علاقة سُنَّة التَّرْك بالمصلحة المُرْسَلة (١)
قبل الشروع في بيان هذه العَلاقة يحسن الكلام على المصلحة المرسلة من حيث معناها وحُجيتها فأقول:
المصلحة لغة: ضد المفسدة، وهي الخير والصواب (٢).
والمصلحة المرسلة عند الأصوليين هي: منفعة لم يشهد الشرع لاعتبارها ولا لإلغائها بدليل خاص (٣).
وتنقسم المصلحة المرسلة بالنظر إلى قُوَّتها إلى ثلاثة أقسام (٤):
فأقواها المصلحة الضرورية ثم الحاجية، ثم التحسينية.
والمراد بالمصلحة المرسلة الضرورية، ما كانت المصلحة فيه في محل الضرورة، بحيث يترتب على تفويت
_________________
(١) انظر الاعتصام (٢/ ١٢٩ - ١٣٥) والإبداع للشيخ علي محفوظ ص (٨٣ - ٩٢).
(٢) انظر مجمل اللغة (١/ ٥٣٩) والمصباح المنير ص (٣٤٥).
(٣) انظر روضة الناظر (١/ ٤١٣) ومذكرة الشنقيطي ص (١٦٨، ١٦٩) والمصالح المرسلة للشنقيطي ص (١٥).
(٤) انظر: المستصفى ص (٢٥١) وروضة الناظر (١/ ٤١٢ - ٤١٤) وقواعد الأحكام (٢/ ٦٠) والموافقات (٢/ ١٧) وشرح الكوكب المنير (٤/ ١٥٩ - ١٦٦) والمصالح المرسلة للشنقيطي ص (٦).
[ ٥٠ ]
هذه المصلحة تفويت شيء من الضروريات أو كلها.
ومن الأمثلة على ذلك: تولية أبي بكر - ﵁ - الخلافة من بعده لعمر بن الخطاب - ﵁ - وجمع القرآن الكريم (١).
وأما شروط العمل بالمصلحة المرسلة فهي (٢):
الأول: ألا تكون المصلحة مصادمة لِنَصٍّ أو إجماع.
الثاني: أن تعود على مقاصد الشريعة بالحفظ والصيانة.
الثالث: ألا تكون المصلحة في الأحكام التي لا تتغير، كوجوب الواجبات، وتحريم المحرمات والحدود والمقدرات الشرعية، ويدخل في ذلك الأحكام المنصوص عليها والمجمع عليها، وما لا يجوز فيه الاجتهاد.
الرابع: ألَّا تُعارضها مصلحة أرجح منها أو مساوية لها وألَّا يستلزم من العمل بها مفسدة أرجح منها أو مساوية لها.
وأما العلاقة بين السُّنَّة التَّرْكِيَّة والمصلحة المُرسلة فيمكن بيانه في أمرين:
أولًا: وجه الاتفاق بين سُنَّة التَّرْكِ والمصلحة المرسلة:
تتفق سُنَّةِ التَّرْك مع المصلحة المرسلة في أن كُلًّا منهما
_________________
(١) انظر المصالح المرسلة للشنقيطي ص (١١، ١٢) ورحلة الحج إلى بيت الله الحرام ص (١٧٥، ١٧٦).
(٢) انظر مجموع الفتاوى (١١/ ٣٤٣) وإغاثة اللهفان من مصايد الشيطان (١/ ٣٣٠، ٣٣١) والمصالح المرسلة للشنقيطي ص (٢١).
[ ٥١ ]
من الأمور التي لم يُنقل عن النبي - ﷺ - أنه فعلها.
ثانيًا: وجه الافتراق بين سُنَّة التَّرْكِ والمَصلحة المُرسلة: تفترق سُنَّة التَّرْك عن المَصلحة المُرسلة من وجوه ثلاثة:
١ - أَنَّ سُنَّة التَّرْك تنفرد بأن عدم وقوعها من جهة النبي - ﷺ - إنَّما كان مع قيام المُقتضي لفعلها، وتوفر الداعي، مع انتفاء المانع، بخلاف المَصلحة المُرسلة فإِنَّ عدم وقوعها منه - ﷺ - إنما كان لأَجْلِ انتفاء المقتضي لفعلها، أو لِأَنَّ المقتضي لفعلها قائم لكن وجد مانع يمنع منه.
٢ - أَنَّ سُنَّة التَّرك إنما تعتبر في الأمور التَّعَبُّدية وما يلتحق بها بخلاف المَصلحة المُرسلة؛ فإنَّ عامة النَّظر فيها إنما هو فيما عقل معناه، وجرى على المناسبات المعقولة التي إذا عُرِضَت على العقول تلقتها بالقبول، فلا مدخل للمَصالح المُرسلة في التعبدات، ولا ما جرى مجراها من الأمور الشرعية.
٣ - أنَّ مُخَالفة سُنَّة التَّرك يدخل تحت معنى الابتداع في الدين، وذلك أنَّ مَنْ تَعَبَّدَ الله بعبادة لم يفعلها النبي - ﷺ - فهو مشمول بقوله - ﷺ -: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رَدٌّ» (١).
_________________
(١) أخرجه البخاري ص (٥٥٤) برقم (٢٦٩٧) ومسلم ص (٩١٤) برقم (١٧١٨) واللفظ له.
[ ٥٢ ]
ومن هنا يتبين أَصْلٌ مُهم: وهو أنَّ سُنَّة التَّرك تتميز بها البدع وتُعرف، وذلك أنَّ مُخالفة سُنَّة التَّرْك بِدْعَة في الدين.
بخلاف المَصلحة المُرسلة، فإن مخالفتها لا تندرج تحت معنى الابْتِداع في الدين، وإنَّمَا تندرج تحت باب تعارض المَصالح والمَفاسد، وذلك أن المَصالح المُرسلة قد تقع في رتبة الضروريات، وقد تقع في رتبة الحاجيات أو التحسينات؛ فمن تَرَكَ المَصْلحة المُرسلة وأهدرها فإنه قد وقع في المَفسدة، وهذه المَفسدة تتفاوت بِحَسْبِ هذه الرُّتَب (١).
_________________
(١) انظر: المستصفى ص (٢٥١).
[ ٥٣ ]