علاقة سُنَّةِ التَّرْكِ بالسُّنَّةِ التقريرية
قبل الشروع في بيان هذه العلاقة يحسن التمهيد لذلك بالكلام عن السُّنَّة التقريرية من حيث معناها وحجيتها. فأقول:
المقصود بتقريره - ﷺ -: أن يفعل أحد الصحابة - ﵁ - بحضرة النبي - ﷺ - فعلًا أو يقول قولا فيمسك - ﷺ - عن الإنكار ويسكت، أو يُضَمَّ إلى عدم الإنكار تحسينًا له، أو مدحًا عليه، أو ضحكًا منه على جهة السرور به (١).
ومن المثلة على ذلك: أكل الضَّبِّ على مائدة رسول الله - ﷺ - (٢) وكإقراره - ﷺ - إنشاد الشعر المباح (٣).
والأصل في حجية إقراره - ﷺ - (٤) هو أنه لا يجوز في حقه تأخير البيان عن وقت الحاجة، إذ سكوته يدل على جواز ذلك الفعل أو القول، بخلاف سكوت غيره، لذلك بَوَّبَ
_________________
(١) انظر شرح مختصر الروضة وقواعد الأصول ص (٣٩) وشرح الكوكب المنير (٢/ ١٦٦).
(٢) أخرجه لبخاري ص (١١٣٤) برقم (٥٣٩١) ومسلم ص (١٠٤١) برقم (١٩٤٦) وقد تقدم.
(٣) انظر صحيح البخاري ص (٩٩) برقم (٤٥٣).
(٤) انظر شرح الكوكب المنير (٢/ ١٩٤ - ١٩٦).
[ ٤٧ ]
الإمام البخاري في صحيحه بقوله: "باب من رأى تَرْكَ النكير من النبي - ﷺ - حجة لا من غير الرسول" (١).
وكذلك فإن من خصائصه - ﷺ - أن وجوب إنكار المنكر لا يسقط عنه بالخوف على نفسه لقوله - تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ [المائدة: ٦٧] (٢).
وإنما يكون سكوته - ﷺ - وعدم إنكاره حُجَّة فيدل على الجواز بشرطين (٣):
أ - أن يعلم - ﷺ - بوقوع الفعل أو القول، فأما أن يقع ذلك بحضرته، أو في غيبته لكن ينقل إليه أو في زمنه وهو عالم به لانتشاره انتشارًا يبعد معه ألا يعلمه - ﷺ -.
ب - ألَّا يكون الفعل الذي سكت عنه - ﷺ - صادرًا من كافر لأن إنكاره - ﷺ - لما يفعله الكفار معلوم ضرورة فالعبرة في فعل أحد المسلمين.
قال الطوفي: "نعم شرط كون إقراره حجة، بل شرط كون تَرْكِه الإنكار إقرارًا: علمه بالفعل وقدرته على الإنكار؛ لأنه بدون العلم لا يوصف بأنه مُقِرٌ أو مُنْكِرٌ، ومع العجز يدل على أنه مُقِرٌ كحاله مع الكفار في مكة قبل ظهور كلمته".
_________________
(١) صحيح البخاري (١٣/ ٣٢٣).
(٢) انظر تفسير ابن كثير (٢/ ٨١).
(٣) انظر المسودة ص (٢٩٨) وقواعد الأصول ص (٣٩) وشرح الكوكب المنير (٢/ ١٩٤).
[ ٤٨ ]
وأما العلاقة بين السُّنَّة التَّرْكِيَّة والسُّنَّة التقريرية فيمكن بيانه في أمرين:
الأمر الأول: وجه الاتفاق بينهما:
تشترك السنة التركية والسنة التقريرية في وجهين:
١ - أن كُلًّا منهما يدخل تحت السُّنَّة النبوية المُطهرة، ومن هنا فإن كُلًّا منهما طريق يحصل به معرفة الحكم الشرعي.
٢ - أن كُلًّا منهما يستند إلى التَّرْكِ؛ فسُنَّة التَّرْكِ من قبيل تَرْكَه - ﷺ - للفعل، وسُنَّة التقرير من قبيل تَرْكِه - ﷺ - للقول.
الأمر الثاني: وجه الافتراق بينهما:
تفترق السُّنَّة التَّرْكِيَّة عن السُّنَّة التقريرية من وجهين:
١ - أن سُنَّة التَّرك تَعُود إلى السُّنَّة الفعلية، بخلاف السُّنَّة التقريرية فإنها قِسْمٌ مستقل.
٢ - أن السُّنَّة التقريرية لا بد أن يقترن بها ويحصل معها فعل أو قول من بعض الصحابة - ﵃ - بخلاف سُنَّة التَّرْكِ فإنها لا يقترن بها فعل ولا قول من الصحابة - ﵃ - بل الغالب أن يقترن بها تَرْكٌ منهم.
٣ - أن السُّنَّة التقريرية تَرْكٌ للقول، إذ هي من قبيل الاستدلال بسكوته - ﷺ - بخلاف سُنَّة التَّرك فإنها من قبيل تَرْكِه - ﷺ - للفعل.
[ ٤٩ ]