٢١].
[ ٥٧ ]
ويدخل تحت معنى التَّأسي بالرسول - ﷺ - في تَرْكِه أمور ثلاثة:
الأول: متابعة الرسول - ﷺ - في تَرْكِ ما تَرَكَه:
قال السمعاني: "إذا ترك النبي - ﷺ - شيئًا من الأشياء وجب علينا متابعته فيه (١). ووجوب مُتابعة الرسول - ﷺ - في تَرْكِه ليس على إطلاقه، وإنما يشترط فيه أن يقع هذا التَّرْك منه - ﷺ - مع وجود المُقتضي لفعله في زمنه - ﷺ - مع انتفاء المانع، كما سيأتي.
الثاني: مُوافقة الرسول - ﷺ - في قصده في هذا التَّرْكِ:
إذ لا يكفي في التَّأسي بالرسول - ﷺ - مجرد تَرْك ما تركه الرسول - ﷺ - بل لا بد أن يضم إلى هذا التَّرْك موافقته - ﷺ - في قَصْدِه - ﷺ - من هذا التَّرْك.
أمَّا إذا تَرَكَ الرسول - ﷺ - أمرًا من الأمور بحكم الاتفاق دون قصد للتَّرْكِ، أو وَقَعَ التَّرك منه - ﷺ - دون أن يقصد العبادة بهذا التَّرك؛ فمتابعة الرسول - ﷺ - في هذا التَّرْكِ بقصد العبادة لا يكون من التَّأسي به - ﷺ - لأنه - ﷺ - لم يقصد العبادة (٢).
قال ابن النَّجَّار: وأمَّا التَّأسي في التَّرْك: فهو أنّه تترك ما تركه لأجل أن تَرَكَه (٣).
_________________
(١) قواطع الأدلة (٢/ ١٩٠).
(٢) انظر: مجموع الفتاوى (١/ ٢٨٠) (١٠/ ٤٠٩).
(٣) شرح الكوكب المنير (٢/ ١٩٦).
[ ٥٨ ]
الثالث: الاقتداء بالرسول - ﷺ - في تحصيل معاني تَرْكِه وتحقيق حِكَمِه:
ومن الأمثلة على ذلك: أنَّ الرَّسول - ﷺ - قد يترك فعل أمر من الأمور من أجل علة معينة؛ كَتَرْكِه - ﷺ - قيام رمضان جماعة (١)، رحمةً بأُمَّتِه وشفقة عليهم فالمتعين على المُفْتِي وهو قائم مقام النبي في الأمة، أن يسلك في فتواه مَسلك الرَّحمة بالخلق والشَّفَقة عليهم، وأن يقتدي بمنهج الرسول - ﷺ - في بيانه للشَّرِيعة.
قال الشاطبي: "لا ينبغي لمن اِلْتَزم عبادة من العبادات البَدَنِيَّة النُّدْبِيَّة أن يُواظب عليها مُوَاظبة يَفهم الجاهل منها الوجوب إذا كان منظورًا إليه مرموقًا، أو مَظَّنَّة لذلك؛ بل الذين ينبغي له أن يدعها بعض الأوقات حتى يُعلم أنها غير واجبة؛ لأن خاصية الواجب المكرر الالتزام والدوام عليه في أوقاته، بحيث لا يتخلف عنه".
كما أن خاصية المَنْدُوب عدم الالتزام، فإذا التزمه فَهِمَ النَّاظر منه نفس الخاصية التي للواجب؛ فحمله على الوجوب، ثم استمر على ذلك فَضَلَّ ..
ولذلك لما قرأ عمر بن الخطاب السجدة على المِنْبَر ثم سجد وسجد معه الناس قرأها في كرة أخرى فلما قرب من
_________________
(١) أخرجه البخاري ص (١٤٨٠) برقم (٧٢٩٠) وقد تقدم.
[ ٥٩ ]
موضعها تهيأ الناس للسجود فلم يسجدها، وقال: "إن الله لم يكتبها علينا إلا أن نشاء" (١).
ومن الأمثلة على ذلك: تَرْكِه - ﷺ - نقض الكعبة ثم بنائها على قواعد إبراهيم (٢) تأليفًا للقلوب فيجدر بالمفتي أن يقتدي بالرسول - ﷺ - في فتواه بمراعاة المآل والنظر إلى ثاني الحال.
ومن هنا فإن عبد الله بن الزبير لمَّا وُلِّيَ الحجاز قام بمد الكعبة على الأركان الأربعة، ثم إن الخليفة الأموي عبد الملك بن مروان رَدَّ الكعبة على ما كانت عليه.
ثم لما جاء بعض خلفاء بني العباس استشار الإمام مالك في ذلك فقال: "أُنْشدك الله يا أمير المؤمنين أن لا تجعل هذا البيت مَلْعَبَةً للملوك، لا يشاء أحد منهم أن يغيره إلَّا غيره؛ فتذهب هيبته من قلوب الناس فصرفه عن رأيه فيه" (٣).
الأصل الثاني: أن تَرْكَه - ﷺ - لأمر من الأمور يدل على مشروعية تَرْكِه وعلى عدم وجوبه في أدنى الدَّرجات.
قال التلمساني: "ويلحق بالفعل في الدلالة: الترك؛ فإنه كما يستدل بفعله - ﷺ - على عدم التحريم يستدل بتركه على عدم
_________________
(١) الموافقات (٣/ ٣٣٢ - ٣٣٣) وأثر عمر - ﵁ - أخرجه البخاري في صحيحه ص (٢١٧) برقم (١٠٧٧).
(٢) أخرجه البخاري ص (٧٠٤) برقم (٣٣٦٨) وقد تقدم.
(٣) انظر السيرة الحلبية (١/ ٢٩٥).
[ ٦٠ ]
الوجوب" (١).
وبهذا يتبين أنَّ تَرْكَه - ﷺ - لا يدل على تحريم هذا الشيء المتروك.
وهذا كله إنما يستقيم إذا خلا تَرْكُه - ﷺ - من القرائن.
وهذه قضية في غاية الأهمية؛ فإنَّ تَرْكَه - ﷺ - من حيث هو يحتمل - وهذا هو الأصل - جواز الترك، وهو الإباحة ويحتمل - أيضًا - وجوب الترك، وهو التحريم.
ومن هنا فلا يسوغ لأحد أن يجعل من مجرد تَرْكه - ﷺ - لأمر من الأمور دليلًا على تحريم هذا الأمر المتروك، كما لا يسوغ لأحد أن يجعل من مجرد تَرْكِه - ﷺ - لأمر من الأمور دليلًا على إباحة هذا الأمر المتروك.
إلا أن تَرْكَه - ﷺ - قد تقترن به قرائن تمنع من الاحتجاج به فيكون هذا التَّرك دليلًا على الإباحة.
وقد تقترن بتَرْكِه - ﷺ - قرائن تجعل من هذا التَّرك حُجَّة، فيكون هذا التَّرك دليلًا على التحريم، ويتعين إذ ذاك متابعته - ﷺ - في هذا التَّرك. وسيأتي بيان هذه القرائن في الأصل الرابع والخامس.
ثُمَّ إنَّ تَرْكَ النبي - ﷺ - حتى يكون حُجَّة يجب متابعته فيه لا بد أن يتوافر فيه شرطان:
_________________
(١) مفتاح الوصول ص (٥٨٠).
[ ٦١ ]
الشرط الأول: أن يترك - ﷺ - فعل أمر من الأمور مع وجود السبب المقتضي لهذا الفعل في عهده - ﷺ -.
والشرط الثاني: أن يترك - ﷺ - فعل هذا الأمر مع انتفاء الموانع وعدم العوارض.
وسيأتي تفصيل هذه الشروط إن شاء الله في المطلب الآتي.
الأصل الثالث: أن تَرْكَه - ﷺ - ليس قِسما واحدًا بل تَرْكَه - ﷺ - كأفعاله - ﷺ - فإنها على أقسام فمنها التَّرك الجبلي والعادي والتَّرك الخاص به - ﷺ - والتَّرك المصلحي، والتَّرك البياني، وقد تقدم بيان هذه الأقسام في الفصل السابق.
الأصل الرابع: أن تَرْك النبي - ﷺ - قد تقترن به قرائن تمنع من الاحتجاج به، وتفيد عدم مشروعية الاقتداء به - ﷺ - في هذا التَّرك.
ومن الأمثلة على هذه القرائن:
١ - أن يترك - ﷺ - الفعل لمانع يرجع إلى الجِبِّلة أو العادة؛ كتَرْكِه - ﷺ - أكل الضَّبِّ لكونه لم يكن بأرض قومه (١).
٢ - أن يترك - ﷺ - الفعل لأمر يختص به - ﷺ - وهو أنه يناجي الملائكة وذلك كتَرْكِه - ﷺ - أكل الثَّوم (٢).
_________________
(١) أخرجه البخاري ص (١١٣٤) برقم (٥٣٩١) ومسلم ص (١٠٤١) برقم (١٩٤٦) وقد تقدم.
(٢) أخرجه البخاري ص (١٤٩٢) برقم (٧٣٥٩) ومسلم ص (٢٦٩) برقم (٥٦٤) وقد تقدم.
[ ٦٢ ]
٣ - أن يترك - ﷺ - الفعل تحقيقًا لمصلحة شرعية؛ كتَرْكِه - ﷺ - هدم الكعبة وبناءها على قواعد إبراهيم - ﷺ - تأليفًا لقلوب أهل مكة (١).
٤ - أن يترك - ﷺ - الفعل لعدم القدرة عليه، بسبب حدوث مسائل مستجدة وقعت بعد عصره - ﷺ - كتعدد الطوابق في الطواف والسعي ورمي الجمرات.
والضابط لهذه القرائن: أن يحصل هذا الترك منه - ﷺ - لأجل وجود مانع يمنعه من الفعل، أو من أجل انتفاء سبب هذا الفعل المقتضي له.
الأصل الخامس: أنَّ تَرْك النبي قد تقترن به قرائن تجعل من هذا التَّرك حجة قاطعة؛ فيتعين إذ ذاك متابعته - ﷺ - في هذا الترك.
وأقرب هذه القرائن أن يقترن بتَرْكِه - ﷺ - تَرْكِ السلف الصالح من الصحابة - ﵃ - والتابعين وتابعيهم.
والأصل في ذلك أن كل عبادة اتفق على تَرْكِها الرسول - ﷺ - وسلف الأمة من بعده فهي بلا شك بدعة ضلالة، ليست من الدين في صدر ولا ورد.
فإذا تواطأ النبي - ﷺ - وسلف الأمة من بعده على تَرْكِ عبادة فهذا دليل قاطع على أنها بدعة.
_________________
(١) أخرجه البخاري ص (٧٠٤) برقم (٣٣٦٨) وقد تقدم.
[ ٦٣ ]
ذلك أن المانع من فعل عبادة من العبادات إن وُجِدَ في حق النبي - ﷺ - فلا يمكن أن يوجد في حق السلف من بعده؛ إذ لا يمنعهم عن فعل العبادات مانع، ولا يشغلهم عن بيان الدين شاغل.
وذلك أن السكوت عن حكم الفعل أو التَّرْك - إذا وُجِدَ المعنى المقتضى له وانتفى المانع منه - إجماع من كل ساكت على أنْ لا زائد على ما كان؛ إذ لو كان ذلك لائقًا شرعًا أو سائغًا لفعلوه، فهم كانوا أحق بإدراكه والسبق إلى العمل به.
ومن هنا يتبين أن كل عبادة من العبادات، ترك فعلها السلف الصالح من الصحابة والتابعين وتابعيهم أو نقلها أو تدوينها في كتبهم أو التعرض لها في مجالسهم فإنها تكون بدعة بشرط أن يكون المقتضي لفعل هذه العبادة قائمًا والمانع منه منتفيًا (١).
ومِنْ هنا يظهر وجه التقارب والتلازم بين قاعدة السُّنَّة التَّرْكِية وقاعدة تَرْك السلف.
ويعتبر في العمل بقاعدة تَرْك السلف جميع ما يُذْكر من شُروطٍ في حُجِّيِّة تَرْك النبي - ﷺ - سواء بسواء.
ومن الأمثلة على التلازم بين تَرْك النبي - ﷺ - وتَرْك السلف:
_________________
(١) انظر: الترغيب عن صلاة الرغائب الموضوعة ص (٩) والباعث ص (٤٧).
[ ٦٤ ]
١ - صلاة الرَّغَائب المُبْتَدعة (١)
وقد اعتمد العِزَّ بن عبد السلام في إنكار هذه الصلاة وبيان بدعيتها على قاعدة تَرْك السلف.
قال_ ﵀: "ومما يدل على ابتداع هذه الصلاة أن العلماء الذين هم أعلام الدين وأئمة المسلمين من الصحابة والتابعين وتابعي التابعين وغيرهم ممن دَوَّن الكُتُب في الشريعة مع شدة حرصهم على تعليم الناس الفرائض والسُّنَّن لم يُنقل عن أحد منهم أنه ذكر هذه الصلاة، ولا دونها في كتابه، ولا تَعَرَّضَ لها في مجالسه.
والعادة تحيل أن تكون مثل هذه سُنَّة وتغيب عن هؤلاء الذين هم أعلام الدين وقدوة المؤمنين، وهم الذين إليهم الرجوع في جميع الأحكام من الفرائض والسُّنَن والحلال والحرام" (٢).
_________________
(١) وهي اثنتا عشرة ركعة، تصلي بين العشائين ليلة أول جمعة في شهر رجب بكيفية مخصوصة يفصل بين كل ركعتين بتسليمه، يقرأ في كل ركعة بفاتحة الكتاب مرة، وسورة القدر ثلاث مرات، وسورة الإخلاص اثنتي عشرة مرة. وكذا صلاة ليلة النصف من شعبان، فإنها تسمى بصلاة الرغائب، وهي مائة ركعة كل ركعتين بتسليمة يقرأ في كل ركعة بعد الفاتحة سورة الإخلاص إحدى عشرة مرة. انظر تنزيه الشريعة المرفوعة (٢/ ٨٩ - ٩٤) والإبداع للشيخ علي محفوظ ص (٥٨).
(٢) الترغيب عن صلاة الرغائب الموضوعة ص (٩) وانظر: الباعث ص (٤٧).
[ ٦٥ ]
٢ - الاحتفال بأيام الإسلام ووقائعه المشهودة واتخاذها أعيادًا (١).
فمن ذلك: الاحتفال بمولد النبي - ﷺ - فإنه لم ينقل عن أحد من السلف فضلا عن فعله.
قال ابن تيمية: "وإنما العيد شريعة، فما شرعه الله اتُّبِع وإلا لم يحدث في الدين ما ليس منه" (٢).
وقال أيضًا: "فإن هذا لم يفعله السلف مع قيام المقتضي له وعدم المانع منه، ولو كان هذا خيرًا محضًا أو راجحًا لكان السلف - ﵁ - أحق به منا، فإنهم كانوا أشدَّ محبة لرسول الله - ﷺ - وتعظيمًا له منا، وهم على الخير أحرص.
وإنما كمال محبته وتعظيمه في متابعته وطاعته واتباع أمره، وإحياء سُنَّته باطنًا وظاهرًا، ونشر ما بُعِثَ به، والجهاد على ذلك بالقلب واليد واللسان.
فإن هذه طريقة السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان" (٣).
_________________
(١) انظر: اقتضاء الصراط المستقيم (٢/ ٦١٤).
(٢) اقتضاء الصراط المستقيم (٢/ ٦١٤، ٦١٥).
(٣) انظر المصدر السابق (٢/ ٦١٥).
[ ٦٦ ]