قال: (الأداء ما فعل فى وقته المقدر له شرعًا أولًا والقضاء ما فعل بعد وقت الأداء استدراكًا لما سبق له وجوب مطلقًا آخره عمدًا أو سهوًا تمكن من فعله كالمسافر أو لم يتمكن لمانع من الوجوب شرعًا كالحائض أو عقلًا كالنائم وقيل لما سبق وجوبه على المستدرك ففعل الحائض والنائم قضاء على الأول لا الثانى إلا فى قول ضعيف والإعادة ما فعل فى وقت الأداة ثانيًا لخلل وقيل لعذر).
أقول: تقسيم آخر للحكم وهو أن الفعل قد يوصف بكونه أداء وقضاء وإعادة.
فالأداء: ما فعل فى وقته المقدر له شرعًا أولًا، فخرج ما لم يقدر له وقت كالنوافل أو قدر لا شرعًا كالزكاة يعين له الإمام شهرًا وما وقع فى وقته المقدر له شرعًا ولكن غير الوقت الذى قدر له أولًا كصلاة الظهر فإن وقته الأول هو الظهر والثانى إذا ذكرها بعد النسيان فإذا أوقعها فى الثانى لم تكن أداء وليس قوله أولًا متعلقًا بقوله: فعل فيكون معناه فعل أولًا لتخرج الإعادة لأن الإعادة قسم من الأداء فى مصطلح القوم وإن وقع فى عبارات بعض المتأخرين خلافه.
والقضاء: ما فعل بعد وقت الأداء وهو المقدر له شرعًا أولًا استدراكًا لا سبق له وجوب مطلقًا فخرج ما فعل فى وقت الأداء وإعادة المؤداة خارج وقتها وما لم يسبق له وجوب كالنوافل وقيد الوجوب بقوله مطلقًا تنبيهًا على أنه لا يشترط الوجوب عليه ثم لا فرق بين تأخيره عن وقت الأداء سهوًا أو عمدًا مع التمكن من فعله أولًا أو مع عدم التمكن لمانع من الوجوب شرعًا كالحيض أو عقلًا كالنوم وقيل هو ما فعل بعد وقت الأداء استدراكًا لما سبق له وجوب على المستدرك والفرق بين التعريفين أن فعل النائم والحائض قضاء على الأول إذ سبق له وجوب فى الجملة وليس بقضاء على الثانى إذ لم يجب على المستدرك لقيام المانع من الوجوب إلا فى قول فإن بعضهم قال بوجوب الصوم عليهما نظرًا إلى عموم قوله: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: ١٨٥] وهو ضعيف لأن جواز الترك مجمع عليه وهو ينفى الوجوب قطعًا.
والإعادة: ما فعل فى وقت الأداء ثانيًا لخلل وقيل لعذر، فالمنفرد إذا صلى ثانية مع الجماعة كانت إعادة على الثانى وإن طلب الفضيلة عذر دون الأول إذا لم يكن فيها خلل.
والحاصل: أن الفعل لا يقدم على وقته فإن فعل فيه فأداء أو بعده فإن وجد
[ ٢ / ١٤٦ ]
سبب وجوبه فقضاء وإلا فغيرهما ومن الأداء الإعادة لخلل أو عذر.
قوله: (تقسيم آخر للحكم) يعنى باعتبار متعلقها إذ الأداء والقضاء والإعادة أقسام للفعل الذى تعلق به الحكم وظاهر كلام المتقدمين والمتأخرين أنها أقسام متباينة، وأن ما فعل ثانيًا فى وقت الأداء ليس بأداء ولا قضاء ولم نطلع على ما يوافق كلام الشارح صريحًا، نعم كلام الإمام الغزالى ﵀ أن الأداء ما يؤدى فى وقته ربما يشعر بذلك لو لم يناقش فى إطلاق التأدية على الإعادة ولو سلم فحمل كلام المصنف عليه تكلف ظاهر الظهور أن أوّلًا فى تفسير الأداء مقابل لثانيًا فى تفسير الإعادة وهو متعلق بفعل قطعًا ثم التقييد بقوله شرعًا ينبغى أن يكون للتحقيق دون الاحتراز عما ذكره الشارح لأن إيتاء الزكاة فى الشهر الذى عينه الإمام أداء قطعًا، اللهم إلا أن يقال: المراد ليس أنه أداء من حيث وقوعه فى ذلك الوقت بل فى الوقت الذى قدره الشارع حتى لو لم يكن الوقت مقدرًا فى الشرع لم يكن أداء كالنوافل المطلقة بل النذور المطلقة وأما على ظاهر كلام المصنف فهو احتراز عما إذا عين المكلف لقضاء الموسع وقتًا وفعله فيه وما قيل: إنه احتراز عن الصلاة الفاسدة فى وقتها بعيد جدًا ومبنى على أن شرعًا متعلق بفعل لا بالمقدر أى فعل حال كونه مشروعًا.
قوله: (خارج وقتها) ظرف للإعادة أو المؤداة أى إن أدى الصلاة فى وقتها ثم أعادها بعد الوقت لإقامة الجماعة مثلًا أو أداها خارج الوقت قضاء ثم أعادها بجماعة لا يكون فعله الثانى قضاء لأنه ليس استدراكًا كما لا يكون أداء أو إعادة لأنه ليس فى الوقت.
قوله: (وإلا فغيرهما) أى وإن لم يوجد له سبب وجوب وقد فعل بعد وقته فليس بأداء لعدم وقت الأداء ولا قضاء لعدم سبق الوجوب وذلك كإعادة القضاء وإعادة الأداء بعد الوقت والنوافل المؤقتة فى وقتها أداء وبعد وقتها ليست بقضاء فإن قيل مقتضى قوله: إن وجد سبب وجوبه فقضاء أن يكون إعادة الأداء بعد الوقت قضاء قلنا فعله الثانى ليس بواجب فلا يتصوّر له سبب وجوب.
قوله: (تقسيم آخر للحكم) هذا التقسيم للفعل المحكوم به أولًا وبالذات
[ ٢ / ١٤٧ ]
وللحكم ثانيًا وبالعرض فيقال الحكم إما متعلق بأداء وإما بقضاء وإما بإعادة.
قوله: (الأداء ما فعل) لم يقل واجب ليتناول النوافل المؤقتة.
قوله: (فخرج ما لم يقدر له وقت كالنوافل) أى المطلقة إذ لم يقدر لها وقت بخلاف الحج فإن وقته مقدر معين لكنه غير محدود فيوصف بالأداء ولا يوصف بالقضاء لوقوعه دائمًا فيما قدر له شرعًا أولًا وإطلاق القضاء على الحج الذى يستدرك به حج فاسد مجاز من حيث المشابهة مع المقضى فى الاستدراك.
قوله: (والثانى إذا ذكرها بعد النسيان) مأخوذ من قوله ﵊: "من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها فإن ذلك وقتها" ولا يرد أن القضاء موسع وقته العمر فلا يتقدر بزمان التذكر لأنه لا يدعى انحصار الوقتية فيه بل المراد أن زمان التذكر وما بعده زمان قد قدر له ثانيًا فإن قلت: فالنوافل على هذا لها وقت مقدر أولًا هو وقت العمر كما أن قضاء الظهر له وقت مقدر، ثانيًا هو بقية العمر قلت: البقية قدرت وقتًا له بالحديث المذكور إذا حمل على ذلك وما بعده وقت لها وأما إن العمر وقت للنوافل فمن قضية العقل لا من تقدير الشرع فإن أجيب بأن التقدير يقتضى التعبير ولو بوجه والبقية ممتازة عما عداها يدفع بأن العمر أيضًا كذلك متميز عما سواه فلا فرق بهذا الوجه فإن قيل لعله ذهب إلى ظاهر الحديث فجعل القضاء مضيقًا وقته زمان التذكر قلت ذلك خلاف المختار.
قوله: (وليس قوله أولًا متعلقًا بقوله فعل) رد لما ذهب إليه غيره من الشراح فإنهم جعلوا الإعادة قسيمة للأداء وجعلوا قوله أولًا احترازًا عنها.
قوله: (وإعادة المؤداة) يعنى وخرج بقيد الاستدراك إعادة الصلاة المؤداة فى وقتها خارج وقتها فإنها ليست قضاء ولا أداء ولا إعادة اصطلاحًا وإن كانت إعادة لغة.
قوله: (وما لم يسبق له وجوب كالنوافل) أى المؤقتة فإن إطلاقه عليها مجاز.
قوله: (تنبيهًا على أنه لا يشترط) أى فى كون الفعل قضاء الوجوب على الفاعل بل المعتبر مطلق الوجوب وحاصله ما سيصرح به من انعقاد سبب وجوبه وقد يعترض على قوله: ثم لا فرق بين تأخيره عن وقت الأداء سهوًا أو عمدًا بأن التأخير مشعر بالقصد فلا يصح تقييده بالسهو وهذه مناقشة لا طائل تحتها.
قوله: (مع التمكن من فعله) يتعلق بالعمد كما هو الظاهر ولهذا أخر العمد عن
[ ٢ / ١٤٨ ]
السهو فى الشرح وعلى عبارة المتن يجعل متعلقًا بالأبعد أو تقسيمًا ابتداء.
قوله: (والحاصل أن الفعل) يريد أن الفعل إذا كان مؤقتًا من جهة الشرع لا يجوز تقديمه لا بكله ولا ببعضه على وقته لأدائه إلى تقدم المسبب على السبب فإن فعل الفعل فى وقته فهو أداء أو فعل بعده، فإن وجد فى الوقت سبب وجوبه سواء ثبت الوجوب معه أو تخلف عنه لمانع فهو قضاء وإن لم يوجد فى الوقت سبب وجوبه لم يكن أداء ولا قضاء، ومن جملة الأداء الإعادة لخلل أو لعذر فهى أخص مطلقًا من الأداء، فإن قلت: الزكاة المعجلة قد تقدمت على وقتها فلا يصح قولكم أن الفعل لا يقدم على وقته قلنا: قد جعل ههنا ملك النصاب الذى هو جزء سببها قائمًا مقامه وجعل وقتها بذلك موسعًا فلا تقديم فإن قيل إذا وقعت ركعة من الصلاة فى وقتها وباقيها خارجه فهل هو أداء أو قضاء قلنا: ما وقعت فى الوقت أداء والباقى قضاء فى حكم الأداء تبعًا وكذا الحال فيما إذا وقع فى الوقت أقل من ركعة عند من يجعله أداء ومن لم يجعله أداء لم يعتد بما هو أقل منها قيل: قد خالف الشارح هنا فى ثلاثة مواضع سائر الشراح، الأول أنهم جعلوا الإعادة قسيمة للأداء وقد جعلها قسمًا منه، والثانى أنهم علقوا كلمة أولًا بقوله فعل وعلقه بالمقدر، والثالث أنهم حصروا العبادات فى الثلاثة ولم يحصرها وهذا الأخير ليس صحيحًا إذ قد صرح بعضهم أنه ما لم يقدر له وقت كالنوافل المطلقة والأذكار لا يوصف بشئ من الأداء والإعادة والقضاء.
المصنف: (الأداء ما فعل فى وقته. . . إلخ) إطلاق الأداء على المفعول المذكور حقيقة عرفية فلا يرد أن ما فعل هو المؤدى لا الأداء وكذا يقال فى تعريف القضاء والإعادة.
المصنف: (استدراكًا لما سبق له وجوب) موافق لمذهبه من عدم قضاء المندوب إلا أنه يرد عليه أن الفجر مندوب ويقضى للزوال إلا أن يقال: إن إطلاق القضاء عليه مجاز ومعنى الاستدراك الوصول للشئ وإدراكه ولا يرد على هذا التعريف الصلاة بعد وقتها لكونها كانت أديت فى الوقت بطهارة مظنونة ثم تبين انتفاؤها لسقوط المقتضى بالفعل الأول فلم يتوصل بالفعل الثانى إلى ما سبق له مقتض هو قضاء اتفاقًا لأنه لما تبين بانتفاء الطهارة عدم إجزاء الصلاة المفعولة فى الوقت صار الطلب
[ ٢ / ١٤٩ ]
كأنه لم يسقط وحينئذ يكون فعلها بعد الوقت استدراكًا لما سبق له مقتضى حكمًا.
المصنف: (أو عقلًا كالنائم) فيه أن هذا لا يصح جعله من أقسام التأخير عمدًا.
التفتازانى: (ولو سلم) أى: أن الإعادة يطلق عليها تأدية قال الأبهرى قال الغزالى فى المستصفى: الواجب إن أدى فى وقته سمى أداء وإن أدى بعد وقته الموسع أو المضيف سمى قضاء وإن فعل مرة على نوع من الخلل ثم فعل ثانيًا فى الوقت سمى إعادة وهو صريح فيما قاله الشارح وكذا عبارة القرافى فى المحصول.
التفتازانى: (وهو متعلق بفعل قطعًا) أى أن ثانيًا فى تعريف إعادة متعلق لفعل قطعًا.
قوله: (إذا حمل على ذلك وما بعده وقت له) أى إذا حمل قوله فى الحديث: فإن ذلك وقت لها على معنى ذلك وما بعده وقت لها.
قوله: (فمن قضية العقل) لأنه لا بد للفمعل من زمان يقع فيه وليس بعض منه أولى من بعض.
قوله: (فإن أجيب) أى عن إيراد النوافل المطلقة على اعتبار بقية العمر وقتًا للقضاء الموسع وقوله بأن العمر أيضًا كذلك أى لأنه متميز عما كان فى وقت مخصوص.
قوله: (فإن قيل لعله) أى الشارح ذهب إلى ظاهر الحديث أى ظاهر قوله: فإن ذلك وقتها وعليه فلا يرد إشكال النوافل المطلقة.
قوله: (والثانى أنهم علقوا. . . إلخ) هو مبنى الوجه الأول.
قوله: (وهذا الأخير ليس صحيحًا) أى حصر العبادة فى الثلاثة.
[ ٢ / ١٥٠ ]