الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٨].
قال ابن تيمية: "وذلك لأن المتابعة أن يفعل مثل ما فعل على الوجه الذي فعل؛ فإذا فعل فعلًا على وجه العبادة شرع لنا أن نفعله على وجه العبادة، وإذا قصد تخصيص مكان أو زمان بالعبادة خصَّصناه بذلك (١).
ثانيًا: ما ورد عن الصحابة - ﵃ - وعن أئمة العلم والدين من الاحتجاج بسُنَّة التَّرْكِ والعمل بها في غير موضع فمن ذلك:
قال حذيفة - ﵁: «كل عبادة لم يتعبد بها أصحاب رسول الله - ﷺ - فلا تتعبدوا بها، فإن الأول لم يدع للآخر مقالا فاتقوا الله يا معشر القُرَّاء، خذوا طريق من كان قبلكم» (٢).
وقال الإمام مالك: «لن يصلح آخر هذه الأمة إلا ما أصلح أولها» (٣).
وقال الإمام الشافعي: «كل من تكلم بكلام في الدين أو في شيء من هذه الأهواء ليس له فيه إمام متقدم من النبي - ﷺ -
_________________
(١) مجموع الفتاوى (١/ ٢٨٠).
(٢) انظر الأمر بالاتباع ص (٦٢) وأخرج البخاري نحوه (١٣/ ٢٥٠) برقم (٧٢٨٢).
(٣) اقتضاء الصراط المستقيم (٢/ ٧١٨).
[ ٧٣ ]
وأصحابه فقد أحدث في الإسلام حدثًا» (١).
وقال الإمام أحمد لابن أبي دؤاد يسأله: "خبِّرني عن هذا الأمر الذي تدعو الناس إليه: أشيء دعا إليه رسول الله - ﷺ -؟ قال: "لا" قال: "ليس يخلو أن تقول: علموه أو جهلوه؛ فإن قلت علموه وسكتوا عنه وسعنا وإياك من السكوت ما وسع القوم، وإن قلت جهلوه وعلمته أنت فيا لكع بن لكع يجهل النبي - ﷺ - والخلفاء الراشدون - ﵃ - شيئًا وتعلمه أنت وأصحابك" (٢).
وبوَّب الإمام ابن خزيمة في صحيحه فقال: "باب ترك الصلاة في المصلي قبل العيدين وبعدها اقتداء بالنبي واستنانًا به" (٣).
وقال السمعاني: "إذا ترك الرسول شيئًا وجب علينا متابعته فيه" (٤).
وقال الطرطوشي في إبطاله لبعض البدع: "ولو كان هذا لشاع وانتشر وكان يضبطه طلبة العلم والخلف عن السلف فيصل ذلك إلى عصرنا، فلما لم ينقل هذا عن أحد ممن يعتقد علمه ولا ممن هو في عداد العلماء؛ عُلم أن هذه حكاية العوام والغوغاء" (٥).
_________________
(١) صون المنطق والكلام ص (١٥٠).
(٢) انظر الشريعة ص (٦٣).
(٣) (٢/ ٣٤٥).
(٤) قواطع الأدلة (٢/ ١٩٠).
(٥) الحوادث والبدع ص (٧٤).
[ ٧٤ ]
وقال ابن تيمية في إنكاره لبعض البدع: "ومعلوم أنه لو كان هذا مشروعًا مستحبًا يثيب الله عليه لكان النبي - ﷺ - أعلم الناس بذلك، ولكان يعلم أصحابه ذلك وكان أصحابه أعلم بذلك وأرغب فيه ممن بعدهم.
فلما لم يكونوا يلتفتون إلى شيء من ذلك علم أنه من البدع المحدثة التي لم يكونوا يعدونها عبادة وقربة وطاعة فمن جعلها عبادة وقربة وطاعة فقد اتبع غير سبيلهم، وشرع من الدين ما لم يأذن به الله (١).
وسئل تقي الدين السبكي عن بعض المحدثات فقال: "الحمد لله هذه بدعة لا يَشُكُ فيها أحد، ولا يرتاب في ذلك ويكفي أنها لم تُعرف في زمن النبي - ﷺ - ولا في زمن أصحابه ولا عن أحد من علماء السلف" (٢).
وقال ابن القيم: "فإن تَرْكَه - ﷺ - سُنَّة كما أن فعله سُنَّة، فإذا استحببنا فعل ما تَرَكه كان نظير استحبابنا تَرك ما فعله، ولا فرق" (٣).
وقال الشاطبي: "لأن تَرْك العمل به من النبي - ﷺ - في جميع عمره، وتَرْك السَّلف الصالح له على توالي أزمنتهم قد تقدم أنه نص في التَّرك، وإجماع مِنْ كل مَنْ ترك؛ لأن عمل
_________________
(١) اقتضاء الصراط المستقيم (٢/ ٧٩٨).
(٢) فتاوى السبكي (٢/ ٥٤٩).
(٣) إعلام الموقعين (٢/ ٣٩٠).
[ ٧٥ ]