الإجماع كنصه (١).
وقال الزركشي: "لأن المتابعة كما تكون في الأفعال تكون في التُّروك (٢).
وقال ابن النجار: "وإذا نقل عن النبي - ﷺ - أنه تَرَك كذا كان - أيضًا - من السُّنَّة الفعلية" (٣).
وقال الشوكاني: "تَرْكه - ﷺ - للشيء كفعله له في التأسي به فيه" (٤).
ثالثًا: أن عدم الاحتجاج بسُنَّة التَّرك وإهدار العمل بها والغفلة عنها يلزم منه الوقوع في مفاسد شرعية ومحاذير دينية فمن ذلك:
المفسدة الأولى: القول بعدم قيام الرسول - ﷺ - بواجب التبليغ وأن الرسول - ﷺ - لم يُعْلِّم أمته بعض الدين.
مثال ذلك: أن اعتقاد الأذان للتراويح عبادة مشروعة والعمل بها يلزم منه القول بأن الرسول - ﷺ - لم يُبَيِّنْ ذلك لأحد من أمته.
المفسدة الثانية: القول بضياع بعض الدين، وأن الرسول - ﷺ - فعل هذه العبادة وبلغها للأمة، لكن الصحابة ﵁ كتموا نقل ذلك.
_________________
(١) الاعتصام (١/ ٣٦٥).
(٢) البحر المحيط (٤/ ١٩١).
(٣) شرح الكوكب المنير (٢/ ١٦٥).
(٤) إرشاد الفحول ص (٤٢).
[ ٧٦ ]
المفسدة الثالثة: فتح باب الابتداع والإحداث في الدين عامة، وفي باب العبادات خاصة دون قيد ولا شرط.
فمن زاد في أعداد الصلوات أو أعداد الركعات أو صيام شهر رمضان أو الحج أمكنة أن يقول: هذه زيادة مشروعة وهي عمل صالح.
قال ابن القيم: "فإن قيل: من أين لكم أنه لم يفعله وعدم النقل لا يستلزم نقل العدم؟ فهذا سؤال بعيد جدًا عن معرفة هديه وسُنَّته وما كان عليه.
ولو صَحَّ هذا السؤال وقُبِلَ لاستحب لنا مستحب الأذان للتراويح وقال: من أين لكم أنه لم يُنْقَل؟
واستحب لنا مستحب آخر الغسل لكل صلاة، وقال: من أين لكم أنه لم يُنْقَل؟ واستحب لنا مستحب آخر النداء بعد الأذان للصلاة يرحمكم الله ورفع بها صوته، وقال: من أين لكم أنه لم يُنْقَل؟
واستحب لنا آخر صلاة ليلة النصف من شعبان أو ليلة أول جمعة من رجب وقاك: من أين لكم أن إحياءهما لم يُنَقَل؟ وانفتح باب البدعة وقال كل من دعا إلى بدعة: من أين لكم أنَّ هذا لم يُنْقَل؟ "
[ ٧٧ ]
ومن هنا يظهر لكل ذي بصيرة أن العمل بالسُّنَّة التَّركية أمر متعين شرعًا، وهو ضرورة دينية لا بد من المصير إليها.
وذلك أن الاحتجاج بسُنَّة التَّرك مَبْنِي على مقدمات ثابتة راسخة (١).
المقدمة الأولى: كمال هذه الشريعة واستغناؤها التام عن زيادات المبتدعين واستدراكات المستدركين فقد أتَمَّ الله هذا الدين فلا ينقصه أبدًا ورضيه فلا يسخطه أبدًا (٢).
ومن الأدلة على هذه المقدمة: قوله - تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣].
وقوله - ﷺ -: «وأَيْمُ الله لقد تركتكم على مثل البيضاء، ليلها ونهارها سواء» (٣).
المقدمة الثانية: بيانه - ﷺ - لهذا الدين وقيامه بواجب التبليغ خير قيام، فلم يُتْرَك أمرًا من أمور هذا الدين صغيرًا كان أو كبيرًا إلا وبلغه لأمته.
ومن الأدلة على ذلك: قوله - تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا
_________________
(١) انظر في هذه المقدمات: إعلام الموقعين (٤/ ٣٧٥ - ٣٧٧) ومعارج القبول (٢/ ٣٤٦ - ٣٥٧).
(٢) انظر: تفسير ابن كثير (١/ ١٤).
(٣) أخرجه ابن ماجه في سننه (١/ ٤) برقم (٥) وصححه الألباني انظر السلسلة الصحيحة (٢/ ٣٠٨) ص (٦٨٨).
[ ٧٨ ]
أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾ [المائدة: ٦٧] وقد امتثل - ﷺ - لهذا الأمر، وقام به أَتَمّ القيام.
وقد شهدت له أمته بإبلاغ الرسالة وأداء الأمانة واستنطقهم بذلك في أعظم المحافل، في خطبته يوم حُجْة الوداع فقال - ﷺ - «ألا هل بلغت؟» قالوا: نعم، قال: «اللهم فاشهد» (١).
المقدمة الثالثة: حفظ الله لهذا الدين وصيانته من الضياع، فهَيَّأ الله له من الأسباب والعوامل التي يسرت نقله وبقاءه حتى يومنا هذا وإلى الأبد إن شاء الله - تعالى.
ومن الأدلة على ذلك قوله - تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩].
والواقع المشاهد يصدِّق ذلك؛ فإن الله قد حفظ كتابه وسُنَّة نبيه - ﷺ - ووفق علماء المسلمين إلى قواعد مصطلح الحديث، وأصول الفقه، وقواعد اللغة العربية.
_________________
(١) انظر: تفسير ابن كثير (٢/ ٨٠) وانظر خطبة الوداع في صحيح البخاري ص (٣٤٨) برقم (١٧٤١).
[ ٧٩ ]