قال: (الحكم قيل خطاب اللَّه تعالى المتعلق بأفعال المكلفين فورد مثل ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات: ٩٦]، فزيد بالاقتضاء أو التخيير فورد كون الشئ دليلًا وسببًا وشرطًا فزيد أو الوضع فاستقام وقيل بل هو راجع إلى الاقتضاء أو التخيير وقيل ليس بحكم).
أقول: قد بين الحاكم وأنه هو الشرع فشرع فى أبحاث الحكم وقد لزم مما بين أن الحكم إنما هو الحكم الشرعى فأخذ يتكلم فى حده وأقسامه ومسائل تتعلق بأقسامه فهذا حده قيل هو خطاب اللَّه تعالى المتعلق بأفعال المكلفين فالخطاب توجيه الكلام نحو الغير للإفهام وبإضافته إلى اللَّه خرج خطاب من سواه إذ لا حكم إلا حكمه والرسول والسيد إنما وجب طاعتهما بإيجاب اللَّه إياها وقوله المتعلق بأفعال المكلفين خرج ما ليس كذلك ولو قال بفعل المكلف لكان أحسن ليتناول ما لا يعم من أحكامه كخواص النبى، هكذا قيل فورد عليه مثل قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات: ٩٦]، فإنه داخل فى الحد وليس بحكم فبطل طرده فزيد عليه قيد يخصصه ويخرج عنه ما دخل فيه من غير إفراد المحدود، وهو قولهم بالاقتضاء أو التخيير فقالوا: المتعلق بأفعال المكلفين بالاقتضاء أو التخيير ليندفع النقض فإن قوله: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ ليس فيه اقتضاء ولا تخيير وإنما هو إخبار بحال له، فورد عليه كون الشئ دليلًا وسببًا وشرطًا من أحكام لا اقتضاء فيها ولا تخيير فإنها تخرج من الحد مع أنها إفراد المحدود فبطل عكسه فزيد عليه ما يعممه فيدخل فيه ما خرج عنه من أفراد المحدود وهو قولهم: أو الوضع فقالوا: بالاقتضاء أو التخيير أو الوضع فإن الأحكام التى ورد بها النقض كلها من وضع الشارع وتحصل بجعله وعند ذلك استقام الحد لاطراده وانعكاسه ومنهم من لم يزد هذا القيد وادعى أن هذه الأحكام لا ترد نقضًا فتارة يمنع خروجها عن الحد وتارة يمنع كونها من المحدود.
أما الأول فقيل: إنها لا تخرج بل خطاب الوضع يرجع إلى الاقتضاء أو التخيير إذ معنى جعل الشئ دليلًا اقتضاء العمل به وجعل الزنا سببًا لوجوب الجلد هو وجوب الجلد عند الزنا وجعل الطهارة شرطًا لصحة البيع جواز الانتفاع بالمبيع عندها وحرمته دونها وعليه فقس والحاصل أن مرادنا من الاقتضاء والتخيير أعم من الصريح والضمنى وخطاب الوضع من قبيل الضمنى.
[ ٢ / ١٠٩ ]
وأما الثانى فقيل: إنه ليس بحكم ونحن لا نسمى هذه الأمور أحكامًا وإن سماها غيرنا به فلا مشاحة فى الاصطلاح.
واعلم أن الحد الأول للغزالى ويمكن الذب عنه بأن الألفاظ المستعملة فى الحدود تعتبر فيها الحيثية وإن لم يصرح بها فيصير المعنى المتعلق بأفعال المكلفين من حيث هم مكلفون، وقوله: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ لم يتعلق به من حيث هو فعل مكلف، ولذلك عم المكلف وغيره.
قوله: (ليتناول ما لا يعم) لا خفاء فى أنه إن أجرى على ظاهره لم يتناول شيئًا من الأحكام إذ لا يصدق على حكم ما أنه خطاب متعلق بجميع أفعال المكلفين فالمراد فى تعلقه بفعل منها وحينئذ تدخل الخواص وغيرها.
قوله: (فورد عليه) أى لا زيد قيد الاقتضاء والتخيير خرج عن التعريف أحكام الوضع ككون الشئ دليلًا مثل الإجماع والقياس لما يجب بهما أو سببًا مثل دلوك الشمس للصلاة والزنا لوجوب الجلد أو شرطًا كطهارة المبيع لصحة البيع فزيد قيد "أو الوضع" لتدخل ولم يذكر الآمدى فى أصناف خطاب الوضع جعل الأدلة حججًا وذكرهما فإن قيل هب أن ما خرج بقيد الاقتضاء أو التخيير دخل بقيد "أو الوضع" لكن من الأسباب والشروط ما ليس فعل المكلف كزوال الشمس وطهارة المبيع ونحو ذلك فكيف يستقيم الحد طردًا وعكسًا؟ قلنا: المراد بالتعلق الوضعى أعم من أن يجعل فعل المكلف سببًا أو شرطًا لشئ مثلًا أو يجعل شئ شرطًا أو سببًا له.
قوله: (يعتبر فيها حيثية التكليف) لا يخفى أن اعتبار حيثية التكليف فيما يتعلق به خطاب الإباحة بل الندب والكراهة موضع تأمل.
قوله: (وإنه هو الشرع) من قبيل أعجبنى زيد وكرمه.
قوله: (وقد لزم مما بين) أى من انحصار الحاكم فى الشرع وبطلان كون العقل إن استحكم إنما هو الحكم الشرعى فقط.
قوله: (والخطاب توجيه الكلام نحو الغير للإفهام) هذا مفهومه بحسب أصل اللغة ثم نقل إلى الكلام الموجه نحو الغير للإفهام وهو المراد ههنا اللهم إلا إذا أريد بالحكم المعنى المصدرى فيحمل الخطاب على المعنى الأصلى قال فى الأحكام:
[ ٢ / ١١٠ ]
الخطاب اللفظ المتواضع عليه المقصود به إفهام من هو متهيئ لفهمه فاحترز باللفظ عن الحركات والإشارات المفهمة بالمواضعة وبالمتواضع عليه عن الألفاظ المهملة وبالمقصود به الإفهام عن الكلام الذى لم يقصد به إفهام المستمع فإنه لا يسمى خطابًا وبقوله لمن هو متهيئ لفهمه عن الكلام لمن لا يفهم كالنائم، والظاهر عدم اعتبار القيد الأخير كما ينبئ عنه الشرح ولهذا يلام الشخص على خطابه من لا يفهم والكلام يطلق على العبارة الدالة بالوضع وعلى مدلولها القائم بالنفس فالخطاب إما الكلام اللفظى أو الكلام النفسى الموجه به نحو غير للإفهام وأريد به ههنا المعنى الثانى فإن الخطاب اللفظى ليس بحكم بل هو دال عليه فالكتاب وأخواته دلائل الحكم الذى هو الكلام النفسى على الوجه المخصوص فاندفع ما يقال من أن الفقه: هو العلم بالأحكام الشرعية عن الأدلة والدليل الشرعى ليس إلا خطاب اللَّه أو ما يقوم مقامه ولو كان الحكم أيضًا خطابه كان الفقه العلم بخطاب اللَّه الحاصل عن خطابه فإن الدليل هو الخطاب اللفظى والحكم هو الخطاب النفسى ولا استبعاد فى كون أقواله وأفعاله تعالى كاشفًا عن الحكم القائم بذاته سبحانه وكذا الإجماع وغيره.
قوله: (إنما وجب طاعتهما بإيجاب اللَّه تعالى إياها) كأن قائلًا يقول: إذا أمر الرسول المكلف أو السيد العبد وجب عليهما المأمور به فقد ثبت حكم الوجوب من غيره سبحانه فلا يصح أن لا حكم بالمعنى المقصود ههنا إلا حكمه فأجاب بأن ذلك الوجوب أيضًا بإيجاب اللَّه تعالى فإيجابهما كاشف عن إيجابه الذى هو الحكم.
قوله: (ليتناول ما لا يعم من أحكامه كخواص النبى ﵊) مما ستأتى الإشارة إليه وكشهادة خزيمة وقد يجاب أنه من قبيل: زيد يركب الخيل وإن لم يركب إلا واحدًا منها وليس هناك مجاز بإطلاق الجمع على الواحد بل يفهم منه أن ركوبه متعلق بجنس هذا الجمع لا بجنس الحمار مثلًا فالمراد: تعلقه بجنس الفعل من جنس المكلف لا تعلقه بجميع أفعال جميع المكلفين فإنه ظاهر البطلان وكذا ما قيل من أنه يدفع بأنه من مقابلة الجمع بالجمع المفيدة للتوزيع لأنه إن أريد المقابلة بين الخطاب والأفعال فالخطاب ليس بجمع وإن أريد بين الأفعال والمكلفين فلا يفيده التوزيع ههنا كما لا يخفى.
[ ٢ / ١١١ ]
قوله: (هكذا قيل) أى فى حد الحكم (فورد عليه قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات: ٩٦])، وكذا قوله: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الزمر: ٦٢]، فإنه داخل فى الحد وليس بحكم شرعى اتفاقًا.
قوله: (ليس فيه اقتضاء) أى لفعل المكلف (ولا تخيير) بالقياس إليه (إنما هو إخبار بحال له) أى لفعل المكلف وهو كونه مخلوقًا للَّه سبحانه إن جعلت ما مصدرية أو للمكلف وهو نسبة العمل إن جعلت موصولة.
قوله: (فورد عليه) الفاء للإيذان بأن الزيادة الحافظة للطرد هى سبب بطلان العكس أى فورد على الحد بهذه الزيادة كون الشئ دليلًا كالدلوك للصلاة وكون الشئ سببًا كالزنا لوجوب الجلد وكون الشئ شرطًا كالطهارة للصلاة وقوله: من أحكام لا اقتضاء فيها ولا تخيير سببان لما سبق وقوله فإنها تخرج تعليل للورود.
قوله: (فزيد عليه ما يعممه) فإن قيل زيادة القيد على ما فى حيز النفى توجب العموم وأما فى الإثبات فلا قلت: هذه الزيادة ليست قيدًا للمزيد عليه بل هى عند التحقيق فى قوة حد آخر فالحد معه فى قوة ثلاثة حدود.
قوله: (وتحصل بجعله) فإن الدلوك مثلًا إنما صار دليلًا للصلاة بوضع الشارع له وجعله إياه دليلًا وكذلك السبب والشرط وهذا القسم يسمى خطابًا وضعيًا والأول خطابًا تكليفيًا.
قوله: (إذ معنى جل الشئ دليلًا اقتضاء العمل به) فمعنى كون الدلوك دليلًا للصلاة وجوب الإتيان بالمدلول عنده فقد رجع إلى الاقتضاء، فإن قلت: الدلوك سبب لوجوب الصلاة على ما سيأتى لا دليل عليه قلت: سببيته عند التحقيق راجعة إلى الدلالة ولذلك لم يذكر هناك الدليل فيصح التمثيل ومعنى جعل الزنا سببًا لوجوب الحد هو وجوب الجلد عند الزنا فقد رجع إلى الاقتضاء، ومعنى جعل الطهارة شرطًا لصحة البيع جواز الانتفاع بالبيع عند الطهارة وحرمة الانتفاع به دون الطهارة فقد رجع إلى التخيير والاقتضاء، ومعنى جعل النجاسة مانعة عن الصلاة وحرمتها معها وجوازها دونها.
قوله: (وأما الثانى فقيل إنه) أى ما ذكر من الخطاب الوضعى ليس بحكم بل هى علامات معرفة الأحكام.
قوله: (ولذلك) أى ولأن تعلقه بفعل المكلف ليس هو من حيث فعل المكلف
[ ٢ / ١١٢ ]
وغيره لشموله جميع أولاد آدم وأعمالهم وإن جعل من باب التغليب شمل سائر الحيوانات وأفعالها أيضًا، وقد يقال: يرد على الحد بعد اعتبار الحيثية المذكورة قوله تعالى: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ [الأنبياء: ٩٨]، فإنه لكونه وعيدًا يتعلق بفعل المكلف من حيث هو مكلف وليس بحكم شرعى اتفاقًا.
قوله: (من قبيل أعجبنى زيد وكرمه) يعنى أن المعنى الواضع (^١) بالدليل المفرد الذى هو الحاكم بل مضمون قضية هى قوله: إنه هو الشرع كما أن المعجب زيد من حيث الذات بل صفته التى هى الكرم يؤيد ذلك التوجيه قول الشارح: قد لزم مما بين أى من أن الحاكم هو الشرع.
قوله: (المعنى المصدرى) أى إيراد الحكم الشرعى فهذا الإيراد هو التوجيه المخصوص المتعلق بأفعال المكلفين، ولهذا يلام الشخص على خطابه من لا يفهم فلو كان القيد الأخير أى من هو متهيئ لفهمه معتبرًا فى مفهوم الخطاب لم يصح أن يقال فى حق شخص قد وجه الكلام للإفهام إلى من لا يفهم إنه مستحق أن يلام على خطابه من لا يفهم بل يجب أن يقال: من يستحق أن يلام على هذا التوجيه من غير تعبير بلفظ الخطاب.
قوله: (بإطلاق الجمع على الواحد) اعتبار الجنس أولى من اعتبار الواحدى فى مقام القصد إلى التعميم لأن الواحدى قد يقابل الكثير فى الإثبات والنفى وإنما احتاج إلى حمل المكلفين على الجنس لأن جنسية الفعل إنما هى باعتبار أحدى مفهوميه مضافًا إلى المكلف فلو أريد بالمكلفين جميعًا كما هو الظاهر يخرج ما هو فعل متعلق بمكلف واحدى لا يصدق عليه إنه فعل المكلفين جميعًا بخلاف ما إذا أريد الجنس.
التفتازانى: (أنه لا يصدق على حكم ما أنه خطاب. . . إلخ) أى فالإيجاب ليس متعلقًا بجميع أفعال المكلفين وكذا غيره من الأحكام.
التفتازانى: (ولم يذكر الآمدى فى أصناف خطاب الوضع جعل الأدلة حججًا وذكره ههنا) لعل الآمدى لم يذكره فى أصناف خطاب الوضع لأن كون الإجماع
_________________
(١) قوله: الواضع. . . إلخ. فى الكلام ركة وتحريف ومعناه غير ظاهر. كتبه مصحح طبعة بولاق.
[ ٢ / ١١٣ ]
مثلًا حجة ليس من الحكم فى شئ وذكره ههنا لأنه باعتبار وجوب العمل بما أدى إليه يرجع إلى الحكم.
التفتازانى: (يعتبر فيه حيثية التكليف) ليس هذه العبارة التى كتب عليه التفتازانى فى الشارح إذ الذى فيه: ويمكن الذب عنه بأن الألفاظ التى تستعمل فى الحدود تعتبر فيها الحيثية.
التفتازانى: (لا يخفى أن اعتبار. . . إلخ) فهم السعد أن الحيثية إذا كانت للتقييد تفيد أن المراد الخطاب التعلق على وجه الإلزام فكيف يشمل الندب والإباحة فلذا قال محل تأمل مع أن كون الحيثية للتقييد لا يفيد ذلك بل يفيد التعلق من جهة كون المكلف ملزمًا ما فيه كلفة إما بنفس ذلك الخطاب المتعلق كما إذا كان التعلق على وجه الاقتضاء الجازم أو بغيره كما إذا كان لا على وجه الاقتضاء الجازم وإنما كان هذا من جهة الإلزام لأنه تابع له مرتب عليه إذ لولاه لما وجد ودفع ما قاله السعد بعضهم بأن كلامه مبنى على جعل الحيثية للتقييد فقط مع أنها له وللتعليل أيضًا استعمالًا للمشترك فى معنييه وبعضهم جعل المراد من حيث التكليف نفيًا أو إثباتًا فالحيثية مع كونها للتقييد تشمل الكل.
قوله: (من قبيل أعجبنى زيد وكرمه) أى فى أن محل القصد هو المعطوف فقوله بين الحاكم المراد به بيان صفة له وهى أنه الشرع.
قوله: (فإن الدليل هو الخطاب اللفظى. . . إلخ) علة لاندفاع ما يقال من أن الفقه. . . إلخ. على أن التحقيق أن الأحكام فى تعريف الفقه عبارة عن النسب التامة وإلا لزم استدراك قيد الشرعية وأن الفقه من باب التصور وقد نصوا على أنه عبارة عن التصديق المتعلق بالمسائل.
قوله: (فإنه ظاهر البطلان) أى لاقتضائه أنه لا يتحقق الحكم إلا إذا تعلق الخطاب بكل فعل لكل مكلف.
قوله: (لا يفيده التوزيع ههنا) أى لاقتضائه أنه لا يتعلق الخطاب بفعل الأكثر من واحد بل يكون كل مكلف مكلفًا بفعل غير ما كلف به الآخر.
قوله: (إن جعلت ما مصدرية) هذا ممنوع فقد قال التفتازانى فى شرح العقائد النسفية: الثانى أى من الوجوه التى احتج بها أهل الحق على أن اللَّه هو الخالق
[ ٢ / ١١٤ ]
لأفعال العباد النصوص الواردة فى ذلك كقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات: ٩٦]، أى عملكم على أن "ما" مصدرية لئلا يحتاج إلى حذف الضمير أو معمولكم على أن ما موصلة ويشمل الأفعال لأنا إذا قلنا: أفعال العباد مخلوقة للَّه تعالى أو للعبد لم نرد بالفعل المعنى المصدرى الذى هو الإيجاد والإيقاع، بل الحاصل بالمصدر من الحركات والسكنات مثلًا، وللذهول عن هذه النكتة يعنى شمول المعمول للأفعال قد يتوهم أن الاستدلال بالآية موقوف على كون "ما" مصدرية. اهـ.
قوله: (توجب العموم) أى كما فى قوله: ﴿وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا﴾ [الإنسان: ٢٤].
[ ٢ / ١١٥ ]
قال: (وقيل: الحكم خطاب الشارع بفائدة شرعية تختص به أى لا تفهم إلا منه لأنه إنشاء فلا خارج له).
أقول: قال الآمدى: الحكم خطاب الشارع بفائدة شرعية، فخرج خطابه بغيرها كالإخبار بالمحسوسات والمعقولات.
قال فى المنتهى: إن فسر أى الفائدة الشرعية بمتعلق الحكم فدور ولو سلم فلا دليل عليه أى فى اللفظ وإلا ورد على طرده الإخبار بما لا يحصى من المغيبات فزيد: تختص به أى لا تحصل إلا بالاطلاع عليه ولا دور لأن حصول الشئ غير تصوره وهذا حكم إنشائى إذ ليس له خارجى.
واعلم أن له أن يفسرها بتحصيل ما حصولها بالشرع دون ما هو حاصل ورد الشرع به أم لا لكنه يعلم بالشرع وحينئذ يكون كما قال وهو مطرد ومنعكس لا غبار عليه وأما قوله: تختص به. . . إلخ. فاعلم أن الخبر كما ستعلم له لفظ ومعنى يدل عليه ثابت فى النفس ومتعلق لذلك المعنى يشعر بوقوعه فى الخارج فإن كان واقعًا فصادق وإلا فكاذب ومثله يمكن أن يعلم وقوع به متعلقه بطريق غير ذلك الخبر وأما الإنشاء نحو قم فلا يدل على أن لنفسه متعلقًا واقعًا فلا خارج له عن النفسى يراد إعلامه إنما يراد به إعلام النفسى وهو الطلب مثلًا وذلك مما لا يعلم إلا باللفظ الدال عليه توقيفًا عليه وإذا عرفت هذا فمثل قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ [البقرة: ١٨٣]، ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ [آل عمران: ٩٧]، مما يصلح للإنشاء والإخبار عن إيجاب سابق متردد بين كونه حكمًا وعدمه.
قوله: (تختص به) أى لا تحصل تلك الفائدة إلا بالاطلاع على ذلك الخطاب ثم استشعر اعتراضًا بأن الاطلاع على الشئ معتبر فيه فتلك الفائدة تتوقف على معرفة الخطاب المخصوص الذى لا تعرف خصوصيته إلا بمعرفة الفائدة فيدور؛ أو يتوقف على معرفة الخطاب الذى هو الحكم فيكون تعريف الحكم به دورًا فأجاب بأن المتوقف على الاطلاع على الخطاب المخصوص أعنى الحكم هو حصول الفائدة لا تصوّرها، والمعتبر فى معرفة الخصوصية أو الحكم تصورها لا حصولها فلا دور فإن قيل تصور مفهوم الفائدة المختصة بالخطاب يتوقف على تصور الخطاب ضرورة، قلنا: نعم لكن على تصور مفهوم الخطاب الذى هو جزء مفهوم الحكم لا
[ ٢ / ١١٦ ]
المخصوص الذى هو نفس الحكم والتحقيق أن تصور مفهوم الحكم لا الحكم وحصول ذات الفائدة يتوقف على حصول ذات الحكم ومعرفتها لا على تصور مفهومه.
قوله: (وهذا حكم إنشائى) هكذا وقع فى النسخ وقد سقط عن القلم لفظ "كل" لأن عبارة المنتهى: وهذا حكم كل إنشائى إذ ليس له خارجى يعنى أن ما ذكرنا فى الحكم الشرعى من أن فائدته لا تحصل إلا بذلك الخطاب حكم كل كلام إنشائى فإن فائدته لا تحصل إلا منه إذ ليس له نسبة خارجية غير ما يقوم بالنفس ويفهم من اللفظ ليمكن حصولها بطريق آخر.
قوله: (واعلم أن له) يعنى للآمدى أن يفسر الفائدة الشرعية بما يتوقف على الشرع حصولها وثبوتها فى نفس الأمر لا بما فهمه المعترض وهو الحاصل الذى يتوقف العلم به على الشرع سواء توقف عليه حصوله أم لا وهذا معنى قوله: دون ما هو حاصل ورد به الشرع أم لا لكنه يعلم بالشرع يعنى يكون معنى نسبتها إلى الشرع أن يستند إليه حصولها إلا مجرد العلم بها وحينئذ يخرج الأخبار بالمغيبات مثل قوله تعالى ﴿الم (١) غُلِبَتِ الرُّومُ﴾ [الروم: ١، ٢]، فإنها فائدة حاصلة فى الواقع لكنها تعلم بالشرع هذا ولكن لا أدرى لزيادة لفظ "التحصيل" فى قوله: بتحصيل ما حصولها زيادة فائدة.
قوله: (فاعلم أن الخبر) شرح وتفسير لاختصاص الفائدة بالخطاب فى الإنشاء دون الأخبار، وتحقيقه أن للخبر لفظًا هى الأصوات والحروف المخصوصة ومعنى ثانيًا فى نفس المتكلم يدل عليه اللفظ فيرتسم فى نفس السامع هو مفهوم الطرفين والحكم ومتعلقًا لذلك المعنى هو النسبة بين الطرفين يشعر اللفظ بوقوعه فى الخارج لكن الإشعار بوقوعه لا يستلزم وقوعه بل قد يكون واقعًا فيكون الخبر صادقًا، وقد لا فيكون الخبر كاذبًا وفى هذا إشارة إلى أن مدلول الخبر إنما هو الصدق والكذب احتمال عقلى ومثل هذا المعنى لا يختص بالكلام الدال عليه إذ قد يعلم وقوع متعلقه بطريق آخر كالإحساس فى المحسوسات والضرورة والاستدلال فى المعقولات والإلهام مثلًا فى المغيبات والإنشاء له لفظ ومعنى يدل عليه لكن ليس لمعناه متعلق يقصد الإشعار والإعلام به بل إنما يقصد به الإشعار بنفس ذلك المعنى الثابت فى النفس كالطلب مثلًا فى الإنشاءات الطلبية ومثل هذا
[ ٢ / ١١٧ ]
المعنى لا يعلم إلا باللفظ بطريق جعل السامع واقفًا على ثبوته فى النفس فيختص بالخطاب الدال عليه فمثل قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ [البقرة: ١٨٣]، إن قصد به الإعلام بنسبة واقعة سابقة كان خبرًا فلا يكون حكمًا بالمعنى الذى نحن فيه، وإن قصد به الإعلام بالطلب القائم بالنفس كان إنشاء فيكون حكمًا.
قوله: (قال فى المنتهى إن فسر) أى الآمدى (الفائدة الشرعية بمتعلق الحكم الشرعى) فالتعريف دورى لأن تصور متعلق الحكم الشرعى موقوف على تصوره فلو عرف الحكم بمتعلقه كان دورًا ولو سلم أن لا دور من حيث إن تصور المتعلق يتوقف على تصور الحكم الشرعى بوجه ما لا على تصوره بهذا الوجه المخصوص واللازم حينئذ أن تصوره بهذا الوجه يتوقف على تصوره بوجه ما ولا استحالة فيه فلا دليل فى اللفظ على متعلق الحكم الشرعى فإن الفائدة الشرعية لا يفهم منها ذلك أصلًا فيفسد الحد وإن لم يفسد الآمدى الفائدة الشرعية بالمتعلق بل بما لا تكون حسية ولا عقلية على ما أشعر به كلامه حيث قال: هذا القيد احترازًا عن خطابه بما لا يفيد فائدة شرعية كالإخبار عن المعقولات والمحسوسات ورد على طرد الحد إخبار الشارع بالمغيبات كقوله تعالى: ﴿وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ﴾ [الروم: ٣]، وأمثاله فزيد على الحد الذى ذكره الآمدى ى قيد: يخصه بالإنشاء ويخرج عنه ما أورد عليه من الأخبار، وهو قولنا: تختص به أى لا تحصل تلك الفائدة إلا بالاطلاع على الخطاب وبهذا القيد اندفع النقض لأن فائدة الإخبار عن المغيبات قد يطلع عليها لا من حيث الخطاب الشرعى فإن له مدلولًا خارجيًا قد يعلم إذا وقع بدون اطلاع عليه، قال فى المنتهى: والحد مع الزيادة يرد عليه قوله تعالى: ﴿فَنِعْمَ الْمَاهِدُونَ﴾ [الذاريات: ٤٨]، ﴿نِعْمَ الْعَبْدُ﴾ [ص: ٣٠]، وقوله: ولا دور دفع لما يتوهم من أن معرفة الخطاب المفيد فائدة مختصة به موقوفة على تصور الفائدة المختصة ضرورة توقف الكل على تصور أجزائه وهى متوقفة على الخطاب كما ذكرتم من أنها لا تحصل إلا بالاطلاع عليه، وتقريره: أن المتوقف على الخطاب حصول الفائدة وما توقف عليه الخطاب تصورها وحصول الشئ غير تصوره فلا دور، فإن قلت: قولكم لا تحصل إلا بالاطلاع عليه دل على أن معرفة الفائدة موقوفة على معرفة الخطاب فالدور لازم نعم لو قيل: لا تحصل إلا به لزم ما ذكرتم قلت العلم
[ ٢ / ١١٨ ]
بحصولها متوقف على العلم بحصول الخطاب وتصوره متوقف على تصورها فلا دور أصلًا وهذا أى اختصاص فائدة الخطاب به حكم كل خطاب إنشائى فإنه لا يطلع على فائدته إلا به إذ ليس له خارجى يطلع عليه لا من الخطاب بخلاف الإخبار على ما سيأتى تحقيقه.
قوله: (واعلم) نصرة للآمدى بأن له أن يفسر الفائدة الشرعية بتحصيل ما حصولها بخطاب الشرع دون ما هو حاصل فى نفسه ولو فى المستقبل ورد خطاب الشرع به أم لا لكنه يعلم خطابه كالمغيبات فإن الإخبار عنها لا يحصلها بل يفيد العلم بها فلا حاجة إلى زيادة قيد تختص به لإخراجه بل الحد حينئذ كما قال الآمدى وهو مطرد ومنعكس لا غبار عليه فإن قيل: إن حمل الخطاب على اللفظ كانت فائدته مدلوله الذى هو الخطاب النفسى فيلزم أن يكون الأول الحادث محصلًا للثانى القديم ويشكل أخذ الحكم بهذا المعنى فى تعريف الفقه وإن حمل على الخطاب النفسى فما فائدته التى تحصل به قلنا: الإيجاب الذى هو الخطاب النفسى مثلًا يحصل وجوب الفعل الذى لا يستفاد إلا منه وستسمع فى هذا كلامًا عن قريب، وأما قول المصنف: تختص به أى لا تفهم إلا منه لأنه إنشاء فلا خارج له فاعلم فى الحقيقة أن الخبر كما ستعلم فيما بعد له لفظ ومعنى يدل اللفظ عليه ثابت أى ذلك المعنى فى النفس، وقوله: ومتعلق بفتح اللام وإن جاز كسرها عطف على معنى وقوله يشعر على بناء الفاعل مسندًا إلى اللفظ ويجوز أن يقرأ على بناء المجهول مسندًا إلى ما بعده وعلى التقديرين الجملة صفة للمتعلق يعنى وللخبر متعلق لمعناه يشعر لفظه بوقوع دلك المتعلق فى نفس الأمر فاللفظ يدل أولًا وبالذات على المعنى النفسى وثانيًا وبالعرض على وقوع المتعلق وإنما قال: يشعر دون يدل لأن المتبادر إلى الفهم امتناع تخلف المدلول عن الدليل لكنه جائز ههنا لكون الدلالة اللفظية غير قطعية وفى الإشعار تنبيه على جواز ذلك فهو أولى ومثله على طريق الكناية مبالغة أى ومثل الخبر فى أن يكون لمعناه النفسى متعلق خارج عنه يشعر لفظه بوقوعه يمكن أن يعلم وقوع متعلقه بطريق غير ذلك الخبر اللفظى والمعنوى كالحس والعقل وأما الإنشاء نحو: قم فله لفظ ومعنى قائم بالنفس ولا يدل على أن لنفسه متعلقًا واقعًا فى نفس الأمر فلا مدلول خارج له عن المعنى النفسى يراد به إعلام ذلك الخارج كما فى الخبر إنما يراد بالإنشاء إعلام
[ ٢ / ١١٩ ]
المعنى النفسى وهو الطلب مثلًا والمعنى النفسى مما لا يعلم إلا باللفظ الدال عليه الصادر من التكلم توقيفًا عليه فالخطاب الإنشائى تختصر فائدته به أى لا يحصل العلم بها إلا بالاطلاع عليه وكما أن معناه لا يفهم إلا منه كذلك ما يتفرع عن معناه كالوجوب المترتب على الإيجاب لا يحصل إلا به ولا يستفاد إلا منه فلا يتوهمن من هذا الكلام كون الخطاب فى التعريف محمولًا على اللفظ وإذا عرفت أن الحكم هو الخطاب الإنشائى فمثل قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ [البقرة: ١٨٣]، ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ [آل عمران: ٩٧]، مما يصلح للإنشاء استعمالًا للخبر فيه مبالغة وللإخبار عن إيجاب سابق على هذا الخطاب إجراء له على أصله متردد بين كونه حكمًا على التقدير الأول لاختصاص فائدته به وبين عدمه إذ لمعناه متعلق خارجى يمكن أن يعلم لا من هذا الخطاب.
قوله: (بمتعلق الحكم الشرعى) توضيح المقام أن الفائدة الشرعية ههنا يجب أن توجد على وجه لا يصدق إلا على مثل الوجوب والحرمة مما يتعلق بأفعال المكلفين وحينئذ يكون خطاب الشارع بالجنس بالفائدة الشرعية أى المفيد لها عبارة قد يكون فى الاعتقاديات وقد يكون فى العمليات ولا شئ هنا يخصص الفائدة الشرعية عما هو المراد إلا بتقييدها بالحكم الشرعى ولذا قال: إن فسر الفائدة الشرعية بمتعلق الحكم الشرعى.
قوله: (على ما أشعر به كلامه) هذا الإشعار ضعيف حاصل بسبب ذكر المحسوسات والمعقولات فى مقابلة الشرعيات فالمفهوم هنا فائدة شرعية وفائدة حسية وفائدة عقلية والحسية مدركة بالحس والعقلية مدركة بالعقل والشرعية ما لم تدرك بهما بل من الشارع فصح قول الشارح وإلا ورد على طرده الإخبار بما لا يحصى من المغيبات لأن ذلك الإخبار يفيد الفائدة الشرعية بهذا المعنى.
قوله: (وهو مطرد ومنعكس لا غبار عليه) فإنه يصدق (^١) هذا الحد على الخطابات المتعلقة بالاعتقادات نحو: ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ﴾ [النساء: ١٧١]، و﴿لَا تُشْرِكْ
_________________
(١) قوله: فإنه يصدق. . . إلى آخر القول. كذا فى الأصل وانظر فى هذا التركيب الذى تلاعبت به أيدى النساخ فأفسدوا ألفاظه ومعناه وأسقطوا وحرفوا الكلم عن مواضعه والأمر للَّه. كتبه مصحح طبعة بولاق.
[ ٢ / ١٢٠ ]
بِاللَّهِ﴾ [لقمان: ١٣]، وغير ذلك الأساميات هى خطابات شرعية مفيدة للعقائد الدينية التى لا تحصل إلا من خطاب الشارع مليًا قد وقع التعميم فى أفعال المكلفين على وجه يتناول أفعال القلب أيضًا وإطلاق الحكم على الخطاب الاعتقادى أيضًا.
الشارح: (أى لا تحصل إلا بالاطلاع) أى لا يحصل علمها إلا بعلمه لأن تحققها فى نفس الأمر موقوف على تحققه فى نفس الأمر.
الشارح: (بتحصيل ما حصولها بالشرع) اعتبر التحصيل لأن الفائدة ما استفيد وأنث الضمير العائد على "ما" لوقوعه على الفائدة ثم إن التحصيل يكون من المكلف إذ هو المستفيد للفائدة.
الشارح: (وحينئذ يكون كما قال) أى من أن الحكم خطاب بفائدة شرعية من غير احتياج إلى زيادة قيد تختص به.
التفتازانى: (بأن الاطلاع على الشئ معتبر فيه) أى فى الشئ أى أن الاطلاع على الخطاب معتبر فى الخطاب المخصوص الذى هو الحكم فالخطاب المخصوص الذى هو الخطاب بفائدة مختصة بالاطلاع عليه موقوف على الفائدة لأنها جزؤه والكل يتوقف على الجزء والفائدة متوقفة على معرفة ذلك الخطاب فتوقف الخطاب على نفسه أو أن الفائدة متوقفة على الخطاب الذى هو الحكم فأخذه فى تعريف الحكم يوجب الدور لتوقف الحكم على الفائدة المتوقفة على الحكم فالدور يصور بهذين الوجهين.
التفتازانى: (هو حصول الفائدة) أى الحصول فى الذهن والتصديق بثبوتها فى نفس الأمر.
التفتازانى: (فى معرفة الخصوصية) أى الخطاب المخصوص كما هو المعتبر فى وجه الدور الأول وقوله: أو الحكم أى كما فى الوجه الثانى.
التفتازانى: (لا الحكم) أى لا ذات الحكم وهنا سقط والأصل موقوف على تصور الفائدة وهو خبر عن قوله: إن تصور مفهوم الحكم وقوله: ومعرفتها أى معرفة ذات الحكم أى التصديق بوجودها، والمراد أن العلم بحصول الفائدة موقوف على العلم بوجود ذات الحكم كما أن حصول الفائدة فى نفس الأمر موقوف على حصول الحكم فى نفس الأمر ثم إن هذا التحقيق الذى ذكره التفتازانى هو حاصل
[ ٢ / ١٢١ ]
الجواب المتقدم ولا يدفع الإشكال الذى ذكره بقوله فإن قيل: تصور مفهوم الفائدة. . . إلخ. بل لا بد من الجواب الذى ذكره بقوله قلنا: نعم إلخ.
التفتازانى: (ولكن لا أدرى لزيادة لفظ التحصيل فى قوله: بتحصيل ما حصولها زيادة فائدة) لعل الفائدة الإشارة إلى اعتبار الاستفادة التى هى المراد بالتحصيل فى مفهوم الفائدة كما ذكرناه قبل.
التفتازانى: (والحكم) أى الذى هو الإيقاع والانتزاع.
التفتازانى: (وفى هذا) أى اعتبار الإشعار فى معنى الخبر.
التفتازانى: (ومثل هذا المعنى لا يختص) شرح لقول الشارح: ومثله يمكن أن يعلم وقوعه.
قوله: (يرد عليه قوله تعالى: ﴿فَنِعْمَ الْمَاهِدُونَ﴾ [الذاريات: ٤٨]، و﴿نِعْمَ الْعَبْدُ﴾ [ص: ٣٠] أى لأنه خطاب بفائدة شرعية لا يطلع عليها إلا بذلك الخطاب لأنه إنشاء فمقتضى تعريف الحكم بما ذكره أن يكون ذلك حكمًا.
قوله: (يشكل أخذ الحكم بهذا المعنى فى تعريف الفقه) أى لأنه بهذا المعنى يكون الفقه: هو العلم بالكلام اللفظى الحاصل عن الكلام اللفظى؛ لأن الحكم عليه: بمعنى الخطاب اللفظى وهو حاصل عن الدليل الذى هو الخطاب اللفظى وفيه أن الحكم فى تعريف الفقه ليس بمعنى الخطاب النفسى ولا اللفظى بل: بمعنى النسبة التامة كما تقدم التنبيه عليه.
قوله: (يحصل وجوب الفعل) أى بناء على أن الوجوب غير الإيجاب وأنه أمر اعتبارى كما سيأتى له بل ويصح أيضًا على أنه متحد مع الوجوب لاختلافهما اعتبارًا فالإيجاب باعتبار ينشأ عنه الإيجاب باعتبار آخر وهو المسمى بالوجوب.
قوله: (وأما قول المصنف تختص به. . . إلخ) شروع فى شرح قول الشارح أما قوله: تختص به. . . إلخ. وقوله: ومثله شروع فى شرح قول الشارح: ومثله يمكن أن يعلم وقوله: على طريق الكناية مبالغة، معناه: أن قول الشارح ومثله كناية عن نفس الخبر فكأنه قال: ومعنى الخبر يمكن أن يعلم وعبر عن ذلك بقوله: مثله على وجه الكناية والمبالغة كقولك: مثلك لا يبخل تريد به أنت لا تبخل.
قوله: (والمعنوى) هو الخبر النفسى وقوله: كالحس والعقل تمثيل للطريق الذى هو غير الخبر.
قوله: (فلا يتوهمن. . .إلخ) تفريع على قوله: وكما أن معناه. . . إلخ.
[ ٢ / ١٢٢ ]