شروط الاحتجاج بالسُّنَّة التَّرْكِية (١)
الشرط الأول: أن يقع هذا التَّرْكُ منه - ﷺ - مع وجود السبب المتقضي لهذا الفعل في عهده - ﷺ - وذلك بأن تقوم الحاجة إلى فعله ويتركه - ﷺ -، فَتَرْكُه - ﷺ - حينئذ لهذا الفعل يُعُّد سُنَّة يجب الأخذ بها وتجب متابعته - ﷺ - في تَرْكِ هذا الفعل ولكن ذلك بشرط انتفاء الموانع كما سيأتي في الشرط الثاني.
أمَّا إن انتفى السبب المقتضي ولم يوجد هذا السبب الموجب لهذا الفعل، فإنَّ تَرْكَ النبي - ﷺ - حينئذ لا يكون سُنَّة؛ لأنَّ تَرْكَه كان بسبب عدم وجود المقتضي إذ لو وُجِدَ المقتضي لفعله - ﷺ -.
ومن الأمثلة على ذلك: تَرْكُه - ﷺ - قتال مانعي الزكاة فقط؛ إذ إن هذا الترك كان لعدم وجود السبب المقتضي، فلمَّا فعل أبو بكر - ﵁ - ذلك وقاتل مانعي الزكاة فقط (٢) لم يكن مخالفًا لسنة رسول الله - ﷺ -.
_________________
(١) انظر مجموع الفتاوى (٢٦/ ١٧٢) واقتضاء الصراط المستقيم (٢/ ٥٩١ - ٥٩٧).
(٢) انظر صحيح البخاري ص (١٤٠٦) برقم (٦٩٢٤، ٦٩٢٥).
[ ٦٧ ]
تنبيه:
احتج بعضُهم بذلك في تحسين بعض البدع - كالاحتفال بمولده - ﷺ - وبيوم هجرته، وتخصيص ليلة السابع والعشرين من شهر رجب بالمزيد من الذِّكر والقيام - حيث قال: إنَّ الرَّسول - ﷺ - لم يفعل بعض العبادات، وذلك لأن المقتضي في حقه - ﷺ - منتف؛ لكونه قد غُفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، ومعلوم أنَّ تَرْكَه - ﷺ - كمَّا تقرر لا يكون حُجَّة إلا بشرط قيام المقتضي، فهو - ﷺ - بخلاف أمته - ولا سيما المتأخرين - فإن المقتضي في حقهم قائم ثابت، وذلك لعظم تقصيرهم وكثرة ذنوبهم.
والجواب على ذلك: أن الرسول - ﷺ - قد بَيَّنَ بُطْلَان هذه الدعوى وذلك في قصة الرَّهْط الثلاثة الذين سألوا عن عبادته - ﷺ - فلمَّا أُخبروا بها كأنهم تَقَالُّوها، فقالوا: أين نحن من النبي - ﷺ - وقد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر فقال - ﷺ -: «أمَا والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له» (١).
وبذلك يُعلم أن الرَّسول - ﷺ - بلغ الغاية القصوى في تقوى الله والحرص على التقرب إليه بأنواع التعبدات والطاعات.
وبهذا يتقرر أصل مهم في هذا الباب، وهو: أن
_________________
(١) أخرجه البخاري ص (١٠٧٠) برقم (٥٠٦٣) وقد تقدم.
[ ٦٨ ]
المقتضي لفعل عمل ما في باب العبادات متى ثبت في حق الأمة فثبوته في حق النبي - ﷺ - أَوْلَى وأَتَم، لأنه - ﷺ - كان أتقى هذه الأمة لله على الإطلاق.
ومثل هذا يُقَال - أيضًا - في حق السلف الصالح، فإن المعنى المقتضي للإحداث - وهو الرغبة في الخير والاستكثار من الطاعة - كان أَتَمُّ في السلف الصالح؛ لأنهم كانوا أحقُّ بالسبق إلى الفضل وأرغب في الخير ممن أتى بعدهم.
وهذا بخلاف غير العبادات من الأعمال، فإن المقتضي لفعلها قد يوجد في حق النبي - ﷺ - وفي حق السلف، وقد لا يوجد (١).
الشرط الثاني: أن يقع هذا التَّرْك منه - ﷺ - مع تمكنه - ﷺ - من الفعل، ويحصل ذلك بانتفاء الموانع وعدم العوارض؛ لأنه - ﷺ - قد يَتْرُك فعلا من الأفعال - مع وجود المقتضي له - بسبب وجود مانع يمنع من فعله.
ومن الأمثلة على ذلك: تركه - ﷺ - جمع القرآن (٢) فإن المانع من جمعه كان على عهد رسول الله - ﷺ - أن الوحي لا يزال ينزل فيغير الله ما يشاء ويحكم ما يريد، فلو جُمع في مصحف واحد لتعسر أو تعذر تغييره كل وقت فلما استقر
_________________
(١) انظر: الاعتصام (١/ ٣٦٨).
(٢) انظر صحيح البخاري ص (١٠٥٦) برقم (٤٩٨٦).
[ ٦٩ ]
القرآن بموته أَمِنَ الناس من زيادة القرآن ونقصه فكان جمعه داخلا تحت معنى سنته - ﷺ -.
وهكذا تَرْكِه - ﷺ - قيام رمضان مع أصحابه - ﵁ - في جماعة بعد ليالٍ وعلل ذلك بخشيته أن يُفرض عليهم (١) فلما كان في عهد عمر - ﵁ - جمعهم على قارئ واحد (٢) ولم يكن هذا الاجتماع بهذه الهيئة مخالفًا لسنة رسول الله - ﷺ - بل هو راجع إلى العمل بالسُّنَّة.
تنبيه:
احتج بعضهم بذلك في تحسين بعض البدع - كالاحتفال بمولده - ﷺ - وبيوم هجرته، وتخصيص ليلة السابع والعشرين من شهر رجب بالمزيد من الذكر والقيام - حيث قال: إن الرسول - ﷺ - ربما لم يفعل بعض العبادات وآثر تَرْكها مع قيام المقتضي لفعلها؛ رحمة منه - ﷺ - بأمته وشفقة عليهم؛ كما تَرَكَ - ﷺ - الاجتماع في صلاة التراويح خشية أن يُكْتب على أمته، فهذا هو المانع الذي لأجله تَرَكَ - ﷺ - فعل بعض العبادات، ومعلوم أنَّ تَرْكَه - ﷺ - مع وجود المانع - كما تقرر - لا يكون حجة.
والجواب: أن هذا يفتح باب الإحداث في الدين على
_________________
(١) أخرج ذلك البخاري في صحيحه ص (١٤٨٠) برقم (٧٢٩٠) وقد تقدم.
(٢) انظر صحيح البخاري ص (٤٠٠) برقم (٢٠١٠).
[ ٧٠ ]
الإطلاق، فمن زاد في أعداد الصلوات أو أعداد الركعات أو صيام شهر رمضان أو الحج أمكنه أن يقول: هذه زيادة مشروعة، وهي عمل صالح والرسول - ﷺ - إنما تَرَكَها رحمةً بأمته.
بل الصواب أن ينظر فيما تَرَكَه - ﷺ - من العبادات: هل تَرَكَه كذلك صحابته من بعده - ﵃ - والتابعون لهم؟
فإن كانت هذه العبادة قد تركها النبي - ﷺ -، ثم لما توفي فعلها الصحابة - ﵃ - من بعده عُلم أنَّ تَرْكَ النبي - ﷺ - كان لأجل مانع من الموانع؛ كَتَرْكِه - ﷺ - صلاة التراويح جماعة.
أمَّا إذا تواطأ النبي - ﷺ - وصحابته - ﵃ - من بعده على تَرْكِ عبادةٍ فهذا دليل قاطع على أنها بدعة.
[ ٧١ ]