قال: (مبادئ اللغة: ومن لطف اللَّه تعالى إحداث الموضوعات اللغوية فلنتكلم على حدها وأقسامها وابتداء وضعها وطريق معرفتها. الحد كل لفظ وضع لمعنى).
أقول: من لطف اللَّه تعالى إحداث الموضوعات اللغوية فإنه لما علم حاجة الناس إلى تعريف بعضهم بعضًا ما فى أنفسهم من أمر معاشهم للمعاملات والمشاركات وأمر معادهم لإفادة المعرفة والأحكام أقدرهم على الصوت وتقطيعه على وجه يدل على ما فى النفس بسهولة لأنه كيفية للنفس الضرورى فخفت المؤنة وعمت الفائدة لتناولها للموجود والمعدوم والمحسوس والمعقول ووجودها مع الحاجة وانقضائها مع انقضائها وفيه من اللطف ما لا يخفى فلنتكلم على حدها وأقسامها وابتداء وضعها وطريق معرفتها لأن التفكر فى ألطاف اللَّه تعالى شكر على أن الحاجة ماسة فى هذا الفن إليه لما مر فى العربية. أما حدها: فكل لفظ وضع لمعنى ولفظ الكل لا يذكر فى الحد لأنه للماهية من حيث هى هى ولا يدخل فيها عموم ولأنه يجب صدقه على كل فرد ولا يصدق بصفة العموم وقد ذكره إما للإشعار بأنه لا يختص بقوم دون قوم وإما لأنه يحد الموضوعات اللغوية بصفة العموم فوجب اعتبارها فيه فكأنه قال: معنى قولنا: الموضوعات اللغوية كذا وكذا أن كل لفظ وضع لمعنى كذا وكذا وإن كان بين ظاهريهما فرق ستعرفه.
قوله: (لأن التفكر) بيان لترتب هذا الكلام على قوله: ومن لطف اللَّه لكن لا يخفى أنه مرتب على ما دل عليه الكلام من الاحتياج إلى التعرض للمبادئ الكلامية على ما أشار إليه بقوله (على أن الحاجة ماسة فى هذا الفن إليه) أى إلى التكلم على هذه الأمور (لما مر فى) بيان استمداد هذا الفن من (العربية).
قوله: (ولفظ الكل) إبراد لفظ الكل فى المحدود فاسد من جهة أن الحد للماهية لا للأفراد وفى الحد فاسد من جهة أنه لا يصدق على شئ من الأفراد، والشارح علل عدم ذكرها فى الحد بوجهين تنبيهًا على أن الحد نفس المحدود فى الحقيقة فلا يذكر ما يدل على الأفراد لا فى الحد ولا فى المحدود.
[ ١ / ٤٣٠ ]
قوله: (فكأنه قال) يعنى أن ما ذكر تعريف لفظى للمحكوم عليه فى قولنا الموضوعات اللغوية توقيفية مثلًا فإن معناه أن كل لفظ موضوع فهو توقيفى، لكن الظاهر من صيغة الحمع العرف باللام تعلق الحكم بالمجموع، أو بكل جمع من الجموع ومن قولنا كل لفظ تعلقه بكل واحد من الأفراد على ما ذهب إليه من قال إن استغراق المفرد أشمل فيجوز أن يكون هذا المعنى قوله (وإن كان بين ظاهريهما فرق) لكن لا فرق فى التحقيق لما أن الحكم فى الجمع أيضًا على كل فرد من الأفراد على ما شهد به تتبع موارد الاستعمال وإطباق أئمة التفسير والأصول والنحو، وقد أشبعنا الكلام فى شرح التلخيص ويجوز أن يكون وجه الفرق أنه يعتبر فى عموم الجمع المحلى باللام الهيئة الاجتماعية بخلاف عموم كل الأفراد.
قوله: (من لطف اللَّه تعالى) يعنى من لطف اللَّه سبحانه (بعباده إحداث الوضوعات اللغوية فإنه) أى اللَّه والفاء لتفصيل ما قبلها إذ من حقه أن يعقب الإجمال (لما علم حاجة الناس إلى تعريف بعضهم بعضًا) وإعلامهم إياهم (ما فى أنفسهم) وضمائرهم (من أمر معاشهم للمعاملات والمشاركات) وذلك لأن الإنسان الواحد لا يستقل بمؤنته فى معيشته لاحتياجه فى بقائه إلى مأكل وملبس ومسكن صناعية ولا تكفيه الأمور الطبيعية للطف مزاجه وقربه من الاعتدال الحقيقى بخلاف سائر الحيوانات ثم إن تحصيلها بالصناعة لا يتم إلا بمعاونة من أبناء نوعه ومشاركة معهم ومعاملة بينهم ليشتغل كل واحد أو جماعة متعاونون ببعضها فيحصلون منه ما يكفيهم ويفضل منهم ويتعاملون بأن يعطى هذا ذاك ما فضل عنه ويأخذ منه ما يحتاج إليه مما حصله ذاك الآخر زائدًا على كفايته فينتظم أمر المعاش ولا شك أن المشاركة والمعاملة يحتاجان إلى أن يعلم بعضهم بعضًا ما فى ضمائرهم من الحوائج المتعلقة بأمر المعاش.
قوله: (وأمر معادهم لإفادة المعرفة والأحكام) أى الناس محتاجون إلى تعريف بعضهم بعضًا فى فى أنفسهم من أمر معادهم لإفادة معرفة الصانع ﷻ بصفات ذاته وأفعاله المتعلقة بالدنيا كإرسال الرسل وإنزال الكتب أو بالعقبى كحشر الأجساد ورد الأرواح إليها وما يتبعه من الثواب والعقاب ولإفادة الأحكام الشرعية المتعلقة بأفعالهم وذلك لأن الإنسان مخلوق لمعرفة البارئ سبحانه وعبادته ومكلف
[ ١ / ٤٣١ ]
بهما ليسعد فى معاشه ومعاده ثم إن المعرفة لا تتم إلا بمقدمات نظرية مستندة إلى قضايا ضرورية يتوسل بها إلى المطالب والعبادة لا تتحصل إلا بمعرفة الأحكام المستندة إلى دلائلها والإنسان الواحد لا يستبد بتحصيل هذه المعارف المتعلقة بالمطلوبين بل يحتاج فيه إلى معين له من نوعه يساعده على تحصيل مرامه ولا تتصور هذه المساعدة إلا بما ذكرنا من الإعلام.
قوله: (أقدرهم) يعنى لا علم اللَّه سبحانه احتياج الناس فى تحصيل السعادة الدنيوية والدينية إلى إعلام ما فى الضمائر من أمرى المعاش والمعاد أقدرهم (على الصوت وتقطيعه) قطعًا مختلفة هى الحروف بآلات معدة لذلك من الحنجرة والعضلات والشفة وتركيبها (على وجه يدل على ما فى النفس) من المعانى المتكثرة إما بوضعها أو وضع تراكيبها الواقعة على أنحاء شتى بإزائها سواء كان ذلك الوضع من اللَّه أو من الناس فيحصل المطلوب (بسهولة لأن الصوت كيفية عارضة للنفس الضرورى) الممتد من قبل الطبيعة دون تكلف اختيارى كما أن الحروف كيفيات عارضة للصوت يصير بها قطعًا فخفت مؤنة الإعلام بها وعمت الفائدة لتناول الموضوعات اللغوية المأخوذة من القطع الصوتية (للموجود) حاضرًا كان أو غائبًا (والمعدوم) ممتنعًا كان أو ممكنًا (والمحسوس والمعقول ووجودها) عطف على قوله: لتناولها أى وجود الموضوعات (مع الحاجة) أى وقت عرضت (وانقضائها مع انقضاء الحاجة) بخلاف الكتابة لاحتياجها إلى أدوات يتعسر حضورها فى جميع الأوقات وبقائها مع الحاجة فربما يطلع على المراد من لا يراد اطلاعه عليه وبخلاف الإشارة لاختصاصها بالموجودات المحسوسة الحاضرة فلا تعم فائدتها وكذا سائر الأفعال الاختيارية لا شئ منها يتناول جميع المعانى (وفيه) أى وفى إحداث الموضوعات اللغوية (من اللطف ما لا يخفى) على المتدبر إذ بها يتوصل إلى انتظام الأحوال فى الأولى والأخرى.
قوله: (لأن التفكر) توجيه لقول المصنف فلنتكلم بالفاء يعنى إذا كان إحداثهما من لطف اللَّه وإنعامه فلنتكلم على حدها وأقسامها وطريق معرفتها وابتداء وضعها لأن التكلم عليها يستلزم التفكر فيها والتفكر فى ألطاف اللَّه تعالى والتكلم بها شكر فالتكلم المستلزم للتفكر بل الأمر به حثًا وتحريضًا متفرع على كون إحداثها من نعم اللَّه تعالى.
[ ١ / ٤٣٢ ]
قوله: (على أن الحاجة) أى فلنتكلم لأن التفكر فى ألطاف اللَّه تعالى شكر مع أن الحاجة ماسة فى هذا الفن إلى التكلم فى هذه الأمور (لما مر فى) بيان استمداده من (العربية).
قوله: (ولفظ الكل) لفظ الكل يفيد العموم والاستغراق فلا يذكر فى الحد لأنه للماهية من حيث هى ولا يدخل فى الماهية من حيث هى عموم واستغراق ولأن الحد يجب صدقه وحمله على كل فرد من أفراد المحدود من حيث هو فرد له ولا يصدق الحد بصفة العموم على كل فرد وقد ذكر المصنف لفظ كل ههنا لأنه لا يحد الموضوع اللغوى بل يحد الموضوعات اللغوية بصفة العموم والاستغراق فوجب اعتبار صفة العموم (فيه) أى فى الحد وفى بعض النسخ فيها فالضمير للموضوعات والمعنى فى حدها وإنما عرف الموضوعات اللغوية لأنه قد تجرى الأحكام عليها كما يقال الموضوعات اللغوية كذا كذا فيحتاج إلى معرفتها فكأنه قال: معنى قولنا الموضوعات اللغوية كذا وكذا أن كل لفظ وضع لمعنى كذا.
قوله: (وإن كان بين ظاهريهما) أى ظاهرى المحدود الذى هو الموضوعات والحد الذى هو كل لفظ (فرق) فى العموم والاستغراق (ستعرفه) فيما بعد وهو أن الجمع المعرف باللام يستغرق جميع الأفراد بلا تفصيل بخلاف لفظ "كل" مطلقًا إلى نكرة فإنه يفيد الاستغراق التفصيلى ولهذا لو قال: للرجال عندى درهم لزمه درهم واحد ولو قال: لكل رجل عندى درهم لزمه دراهم بعدتهم وإنما قال: بين ظاهريهما لأن المتبادر من كل منهما ما ذكر فى معناه وإن جاز إرادة المعنى الآخر منه فلا يصح تعريف الموضوعات بكل لفظ إلا بارتكاب التأويل فى أحدهما وقد وقع فى بعض النسخ هكذا (وقد ذكره إما للإشعار بأنه لا يختص بقوم دون قوم أو بأنه لا يعنى به جميع ما يتكلم به قوم كما تبادر حين يقال: فلان يعرف لغة العرب لأنه عرف طار، بل يقال: لكل لفظة هذه لغة بنى تميم مثلًا وإما لأنه يحد الموضوعات اللغوية. . . إلخ) وحاصله أن الحد إما للموضوع اللغوى وذكر لفظ "كل" للإشعار بأن الحد والمحدود لا يختص بقوم دون قوم يعنى لو قال: لفظ وضع لمعنى لربما توهم أن هذا الحد إنما هو للموضوع اللغوى العربى فلما قال كل لفظ اندفع أو للإشعار بأن المصنف لا يعنى بالمحدود الذى هو الموضوع اللغوى بل اللغة جميع ما يتكلم به قوم كما يتبادر إلى الفهم فإنه إذا قيل فلان يعرف لغة
[ ١ / ٤٣٣ ]
العرب يفهم منها الجميع عرفًا وإنما لا يعنى به ذلك لأنه عرف طار وأما بحسب أصل المعنى فاللغة تطلق على كل لفظة موضوعة فيقال هذه اللفظة لغة بنى تميم مثلًا وإما للموضوعات اللغوية. . . إلخ. وكأن هذه الزيادة كانت فى الأصل وضرب عليها لما فيها من التعسف الظاهر.
قوله: (ليسعد فى معاشه ومعاده) (^١) من تأمل فيما ذكر من البيان المتعلق بالإعلامين ظهر عليه أن الأنسب بهذا المقام أن يقال: وأمر معادهم للمعرفة ولأنه قد ذكر بعد المعاش شيئين ينتظم بهما أمره وهما محوجان إلى أن يعلم بعضهم بعضًا ما فى ضمائرهم من الحوائج المتعلقة بذلك الأمر والواقع على طبقه ووزانه بالنظر إلى تقريره أن يذكر بعد المعاد أيضًا شيئان بهما ينتظم أمره وهما: المعرفة والعبادة المطلوبتان الواقعتان بالنسبة إلى ذلك الانتظام فى مرتبة واحدة وهما يحتاجان إلى إعلام الأمور التى يتحققان بها ومن جملتها معرفة الأحكام فيكون ذكر المطلوبين بعد الذكر وذكر مقدماتهما قبله ويحصل الانتظام.
قوله: (لأن الصوت كيفية عارضة للنفس) أى الصوت الذى أقدرهم اللَّه عليه ليحصل ما يحتاجون إليه من الإعلامات فإن قلت (^٢): يفهم من قوله: إن الحروف كيفيات عارضة للصوت بها يصير قطعًا أن ملفوظًا هو المفرد وملفوظًا به هو التلفظ المتعلق بما يصدق عليه كلمة واحدة وهذا هو المفرد بعينه ولا فساد فيه.
قوله: (والتفكر فى ألطاف اللَّه تعالى والتكلم بها شكر) أى التفكر فيها والتكلم بها من حيث إنها ألطاف اللَّه تعالى شكر فإن التفكر والتكلم لو كان مجردًا عن تلك الحيثية لم يكن شكرًا كالتفكر فى خلق السموات ودقائقها مجردًا عن إثبات ذلك الخلق إلى اللَّه تعالى فإنه لا يكون ذلك التفكر شكرًا للَّه تعالى ولا يكون هذا المتفكر شاكرًا فيجب اعتبار الحيثية فى الكلام فكأنه قال: فلنتكلم على حدها وأقسامها من حيث إنها من ألطاف اللَّه تعالى.
_________________
(١) هذا أول ما كتبه الشيخ الهروى على حاشية السيد بعد أن انقطعت كتابته أثناء القسم المنطقى فليعلم. كتبه مصحح طبعة بولاق.
(٢) قوله: فإن قلت. . . إلخ. كذا فى الأصل وتأمل هذه العبارة فإنها لا تخلو من سقط وتحريف. كتبه مصحح طبعة بولاق.
[ ١ / ٤٣٤ ]
قوله: (ولا يدخل فى الماهية من حيث هى عموم واستغراق) تفصيل المقام أن لفظ الموضوعات اللغوية المذكورة فى المقام التعريف يجوز أن يراد منه مفهوم المفرد الذى هو الموضوع اللغوى والتعبير بلفظ الجمع لنكتة ومثل ذلك واقع فى التعريفات والوجهان المذكوران فى مقام التعليل يكونان باعتبار هذا المفهوم من غير اعتبار الجمعية بحسب المعنى يشعر بذلك قوله فيما بعد لأنه لا يحد الموضوع اللغوى واعترض على قوله: لأنه للماهية من حيث هى [فهذا ينافى قوله: يحد الموضوعات اللغوية بصفة العموم إذ يفهم منه أن الحد قد يكون لغير الماهية من حيث هى وإن أريد أن بعض أفراد الحد كذلك فلا ينطبق على الدعوى لأن المدعى أن لفظ "كل" لا يذكر فى شئ من الحدود وأجيب: بأن المراد هو الأول وهو موافق لقوله: ولأن الحد يجب صدقه على كل واحد وقوله: بل يحد الموضوعات اللغوية محمول على المسامحة يعنى أن الموضوعات اللغوية بصفة العموم محدودة بحسب الظاهر فوجب اعتبار العموم فى الحد أيضًا ليحصل توافق الحد والمحدود بحسب الظاهر] لا الحقيقة (^١) يكون هناك محدود هى الماهية من حيث هى وجد عار عن اعتبار العموم فإن قلت: قوله: ولا يدخل فى الماهية من حيث هى عموم واستغراق ليس على ما ينبغى لأن عدم دخول شئ فى المحدود لا يقتضى عدم ذكره فى الحد كما فى التعريفات بالأمور الخارجة عن المحدود إذ أحد بمعنى العرف عندهم قلت: العموم والاستغراق لو كان داخلًا فى المحدود كما ذكر فى توجيه إيراد لفظ "كل" فى الحد لكان لذكره فى الحد وجه وإلا ليس حاله مثل حال سائر الأمور الخارجة عن المحدود التى بها يصح قيل هذا الوجه أعنى قوله لأنه للماهية من حيث هى مختص بما إذا حمل الحد على الحد الحقيقى، والوجه الثانى مذكور للحد بالمعنى الأعم.
المصنف: (ومن لطف اللَّه تعالى) أى: من إحسانه وإفضاله على عباده فهو صفة فعل بدليل قوله: إحداث الموضوعات وقوله: الموضوعات اللغوية أى المنسوبة للغة أى اللفظ عربيًا كان أو غير عربى.
_________________
(١) تأمل هذا المقام إلى آخر القولة وحرر العبارة فلعلها لا تخلو من سقط وتحريف. اهـ. كتبه مصحح طبعة بولاق.
[ ١ / ٤٣٥ ]
الشارح: (مبادئ اللغة) أى المبادئ التى هى من اللغة.
الشارح: (للمعاملات والمشاركات) أى أن انتظام أمر المعاش بهذين الأمرين وهما لا يحصلان إلا بتعريف ما فى الضمائر وقوله: لإفادة المعرفة والأحكام المناسب لما قبله أن يقول للمعرفة والعبادة فإن انتظام أمر المعاد بهما وهما لا يحصلان إلا بالتعريف والإعلام.
التفتازانى: (لكن لا يخفى. . . إلخ) اعتراض على الشارح فى جعل قوله: فلنتكلم. . . إلخ. مفرعًا على كون إحداث الموضوعات من لطف اللَّه تعالى باعتبار تضمنه التفكر فيها.
قوله: (إذ من حقه أن يعقب الإجمال) أى فاستعملت فيه الفاء التى للتعقيب لذلك.
قوله: (للطف مزاجه) قد عرفوا المزاج بأنه كيفية متشابهة تحصل من تفاعل عناصر متصغرة الأجزاء المتماسة بحيث تكسر سورة كل سورة الآخر فالعناصر المختلفة الكيفية التى هى الحرارة والبرودة والرطوبة واليبوسة إذا تصغرت أجزاؤها جدًّا واختلطت اختلاطًا تامًّا حتى حصل التماس الكامل بين أجزائها فعل صورة كل فى مادة الآخر فكسرت منه سورة كيفيته المضادة لكيفيتها حتى نقص العنصر البارد بفعل سورته من حر العنصر الحار فتزول تلك الكيفية التى هى الحرارة الشديدة من ذلك الحار ويحصل كيفية حر أقل تستبرد بالنسبة إلى الحار وتستحر بالنسبة إلى البارد وكذلك ينقص العنصر الحار بفعل سورته من برد العنصر البارد فيحصل برد أقل كما تقرر فإذا اشتد التأثير حتى حصل فى جميع الأجزاء كيفية متشابهة متوسطة هى فى درجة واحدة من الدرجات غير المتناهية بالقوة أعنى الدرجات التى هى بين غاية الحرارة وغاية البرودة وحصل التشابه بين الأجزاء فى نفس الأمر فتلك الكيفية هى المزاج ثم إن المزاج المعتدل الحقيقى ما كانت المقادير من الكيفيات الأربعة الحاصلة فيه متساوية متقاومة حتى يحصل كيفية عديمة الميل إلى الطرفين المتفاوتين فتكون على حاق الوسط بينهما قالوا وهو يندر وجوده وما ليس معتدلًا حقيقيًا إن غلب عليه من الأجزاء والكيفيات ما ينبغى له فهو المعتدل بحسب الطب وهو موجود وإلا فغير معتدل واتفقوا على أن أعدل أنواع المركبات أى أقربها بحسب المزاج إلى الاعتدال الحقيقى نوع الإنسان لأن النفس الإنسانية
[ ١ / ٤٣٦ ]
أشرف وأكمل ولا بخل فى إفاضة المبدأ بل هى بحسب استعدادات القوابل فاستعداد الإنسان بحسب مزاجه أشد وأقوى فيكون إلى الاعتدال الحقيقى أقرب كذا يؤخذ من المواقف وشرحه.
قوله: (أو جماعة متعاونون) راعى المعنى فأتى بالصفة جمعًا مرفوعًا ثم تعاون الجماعة هو الاشتراك.
قوله: (ولا شك أن المشاركة) أى الحاصلة للجماعة المتعاونين فى تحصيل أمر بالاشتراك وقوله والمعاملة أى من الواحد أو تلك الجماعة للغير.
قوله: (لإفادة المعرفة) جارى الشارح فيه أن الإفادة هى الإعانة لا أن الإعانة لها وإنما الذى الإعانة له المعرفة باللَّه وصفاته والعبادة كما يدل عليه قوله بعد وذلك لأن الإنسان. . . إلخ.
قوله: (أو وضع تراكيبها) فيه سقط واو العطف والأصل: أو وضع تراكيبها أى أو وضعها ووضع تراكيبها بناء على أن المركبات موضوعة وضعًا نوعيًا.
قوله: (أو من الناس) ولا ينافى ذلك أن إحداث الموضوعات من اللَّه لأنه الخالق لأفعال العباد والغرض من هذا التعميم الرد على من زعم أن قوله: أقدرهم على الصوت. . . إلخ. يقتضى أن اللغات ليست توقيفية.
قوله: (فيحصل المطلوب بسهولة) أشار إلى أن قوله بسهولة متعلق بمحذوف لا بقوله يدل على ما فى النفس.
قوله: (كما أن الحروف. . . إلخ) لو جعل الضمير فى: لأنه كيفية. . . إلخ. راجعًا إلى الصوت الذى أقدرهم اللَّه عليه لتحصيل ما يحتاجون إليه لم يحتج إلى قوله: كما أن. . . إلخ. ثم قوله كما أن الحروف كيفيات عارضة للصوت فيه أنه يلزم قيام العرض بالعرض وأجازه الحكماء.
قوله: (والتفكر فى ألطاف اللَّه) أى من حيث كونها ألطافًا له لأن التفكر فى ألطاف اللَّه تعالى مجردًا عن تلك الحيثية ليس بشكر ثم إن هذا الحل يفيد أن التكلم بها وما يستلزمه من التفكر مع اعتبار الحيثية المذكورة شكر وحمل بعضهم التكلم على التكلم النفسى وهو التفكر وقوله: مع أن الحاجة. . . إلخ. أى أن التفريع صحيح لهذين الأمرين خلافًا للسعد حيث جعله للثانى فقط.
[ ١ / ٤٣٧ ]
قوله: (ولأن الحد. . . إلخ) أى فالعلتان كل منهما لعدم ذكر كل فى الحد خلافًا للسعد.
قوله: (أن "كل" لفظ وضع لمعنى كذا) المناسب لما ذكره أولًا أن يزيد: وكذا.
قوله: (يستغرق جميع الأفراد بلا تفصيل) هو ما قال السعد يعتبر فيه الهيئة الاجتماعية وهو غير المجموع الذى ذكره السعد كما يؤخذ من جعله مقابلًا له.
قوله: (بل اللغة) أى بل لا يعنى باللغة.
[ ١ / ٤٣٨ ]
قال: (أقسامها مفرد ومركب فالمفرد اللفظ بكلمة واحدة وقيل: ما وضع لمعنى ولا جزء له يدل فيه والمركب بخلافه فيهما فنحو بعلبك مركب على الأول لا الثانى ونحو يضرب بالعكس ويلزمهم أن نحو ضارب ومخرج مما لا ينحصر مركب).
أقول: الموضوعات اللغوية تنقسم إلى: مفرد ومركب فالمفرد اللفظ بكلمة واحدة أى الملفوظ الذى لفظ فيه بكلمة واحدة ومعنى الوحدة معلوم عرفًا.
وقال المنطقيون: ما وضع لمعنى وليس له جزء يدل فيه أى يدل على شئ حين هو جزؤه وداخل فيه فنحو: عبد اللَّه وبعلبك وتأبط شرًّا أعلامًا مركب على الأول لكونه أكثر من كلمة مفرد على الثانى إذ أجزاؤه لا تدل فيه وأن دلت مفردة أو فى وضع آخر ونحو يضرب وأخواته بالعكس أى مفرد على الأول إذ يعدّ حرف المضارعة مع ما بعده كلمة واحدة مركب على الثانى لأن حروف المضارعة جزء لها وتدل فيه على المتكلم ونحوه والمنطقيون يلزمهم أن نحو: ضارب ومخرج وسكران مما لا ينحصر مركب لأن جوهر الكلمة جزء منه ويدل فيه ما ضم إليه من الحروف والحركات جزء آخر ويدل فيه اللهم إلا أن يريدوا الأجزاء التى هى ألفاظ مترتبة وفيه تمحل ولا يشعر به الحد فيفسد.
قوله: (اللفظ بكلمة واحدة) ذهب الشارحون إلى أن معناه اللفظ بشرط أن يكون كلمة واحدة بمعنى أنه لا يشتمل على لفظين موضوعين، ولا يخفى أن ذكر اللفظ مستدرك وزاد الشارح العلامة أن اللام فى اللفظ للعهد أى اللفظ الموضوع اللغوى، والاستدراك فيه أكثر وتأويل الشارح المحقق أقرب لفظًا وإن كان الاستدراك بحاله مع اقتضائه أن يكون هناك ملفوظ وملفوظ به وليس كذلك، ويرد على كل منهما أنه إن أريد الكلمة اللغوية على ما يشمل الكلام والزائد على حرف واحد وإن كان مهملًا على ما صرح به فى المنتهى لم يطرد، وإن أريد الكلمة النحوية التى هى اللفظ الموضوع المفرد كان دورًا، وغاية ما يمكن أن يقال: إنه تفسير لفظى لمن يعرف مفهوم الكلمة ولا يعرف أن اللفظ المفرد بإزاء أى معنى وضع.
قوله: (يدل فيه) ذهب الشارحون إلى أن الضمير للمعنى أى ليس له جزء يدل
[ ١ / ٤٣٩ ]
على شئ فى ذلك المعنى ولا يخفى بعده، وحسن ما ذهب إليه المحقق من أن جعل الضمير لما وضع أعنى اللفظ بمعنى أنه لا جزء له يدل على شئ حال كونه جزءًا من ذلك اللفظ؛ وإن جاز أن يدل فى حال آخر ولا خفاء فى أن المراد الدلالة الوضعية وإلا فلحروف المفرد دلالة عقلية فى الجملة.
قوله: (فنحو عبد اللَّه) يعنى أن العلم المنقول من المركب الإضافى أو المزجى أو الإسنادى مركب على التفسير الأول لأنه ليس لفظًا بكلية واحدة بل بكلمتين لأن الأجزاء منها ألفاظ موضوعة تعد فى العرف كليات، ولهذا قالوا: المركبات كل اسم من كلمتين ليس بينهما نسبة وكأن المراد بالكلمة الواحدة ما لا يكون أجزاؤه كليات لا حال كونها أجزاء ولا قبل ذلك لكنه يشكل بما أطبق عليه النحاة من أنه اسم وكل اسم كلمة وكل كلمة مفرد، والجواب أن المفرد المأخوذ فى تعريف الكلمة غير المفرد بهذا المعنى؛ وأما على التفسير الثانى فمثل هذه المركبات مفرد لعدم دلالة أجزائها على شئ حال كونها أجزاء، أما إذا اشترط فى الدلالة القصد والإرادة فظاهر، وأما إذا لم يشترط فلعدم فهم المعانى الأصلية عند القرينة الدالة على أنها مستعملة فى المعانى العلمية للقطع بأن عبدًا فى عبد اللَّه بمنزلة إن من إنسان ولا قائل فيه بالتركيب ودلالة إن على الشرط نعم أنها تدل حالة الانفراد وعدم جعلها أجزاء من الأسماء الأعلام، ولا خفاء فى أن ذلك موضوع آخر البتة فجعل قوله أو فى وضع آخر قسيمًا لقوله مفردة ليس على ما ينبغى، اللهم إلا أن يراد وضع آخر لذلك المركب بحيث تدل فيه الأجزاء وإن لم تكن مفردة لكن لا يخفى أن قوله: أو فى وضع آخر مغن من قوله مفردة.
قوله: (ونحو يضرب وأخواته بالعكس) فعند النحويين لا يمتنع دلالة جزء الكلمة الواحدة على شئ فى الجملة، ثم فيما ذكر الشارح إشارة إلى أنه لا فرق فى هذا المعنى بين المضارع الغائب وغيره على ما توهمه ابن سينا، فإن قيل حرف المضارعة علامة على أن فى الفعل ضميرًا يدل على المتكلم ونحوه لا أن الحرف يدل على المتكلم مثلًا والفعل مع الضمير مركب بالاتفاق، قلنا: كونها علامة ليس إلا بالوضع وكفى بهذا دلالة.
قوله: (والمنطقيون يلزمهم) يعنى أن هذا لازم عليهم وإن لم يقولوا به ولذا خص الإلزام بذلك دون ضرب ونحوه؛ لأنهم ربما يلتزمون كونه مركبًا حتى ذهب
[ ١ / ٤٤٠ ]
بعضهم إلى أنه لا فعل فى لغة العرب بل كل ذلك مركبات، والجمهور اعتذروا عن مثل هذا الإلزام بأن المراد بالأجزاء ألفاظ أو حروف أو مقاطع مسموعة مترتبة متقدم بعضها على بعض والمادة مع الهيئة ليست كذلك فدفعه الشارح بأنه إرادة ما لا يفهم من اللفظ، ولا نعنى بفساد الحد سوى ما هذا واقتصر على ذكر اللفظ لشموله الحرف والمقطع لأنه حرف مع حركة أو حرفان ثانيهما ساكن على ما صرح به ابن سينا فى المويسيقى والفارابى فى كتاب الألفاظ والحروف؛ لكنهم أرادوا بالحرف ما لا حركة معه وباللفظ ما فيه تركيب فوق القطع، ولا يخفى أن اعتذارهم إنما هو فى المادة مع الهيئة لا فى المادة وما يضم إليها من الحروف والحركات، فإنها ربما تكون مترتبة وكأنه أشار إلى أن الهيئة ليست شيئًا غير الحروف والحركات المنضمة إلى المادة وهى بمجموعها لا يتصور ترتبها مع المادة.
قوله: (الموضوعات اللغوية تنقسم إلى مفرد ومركب) ويريد انقسام الكل إلى أجزائه ودليل الانحصار يعرف من مفهوميهما.
قوله: (أى الملفوظ) ظاهر تعريف المصنف للمفرد يقتضى أن المفرد هو التلفظ بكلمة واحدة وليس بصحيح فإنه اللفظ الذى هو كلمة واحدة لا التلفظ بها ففسره بأن اللفظ بمعنى الملفوظ وفسر الملفوظ بالذى لفظ ليظهر تعلق حرف الجر به فالمفرد هو الذى لفظ بكلمة واحدة فإن أى صار هو ملفوظًا بتلفظ كلمة واحدة ومآله أنه لفظ هو كلمة واحدة فإن ما يصير ملفوظًا بتلفظ كلمة واحدة لا بد أن يكون كلمة واحدة والمراد من الكلمة هى اللغوية (ومعنى الوحدة) التى ضمت إلى الكلمة (معلوم عرفًا) فإن ضرب مثلًا كلمة واحدة فى عرف اللغة بخلاف ضرب زيد فلا حاجة إلى تفسير الكلمة الواحدة لغة بما لم يشتمل على لفظين موضوعين ولا خفاء فى اعتبار قيد الوضع فى تعريف المفرد وإن لم يصرح به اعتمادًا على ما علم من كونه قسمًا للموضوعات اللغوية فلا ينتقض بالمهملات على أنا لا نسلم أن المهمل تطلق عليه الكلمة فى عرف اللغة وقال المنطقيون المنفرد ما وضع أى لفظ وضع لمعنى وليس لذلك اللفظ جزء يدل فيه أى يدل ذلك الجزء على شئ حين هو جزء داخل فيه والمركب بخلاف المفرد بحسب التعريفين فهو على الأول اللفظ بأكثر من كلمة واحدة ومحصله كما عرفت لفظ هو أكثر من كلمة واحدة
[ ١ / ٤٤١ ]
وسيصرح به الشارح وعلى الثانى هو ما وضع لمعنى وله جزء يدل فيه ولم يتعرض للمركب فى الشرح لظهوره (فنحو عبد اللَّه) من التراكيب الإضافية (وبعلبك) من المركبات المزجية (وتأبط شرًّا) مما يشتمل على النسب الحملية حال كونها (أعلامًا مركب على) التعريف (الأول لكونه) أى لكون مثل هذه الأمور المذكورة (أكثر من كلمة) واحدة (مفرد على) التعريف (الثانى إذ أجزاؤه لا تدل فيه) أى حين هى أجزاؤه وداخلة فيه على شئ أصلًا (وإن دلت) تلك الأجزاء (مفردة) أى حال انفراد بعضها عن بعض فإن هذه الدلالة ليست حين هى أجزاء له أوان دلت تلك الأجزاء مجتمعة أى حال اجتماع بعضها مع بعض لكن بحسب وضع آخر غير وضع العلمية فإن هذه الدلالة ليست من حيث هى أجزاء له أيضًا.
قوله: (إذ بعد حرف المضارعة مع ما بعده كلمة واحدة) أى عرفًا.
قوله: (مما لا ينحصر) أى من الأسماء بل الألفاظ المشتقة (فإن جوهر الكلمة) أعنى حروفها الأصول المأخوذة من المشتق منه التى تسمى مادة الكلمة (جزء منه) أى من نحو ضارب (ويدل فيه) على معنى المشتق منه (وما ضم إليه) أى إلى الجوهر (من الحروف) الزائدة (والحركات) على الوجه المخصوص التى تسمى صورة الكلمة (جزء آخر ويدل فيه) على معنى آخر يضم إلى معنى المشتق منه فإن لفظ ضارب مثلًا يدل بجوهره على الضرب وبصورته على ذات ما اتصفت به والتزام كون أمثال ضارب مركبًا بعيد.
قوله: (اللهم) إشارة إلى ما ذكروه من أن المراد بالأجزاء ألفاظ مترتبة فى السماع ولا ترتب للمادة مع الصورة فيه إذ تسمعان معًا ورد له بأنه تمحل أى احتيال لتصحيح الكلام (ولا يشعر به) أى بما ذكر من الأجزاء المخصوصة (الحد) لأن الجزء أعم من الجزء المترتب وغيره ولا دلالة للعام على الخاص (فيفسد) الحد إذ يجب أن يستعمل فيه ما هو ظاهر الدلالة على المراد كما تقدم.
قوله: (صار هو ملفوظًا بتلفظ كلمة واحدة) فاندفع ما يقال من أنه يقتضى أن يكون ملفوظًا به لكن هذا القائل يريد أنه يلزم أن يكون ملفوظ هو المفرد وملفوظ به يغاير ذلك المعنى والكلمة الواحدة فإن الفساد يلزم على هذا التقدير وإذا قيل هنا تقدير مضاف أى صار ملفوظًا بتلفظ كلمة واحدة اندفع الفساد إذ اللازم القول
[ ١ / ٤٤٢ ]
بأن فهم كل واحد من الجزأين بعينه فهم الكل لأن لكل واحد من الجزأين حصولًا مغايرًا بالذات لحصول الجزء الآخر.
قوله: (على أنا لا نسلم أن المهمل. . . إلخ) على تقدير عدم إطلاق الكلم فى عرف اللغة على المهمل يجب أن يقال فى تفسير الكلمة الواحدة بما لم يشتمل على لفظين موضوعين أى لفظ موضوع لم يشتمل على لفظين موضوعين ليخرج عن تفسير الكلمة أيضًا الألفاظ المهملة.
قوله: (ليست من حيث هى أجزاء له) أى أجزاء لهذا اللفظ بحسب ذلك الوضع فيجوز عند اللَّه له أجزاء دالة على ذلك لكن ليس له جزء دال من حيث هو جزء له أى بحسب وضع مخصوص وإن اعتبر الوضع التركيبى يصدق أن له جزءًا دالًا من حيث هو جزء له أى بحسب وضع مخصوص آخر.
قوله: (من الحروف الزائدة والحركات) الاسم الذى هو مثل ضارب ومخرج له مادة هى حروفها الأصول وأمور زائدة هى الحروف الزائدة والحركات وتقدم البعض وتأخر البعض والسكون فإن كانت الصورة هى المجموع المركب من تلك الأمور فلا نسلم أنها لفظ وإن كانت عبارة عن الحروف الزائدة والحركة بشرط الوقوع على الوجه المخصوص من التقديم والتأخير وغيره فلا نسلم أنها دالة بل الدال هو المجموع فلا بدَّ من القول بأن مجموع المادّة وتلك الأمور لفظ فى عرفهم أو بأن الدال هو الحروف فقط وغير ذلك شرط لأن الحركة داخلة فى اللفظ باعتبار أن الضمة بعض من الواو والفتحة بعض من الألف والكسرة بعض من الياء.
التفتازانى: (ولا يخفى أن ذكر اللفظ مستدرك) أى لأنه يكفى أن يقال: المفرد هو الكلمة الواحدة.
التفتازانى: (والاستدراك فيه أكثر) أى لأن اعتبار الوضع فى اللفظ يغنى عنه اعتباره فى الكلمة لكن هذا لا يظهر إلا إذا حملت الكلمة على الكلمة النحوية لا اللغوية لشمولها للمهمل كما سيأتى.
التفتازانى: (على ما يشمل الكلام) أى المطلقة وضعًا على ما يشمل الكلام لأن الكلمة تطلق على الكلام وقوله: لم يطرد أى لدخول الكلام والمهمل فى المفرد
[ ١ / ٤٤٣ ]
مع أنهما ليسا مفردين.
التفتازانى: (كان دورًا) أى لأخذ المفرد فى تعريف المفرد.
التفتازانى: (وغاية ما يقال: إنه تفسير لفظى. . . إلخ) أى: والكلمة يراد بها النحوية لكن يرد أن يقال: إنه إذا عرف الكلمة النحوية لا يجهل النسبة بينها وبين المفرد.
التفتازانى: (ولا يخفى بعده) أى لأن المتبادر عود الضمير إلى ما وضع.
التفتازانى: (ولهذا قالوا المركبات كل اسم. . . إلخ) لعل هنا سقطًا وأصله: المركبات المنقولة أعلامًا كل اسم. . . إلخ. وقوله: ليس بينهما نسبة أى مقصودة حال العلمية وإن كان قد يكون بينهما نسبة فى الأصل ووجه الاستدلال بما قالوه أنهم قد جعلوا الاسم مركبًا من كلمتين.
التفتازانى: (لكنه يشكل. . . إلخ) أى لاقتضائه أن الأعلام المذكورة من قبيل المفرد لا المركب وقد يجاب بمنع قوله وكل اسم كلمة ولا ينافى ذلك أن الاسم قسم من الكلمة إذ يجوز أن يكون القسم أعم من المقسم من وجه، وقوله: غير المفرد بهذا المعنى فالمفرد فى تعريف الكلمة بمعنى ما لا يدل جزؤه على جزء معناه دلالة مقصودة، والمفرد المعرف ما نطق به مرة واحدة عرفًا وفيه أن اصطلاح النحاة لا يخالف اصطلاح أهل اللغة فليس المفرد فى تعريف الكلمة مرادًا منه ما لا يدل جزؤه على جزء معناه فالإشكال باق.
التفتازانى: (فعند النحويين. . . إلخ) أى لأنهم يقولون فى: يضرب وأخواته أنه مفرد.
التفتازانى: (ثم فيما ذكره الشارح إشارة إلى أنه لا فرق. . . إلخ) حاصل المقام أن المذاهب فى المضارع وأخواته ثلاثة؛ أحدها ما قاله الشارح أن المضارع المبدوء بالياء والمبدوء بغيرها مفرد وهو الحق، ثانيها أن الكل مركب ونسب إلى الحكماء، ثالثها التفصيل بين المبدوء بالياء وغيره فالمبدوء بالياء مفرد وغيره مركب ووجه ما قاله الحكماء أن المضارع مطلقًا يدل جزؤه وهو حرف المضارعة على موضوع معين فى غير ذى الياء هو المتكلم وحده أو مع غيره والمخاطب وغير معين فى ذى الياء وهو الغائب والجواب عنه منع دلالة حرف المضارعة بانفراده على شئ بل المجموع على المجموع لأن المجموع موضوع لمجرد فعل الحال أو الاستقبال أولهما على
[ ١ / ٤٤٤ ]
سبيل الاشتراك لموضوع خاص أعنى أنه موضوع لفعل المتكلم وحده إن كان بالهمزة وله مع غيره إن كان بالنون ولفعل المخاطب إن كان بالتاء ولنفعل الغائب إن كان بالياء وضعًا تضمنيًا فليس هنا كلمتان بوضعين فهى مفردات بخلاف ضربت لاستقلال تائه بالإسناد وإن لم تكن مستقلة فى اللفظ فالتاء ضربت ليست كالتاء فى: تضرب سواء كانت للمخاطب أو للغائبة لأنها ليست دالة على مسند إليه بوضع على حدة بل ولا على غيره من المعانى على سبيل الاستقلال فيكون مفردًا؛ لأنه ليس لجزئه دلالة على معنى بوضع مستقل وجعله مركبًا إن كان لإسناده معناه إلى تائه فخلاف ما عليه أهل اللغة لإجماعهم على أنه لا إسناد إلى حرف من حروف المضارعة وكيف لا وكون الشئ مسندًا إليه من خواص الأسماء وحروف المضارعة حروف مبانٍ فضلًا عن أن تكون حروف معان فضلًا عن أن تكون أسماء وإن كان كونه مركبًا لتركبه مع المستتر فيه وهو أنت للمخاطب وهى للغائبة فقد علمت أن المضارع موضوع لفعل الحال أو الاستقبال أولهما لموضوع خاص من متكلم أو مخاطب أو غائب لا له مع إسناده إلى الضمير المستكن فيه وليس الكلام إلا فى المضارع مع قطع النظر عن إسناده إلى شئ، لكن يرد أن يقال: إنما يلزم انتفاء كون يضرب وأخواته مركبة عندهم إذا قيل بالتركيب فى ذلك لما ذكر من الأمرين لا غير، وأما إذا قيل بالتركيب فى المضارع المبدوء بالياء وأخواته لكون حروف المضارعة فيه أجزاء مسموعة مرتبة دالة على المعانى المذكورة لم يلزم انتفاء التركيب.
التفتازانى: (على ما توهمه ابن سينا) أى توهم الفرق بين المبدوء بالياء والمبدوء بغيرها وكأن الفرق أن الغيبة مستفادة من أصل الفعل المضارع وهو الماضى.
التفتازانى: (فإن قيل حرف المضارعة. . . إلخ) حاصل الإشكال أنه إن أريد الفعل مع الفاعل المستتر فمركب اتفاقًا لا أنه مركب على الثانى لا الأول كما قال وإن أريد أن حرف المضارعة علامة على أن فى الفعل ضميرًا يدل على المتكلم ونحوه لا على التكلم ونحوه فلا تركيب أصلًا فلا يصح أن يكون مركبًا على الثانى لا الأول كما قال وحاصل الجواب أن المراد هو الثانى وهو مركب لأن كونه علامة ليس إلا بالوضع فيدل جزؤه على جزء معناه فيكون مركبًا على الثانى لا الأول كما قال، وقوله: لا أن الحرف يدل. . . إلخ. أى كما قاله الشارح،
[ ١ / ٤٤٥ ]
وقوله: والفعل مع الضمير مركب مرتبط بقوله: على أن فى الفعل ضميرًا.
التفتازانى: (لا فعل فى لغة العرب لأن الفعل كلمة) أى قول مفرد ومثل ضرب ليس كلمة لتركبه من المادة والصيغة وأما فى لغة غير العرب ففيها الفعل لأنه عندهم للحدث فقط ويدل على الزمان بلفظ آخر.
قوله: (يعرف من تعريفيهما) أى من تعريف المنفرد بأنه الكلمة الواحدة والمركب بأنه الأكثر من كلمة واحدة أو تعريف المفرد بأنه ما لا يدل جزؤه على جزء معناه دلالة مقصودة والمركب بأنه ما دل جزؤه على جزء معناه دلالة مقصودة يعرف دليل الانحصار.
قوله: (فالمفرد هو الذى لفظ بكلمة واحدة. . . إلخ) وعليه لا يرد أن هناك ملفوظًا وملفوظًا به لكن هذا ظاهر على النسخة التى ليس فيها لفظ فيه أما على التى بأيدينا التى نصها هكذا أى الملفوظ الذى لفظ فيه بكلمة واحدة فإيراد أن هناك ملفوظًا وملفوظًا به ثابت.
قوله: (فلا حاجة إلى تفسير الكلمة الواحدة لغة بما لم يشتمل. . . إلخ) أى كما صنع السعد ولا يرد أن الكلمة لغة تشمل الكلام فيكون التعريف غير مطرد لخروج الكلام بوصف الكلمة بواحدة لغة وعرفًا، وقوله: ولا خفاء فى اعتبار قيد الوضع. . . إلخ. أى فاندفع شمول الكلمة لغة للمهمل فيصير التعريف غير مطرد كما قال السعد، ولذا قال السيد: فلا ينتقض بالمهملات.
قوله: (وسيصرح به الشارح) أى فى قوله: لأنه أكثر من كلمة.
[ ١ / ٤٤٦ ]
قال: (وينقسم المفرد إلى اسم وفعل وحرف).
أقول: اللفظ الفرد ينقسم إلى اسم وفعل وحرف ووجه الحصر مشهور وهو أنه إما أن يستقل بالمفهومية أو لا الثانى الحرف والأول إما أن يدل بهيئته على أحد الأزمنة الثلاثة أو لا الثانى الاسم والأول الفعل وقد علم بذلك حد كل واحد منها للإحاطة بالمشترك وهو الجنس وبما به يمتار كل عن الآخر وهو الفصل.
قوله: (إما أن يدل بهيئته) إشارة إلى أن هذا القيد مراد فى تعريف النحاة وإن لم يصرحوا به احترازًا عما يدل على الزمان بجوهره كالأمس والغد، وهذا مع أنه تمحل كما ذكره الآن إنما يصح فى لغة العرب.
قوله: (إما أن يستقل بالمفهومية أو لا) سيأتى تحقيق هذا المعنى فيما بعد.
قوله: (إما أن يدل بهيئته على أحد الأزمنة الثلاثة) فيه بحث وهو أنهم زعموا أن دلالة الأفعال على الأزمنة إنما هى بمجرد هيئاتها وصيغها واستدلوا على ذلك باختلاف الأزمنة عند اختلاف الصيغ وإن اتحدت المادة نحو ضرب يضرب واتحاد الأزمنة عند اتحاد الصيغ وإن اختلفت المادة نحو ضرب وطلب وفى المقدمتين نظر أما فى الأولى فلأن تصاريف الفعل الماضى كضرب وضربوا صيغ مختلفة مع اتحاد الزمان بل المجهول والعلوم كضرب وضرب مختلفان صيغة قطعًا ولا يختلف الزمان، وأما فى الثانية فلأن المضارع يدل تارة على الحال وأخرى على الاستقبال اشتراكًا على المذهب الصحيح فالصيغة واحدة والزمان مختلف وأيضًا اتحاد الزمان مع اتحاد الصيغة واختلاف المادة لا يدل على استناد الزمان إلى الصيغة لإمكان استناده إلى المواد المختلفة ضرورة جواز اشتراك المختلفات فى أمر واحد.
قوله: (وقد علم بذلك حد) لأن هذا تقسيم حقيقى للكلى إلى جزئياته فلا بد هناك من أمر مشترك بينها هو القسم ومن أمر مختص ينضم إليه به يمتاز كل عن مشاركاته فى ذلك المشترك وإنما قال وهو الجنس وهو الفصل مع احتمال أن يكون المقسم والميز عرضيين للأقسام بناء على أن المراد ههنا هو هذه المفهومات الاصطلاحية ولا شك أن المشترك بينها جنس والمميز فصل بخلاف الماهيات الحقيقية.
[ ١ / ٤٤٧ ]
قوله: (ضرورة جواز اشتراك المختلفات فى أمر واحد) فإن قلت: يجب أن ينضم إلى هذه المقدمة مقدمة أخرى وهى أن الشئ الواحد يجوز أن يستند إليه الأمور المختلفة فجاز أن يستند إلى مادة واحدة الأزمنة المتخالفة وإن كان ذلك بمعونة من الهيئة كالاستناد الأول لأن دليل الخصم مركب قلت يلزم من المقدمة الثانية بيان ذلك أن مثل ضرب وطلب ونصر وغير ذلك لها مواد مختلفة وهيئة واحدة ودالة على الزمان الماضى وأيضًا مثل يضرب ويطلب وينصر وغير ذلك لها مواد مختلفة وهيئة واحدة ودالة على الحال والاستقبال وإذا جاز اشتراك المختلفات فى أمر واحد جاز أن تستند الدلالة على الزمان الماضى إلى مواد الأفعال المذكورة أولًا وأن تستند الدلالة على الحال والاستقبال إلى مواد الأفعال المذكورة ثانيًا ولزم من ذلك جواز استناد أمرين مختلفين إلى شئ واحد فجاز استناد الدلالة على الأزمنة إلى مادة واحدة لأنه يلزم مما ذكر أن مادة ضرب تدل على الزمان الماضى ومادة يضرب على الحال والاستقبال وكذا غيرهما فيلزم جواز استناد الدلالة على الأزمنة إلى مادة واحدة وإذا استندت الدلالة على الزمان إلى المادة وإن كان ذلك بمعونة الصيغة يبطل ما ذكره من أن دلالة الأفعال على الأزمنة إنما هى بمجرد هيئاتها.
التفتازانى: (وهذا مع أنه تمحل كما ذكره الآن) أى فى الجواب عما لزم المنطقيين فى تعريف المركب فهذا احتيال على تصحيح الكلام ولا يشعر بهذا القيد تعريف الفعل الذى ذكروه فيفسد التعريف كما تقدم، وقول التفتازانى إنما يصح فى لغة العرب أى دون لغة العجم؛ لأن قولك أبد وأمد متحدان فى الصيغة مختلفان بالزمان؛ فقول بعض المصنفين فى المنطق إن ما دل بهيئته على أحد الأزمنة كلمة، وعند النحاة فعل يرد عليه أن نظر المنطقى لا يخص لغة دون لغة، وأجاب السيد بأن الاهتمام باللغة العربية التى دون بها هذا الفن غالبًا فى زماننا أكثر ولا بعد فى اختصاص بعض الأحوال بهذه اللغة.
قوله: (وإن اتحدت المادة) الواو للحال وإن زائدة وكذا يقال فى قوله بعد وإن اختلفت المادة وقوله: كضرب ضربا ضربوا صيغ مختلفة فيه أن هذه ليس فيها اختلاف صيغ لأن الصيغة هى الصفة الحاصلة للحروف الأصلية باعتبار ترتيبها فى
[ ١ / ٤٤٨ ]
اللفظ، وباعتبار الحركات والسكنات التى لها اختصاص بتلك الحروف والاختلاف فيما ذكر إنما هو لعارض اللواحق فالصيغة فيما ذكره واحدة وقوله: بل المجهول والمعلوم فيه أيضًا أن الاختلاف إنما هو لعارض البناء للمجهول والمعلوم وقوله فلأن المضارع. . . إلخ فيه أن المراد أن الزمان لا يختلف عند اختلاف المادة مع اتحاد الصيغة فيضرب مثلًا زمانه متحد مع زمان يقول مثلًا وهو إما الحال أو الاستقبال وقوله: وأيضًا اتحاد الزمان. . . إلخ يقال مثله بالنسبة للمقدمة الأولى إذ يجوز استناد الأمور المتعددة إلى شئ واحد.
[ ١ / ٤٤٩ ]
قال: (ودلالته اللفظية فى كمال معناها دلالة مطابقة وفى جزئه دلالة تضمن وغير اللفظية التزام وقيل إذا كان ذهنيًا).
أقول: الدلالة الوضعية منها: لفظية، بأن ينتقل الذهن من اللفظ إلى المعنى ابتداء وهى واحدة لكن ربما تضمن المعنى الواحد جزأين فيفهم منه الجزءان وهو بعينه فهم الكل فالدلالة على الكل لا تغاير الدلالة على الجزأين مغايرة بالذات بل بالإضافة والاعتبار وهى بالنسبة إلى كمال معناها تسمى مطابقة وإلى جزئه تضمنًا.
ومنها: غير لفظية بل عقلية، بأن ينتقل الذهن من اللفظ إلى معناه ومن معناه إلى معنى آخر وهذا يسمى التزامًا وقيل: إن كان المدلول لازمًا ذهنيًا للمسمى وإلا فلا فهم فلا دلالة ويرد عليهم أنواع المجازات والتحقيق فيه أنه فرع تفسير الدلالة وأنه هل يشترط فيها أنه مهما سمع اللفظ مع العلم بالوضع فهم المعنى أم لا بل يكفى الفهم فى الجملة.
واعلم أن قوله: فى كمال معناها. الضمير فيه للدلالة اللفظية وهو خلاف المشهور فإن المعنى يضاف إلى اللفظ لا إلى الدلالة وأراد به التنبيه على أن المعنى لا ينسب إلى اللفظ إلا باعتبارها وعلى أن الدلالة واحدة وتختلف التسمية باعتبار ما تنسب إليه وأن التضمن فى ضمن المطابقة.
وما يقال: إنه يتبعها توسع قيل ذلك ما كان القصد فى الوضع إلى معرفة المجموع هذا وقد قال فى المنتهى أكثر ما يطلق اللفظ على مدلول مغاير مثل جاء زيد وقد يطلق والمراد اللفظ مثل زيد مبتدأ وزيد ز ى د لأنهم لو وضعوا له لأدى إلى التسلسل ولو سلم فإذا أمكن بنفسه كان الوضع له ضائعًا وقد يكون المدلول لفظًا آخر كالكلمة والاسم والفعل والحرف والجملة والكلام والشعر لأنهم لو لم يضعوا لها لطال فى التعميم والتنكير معًا.
ومن هذا كلامه لا يبعد أن يحترز بقوله: فى كمال معناها عن دلالتها إذا أريد بها نفس اللفظ لأنها ليست دلالة فى معناها بل فى لفظها.
قوله: (الدلالة الوضعية) إشارة إلى أن المراد تقسيم الدلالة التى يكون للوضع مدخل فيها إذ لا يضبط غيرها، وضمير دلالته للمفرد إلا أن الحكم فى المركب يعرف بالمقايسة وتسمى المطابقة والتضمن لفظية لأنهما ليستا بتوسط الانتقال من
[ ١ / ٤٥٠ ]
معنى بل من نفس اللفظ بخلاف الالتزام فهذا حكم بأنها واحدة بالذات إذ ليس ههنا إلا فهم وانتقال واحد يسمى باعتبار الإضافة إلى مجموع الجزأين مطابقة وإلى أحدهما تضمنًا، وليس فى التضمن انتقال إلى معنى الكل ثم منه إلى الجزء كما فى الالتزام ينتقل من اللفظ إلى اللزوم ومنه إلى لازمه فيتحقق فهمان ومبنى هذا التحقيق على أن التضمن فهم الجزء فى ضمن الكل، والالتزام فهم اللازم بعد فهم الملزوم حتى إذا استعمل اللفظ فى الجزء أو اللازم مع قرينة مانعة عن إرادة المسمى لم يكن تضمنًا والتزامًا بل مطابقة لكونها دالة على تمام المعنى أى ما عنى باللفظ وقصد، اللهم إلا أن يقال: المسمى فى هذه الحالة مفهوم ومدلول وإن لم يكن مرادًا بناء على أنه لا يشترط فى الدلالة القصد والإرادة، وبهذا يشعر قوله ويرد عليهم أنواع المجازات يعنى غير نوع استعمال الكل فى الجزء واستعمال الملزوم فى اللازم الذهنى يعنى أن من اشترط فى دلالة الالتزام كون المدلول بحيث يمتنع تعقل المسمى بدونه أى اللازم البين بالمعنى الأخص على ما هو رأى المنطقيين يلزمه خروج دلالة أمثال هذه المجازات عن الأقسام الثلاثة، وقد يجاب بأن المنحصر فى الثلاث دلالة اللفظ والدال هناك اللفظ مع القرينة لكن التحقيق أن الخلاف فى هذا الاشتراط فرع تفسير الدلالة؛ فمن فسرها بفهم المعنى من اللفظ متى أطلق بالنسبة إلى العالم بالوضع اشترط ذلك، ومن فسرها بفهم المعنى منه إذا أطلق لم يشترط إذ يكفى الفهم والانتقال فى الجملة لا دائمًا وهذا أمر أهل الأصول والبيان.
قوله: (وأراد به) يعنى أن قصده بقوله كمال معناها إضافة للمعنى إلى الدلالة دون اللفظ التنبيه على أمور الأول: أن إضافة المعنى إلى اللفظ ليست إلا باعتبار دلالته عليه وإنما يضاف بالذات إلى الدلالة، الثانى: أن الفهم فى المطابقة والتضمن واحد يسمى باعتبار النسبة إلى مجموع المعنى مطابقة وإلى جزئه تضمنًا وذلك لأن مرجع ضمير كمال معناها هو بعينه مرجع ضمير جزء معناه، بخلاف ما إذا أضيف المعنى إلى اللفظ فإنه لا يفهم منه إلا اتحاد اللفظ دون الدلالة، الثالث: أن التضمن فى ضمن المطابقة إذ ليس ههنا تعدد دلالة ولما اتفق القوم على أن التضمن تبع للمطابقة وهذا يقتضى الإثنينة بل التأخر عن المطابقة مع القطع بأن فهم الجزء سابق أجاب بأنه توسع حيث ذكروا التبعية وأرادوا أن فهم الجزء ليس
[ ١ / ٤٥١ ]
بمقصود أصلى فى الوضع؛ وإنما يلزم بواسطة أنه لا يتصور فهم الكل بدون الجزء.
قوله: (لأنهم لو وضعوا له) أى لنفس اللفظ لفظًا آخر (لأدى إلى التسلسل) أى وضع الألفاظ لا إلى نهاية إذ لا بد من التعبير عن ذلك اللفظ بلفظ آخر وهلم جرًا، ولما كان هذا غير لازم لجواز أن يكتفى فى المرتبة الثانية أو الثالثة مثلًا بنفس اللفظ، أو يوضع له اللفظ الأول كما إذا وضع للتعبير عن لفظة أب وعن لفظة ب ج وعن لفظة ج أقال (ولو سلم) أى قدر عدم التأدى إلى التسلسل لكن (^١) كان الوضع لنفس اللفظ ضائعًا إذ نفس اللفظ كاف فى التعبير عنه، ثم لا خفاء فى أن هذا ليس بوضع قصدى لكن هل يلزم منه وضع؟ حيث وقع الاتفاق والاصطلاح على أنه يطلق اللفظ ويراد نفسه والظاهر اللزوم لأنا إذا قلنا ضرب فعل ماض ومِن: حرف جر فالدال اسم والمدلول حرف وفعل؛ ودلالته عليه ليست إلا بحسب ذلك الاتفاق والاصطلاح، وفى كلام الشارح إشارة إلى هذا على ما تبين والتحقيق أنه وضع علمى لكن مثل هذا الوضع لا يوجب الاشتراك وإلا لكان جميع الألفاظ مشتركة ولا قائل به فكان المعتبر فى الاشتراك الوضع قصدًا أو المدلول مغاير للفظ.
قوله: (لطال فى التعميم والتنكير معًا) يعنى لو لم يضعوا بإزاء اللفظ اسمًا فإذا أريد حكمه على كل كلمة مثلًا أو بعض الكلمات لا على التعيين احتيج إلى عد جميع الكلمات، ثم الحكم بأن كل هذه المذكورات أو بعضها كذا وكذا فى الاسم والفعل وسائر ما وضع بإزاء الألفاظ، بخلاف ما إذا وضع فإنه يكفى أن يقال كل كلمة مفرد مثلًا وبعض الكلمات معرب من غير التطويل المتعسر، وهذا كما أنه لو لم يوضع بإزاء مفهوم الإنسان لفظ لاحتيج فى الحكم العام عليه أو الخاص ببعض مبهم منه إلى عد جميع أشخاصه، وقوله معًا معناه لأن فى كل من التعميم والتنكير يلزم التطويل ولخفاء هذا المعنى قد يسبق إلى بعض الأفهام أن المراد أنه يلزم التطويل عند اجتماع الأمرين بأن يراد التعبير عن جميع تلك الألفاظ بطريق التنكير، فإنه لا طريق حينئذ سوى تعداد جميعها بخلاف ما إذا أريد التخصيص
_________________
(١) قوله: لكن. هكذا فى النسخ وفى العبارة سقط أو زيادة لكن كما هو ظاهر من عبارة العضد والسيد. كتبه مصحح طبعة بولاق.
[ ١ / ٤٥٢ ]
دون التعميم فإنه يحصل بذكر بعض تلك الألفاظ، وإذا أريد التعميم لا بطريق التنكير فإنه يحصل بلفظ معرف عام للجميع من غير تطويل وفساد هذا الكلام غنى عن البيان.
قوله: (ومن هذا كلامه) مقتضى سوق هذا الكلام أن لإضافة المعنى إلى الدلالة دون اللفظ دخلًا فى هذا الاحتراز، وغاية ما يمكن فى تقريره أن الدلالة نسبة بين اللفظ والمعنى يضاف إليها كل منهما، ففى إضافة أحدهما إليها احتراز عن المضاف الآخر كأنه قيل فى كمال معناها لا فى لفظها بخلاف اللفظ فإنه إنما يضاف إليه المعنى دون اللفظ فلا إشعار فى إضافته إليه بهذا الاحتراز ولا يصح أن يقال فى معنى اللفظ لا فى لفظ اللفظ وفى هذا الكلام إشعار بأن هذه الدلالة وضعية وإلا لم يصح الاحتراز ووجه الاحتراز أنهم لم يعتدوا بهذا الوضع والدلالة بمنزلة الدلالة العقلية فلم يجعلوها من أقسام الدلالة كما لم يجعلوا اللفظ بسبب هذا الوضع مشتركًا وعلى هذا لا تكون الدلالة اللفظية الوضعية هى الانتقال من اللفظ إلى المعنى وفهمه منه بل أعم من ذلك.
قوله: (الدلالة الوضعية منها لفظية) المشهور أن الدلالة إما لفظية أو غير لفظية وغير اللفظية إما عقلية كدلالة الأثر على المؤثر أو وضعية كدلالة العقد المخصوص على العدد المعين واللفظية إما وضعية أو عقلية أو طبيعية واللفظية الوضعية تنقسم إلى مطابقة وتضمن والتزام والمصنف جعل دلالة اللفظ الفرد على قسمين لفظية تنقسم إلى مطابقة وتضمن وغير لفظية هى دلالة الالتزام واستعمل الدلالة مع فى وأنث الضمير الذى أضاف إليه المعنى حيث قال ودلالته اللفظية فى كمال معناها دلالة مطابقة وفى جزئه دلالة تضمن وغير اللفظية التزام فقد خالف المشهور فى تقسيم دلالة اللفظ إلى اللفظية وغير اللفظية وفى جعل الالتزام غير لفظية وخالف الظاهر الذى هو استعمال الدلالة مع حرف الاستعلاء وتذكير الضمير المضاف إليه المعنى فقال الشارح ﵀ فى توجيهه الدلالة الوضعية ولم يقيدها بالإضافة إلى المفرد ليدخل فيها دلالة المركبات وكلام المصنف يمكن تنزيله على هذا أيضًا بأن يجعل الضمير فى قوله ودلالته راجعًا إلى اللفظ مطلقًا على قسمين أحدهما لفظية وهى أن (ينتقل الذهن من اللفظ إلى المعنى ابتداء) أى بلا واسطة معنى
[ ١ / ٤٥٣ ]
فتخرج دلالة الالتزام عن اللفظية بهذا المعنى ضرورة أن انتقال الذهن إلى المعنى الالتزامى بوساطة المعنى الموضوع له ثم إنه أراد بيان اندراج التضمن فى اللفظية بالمعنى المذكور إذ فيه نوع خفاء فإن الظاهر على ما قيل إن الانتقال إلى المعنى التضمنى بوساطة المعنى المطابقى فقال (وهى) أى الدلالة الوضعية اللفظية (واحدة) بالذات (لكن ربما تضمن المعنى الواحد) الموضوع بإزائه اللفظ (جزأين) أى كل واحد منهما لتركبه من الجزأين فإذا أطلق ذلك اللفظ يفهم الكل (فيفهم منه) أى من اللفظ (الجزءان) أى كل واحد منهما (وهو) أى فهم كل واحد من الجزأين (بعينه فهم الكل) وذلك لأن اللفظ الموضوع للمعنى المركب إذا لاحظته النفس انتقلت منه ذلك المعنى المركب من حيث هو وتلاحظه ملاحظة واحدة إجمالية فليس ههنا انتقالات متعددة من اللفظ إلى أجزاء المعنى يتركب منها الانتقال من اللفظ إليه ولا ملاحظات متكثرة بحسبها يتألف منها ملاحظة المعنى بل ليس هناك إلا انتقال واحد إلى ذلك المجموع وملاحظة واحدة فليس هناك إلا فهم واحد بالذات ولا شك أنه قد فهم الكل وكل واحد من الجزأين إجمالًا وإذ ليس إلا فهم واحد فهو فهم الكل وفهم كل واحد فالدلالة على الكل لا تغاير الدلالة على الجزأين أى على كل واحد منهما مغايرة بالذات بل بالإضافة والاعتبار فإن ذلك الفهم الواحد إن أضيف إلى الكل واعتبر بالقياس إليه سمى فهم الكل ودلالة المطابقة وإن أضيف إلى أحد الجزأين واعتبر بالنسبة إليه سمى فهم ذلك الجزء ودلالة التضمن وهذا معنى قوله (وهى) أى الدلالة الوضعية اللفظية (بالنسبة إلى كمال معناها تسمى مطابقة وإلى جزئه تضمنًا) واستوضح ذلك بما إذا وقع بصرك على زيد من رأسه إلى قدمه دفعة واحدة فإنك تراه وترى أجزاءه برؤية واحدة فإن نسبت هذه الرؤية إلى زيد تسمى رؤيته وأن أضيفتا إلى جزء من أجزائه تسمى رؤية ذلك الجزء.
قوله: (ومنها غير لفظية) هذا هو القسم الثانى من قسمى الدلالة الوضعية وتسمى غير لنفظية (بل عقلية وهى أن ينتقل الذهن من اللفظ إلى معناه ومن معناه إلى معنى آخر وهذا) القسم (يسمى التزامًا وقيل) تثبت هذه الدلالة (إن كان المدلول) أى ما فرض مدلولًا من المعانى الخارجة عن الموضوع له (لازمًا ذهنيًا) للمسمى أى يكون بحيث يمتنع انفكاك تصوره عن تصور المسمى (وإلا فلا دلالة)
[ ١ / ٤٥٤ ]
أصلًا ويرد على مشترطى اللزوم الذهنى (أنواع المجازات) التى ليس فيها للمعانى المجازية لوازم ذهنية للمسميات إذ هناك دلالة الالتزام ولا لزوم ذهنيًا (والتحقيق فيه) أى فى اشتراط اللزوم الذهنى أن الاشتراط فرع تفسير الدلالة وأنه هل يشترط فيها الكلية أم لا فمن قال: إنها فهم المعنى من اللفظ مهما سمع للعلم بالوضع اشترط اللزوم الذهنى ومنع وجود الدلالة فى أنواع المجازات المذكورة كأصحاب الميزان، ومن قال: إنها فهم المعنى من اللفظ إذا سمع للعلم بالوضع واكتفى بالفهم فى الجملة لم يشترط كأصحاب العربية.
قوله: (واعلم أن قوله فى كمال معناها) الضمير الذى أضيف إليه المعنى على تقدير تأنيثه كما هو فى أكثر النسخ راجع إلى الدلالة اللفظية (وهو) أى كون الضمير للدلالة اللفظية (خلاف المشهور فإن المعنى يضاف إلى اللفظ لا إلى الدلالة وأراد به) أى بخلاف المشهور الذى هو إضافة المعنى إلى ضمير الدلالة (التنبيه على أن المعنى لا ينسب إلى اللفظ إلا باعتبار الدلالة) ووجهه أنه لولا ذلك لكان الأولى متابعة المشهور (و) التنبيه (على أن الدلالة) أى الوضعية اللفظية (واحدة وتختلف التسمية) مطابقة وتضمنًا (باعتبار ما تنسب) الدلالة (إليه) من كمال المعنى وجزئه ووجه هذا التنبيه أنك إذا قلت: الدلالة إما على كمال معنى اللفظ وإما على جزء معناه فما نسب إليه تمام المعنى وجزؤه أعنى اللفظ شئ واحد فكأنك قلت دلالة لفظ إما على كمال معنى ذلك اللفظ أو على جزء معنى ذلك اللفظ فعلى هذا القياس إذا قيل الدلالة إما على كمال معنى الدلالة أو على جزء معناها كان ما نسب إليه المعنى وجزؤه أعنى الدلالة شيئًا واحدًا فإن جزء المعني لا يتصور إلا لدلالة يكون لها تمام المعنى فيفهم منه أن الدلالة التى لها جزء المعنى هى التى لها كمال المعنى فالدلالة المضافة إلى كمال المعنى هى بعينها المضافة إلى جزء المعنى فقد اتحدتا بالذات واختلفتا بالاعتبار وهو المطلوب.
قوله: (وإن التضمن فى ضمن المطابقة) عطف على قوله: إن الدلالة واحدة فإن قلت إذا اتحدتا ذاتًا فكيف يتصور كون التضمن فى ضمن المطابقة قلت: لما كان جزء المعنى فى ضمنه كان النسبة إلى الجزء كأنها فى ضمن النسبة إلى تمام المعنى فالدلالة بالاعتبار الأول كأنها فى ضمنها بالاعتبار الثانى ولا محذور فيه والمقصود أن التضمن ليس تابعًا للمطابقة (وما يقال إنه يتبعها توسع) إنما قيل ذلك
[ ١ / ٤٥٥ ]
لما كان القصد فى وضع اللفظ للمعنى المركب (إلى معرفة المجموع) من حيث هو فالدلالة باعتبار انتسابها إلى الكل أصل وباعتبار انتسابها إلى الجزء تبع فليست التبعية ههنا على ما يتبادر إلى الوهم من أن التابع أمر مغاير بالذات للمتبوع هذا وأما استعمال فى فللدلالة أيضًا على اتحاد الدلالتين بالذات واختلافهما بالإضافة كما أشار إليه الشارح -قدس سره- بقوله: وهى بالنسبة إلى كمال معناها وتوجيهه أن لفظة فى ههنا للسببية فكأنه قيل دلالته اللفظية بسبب كمال معناها أى بسبب النسبة إليه مطابقة وبسبب النسبة إلى جزء معناها تضمن ولا يخفى أنه يتبادر منه إلى الفهم أن الاختلاف بحسب الاعتبار والنسبة دون الذات.
قوله: (على مدلول مغاير) أى للفظ مثل جاء زيد فإن لفظ "زيد" أطلق على الذات المعنية المسماة به.
قوله: (لأنهم لو وضعوا) تعليل لقوله: وقد يطلق والمراد اللفظ يعنى أطلقوا اللفظ على نفسه ولم يضعوا له لفظًا لأنهم لو وضعوا للفظ لفظًا آخر (لأدى إلى التسلسل) لأن لفظ الآخر على هذا التقدير يوضع له لفظ ثالث وهلم جرًا (ولو سلم) عدم تأدية وضع الألفاظ بإزاء الألفاظ إلى التسلسل بناء على جواز الوضع للبعض دون البعض (فإذا أمكن) التعبير عن اللفظ (بنفسه كان وضع لفظ آخر له ضائعًا) إذ الغرض الأصلى من الوضع هو التعبير وقد يكون الوضع لكل واحد من الألفاظ يودى إلى التسلسل فى الألفاظ أو دلالة المدلول على دليله بخلاف الوضع لبعضها دون بعض ثم إن أريد التعبير عن لفظ واحد أمكن أن يعبر عنه بنفسه فلا حاجة هنا إلى وضع لفظ آخر بإزائه وإن أريد التعبير عن ألفاظ كثيرة يتعذر التلفظ بكل منها أو يتعسر احتيج إلى الوضع فوضعوا الكلمة والاسم والفعل والحرف والجملة والكلام والشعر وغيرها بإزاء الألفاظ (لأنهم لو لم يضعوا لها لطال فى التعميم والتنكير معًا) أى إذا أريد أن يعبر عن كل فرد من أفراد الكلمة مثلًا ويجرى عليها حكم فلولا وضع لفظ الكلمة أو غيرها بإزائها لطال الكلام فإن قلت: الطول لازم للتعميم على تقدير عدم الوضع فما الفائدة فى ضم التنكير معه قلت: التعميم يتصور على وجهين، أحدهما: أن يراد التعرض لخصوصية كل فرد من أفراد الكلمة مثلًا وهذا الوجه يلزمه التطويل ولا يندفع بالوضع أصلًا بل لا بد من ذكر كل بعينه، وثانيهما أن يراد التعرض لخصوصيات
[ ١ / ٤٥٦ ]
الأفراد بل شمولها من حيث إنها أفراد الكلمة فهذا القسم يستلزم الطول لولا الوضع فإذا وضع اندفع فالمراد من التنكير عدم التعين فلو لم يضم إلى التعميم لتوهم اندفاع الطول فى التعميم بسبب الوضع مطلقًا.
قوله: (ومن هذا كلامه) يريد أن كلامه دال على أنه يجعل اللفظ دالًا على نفسه حيث قال: على مدلول مغاير، وقال: وقد يكون المدلول لفظًا آخر فإنهما يدلان على أن للفظ دلالة على نفسه (فلا يبعد أن يحترز بقوله: فى كمال معناها عن دلالة الألفاظ إذا أريد بها نفس اللفظ لأن هذه الدلالة ليست دلالة فى معناها بل فى لفظها) فلا تسمى دلالة مطابقة وهذا الاحتراز إنما يتصور إذا لم تقيد الدلالة اللفظية بالوضعية لكن الظاهر من كلام المصنف تقييدها بذلك، والشارح قد صرح به أولًا حيث قال: الدلالة الوضعية ولذلك قال ههنا: لا يبعد أن يحترز ثم إن هذا الاحتراز لا يتعلق بتأنيث الضمير ولا تذكيره ولا باستعمال فى دون على بل يتأتى على جميع هذه التقادير. واعلم أنه قد وجد فى كثير من النسخ تذكير الضمير فى معناه فيرجع حينئذ إلى اللفظ المفرد أو إلى اللفظ مطلقًا، وتحمل لفظة فى على الظرفية مجازًا، فإن دلالة اللفظ على كمال معناه أو جزئه أقوى وأشد تعلقًا من دلالته على الخارج، فكأن المعنى والجزء ظرفان للدلالة قد استقرت، فيهما وعلى تقدير التأنيث يمكن جعله راجعًا إلى اللفظة فلا يخالف المشهور ولا يستلزم اتحاد الدلالتين ذاتًا ولا يحوج إلى توجيه ذلك بما قررناه مع ما فيه من النظر الذى لا يخفى على ذوى الفطانة واللَّه أعلم.
قوله: (أو طبيعية) الظاهر أن الدلالة الطبيعية يجوز أن تكون فى غير اللفظية أيضًا فإن الطبيعية كما تقتضى التلفظ بألفاظ عند عروض معنى فصار ذلك اللفظ دالًا على هذا المعنى تقتضى أيضًا وقوع الفعل عند عروض معنى آخر دالًا عليه.
قوله: (بعينه فهم الكل) يعنى أن الفهم والملاحظة والانتقال من اللفظ تتعلق بالمعنى المطابقى أولًا، وبالذات وبالجزء ثانيًا، وبالعرض بمعنى أن هناك شخصًا واحدًا من الفهم ثابتًا للكل حقيقة وللجزء تابعًا، فصح أن يقال: فهم كل واحد من الجزأين بعينه فهم الكل لكن يلزم من ذلك أن لا يكون الفهم مطلق حصول
[ ١ / ٤٥٧ ]
الشئ فى العقل وإلا لم يصح القطع بسبب الحروف (^١) بل الحروف سبب لصيرورته قطعًا وقد جعل القطع فيما سبق نفس الحروف حيث قال: وتقطيعه قطعًا مختلفة هى الحروف قلنا الحروف هى الكيفية العارضة للصوت لكنه قد يطلق على الصوت مع تلك الكيفية أيضًا.
قوله: (لكان الأولى متابعة المشهور) (^٢) لمخالفة المشهور لا يقتضى إلا، لكن يصح أن يكون باعثه على تلك المخالفة ولا يكون هذا التنبيه متعينا لذلك بحيث لو لم يكن لكان الأولى تركها.
قوله: (فما الفائدة فى ضم التنكير معه) يعنى أن الباعث على وضع مثل لفظ الكلمة اندفاع طول الكلام وعند التعميم (^٣) بل لجعل الكلام فما الفائدة فى ضم التنكير معه وحاصل الجواب: أن الطول المندفع بالوضع هو ما يكون مع التنكير لا مطلق الطول والظاهر أن قصد التعميم فى مثل الكلمة والاسم لا يكون إلا مع التنكير بالمعنى الذى ذكره لأن قصد التعميم مع ملاحظة خصوصيات الأفراد لمفهومات كلية تنكير أفراده ولا ينضبط فى عدد معين لا يكون واقعًا قطعًا فإن فرض الاحتمال العقلى فالأولى ما ذكره الفاضل التفتازانى من أن التعميم هو تعلق الحكم بكل فرد والتنكير هو تعلقه ببعض مبهم بأن يقال بعض تلك الأشياء.
قوله: (ولا يستلزم اتحاد الدلالتين ذاتًا) إذا جعل الدلالتان مختلفتين ذاتًا يراد بالفهم حصول الشئ فى الذهن لا الملاحظة كما لشعر بذلك تقريره فى بيان الاتحاد بالذات.
قوله: (مع ما فيه من النظر) يعنى أن التوجيه الذى ذكره للمخالفة والاتحاد يشتمل على تكلفات منها ما ذكره فى وجه النسبة الثانى ومنها ما ذكره فى بيان أن التضمن فى ضمن المطابقة، ومنها أنه جعل لفظة "فى" للسببية مع تفسيره بقوله أى بسبب النسبة إليه وأخذ الاتحاد من ذلك، وأما النظر الذى لا يخفى على ذوى
_________________
(١) قوله: بسبب الحروف. هكذا فى النسخة التى بيدنا وهى سقيمة جدًا ليس معها غيرها ولعل لفظ بسبب محرف عن نفس كما تفيده العبارة بعد. كتبه مصحح طبعة بولاق.
(٢) هكذا فى الأصل وهى عبارة غير مستقيمة كأمثالها مما سبق ويأتى فارجع إلى الأصول السليمة فإن هذه النسخة التى بيدنا سقيمة وكثيرا ما وجدنا فيها من التحريف والسقوط. كتبه مصحح طبعة بولاق.
(٣) فى هذه العبارة تحريف ظاهر ونعوذ باللَّه من سقم النسخ. كتبه مصحح طبعة بولاق.
[ ١ / ٤٥٨ ]
الفطانة فهو أن يقال: ليست الدلالة إلا كون الشئ بحيث يلزم من العلم به العلم بشئ آخر ولا يخفى أن العلم باللفظ الموضوع للمعنى المركب يستلزم العلم بالجزء وهذا العلم يغاير العلم المتعلق بالمعنى الذى هو الكل مغايرة بالذات وأما الملاحظة والتوجه والفهم المعتبر فيه أحدهما فلا مدخل لشئ منها فى حقيقة الدلالة.
الشارح: (ويرد عليهم أنواع المجازات) أى لعدم تحقق الانتقال فيها أصلًا ولا باعتبار الموضوع له الذى ليس مرادًا لأن شرط الانتقال اللزوم الذهنى وهو غير متحقق فى أنواع المجازات التى ليس فيها لزوم ذهنى فتكون المجازات المذكورة خارجة عن الدلالات الثلاث.
التفتازانى: (وضمير دلالته للمفرد. . . إلخ) يصح أن يكون الضمير راجعًا إلى اللفظ مطلقًا فلا حاجة إلى قياس المركب على المفرد كما فى السيد.
التفتازانى: (بخلاف الالتزام) أى فلا تسمى لفظية بمعنى أن الانتقال فيها بواسطة اللفظ فقط، فلا ينافى أنها لفظية بمعنى أن اللفظ له دخل ما فيها.
التفتازانى: (إذ ليس ههنا إلا فهم وانتقال واحد. . . إلخ) هذا الذى ذكره السعد هنا مجاراة للمصنف وإلا فقد ذكر السعد فى منهياته على المطول أن فهم الجزء من اللفظ الذى الكلام فيه متأخر عن فهم الكل منه يحصل بعد تحليل المركب إلى الأجزاء ضرورة أن الفهم تابع للوضع وهو لا يحصل إلا بالنسبة إلى الكل إذ ما يتبادر إلى الذهن عند سماع اللفظ إنما هو المعنى الموضوع له اللفظ لا غير، وقولهم الجزء سابق على فهم الكل معناه أنه يجب أن يفهم الجزء من اللفظ الموضوع بإزائه أولًا؛ ثم يفهم الكل من اللفظ الموضوع بإزائه، ونقله عبد الحكيم وأيده بما فى المفتاح من أن اللفظة متى كانت موضوعة لمفهوم أمكن أن تدل عليه بحكم الوضع، ومتى كان لمفهومها تعلق بمفهوم آخر أمكن أن يدل عليه بواسطة ذلك التعلق سواء كان المفهوم الآخر داخلًا فى مفهومها الأصلى أو خارجًا عنها فالحاصل من دلالة التضمن فهم الجزء من اللفظ بعد فهم الكل، وأما فهم الجزء فى ضمن فهم الكل فليس حاصلًا من دلالة اللفظ بل هو لازم لفهم الكل؛ سواء وضع له لفظ أولًا فلا دلالة للفظ عليه وإن اجتمعت معه والمنقسم إلى الدلالات الثلاث هو دلالة اللفظ فلا يضر خروج فهم الجزء فى ضمن فهم الكل عن
[ ١ / ٤٥٩ ]
الدلالات الثلاث ولا يبطل الحصر.
التفتازانى: (ومبنى هذا التحقيق على أن التضمن فهم الجزء فى ضمن الكل) يعنى وهو باطل بل التضمن فهم الجزء بعد فهم الكل ففيه انتقال.
التفتازانى: (حتى إذا استعمل اللفظ. . . إلخ) هذا جار حتى على الصحيح من أن فهم الجزء وملاحظته بعد فهم الكل؛ لأن معناه مع استعمال اللفظ فى الموضوع له وكذا فى الالتزام حتى يتحقق الانتقال، وأما إذا استعمل اللفظ فى الجزء أو اللازم فلا دلالة على الجزء واللازم من حيث هو جزء ولازم للموضوع له، وإن كان فى الأصل قبل الاستعمال كذلك قال عبد الحكيم فى حواشى شرح الشمسية: دلالة للفظ على المعنى المجازى مطابقة عند أهل العربية لأن اللفظ مع القرينة موضوع للمعنى المجازى بالوضع النوعى كما صرحوا به، وأما عند المنطقيين فإن تحقق اللزوم بينهما بحيث يمتنع الانفكاك فهى مطابقة وإلا فلا دلالة على ما صرح به فى حواشى المطالع فى دلالة المعميات على معانيها ذكره العطار فى حواشى جمع الجوامع وسيأتى للسعد أن الانتقال متحقق وإن لم يكن المنتقل عنه مرادًا لبقاء الدلالة وجرى صاحب التحرير على ما جرى عليه المصنف من أن التضمن فهم الجزء ضمن فهم الكل والفهم واحد وتختلف التسمية باعتبار الإضافة وقال: إن المنطقيين يشترطون فى دلالة الالتزام اللزوم الذهنى بالمعنى الأخص، وقال: إن المجازات لا دلالة لها على المعنى المجازى من حيث إن اللفظ مستعمل فيها؛ لي ينتقل إليها بالقرينة الصارفة عن المعانى الحقيقية إليها فهى مرادات لا مدلولات فلا تورد المجازات عليهم كما قيل أى كما قاله العضد لانتفاء الغرض من إيرادها حينئذ إذ يلتزمونه ولا ضرر عليه إذ لا يستلزم نفى الدلالة نفى فهم المراد بالقرينة فليس للمجاز فى الجزء واللازم دلالة مطابقة كما قال السعد هنا؛ بل إنما فى المجاز فى الجزء واللازم استعمال يوجب الانتقال من المعنى الحقيقى إليه بالقرينة وفيه دلالة تضمنية فى الجزء والتزامية فى اللازم تبعًا للدلالة المطابقية على الموضوع له التى لم ترد وذلك لأنه بعد الوضع لا تسقط الدلالة فى الوضعى فكذا لا تسقط عن لازمه فتتحقق المطابقة والمراد غير متعلقها وقال فيما كتبه على "البديع": إن جميع المعانى المجازية إلا التضمن والالتزام مرادات باللفظ بالقرينة لا مدلولات له حتى لو استعمل اللفظ الموضوع لمعنى مركب ذى لازم ذهنى فى مجازى غيرهما مع قرينة
[ ١ / ٤٦٠ ]
صارفة عن مدلولاته كان لهذا اللفظ ثلاث دلالات على غير المقصود وكان المقصود غير مدلول له بل مراد به، وأما إذا تجوز به فى التضمنى أو الالتزامى فمن حيث هو مستعمل فيه لا دلالة على واحد منهما ومن حيث هو موضوع لما هو جزءه ولازمه وإن لم يكن مرادهما مدلولان تضمنى والتزامى، قال شارحه ومن هنا ظهر أن الوجه عدم تقييد قول العضد ويرد عليهم المجازات بالتى ليس فيها المعانى المجازية لوازم ذهنية للمسميات ليخرج استعمال الكل فى الجزء واللزوم فى اللازم الذهنى؛ كما قيد به المحشيون فتأمل؛ ثم قال صاحب التحرير: وأما الأصوليون فللوضع دخل فى الانتقال تتحقق فى المجاز وتتحقق الدلالة الالتزامية بالمعنى الأعم.
التفتازانى: (اللهم إلا أن يقال: المسمى فى هذه الحالة مفهوم ومدلول) أى فحينئذ يتحقق الانتقال إلى اللازم المستعمل فيه اللفظ وإن كان المنتقل منه غير مراد فيكون دلالة المجاز التزامية وليس بلازم فى الدلالة الالتزامية أن لا يكون اللفظ مستعملًا فى اللازم لأنها الدلالة على اللازم والانتقال إليه مطلقًا سواء استعمل فيه اللفظ أو لا.
التفتازانى: (وهذا يشعر قوله ويرد عليهم) وجه الإشعار أنه خص الإيراد بالمنطقيين فيفيد أنه لا يرد على الأصوليين وما هذا إلا لتحقق الانتقال من الموضوع له إلى اللازم وإن لم يكن الموضوع له مرادًا.
التفتازانى: (مع القطع بأن فهم الجزء سابق. . . إلخ) هذا غير ظاهر على ما جرى عليه الشارح وجرى عليه هو أيضًا قبل هذا من أن فهم الجزء فى ضمن فهم الكل هو دلالة التضمن نعم هو ظاهر على رأى القطب شارح الطالع من أن التضمن سابق على المطابقة وأن فهم الجزء سابق فى الوجودين وهو مردود وقوله: لكن كان الوضع. . . إلخ. تحريف وصوابه: لكان الوضع. . . إلخ. وقوله: والظاهر اللزوم. . . إلخ. هذا ما ذكره أيضًا فى حاشية الكشاف وتعقبه السيد فى حاشية الكشاف بأن دلالة الألفاظ على أنفسها ليست مستندة إلى الوضع أصلًا لوجودها فى الألفاظ المهملة وجعلها محكومًا عليها لا يقضى كونها أسماء لما ذكرنا ودعوى وضعها وضعًا غير قصدى مكابرة فى قواعد اللغة لا يساعده عقل ولا نقل.
[ ١ / ٤٦١ ]
التفتازانى: (وفساد هذا الكلام غنى عن البيان) أما فساد حصول التخصيص بذكر بعض تلك الألفاظ إذا أريد التخصيص فلأنه إذا أريد التخصيص فلابد من ذكر الجميع ثم الحكم على البعض المخصوص بعد تعيينه بذكر الجميع فلابد من الطول وأما فساد أنه إذا أريد التعميم لا بطريق التنكير فيحصل بلفظ معرف عام للجميع فلأن حصوله باللفظ المعرف العام للجميع إنما هو من الوضع الذى يشمل الجميع.
قوله: (فقال الشارح فى توجيهه) أى توجيه ما ذكر كله وقوله الدلالة الوضعية أى إلى آخر ما يتعلق بذلك وقد علم أن المقسم الدلالة اللفظية بمعنى ما للفظ مدخل فيها واللفظية التى جعلت قسمًا هى اللفظية بمعنى ما لم ينتقل من اللفظ فيها بواسطة وغير اللفظية ما كان الانتقال من اللفظ فيها بواسطة.
قوله: (أى ما فرض مدلولًا) قدر ذلك لئلا يقتضى تحقق المدلولية قبل كونه لازمًا ذهنيًا مع أنه ليس كذلك.
قوله: (إذ هناك دلالة التزام ولا لزوم ذهنًا) هذا يقتضى تحقق دلالة الالتزام عند استعمال اللفظ فى اللازم فدلالته على ذلك اللازم المستعمل فيه دلالة التزامية لا مطابقية لوجود الانتقال من المعنى الموضوع له إليه وإن لم يكن الموضوع له مرادًا وكذا يقال فى استعمال اللفظ فى جزء معناه أنها تضمنية لملاحظة الموضوع له أولًا والانتقال منه إلى الجزء.
قوله: (وقد يكون الوضع لكل واحد. . . إلخ) بيان لحاصل الكلام.
قوله: (أو دلالة المدلول على دليله) عطف على التسلسل يعنى أنه لو وضع لكل واحد من الألفاظ لأدى إلى التسلسل إن لم يرجع إلى اللفظ الأول أو دلالة المدلول على دليله إن رجع إلى الأول فيدور.
قوله: (بخلاف الوضع لبعضها دون بعض) أى لا تؤدى إلى التسلسل فى الألفاظ ولا إلى دلالة المدلول على دليله.
قوله: (ثم إن أريد. . . إلخ) تفصيل للوضع للبعض دون البعض أو توضيح لقول الشارح فقوله: إن أريد التعبير عن لفظ واحد أمكن. . . إلخ. هو قول الشارح ولو سلم فإذا أمكن بنفسه كان الوضع له ضائعًا وقوله: وإن أريد التعبير عن ألفاظ كثيرة هو قول الشارح وقد يكون المدلول لفظًا آخر كالكلمة.
[ ١ / ٤٦٢ ]
قوله: (حيث قال على مدلول مغاير. . . إلخ) وجه ذلك أن قوله: على مدلول مغاير يفيد أن اللفظ مدلول غير مغاير، وقوله: لفظًا آخر يفيد أن نفس اللفظ مدلول وليس لفظًا آخر ولم ينظر لقوله قبل وقد يطلق والمراد اللفظ لأنه ليس فيه ما يفيد أن له دلالة والفرض تحقيق دلالته حتى يحترز عنها.
قوله: (من النظر الذى لا يخفى) هو أن يقال: ليست الدلالة إلا كون الشئ بحيث يلزم من العلم به العلم بشئ آخر ولا يخفى أن العلم باللفظ الموضوع للمعنى المركب يستلزم العلم بالجزء وهذا العلم يغاير العلم المتعلق بالمعنى الذى هو الكل مغايرة بالذات وأما الملاحظة والتوجه والفهم المعتبر فيه أحدهما فلا دخل لشئ منها فى حقيقة الدلالة. اهـ هروى.
[ ١ / ٤٦٣ ]
قال: (والمركب جملة وغير جملة، فالجملة ما وضع لإفادة نسبة ولا يتأتى إلا فى اسمين أو فى فعل واسم ولا يرد حيوان ناطق وكاتب فى زيد كاتب لأنها لم توضع لإفادة نسبة وغير الجملة بخلافه ويسمى مفردًا أيضًا).
أقول: المركب ضربان جملة وغير جملة؛ فالجملة ما وضع لإفادة نسبة أى لإعطاء ما يطلب فيها من تعيين أحد طرفيها بعينه ولا يتأتى إلا فى اسمين أو فى اسم وفعل لأن المسند إليه اسم والمسند اسم أو فعل والحرف لا يصلح لأحدهما وقد يتوهم ورود حيوان ناطق لإفادة نسبة النطق إلى الحيوان وكاتب فى زيد كاتب لأنه يفيد نسبة الكاتب إلى ضمير زيد وغلام زيد فإنه يفيد نسبة الغلام إلى زيد وأنها لا ترد لإن شيئًا منها لم يوضع لإفادة النسبة بل لذات باعتبار نسبة ويفهم منها النسبة بالعرض.
وغير الجملة بخلافه أى ما لم يوضع لإفادة نسبة ويسمى النحويون غير الجملة مفردًا أيضًا بالاشتراك بينه وبين غير المركب.
قوله: (عن دلالتها إذا أريد بها) الضميران إما للدلالة فمشكل أو للألفاظ فقلق لأن سائر الضمائر للدلالة.
قوله: (لإفادة نسبة) أطلقها لتشمل الإخبارية والإنشائية الطلبية وغيرها فإنها جمل بلا خلاف وإن كان الإنشاء من قبيل التصورات دون التصديقات فليس كل ما هو جملة عند النحويين قفمية عند المنطقيين لكن تفسير الشارح إفادة النسبة بإعطاء ما يطلب فى النسبة من تعيين أحد طرفيها يعنى الإيجاب والسلب مما لا يستقيم فى الإنشائيات على ما لا يخفى.
قوله: (لأن شيئا منها لم يوضع لإفادة النسبة) ظاهر إلا فى كاتب من زيد كاتب فإن بين اسم الفاعل وفاعله إسناد إذ الإسناد نسبة أحد الجزأين إلى الآخر لإفادة المخاطب فلابدّ من القول بأن الإسناد مشترك بين معنيين تام وغير تام.
قوله: (ويسمى مفردًا أيضًا) يعنى يسمى غير الجملة مفردًا أيضًا كما أن غير المركب بسمى مفردًا، فإن المفرد يقال بإزاء الجملة والمركب والمثنى والمجموع.
قوله: (أى لإعطاء ما يطلب فيها) أى فى النسبة (من تعيين أحد طرفيها بعينه)
[ ١ / ٤٦٤ ]
فإن قلت: الطرفان هما الإثبات والنفى أى إيقاع النسبة وانتزاعها وحينئذ لا يتناول التعريف الجمل الإنشائية، إذ ليست موضوعة لإفادة إثبات النسبة أو نفيها قلت: كما أن النسب الخبرية لها طرفان ثبوت وانتفاء كذلك النسب الإنشائية لها تعلق ثبوتى وتعلق سلبى نحو قولك: اضرب ولا تضرب، فإن الضرب فى الأول منتسب إلى المخاطب انتسابًا ثبوتيًا، وفى الثانى انتسابًا سلبيًا لكن لا على الوجه الذى ذكرتموه فإذًا المراد بالنفى والإثبات ههنا أعم مما ذكر، فإن قيل اللام فى قوله: لإعطاء، بل فى قول المصنف: لإفادة أهى صلة للوضع أم هى للتعليل قلنا الظاهر التعليل؛ لأن الجملة ليست موضوعة بإزاء الإفادة والإعطاء بل بإزاء أحد طرفى النسبة بعينه لكى يتوصل بها إلى إفادة المخاطب وإعطائه ما يطلب فيها من تعيين أحد طرفيها بعينه وعدم ترتب الغاية لا يقدح فى المقصود فمثل قولنا: النار حارة والسماء فوقنا داخل فى التعريف.
قوله: (لأن شيئا منها لم يوضع لإفادة النسبة) أى: لإفادة طرفيها بعينه بل لإفادة ذات باعتبار نسبة (ويفهم منها) أى: من الأمور المذكورة (النسبة بالعرض) والمفهوم منها بالذات هو الذات باعتبار النسبة ولا شك أن اللفظ إنما وضع لإفادة ما يفهم منه بالذات لا ما يفهم منه بالعرض فقولنا: اضرب زيد مثلًا موضوع لإفادة نسبة الضرب إلى زيد وهى المفهومة منه بالذات والتعرض للطرفين إنما هو لضرورة توقف النسبة عليهما، وقولنا: غلام زيد موضوع لإفادة الذات والتعرض للنسبة إنما هو بالتبعية، ويلوح لك حقيقة ذلك بالتأمل فى المركبات التامة إنشائية كانت أو خبرية وفى غيرها من المركبات التقييدية وما فى معناها.
قوله: (لها تعلق ثبوتى وتعلق سلبى) الظاهر أن لفظة اضرب مثلًا ليست مشتملة على نسبة لها تعلق ثبوتى بل النسبة المفهومة منها هى غير ذلك التعلق وإطلاق الطرفين هنا بعيد جدًا وأما الخبر فلنسبته طرفان وباعتبار اشتماله على النسبة قد يكون مفردًا للإيجاب وقد يكون مفردًا (^١).
قوله: (أى لإفادة طرفيها بعينه) فسره بذلك مع أنه قال فيما بعد إن قولنا: غلام زيد موضوع لإفادة الذات وحصل من ذلك خروج من تعريف الجمع على تقدير
_________________
(١) هكذا فى الأصل وحرر العبارة. كتبه مصحح طبعة بولاق.
[ ١ / ٤٦٥ ]
ترك التثنية على حالها من غير تفسير بما ذكر لأن المقصود إخراج هذه الأمور عما ذكر فى تعريف الجملة والمذكور فى التعريف ليس إلا ما ذكر فى التفسير.
التفتازانى: (فليس كل ما هو جملة عند النحويين قضية عند المنطقيين) لاختصاص القضية عندهم بما يصح أن يقال لقائله: إنه صادق فيه أو كاذب فلا تكون إلا خبرًا بخلاف الجملة فالجملة أعم من القضية والكلام يرادفها عند قوم من النحويين منهم الزمخشرى كما هو ظاهر الفصل وأخص منها عند آخرين من النحاة لشمول الجملة الفيد التام وغيره وأعم منها عند الأصوليين كاللغويين لنقل الآمدى فى الأحكام عن أكثر الأصوليين والإمام الرازى فى المحصول عن جميعهم أن الكلمة المركبة من حرفين فصاعدًا كلام قال صاحب البديع: فهو إذن ما انتظم من الحروف المسموعة المتواضع عليها الصادرة من مختار واحد فما انتظم أى تألف كالجنس وقوله من الحروف كالفصل والمراد حرفان فصاعدًا فخرج به المتألف من حرف واحد وحركته وخرج بالمسموعة المكتوبة والمعقولة وبالتواضع عليها المهمل وبالصادرة من مختار المسموعة من الجمادات فلا يسمى كلامًا وإذا لم يسم كلامًا لم يسم قرآنًا فما يسمع من الفوتغراف ليس كلامًا ولا قرآنًا وخرج بواحد الصادرة عن أكثر من مختار واحد كما لو صدر بعض حروف الكلمة من واحد والبعض من آخر فإنه لا يسمى كلامًا.
قوله: (لها تعلق ثبوتى وتعلق سلبى) قال الهروى: الظاهر أن لفظ اضرب مثلًا ليس مشتملًا على نسبة لها تعلق ثبوتى بل النسبة المفهومة هى عين ذلك التعلق.
قوله: (فإن الضرب فى الأول ينسب إلى المخاطب انتسابًا ثبوتيًا) المراد نسبة طلبه من المخاطب من حيث تحصيله وقوله فى الثانى إلى آخره، المراد: نسبة طلب الكف عن تحصيله من المخاطب.
[ ١ / ٤٦٦ ]