قال: (فإن كان طلبًا لفعل غير كف ينتهض تركه فى جميع وقته سببًا للعقاب فوجوب وإن انتهض فعله خاصة للثواب فندب وإن كان طلبًا للكف عن فعل ينتهض فعله سببًا للعقاب فتحريم ومن يسقط غير كف فى الوجوب يقول طلبًا لنفى فعل فى التحريم وإن انتهض الكف خاصة للثواب فكراهة وإن كان تخييرًا فإباحة وإلا فوضعى وفى تسمية الكلام فى الأزل خطابًا خلاف).
أقول: هذا أول تقسيم للحكم والحكم إما طلب أو غير طلب أما الطلب فإنما يكون لفعل لأنه المقدور دون عدم الفعل وسيأتى والفعل إما كف وإما غير كف وعلى التقديرين لا بد أن ينتهض الإتيان به سببًا للثواب لأنه طاعة وأما تركه فى جميع وقته فقد ينتهض سببًا للعقاب وقد لا ينتهض فهذه أربعة أقسام فإن كان طلبًا لفعل غير كف ينتهض تركه فى جميع وقته سببًا للعقاب فوجوب وإن انتهض فعله خاصة سببًا للثواب فندب وإن كان طلبًا للكف عن فعل ينتهض ذلك الفعل سببًا للعقاب فتحريم وإن انتهض الكف خاصة سببا للثواب فكراهة وأما غير الطلب فإن كان تخييرًا بين الفعل والكف عنه فإباحة وإلا فوضعى وههنا نكتة وهى: أن الحكم كما علمت نفس خطاب اللَّه تعالى فالإيجاب هو نفس قوله: افعل وليس للفعل منه صفة حقيقية فإن القول ليس لمتعلقه منه صفة لتعلقه بالمعدوم وهو إذا نسب إلى الحاكم سمى إيجابًا وإذا نسب إلى ما فيه الحكم وهو الفعل سمى وجوبًا وهما متحدان بالذات مختلفان بالاعتبار فلذلك تراهم يجعلون أقسام الحكم الوجوب والحرمة مرة والإيجاب والتحريم أخرى وتارة الوجوب والتحريم كما فعله المصنف.
وقد نبه المصنف على فائدتين:
إحداهما: أن ما ذكرنا بناء على أن الطلب دائمًا لفعل فنفى النهى الكف وفى غيره غيره وأما من يرى أن الترك نفى الفعل وهو أن لا يفعل فيطرح فى الوجوب قوله: غير كف لأنه كان لإخراج التحريم معتقدًا أنه طلب فعل لكنه كف ويقول فى التحريم إن كان طلبًا لنفى فعل.
الثانية: أن الواجب إذا كان وقته موسعًا فستعلم أنه لا ينتهض تركه سببًا للعقاب إلا إذا تركه فى جميع الوقت، فنبه عليه بقوله: فى جميع وقته لئلا يتوهم أنه قد يترك ولا عقاب فلا يكون سببًا له على أنه لو لم يذكره لم يخل لأن انتهاض تركه
[ ٢ / ١٢٣ ]
سببًا فى الجملة لا يوجب انتهاضه دائمًا ثم ذكر أن فى تسمية الكلام فى الأزل خطابًا خلافًا وهو مبنى على تفسير الخطاب فإن قلنا: إنه الكلام الذى علم أنه يفهم كان خطابًا وإن قلنا: هو الكلام الذى أفهم لم يكن خطابًا ويبتنى عليه أن الكلام حكم فى الأزل أو يصير حكمًا فيما لا يزال فإن قلت: ما معنى سببية الفعل للعقاب وأنتم لا توجبون العقاب به كما تقول المعتزلة قلت معناه أنه لو عوقب به وقيل إنما عوقب لكذا للاءم العقل ولم يستقبح فى مجارى العادات.
واعلم بعد هذا كله أنه يرد عليه وجوب الكف فى قوله: كف نفسك فعلى حد الوجوب عكسًا وعلى حد التحريم طردًا والتحقيق أنه إيجاب للكف تحريم للفعل فلا بد من اعتبار الإضافة فيهما بأن يقال: الطلب إما أن يعتبر من حيث يتعلق بفعل أو من حيث يتعلق بالكف عنه. . . إلخ. ولو حمل عليه كلامه فلا يبقى قوله: غير كف محتاجًا إليه.
قوله: (وإن كان طلبًا للكف عن فعل) كان مقتضى المناسبة أن يقول: طلبًا للفعل هو كف ينتهض تركه إلا أنه اقتصر على المقصود مع زيادة الوضوح وأقام ذلك الفعل مقام فعله فى عبارة المتن لئلا يتوهم عود الضمير إلى الكف، وللإشارة إلى قلة الفرق بين قولنا: ينتهض الفعل أو الكف وقولنا: فعل الفعل وفعل الكف إذ معناه إيقاعه والإتيان به وهذا ما يقال: إن التأثير عين حصول الأثر بحسب الوجود.
قوله: (وههنا نكتة) قد اعترض على تعريف الحكم بأن مثل الوجوب والحل والحرمة من صفات أفعال المكلفين فكيف يكون خطاب اللَّه وكلامه؟ فقال الإمام فى المحصول: قولهم الحل والحرمة من صفات الأفعال ممنوع إذ لا معنى عندنا لكون الفعل حلالًا مجرد كونه مقولًا فيه رفعت الحرج عن فعله ولا معنى لكونه حرامًا إلا كونه مقولًا فيه: لو فعلته لعاقبتك فحكم اللَّه هو قوله والفعل متعلق القول وليس لمتعلق القول من القول صفة؛ وإلا لحصل للمعدوم صفة ثبوتية بكونه مذكورًا ومخبرًا عنه ومسمى بالاسم المخصوص؛ فالشارح المحقق أضاف إلى ذلك زيادة تحقيق وتدقيق وهو أن الخطاب صفة للحاكم متعلق بفعل المكلف فباعتبار إضافته إلى الحاكم يسمى إيجابًا وإلى الفعل وجوبًا والحقيقة واحدة والتغاير اعتبارى؛ وحينئذ يندفع ما يقال: إن الحكم هو الأثر الثابت بالخطاب لا
[ ٢ / ١٢٤ ]
نفس الخطاب وأن فى جعل الوجوب والحرمة من أقسام الحكم تسامحًا وأنه كان ينبغى للمصنف أن يذكر فى مقابلة التحريم الإيجاب دون الوجوب؛ فإن قيل فعلى هذا لا تغاير بين الحكم والدليل لأنه نفس قوله: افعل قلنا: الحكم هو القول النفسى على ما يناسب معناه المصدرى والدليل هو القول اللفظى المناسب لمعنى المفعول.
قوله: (وقد نبه المصنف) أما التنبيه على الفائدة الأولى فبقوله: ومن يسقط غير كف. . . إلخ. وأما على الثانية فبتقييد الترك بجميع الوقت مع أنه مستغنى عنه فى تمام التعريف لأنا إذا قلنا: الوجوب طلب فعل غير كف ينتهض تركه سببًا للعقاب كان الواجب الموسع داخلًا فيه إذ ينتهض تركه سببًا فى الجملة كما إذا تركه فى جميع الوقت وإن لم ينتهض دائمًا كما إذا تركه فى بعض أجزاء الوقت وهذا معنى قوله على أنه لو لم يذكره لم يخل وأما قوله: فستعلم أنه لا ينتهض فلا يخفى أن لفظ فستعلم أنه زائد لا معنى له.
قوله: (يرد عليه) أى على المصنف وجوب الكف فى قول الشارع إذا قال: كف نفسك عن كذا فإنه إيجاب ولا يصدق أنه طلب فعل غير كف فقد انتفى حدّ الإيجاب ولم ينتف المحدود فبطل طرد تعريف التحريم، وكذا الكلام فى مثل امكث واترك الحركة وصم ونحو ذلك من إيجاب التروك، وأما نحو: لا تكفف فهو طلب كف عن فعل لا طلب فعل غير كف فلا يرد وقد أورد هذا الاعتراض على تعريف الأمر بطلب فعل غير كف ولا يخفى أن المراد الفعل الذى هو مأخذ صيغة الطلب والكف عن ذلك الفعل وحينئذ لا إشكال، أما فى اللفظى فظاهر وأما فى النفسى فتعبير باللفظى.
قوله: (والتحقيق) يعنى إن أجرى التعريفان على ظاهرهما بطلا عكسًا وطردًا بمثل اكفف، وإن حملا على أن الإضافة معتبرة فيهما بناء على أن قيد الحيثية لا بد منه فى تعريف الأمور التى تختلف باختلاف الإضافات، وكثيرًا ما يحذف من اللفظ لظهوره حتى يكون المراد أن الوجوب طلب يعتبر من حيث تعلقه بفعل، والحرمة طلب يعتبر من حيث تعلقه بالكف عن فعل، فيكون اكفف عن فعل كذا من حيث تعلقه بالكف إيجابًا وبالفعل المكفوف عنه تحريمًا لم يكن قوله غير كف محتاجًا إليه فى تمام حدّ الوجوب، ويكفى طلب فعل ينتهض تركه سببًا اللهم إلا أن يقصد زيادة الوضوح والتنبيه.
[ ٢ / ١٢٥ ]
قوله: (وسيأتى) يعنى فى مسألة: لا تكليف إلا بفعل.
قوله: (وههنا نكتة) وهى أن الحكم الشرعى كما علمت نفس خطاب اللَّه تعالى الموصوف بما ذكر فالإيجاب مثلًا هو نفس معنى قوله: افعل وهو قائم بذاته سبحانه وليس للفعل من الإيجاب المتعلق به صفة حقيقية قائمة به تسمى وجوبًا فإن القول لفظيًا كان أو نفسيًا ليس لمتعلقه منه صفة حقيقية أى لا يحصل لما يتعلق به القول بسبب تعلقه به صفة موجودة لأن القول يتعلق بالمعدوم كما يتعلق بالموجود فلو اقتضى تعلقه تلك الصفة لكان المعدوم متصفًا بصفة حقيقية وهو أى معنى قوله: افعل إذا نسب إلى الحاكم تعالى لقيامه به سمى إيجابًا وإذا نسب إلى ما فيه الحكم وهو الفعل لتعلقه به سمى وجوبًا وهما أى الإيجاب والوجوب متحدان بالذات لأنهما ذلك المعنى القائم بذاته تعالى المتعلق بالفعل مختلفان بالاعتبار لأنه باعتبار القيام إيجاب وباعتبار التعلق وجوب، وكذا الحال فى التحريم والحرمة فلذلك أى فللاتحاد ذاتًا ترى الأصوليين يجعلون أقسام الحكم الوجوب والحرمة مرة والإيجاب والتحريم أخرى وتارة الوجوب والتحريم كما فعله المصنف تنبيهًا على هذه النكتة فإن قيل: الوجوب مترتب على الإيجاب يقال: أوجب الفعل فوجب وذلك ينافى الاتحاد أجيب بجواز ترتب الشئ باعتبار على نفسه باعتبار آخر إذ مرجعه إلى ترتب أحد الاعتبارين على الآخر وبهذا يجاب أيضًا عما قيل: إن الإيجاب من مقولة الفعل والوجوب من مقولة الانفعال ودعوى امتناع صدق المقولات على شئ باعتبارات مختلفة محل مناقشة نعم يتجه أن يقال: ما ذكرتم إنما يدل على أن الفعل من حيث تعلق به القول لم يتصف بصفة حقيقية تسمى وجوبًا لكن لِمَ لا يجوز أن يكون صفة اعتبارية هى المسماة بالوجوب أعنى كونه بحيث تعلق به الإيجاب بل هذا هو الظاهر ليكون كل من الموجب والواجب متصفًا بما هو قائم به ولا شك أن القائم بالفعل ما ذكرناه لا نفس القول وإن كان هناك نسبة قيام باعتبار التعلق ولو ثبت أن الوجوب صفة حقيقية لتم المراد إذ ليس هناك صفة حقيقية سوى ما ذكر إلا أن الكلام فى ذلك.
واعلم أن هذه المنازعة لفظية إذ لا شك فى خطاب نفسانى قائم بذاته تعالى متعلق بالفعل يسمى إيجابًا مثلًا، وفى أن الفعل بحيث يتعلق به ذلك الخطاب
[ ٢ / ١٢٦ ]
الإيجابى فلفظ الوجوب إن أطلق على ذلك الخطاب من حيث تعلق بالفعل كان الأمر على ما قرر فى الشرح ولا بد من المساهلة فى وصف الفعل حينئذ بالوجوب وإن أطلق على كون الفعل تعلق به ذلك الخطاب لم يتحدا بالذات ويلزم المسامحة فى عبارتهم حيث أطلقوا أحدهما على الآخر.
قوله: (إن ما ذكرنا بناء) يريد أن ما ذكرناه من تعريف الأقسام الأربعة: الوجوب والندب والحرمة والكراهة مبنى على أن الطلب دائمًا لفعل كما أشير إليه فى صدر التقسيم وسيأتى تفصيله فالمطلوب بالنهى هو الكف وفى غير النهى غير الكف، وأما من يرى أن الترك المطلوب بالنهى هو نفى الفعل وعدمه لكونه مقدورًا عنده بأن لا يفعل الفعل لا أن يفعل عدمه فهو يطرح حينئذ من تعريف الوجوب والندب، قوله: غير كف لأنه كان لإخراج التحريم والكراهة وكذا لفظ الكف عن تعريفهما لأن المطلوب بهما حينئذ هو نفى الفعل.
قوله: (فنبه عليه) أى على عدم انتهاض الترك سببًا للعقاب إلا إذا كان فى جميع الوقت بقوله: فى جميع الوقت لئلا يتوهم أن الواجب الموسع قد يحرك فى بعض أجزاء الوقت ولا عقاب على تركه بل لا استحقاق أيضًا فلا يكون تركه سببًا للعقاب فيخرج عن التعريف.
قوله: (على أنه) بيان لكون القيد المذكور غير محتاج إليه إذ لا يخل عدم ذكره بالتعريف لأن المعتبر فيه حينئذ هو انتهاض ترك الفعل سببًا فى الجملة للعقاب وهو أعم من انتهاضه سببًا له دائمًا وعلى جميع التقادير ومن انتهاضه سببًا له على بعض الوجوه فالواجب الموسع بل وجوبه داخل فى التعريف بدون ذلك القيد نعم فيه تنبيه على زيادة تفصيل وفائدة.
قوله: (علم أنه يفهم) اعتبر العلم ولم يقل ما من شأنه أن يفهم لفائدتين، إحداهما أن العبارة الثانية يتبادر منها كون الإفهام بالقوة فيخرج عنه الخطاب المفهم بالفعل، وثانيتهما أن المعتبر فيه العلم بكونه مفهمًا فى الجملة فما لا يفهم فى الحال ولم يعلم إفهامه فى المآل لا يكون خطابًا بل إن كان مما يخاطب به يكون لغوًا بحسب الظاهر على التقدير وليس المراد من صيغة "يفهم" معنى الحال أو الاستقبال بل مطلق الاتصاف بالإفهام الشامل لحال الكلام وما بعده وكذلك لم يرد بصيغة "أفهم" فى التعريف الآخر معنى المضى بل الإفهام الواقع بالفعل أعم من
[ ٢ / ١٢٧ ]
الماضى والحال.
قوله: (ما معنى سببية الفعل للعقاب) لم يتعرض لسببية الفعل للثواب لأنها تعرف بالمقايسة فيقال: معنى كونه سببًا للثواب أنه لو أثيب به وقيل إنما أثيب لكذا للاءم العاقل أى وافقه كما فى قولك: أحسن فلان إلى محسنه ولم يتنفر عنه كما فى قولك: أساء إليه ولم يستقبح فى مجارى العادات والحاصل أن الأفعال ليست أسبابًا موجبة للثواب والعقاب واستحقاقهما عند الأشاعرة إنما هى أمارات معرفة لهما ملائمة فى ذلك وفى ترتبهما عليها للعقول فى مجارى العادات.
قوله: (واعلم بعد هذا كله) إشارة إلى أن المصنف وإن بالغ فى المحافظة على هذه التعريفات كما عرفت لكنها لم تخل عن خلل فإن وجوب الكف المستفاد من قوله: كف يخرج عن حد الوجوب فيبطل عكسه ويدخل فى حد التحريم فيبطل طرده وكذا ينتقض حد الندب والكراهة عكسًا وطردًا بالندب المستفاد من كف إذا استعمل فيه ولا كان الحال فى كف ملتبسًا لاحتماله الإيجاب والتحريم حقيقة فإن كف إيجاب بالنظر إلى الكف وتحريم للفعل الذى نسب إليه الكف فهما ههنا متحدان بالذات مختلفان بالاعتبار فلا بد فى التمييز بينهما من اعتبار الإضافة فيهما بأن يقال: الطلب إما أن يعتبر من حيث يتعلق بفعل ثم يقسم إلى الوجوب والندب أو يعتبر من حيث يتعلق بالكف عنه ثم يقسم إلى التحريم والكراهة وعلى هذا فقد امتازت الأقسام بعضها عن بعض ولو حمل كلام المصنف على اعتبار الإضافة لزم أن يكون قوله: غير كف فى حدى الوجوب والندب مستدركًا ومنهم من اعترض على حد الوجوب بأنه يلزم منه أن لا يكون الصوم واجبًا لأن "صوموا" طلب لفعل هو كف وأجاب بأنه يمكن أن يمنع كونه كفًا لأن جزأه أعنى النية غير كف.
قوله: (على طريق الكناية مبالغة) من باب مثلك لا يبخل.
قوله: (إذ ليس هناك صفة حقيقية سوى ما ذكر) أى سوى معنى قوله: افعل والوجوب على تقدير ثبوت كونه صفة حقيقية نفس الإيجاب إلا أن الكلام فى ذلك أى فى أن الوجوب هل هو صفة حقيقية أو اعتبارية.
قوله: (كون الإفهام بالقوّة) أى القوّة التى تقابل الفعل فإن ما من شأنه قد يكون بمعنى القوّة وقد يكون أعم من الفعل والقوّة.
[ ٢ / ١٢٨ ]
قوله: (بل إن كان مما يخاطب به) أى إن كان الكلام من جنس اللفظ والعبارة لأن الكلام النفسى يكون لغوًا بحسب الظاهر أى باعتبار الظاهر الذى هو عدم فائدته والاستغناء عنه على ذلك التقدير أى على تقدير عدم الإفهام فى الحال وعدم العلم بالإفهام فى الحال.
قوله: (أعم من الماضى والحال) فإن قيل: فيلزم أن يكون الكلام خطابًا فى الأزل لأنه يصدق عليه فى الأزل أنه يفهم فى وقت مّا قلنا: الإفهام الواقع فى التعريف غير مقيد بزمان من الأزمنة وتسمية الكلام بالخطاب تابع لتحقق الإفهام فإن كان الإفهام فى الماضى يكون الكلام خطابًا فى الماضى وإن كان فى زمان آخر يكون الكلام خطابًا فى ذلك الزمان.
قوله: (كما فى قولك أحسن فلان إلى محسنه) أى كالملاءمة الواقعة فى قولك: أحسن فلان إلى محسنه، وقوله: لم يتنفر عنه عطف على قوله: ملائم كما فى قولك: أساء إليه أى تنفرًا مسل التنفر الواقع فى قولك أساء إليه وقوله: لم يستقبح عطف على قوله: لم يتنفر عنه.
الشارح: (واعلم بعد هذا كله أنه يرد عليه وجوب الكف فى قولك كف نفسك) هذا الإيراد مدفوع بأن الكف فى نحو كف نفسك مقصود لذاته وإن ذكر معه المتعلق نحو عن الزنا بخلاف الكف فى نحو لا تفعل فإنه ليس مقصودًا لذاته بل المقصود المتعلق والكف حال من أحواله لأنه مدلول للحرف فقولهم فى تعريف الإيجاب: طلب فعل غير كف أى غير كف ملحوظ لغيره بأن كان فعلًا غير كف رأسًا وفعلًا هو كف ملحوظ لذاته وقولهم فى تعريف التحريم: طلب فعل هو كف أى كف ملحوظ لتعرف حال المتعلق.
التفتازانى: (إلا أنه اقتصر على المقصود مع زيادة الوضوح) وذلك أن المقصود من فعل هو كف نفس الكف فلذا قال: وإن كان طلبًا للكف عن فعل وإنما لى يقل ينتهض تركه لأن ترك الكف عن الفعل هو الفعل والتعبير به واضح عن التعبير بترك الكف وقوله: وأقام ذلك الفعل مقام فعله فى عبارة المتن أى أن مقتضى المتن أن يقول فعله لأن ذلك عبارته لكنه أقام الشارح قوله ذلك مقام قول المصنف: فعله لئلا يتوهم. . . إلخ.
التفتازانى: (وليس لمتعلق القول. . . إلخ) جواب عما يقال: نجعل قوله افعل
[ ٢ / ١٢٩ ]
إيجابًا ونجعل الوجوب إنزاله، ولا نجعل قوله: افعل وجوبًا فلا ينافى أن الوجوب صفة للفعل وكذا أخواته فيكون الحكم هو أثر الخطاب لا الخطاب وقوله: ثبوتية أى سواء كانت موجودة أو لا فكلام الإِمام أعم من كلام الشارح لأن الشارح نفى الحقيقة فقط.
التفتازانى: (على ما يناسب معناه المصدرى) هو التكلم بالكلام النفسى وهو كان قديم الكلام.
التفتازانى: (والدليل هو القول اللفظى) أى سواء كان كتابًا أو سنة أو إجماعًا أو قياسًا فهى كاشفة وإن كان لا يقال فى القرآن كاشف سدًا لطريق التحريف والنفى إذ يقال: إنه ليس بكلامه بل هو كاشف عنه فيتطرق إلى ما لا يليق فلذا قيل: إن القرآن مثبت ولم يقل كاشف عن كلامه النفسى.
التفتازانى: (وهذا معنى قوله على أنه. . . إلخ) هو محط بيان أن التقييد بجميع الوقت مجرد فائدة.
التفتازانى: (فلا يخفى أن لفظ فستعلم أنه زائد لا معنى له) أى لأن الفائدة التى نبه المصنف عليها هى مجرد أن الواجب الموسع إذا كان وقته موسعًا فلا ينتهض تركه سببًا للعقاب إلا إذا تركه فى جميع الوقت لا أنه سيعلم ذلك ويمكن أن يقال لعله زاد قوله فستعلم للإشارة إلى أن ذلك ليس مجرد دعوى بل أمر مدلل عليه معلوم كما سيأتى فتدبر.
التفتازانى: (فبطل طرد تعريف التحريم) فيه سقط والاصل: فبطل عكس تعريف الإيجاب ويصدق أنه طلب فعل هو كف فقد وجد حد التحريم ولم يوجد التحريم فبطل طرد تعريف التحريم.
التفتازانى: (وقد أورد هذا الاعتراض) أى الذى ذكره الشارح بقوله: واعلم بعد هذا كله إلخ.
التفتازانى: (الفعل الذى هو مأخذ صيغة الطلب والكف عن ذلك الفعل) فكف عن الزنا مثلًا أمر لأنه طلب فعل غير كف عن الفعل الذى هو مأخذ الصيغة بخلاف لا تزن فإنه طلب فعل هو كف عن الفعل الذى هو مأخذ الصيغة فإنه طلب الكف عن الزنا وهو مأخذ الصيغة.
التفتازانى: (وأما فى النفسى فيعتبر باللفظى) أى أن اللفظى هو داله فيقال فيه طلب فعل هو أخذ لصيغة الطلب فى داله الذى هو الأمر اللفظى وليس ذلك
[ ٢ / ١٣٠ ]
الفعل كفًا عن فعل هو مأخذ الصيغة لذلك الدال.
قوله: (وبهذا يجاب أيضًا عما قيل: إن الإيجاب من مقولة الفعل. . . إلخ) فيقال فى جوابه: لا بأس يكون الشئ من مقولة باعتبار ومن مقولة أخرى باعتبار آخر فقول: افعل باعتبار نسبته إلى الحاكم من مقولة الفعل وباعتبار نسبته إلى الفعل وتعلقه به من مقولة الانفعال.
قوله: (ودعوى امتناع صدق المقولات. . . إلخ) لم يرد المحشى بمقولة الفعل والانفعال المقولة الحقيقية لأن صفات البارى لا يصدق عليها المقولة بمعنى الجنس العالى من الأعراض كما لا يصدق عليها مقولة الجوهر بل أراد المقولة الاعتبارية التى يعتبرها العقل وإن لم تكن أجناسًا هى أعراض ومعنى قوله: وامتناع صدق المقولات على شئ باعتبارات مختلفة محل مناقشة لأنه ليس هنا تصادق مقولات حقيقية وتصادق المقولات الاعتبارية باعتبارات مختلفة ليس بممتنع.
قوله: (سوى ما ذكر) أى سوى قوله افعل.
قوله: (إلا أن الكلام فى ذلك) أى فى أن الوجوب هل هو صفة حقيقية أو اعتبارية.
قوله: (كون الإفهام بالقوة) أى القوة التى تقابل الفعل لأن ما من شأنه أن يكون قد يكون بمعنى القوة التى تقابل الفعل وقد يكون أعم فيشمل ما بالفعل.
قوله: (وثانيتهما أن المعتبر فيه العلم. . . إلخ) قال فى شرح مسلم الثبوت: إن اكتفى فى الخطاب بالصلوح للإفادة فالكلام فى الأزل خطاب وإن أريد الإفهام الحالي فلا وأما أخذ العلم بإفهامه فى الجملة كما قال السيد فغير ظاهر ولا يفهم من لفظ الخطاب وما يأتى فى الحاشية من أن المعتبر فى كون الكلام خطابًا أحد أمرين الإفهام بالفعل أو العلم فى الحال بالإفهام فى المآل وأما الفهم بالقوة مع عدم العلم فى الحال بكونه مفهمًا فى المآل فليس إلا خطابًا بالقوة عند الفريقين فادعاء محض بل الكلام الذى هيئ للإفهام خطاب عند من يكتفى بالصلوح للإفهام فى المآل علم أنه يفهم مآلًا أم لا، نعم يشترط للعلم بأنه خطاب علم كونه مفهمًا فظهور الخطابية إنما هو بالعلم وأما نفس الخطابية فالتهيؤ ولتوجه للإفهام ولو مآلًا فتأمل. اهـ.
قوله: (ولم يتنفر عنه) عطف على قوله وافقه، وقوله: كما فى قولك أساء إليه راجع للمنفى وهو يتنفر عنه، وقوله: ولم يستقبح عطف على قوله: لا أم العقل، وقوله ملائمة فى ذلك أى فى كونها معرفة.
[ ٢ / ١٣١ ]
قال: (الوجوب الثبوت والسقوط، وفى الاصطلاح ما تقدم، والواجب الفعل المتعلق للوجوب كما تقدم، وما يعاقب تاركه مردود لجواز العفو وما أوعد بالعقاب على تركه مردود بصدق إيعاد اللَّه تعالى وما يخاف مردود بما يشك فيه القاضى ما يذم تاركه شرعًا بوجه ما وقال بوجه ما ليدخل الواجب الموسع والكفاية حافظ على عكسه فأخل بطرده إذ يرد الناسى والنائم والمسافر فإن قال يسقط الوجوب بذلك قلنا ويسقط بفعل البعض والفرض والواجب مترادفان، الحنفية: الفرض المقطوع به والواجب المظنون).
الأول: الوجوب فى اللغة الثبوت قال ﵊: "إذا وجب المريض فلا تبكين باكية" (*)، وأيضًا السقوط يقال: وجبت الشمس ومنه ﴿وَجَبَتْ جُنُوبُهَا﴾ [الحج: ٣٦] وجبت جنوبها وفى الاصطلاح ما تقدم: وهو خطاب بطلب فعل غير كف ينتهض تركه فى جميع وقته سببًا للعقاب والواجب هو الفعل المتعلق للوجوب فهو فعل غير كف تعلق به خطاب بطلب بحيث ينتهض تركه فى جميع وقته سببًا للعقاب ومنه يعلم حد الأقسام الأخر وحد متعلقاتها. وقيل: الواجب ما يعاقب تاركه وهو مردود لجواز العفو فيخرج عنه الواجب العفو عن تركه، وقيل: ما أوعد بالعقاب على تركه ليندفع ذلك وهو غير مندفع، لأن إيعاد اللَّه تعالى صدق فيستلزم العقاب على تركه ويعود ما قلنا وقيل: ما يخاف العقاب على تركه وهو مردود بما يشك فى وجوبه ولا يكون واجبًا فى نفسه فإنه يخاف العقاب على تركه فيبطل طرده وقال القاضى أبو بكر: ما يذم شرعًا تاركه بوجه ما والمراد بالذم شرعًا نص الشارع به أو بدليله، وذلك أنه لا وجوب إلا بالشرع وقال: بوجه ما ليدخل من الواجبات ما لا يذم تاركه كيفما تركه بل يذم تاركه بوجه دون وجه وهو الموسع فإنه يذم تاركه إذا تركه فى جميع وقته ولو تركه فى بعض الوقت وفعله فى بعض لا يذم وكذا فرض الكفاية فإنه يذم تاركه إذا لم يقم به غيره فى ظنه وكذا الخير إذا قلنا كل واحد واجب فإنه يذم تاركه إذا ترك معه الآخر وأما إذا قلنا هو
_________________
(١) (*) أخرجه ابن حبان (٧/ ٤٦١) (ح ٣١٨٩)، والحاكم فى المستدرك (١/ ٥٠٣) (ح ١٣٠٠) وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه، والبيهقى فى الكبرى (٤/ ٦٩) (ح ٦٩٤٥)، والشافعى فى مسنده (١/ ٣٦٢)، وأبو داود (٣/ ١٨٨) (ح ٣١١١)، والنسائى (٤/ ١٣) (ح ١٨٤٦)، والإمام مالك فى الموطأ (١/ ٢٣٣) (ح ٥٥٤)، والطحاوى فى شرح معانى الآثار (٤/ ٢٩١)، والطبرانى فى الكبير (٢/ ١٩١) (ح ١٧٧٩).
[ ٢ / ١٣٢ ]
أحدهما مبهمًا كما يراه المصنف فيذم تاركه بأى وجه فرض فلذلك لم يذكره كغيره وبهذا القيد حافظ على عكسه فلم يخرج من الحدّ ما هو من المحدود أعنى الموسع والكفاية لكنه أحل بطرده فدخل فيه ما ليس من المحدود وهو صلاة النائم والناسى والمسافر فإنه يذم تاركه بتقدير انتفاء العذر فإن قال القاضى: لا نسلم أن هذه غير واجبة بل واجبة وسقط الوجوب فيها بالعذر قلنا: وكذلك فى الكفاية يقال: يذم بتركه شرعًا، أى يجب الذم لكنه يسقط وجوب الذم بفعل البعض الآخر، وإذا اعتددت بالوجوب الساقط فى الفعل فلِمَ لا تعتد بالوجوب الساقط فى الذم فلا يكون إلى قوله بوجه ما حاجة وكذلك الموسع. وللقاضى أن يقول: ترك أحدنا الكفاية متردد بين أن يترك غيره فيذم وأن لا يترك فلا يذم وهذا الترك بحاله لم يتغير وقد تغير خارجى بخلاف ترك النائم فإن عدم النوم تقديرى ولا يبقى حينئذ هذا الترك بحاله والمتغايران إذا أريد أحدهما لم يرد الآخر نقضًا عليه إذا عرفت معنى الواجب فمن أسمائه الفرض وهما مترادفان عند الجمهور وقالت الحنفية يفترقان بالظن والقطع فما ذكره إن كان ثبت بقطعى ففرض كقراءة القرآن فى الصلاة الثابتة بقوله: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ [المزمل: ٢٠] وإن ثبت بظنى فهو الواجب نحو تعيين الفاتحة الثابت بقوله: "لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب" وهو آحاد ونفى الفضيلة محتمل ظاهر والنزاع لفظى.
قوله: (والواجب الفعل) إشارة إلى أن ما وقع فى عبارة البعض من أن الواجب والمندوب ونحوهما أقسام للحكم ليس على ظاهره.
قوله: (خطاب بطلب فعل) قد تقدم أن الوجوب طلب فعل وأن الطلب نفس الخطاب وكأنه أراد أنه خطاب بطريق أن يكون طلبًا لفعل.
قوله: (فيستلزم العقاب) قد ذهب بعض المتكلمين إلى أن الخلف فى الوعيد جائز دون الوعد.
قوله: (بما يشك فيه) يحتمل أن يريد الواجب الذى يشك بل يظن أو يعتقد أنه غير واجب؛ فلا يخاف تاركه العقاب فيصدق المحدود بدون الحدّ فيبطل انعكاسه، وأن يريد غير الواجب الذى يشك أو يظن أو يعتقد أنه واجب فيخلف تاركه العقاب فيوجد الحدّ بدون المحدود فيبطل اطراده؛ إلا أن المصنف لما اقتصر على ذكر الشك الذى هو أدنى ليعلم الحكم فى الظن والاعتقاد بطريق الأولى ذهب
[ ٢ / ١٣٣ ]
الشارح المحقق إلى الثانى لأن مجرد احتمال الوجوب كاف فى الخوف فكيف يحكم فى الواجب المشكوك وجوبه بعدم الخوف؟ وبطلان الانعكاس.
قوله: (والمراد بالذم) إشارة إلى دفع ما ذكره فى المنتهى من أنه إن أريد بذم الشارع نصه عليه فلا يوجد فى الجميع إذ لا نص فى كل واجب وإن أريد نص أهل الشرع فدور لأنه موقوف على تحقق الوجوب؛ فلو تحقق الوجوب عنه لدار، ثم قال: والرسم وإن صح بتابع الماهيات فلا يصح بما لا يتحقق إلا بعد تحققها، واعترض العلامة بأن الوقوف على الوجوب هو تحقق الذم لا تصوره وبأن توابع الماهيات كلها مما لا يتحقق إلا بعد تحققها، والجواب أن المراد تابع الماهية قد يتأخر عنها بالزمان كذم أهل الشرع بالنسبة إلى الواجب ومثله لا يصلح للتعريف لعدم اللزوم وإن الغرض كان تعريف الواجب أن يعرف أن أى فعل واجب فيذم تاركه فإذا عرف بذم أهل الشرع وهم لا يذمون ما لم يعرفوا الوجوب، ولا يعرف الوجوب ما لم يعرف الذم؛ فيكون دورًا كما ذكره المصنف فى تعريف المعرب بما يختلف آخره باختلاف العوامل، نعم لو قصد مجرد التمييز بالنسبة إلى غير من يذم لكان وجهًا.
قوله: (فلذلك لم يذكره) يعنى لما كان رأى المصنف أن الواجب فى المخير هو أحد الأمرين مبهمًا لم يتصوّر تركه إلا بترك الجميع وحينئذ يلحقه الذم قطعًا؛ فلذلك لم يذكر المصنف الواجب المخير فى جملة ما يتوقف دخوله فى الحدّ على التقييد بقوله: بوجه بها كغيره أى كما ذكره غير المصنف، أو كما ذكره المصنف غير الواجب الخير وهو الواجب الوسع والكفاية، ولا يخفى ورود مثل هذا على الواجب الموسع فإن من لم يأت فى أوّل الوقت لم يكن تاركًا للواجب إلا على رأى من يجعل وقته أوّل الوقت؛ فظهر أن الاحتياج فى دخول الواجبات الثلاث إلى التقييد بقوله: بوجه ما إنما هو على تقدير أن الوسع واجب فى أوّل الوقت، والكفاية فرض على الكل، وفى المخير كل واحد واجب، أما إذا جعلنا الموسع واجبًا فى جزء ما من الوقت والكفاية واجبة على البعض وفى المخير الواجب واحدًا مبهمًا لم نحتج إلى هذا التقييد، وكان على المصنف أن لا يذكر الموسع أيضًا لا يقال: المقصود تقرير كلام القاضى ومذهبه فى الموسع أنه يجب فى أوّل الوقت الفعل أو العزم فتارك الفعل لا يذم مطلقًا بل إذا ترك العزم أيضًا لأنا نقول فحينئذ لا يكون تاركًا للواجب ما لم يتركهما جميعًا كما فى الواجب المخير بعينه.
[ ٢ / ١٣٤ ]
قوله: (إذ يرد الناسى والنائم والمسافر) الظاهر أن المراد صلاة الناسى والنائم وصوم المسافر على ما فى بعض الشروح لا صلاة المسافر الفاقد الطهورين على ما ذكره العلامة لأنه لا جهة لذكر السفر حينئذ ووجه الورود أنه يصدق على كل منهما أنه يذم تاركه على تقدير عدم القضاء بعد التذكر والتنبه والإقامة، ولا يخفى أن المراد أنه يذم تاركه على تقدير ترك الفرض معه وفى الصور المذكورة ليس الذم على تركه الصلاة حال النسيان والنوم والصوم والصلاة حال السفر بل على ترك القضاء، ولذا ذهب الشارح المحقق إلى أن المراد صلاة النائم والناسى والمسافر يعنى الركعتين فى القصر فإنها ليست بواجبة عليهم مع أنهم يذمون على تركها لو لم يكن بهم النوم والنسيان والسفر وهذا معنى تقدير انتفاء العذر فليتأمل، وبهذا التحقيق يتمكن من دفع الاعتراض عن القاضى على ما سيجئ.
قوله: (فإن قال القاضى) قد اضطرب فى تقرير هذا السؤال، والجواب كلام الشارحين طرأ لاختلال كلام المصنف؛ لأن الواجب الذى سقط وجوبه؛ إما أن يكون المقصود إدراجه فى الحدّ أو إخراجه؛ فإن قصد إدراجه لم يستقم الجواب، وإن قصد إخراجه لم يستقم السؤال؛ أما الأول فلأن مثل الكفاية والموسع إذا كان من قبيل الواجب، وإن سقط وجوبه كان التقييد بقوله: بوجه ما مقيدًا لا مستدركًا، وأما الثانى فلأن مثل صلاة النائم إذا لم يكن من قبيل الواجب لسقوط وجوبه كان قوله: فإن قال: يسقط الوجوب بذلك تقريرًا لما أورد من اختلال طرد التعريف لصدقه على ما ليس بواجب كصلاة النائم؛ لا دفعًا له فمبنى السؤال على أن ما سقط وجوبه واجب، ومبنى الجواب على أنه ليس بواجب والشارح العلامة قد اعترف بورود هذا الإشكال وقال بعضهم: أخل بطرده لأن الناسى والنائم والمسافر يجب عليهم القوم بالنص ولا نذمهم على تركه بوجه ما فإن قال القاضى: الوجوب يسقط بالعذر فلا يذمون لعدم الوجوب عليهم، قلنا: فالواجب على الكفاية يسقط بفعل البعض، وأنت خبير بأن ما ذكر إخلال بالعكس لا بالطرد، وبعضهم لم يتحاش فقرر السؤال بأنا لا نسلم أن صلاة النائم ليست بواجبة سقط وجوبها، والجواب بأنه يلزم حينئذ أحد الأمرين؛ لأنها إن كانت واجبة لزم الإخلال بالطرد؛ وإن لم تكن واجبة لزم استدراك بوجه ما؛ لأن الغرض منه دخول الكفاية والموسع، ولا نسلم أنهما واجبان لسقوط وجوبهما بفعل بعض المكلفين وبعض أجزاء الزمان، وبعضهم قرر الجواب بأنكم إذا جوزتم
[ ٢ / ١٣٥ ]
سقوط وجوب مثل صلاة النائم بسبب فلا حاجة إلى زيادة قيد: بوجه ما لأنه حينئذ يقال: إن الواجب على الكفاية إنما لا يذم تاركه؛ لأن الوجوب سقط بفعل البعض، وكذا فى الموسع ولا يخفى أن هذه مجمجة فى الكلام؛ لأن ما سقط وجوبه إما واجب يجب إدراجه، أو غير واجب يجب إخراجه، ويعود المحذور، ولما كان من دأب الشارح المحقق الفحص عن الدقائق، والتقصى عن المضايق أعمل الحيلة فى توجيه المقام، وأظهر الزينة لتمويه الكلام، وجعل ضمير "يسقط" لوجوب الذم على معنى أن تارك الكفاية يستوجب الذم، وكذا تارك الموسع فى أول الوقت؛ لكن يسقط وجوب ذمهما فى الكفاية بفعل البعض الآخر من المكلفين، وفى الموسع بفعله فى البعض الآخر من أجزاء الوقت، وكما لا يخرج مثل صلاة النائم بسقوط الوجوب عن كونه واجبًا لا يخرج تارك مثل الكفاية بسقوط وجوب ذمه عن كونه مستوجبًا للذم فيدخل فى الحدّ وإن لم يقيد بقوله: بوجه ما هذا والكلام فى أن ذمه على من يجب وبماذا يجب.
قوله: (وللقاضى) قد سبق أن وجه ورود صلاة النائم والناسى والمسافر على طرد حد القاضى، وهو أن تاركها يستحق الذم على تقدير عدم النوم والنسيان والسفر؛ لا على تقدير ترك القضاء بعد زوال العذر، لما أن هذا لا يكون ذمًا لتارك الصلاة فى تلك الأحوال؛ بل لتارك القضاء، فعلى هذا يتوجه للقاضى أن يقول: المراد بالترك هو الترك الذى يبقى بحاله عند الوجه الذى يلحق فيه الذم؛ كما فى ترك زيد صلاة الجنازة مثلًا فإنه بحالة من غير تغير سواء تركها عمرو أو لم يترك، وإنما يقع التغيير فى الأمر الخارجى الذى هو ترك عمرو مثلًا فإنه قد يتحقق وقد لا يتحقق؛ بخلاف ترك النائم فإنه على التقدير الذى يلزمه الذم وهو عدم النوم لا يبقى بحاله لأنه لا يكون حينئذ ترك النائم وكذا فى النسيان والسفر فلا يصدق أنه يذم تاركه على تقدير يتحقق معه هذا الترك.
قوله: (والنزاع لفظى) عائد إلى التسمية، فنحن نجعل اللفظين اسمًا لمعنى واحد، تتفاوت أفراده، وهم يخصون كلًا منهما يقسم من ذلك المعنى ويجعلونه اسمًا له، وقد يتوهم أن من جعلهما مترادفين جعل خبر الواحد الظنى؛ بل القياس المبنى عليه فى مرتبة الكتاب القطعى حيث جعل مدلولهما واحدًا وهو غلط ظاهر.
[ ٢ / ١٣٦ ]
قوله: (إذا وجب المريض) أى ثبت واستقر وزال عنه الاضطراب فلا تبكين باكية لأن ذلك علامة اشتغاله بمشاهدة أمر من أمور الآخرة.
قوله: (وهو خطاب لطلب فعل) يناسب ما سبق من تعريف الحكم بالخطاب ولا يخالف ما يفيده نفس التقسيم من أنه الطلب فإن الخطاب النفسى أعم من الطلب وكما يجوز إضافة العام إلى الخاص يجوز اعتبار ملابسته إياه فيصح أنه طلب وأنه خطاب طلب وأنه خطاب يلتبس بطلب وقد وقع فى عبارة المتن بعد قوله: والواجب الفعل المتعلق للوجوب، قوله: كما تقدم وهو إشارة إلى مضى معنى الواجب ههنا كما أن قوله: ما تقدم إشارة إلى معنى الوجوب صريحًا ومنهم من قال: معناه كما تقدم من معنى الوجوب أو كما تقدم كان أن المشتق يدل على ذات متصفة بالمشتق منه وأنت تعلم أن الأول تكرار والثانى بعيد.
قوله: (ومنه يعلم حد الأقسام الأخر وحد متعلقاتها) فيقال مثلًا: الندب خطاب بطلب فعل غير كف بحيث ينتهض فعله خاصة سببًا للثواب وعلى هذا فقس البواقى.
قوله: (وهو مردود لجواز العفو) لا يكفى مجرد الجواز بل لا بد من اعتبار الوقوع فلهذا قال: فيخرج عنه الواجب المعفو عن تركه، فإن قيل: لو أريد بقولهم ما يعاقب تاركه ما يستحق تاركه العقاب بتركه وفسر الاستحقاق بنحو ما فسر السببية به لم يتوجه النقض قلنا: ما ذكرتم تعريف المصنف لكن تفسير الألفاظ فى التعريفات بخلاف ظواهرها بلا قرينة غير ظاهرة غير جائز وقد ذكر فى الأحكام هذا واعترض عليه بانتفاء الاستحقاق عندنا قال وإن أريد به أنه لو عوقب به لكان ذلك ملائمًا لنظر الشارع فلا بأس به.
قوله: (لأن إيعاد اللَّه تعالى صدق) لأن الإيعاد بالعقاب خبر وأخبار اللَّه تعالى صادقة قطعًا فيستلزم العقاب على الترك لذلك وإن كان تركه فى حق غيره تعالى بعد كرمًا وفضيلة.
قوله: (والمراد بالذم شرعًا نص الشارع به) أى بالذم كأن يقول ذموا أو ليذم تارك الفعل الفلانى أو هو مذموم أو نص الشارع بدليل الذم كقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا﴾ [الجن: ٢٣]، إلى غير ذلك من الآيات
[ ٢ / ١٣٧ ]
الدالة على ذم تارك المأمور به ولم يرد بصيغة يذم معنى الحال أو الاستقبال بل ثبوت الذم بالفعل على أحد الوجهين فاندفع ما قيل من أنه إن أريد الذم بالفعل فلا ينعكس الحد لتخلفه عمن لم يشعر بتركه الواجب وإن أريد الشارع يذمه بطل العكس أيضًا لأنه لا يذم تارك الواجب بل ذمه ويندفع ما أورده المصنف فى المنتهى قائلًا: إن أريد بذم الشرع نص الشارع عليه فلا يوجد فى الجميع يعنى أن الشارع ما نص على ذم كل تارك أى واجب كان وإن أريد نص أهل الشرع يلزم الدور يعنى لتوقف ذم أهل الشرع بالترك على وجوب الفعل هذا مع أن الدور ظاهر الاندفاع.
قوله: (وذلك أنه لا وجوب) ذلك إشارة إلى تقييد الذم بالشرع على المعنى المذكور يعنى أن تقييده به لأنه لا وجوب عندنا إلا بالشرع فلا ذم إلا من جهته.
قوله: (وهو الموسع) قيل الموسع داخل فى الحد وإن لم يقيده بهذا القيد فإن الواجب الموسع هو الظهر مثلًا فى جزء من أجزاء الوقت فتركه إنما يتحقق بتركه فى جميع الوقت وتاركه فى بعض الوقت ليس تاركًا للواجب وبالجملة ما ذكره فى المخيرات ههنا فلو اعتبر مذهب من قال: إنه واجب فى أول الوقت مع أنه لا يذم بتركه فيه أو يقال: كل واحدة من الأفراد المتفقة الحقائق الواقعة فى أجزاء الوقت واجب كما قيل فى المخير احتيج فى إدخاله إلى قوله: بوجه ما فظهر أن الاحتياج إليه فى الموسع والمخير إنما هو على المذهب المردود وأما على المختار فلا، بخلاف فرض الكفاية فإنه على العكس.
قوله: (فلذلك) أى فلأن الواجب فى المخير عند المصنف يذم تاركه على تركه بأى وجه فرض لم يذكر الخير ههنا ولم يقل: إن القيد لإدخاله كما ذكره غيره من أصحاب الفن.
قوله: (فإن قال القاضى لا نسلم أن هذه) أى الصلاة على هؤلاء المذكورين غير واجبة بل هى واجبة لكنه سقط الوجوب فيها بالعذر الذى هو النوم والنسيان والسفر فيكون من أفراد الواجب فلا يخل دخولها فى حده بالاطراد.
قوله: (أى يجب الذم) إن أراد وجوب الذم بالقياس إلى المكلفين يفهم منه أن الذم على ترك الواجب بالقياس إليهم ولا شك أن ذلك على تقدير علمهم بتركه وإن أراد بالقياس إلى الشارع فلا وجوب عليه ولا منه ويمكن أن يفسر وجوب
[ ٢ / ١٣٨ ]
الذم بالمعنى اللغوى أعنى الثبوت وإن وإن بعيدًا جدًا، ولو لم يتعرض فى الذم للوجوب وجعل الضمير المستتر فى لفظ يسقط المذكور فى المتن ثانيًا راجعًا إلى الذم لا إلى وجوبه لكان أولى وحينئذ يقال وإذا اعتددت بالوجوب الساقط فى الفعل لأجل العذر حتى جعلته من أفراد الواجب فلا ينقدح تعريفه بدخوله فيه فلِمَ لم يقيد الذم الساقط على ترك فرض الكفاية بإتيان الغير فيصدق عليه حينئذ أنه يذم تاركه ويندرج فى الحد ولا حاجة فى ذلك إلى قوله: بوجه ما وكذا الحال فى الموسع فالقيد مستدرك هذا غاية ما يوجه به كلام المتن وقد وقع فى بعض نسخ الشرح هكذا وكذلك يقال: الوجوب يسقط بفعل البعض فإذا اعتددت بالوجوب الساقط بالعذر فلِمَ لا يعتد بالوجوب الساقط بفعل البعض فلا يكون إلى قوله: بوجه ما حاجة كأن هذه العبارة وقعت فى الأصل أولًا ثم غيرت لأن المراد بالوجوب فى قوله: الوجوب يسقط بفعل البعض إن كان وجوب الذم فالمعنى واحد والعبارة الثانية ظاهرة الدلالة عليه فتكون أسد وأولى وإن كان وجوب الفعل أعنى فرض الكفاية لم يكن هذا اعتراضًا على القاضى بل بقوله: كما لا يخفى.
قوله: (وللقاضى أن يتقول. . . إلخ) إذا ترك واحد فهناك ترك مخصوص وتارك موصوف به فالتارك تارك للواجب بذلك الترك المخصوص والذم إنما يلحقه بسببه فإذا قلنا: الواجب ما يذم تاركه فالمعنى ما يذم تاركه بسبب ذلك الترك الذى هو تارك له به وتارك الكفاية يذم فى الجملة بسبب تركه الذى هو تارك الكفاية بذلك الترك لأن تركه الكفاية ترك واحد لا يتغير فى نفسه بإتيان الغير وعدمه وإذا لم يأت به غيره لحقه الذم بذلك الترك وإن أتى به لم يلحقه فهناك ترك واحد يلحق بسببه الذم على وجه دون وجه فلو لم يقيد الحد بقوله: بوجه ما لتبادر منه العموم إلى الفهم وخرج الكفاية فإذا قيد دخل قطعًا وأما التارك الذى هو النائم فإن تركه فى حال النوم مغاير لتركه حال عدمه ولا يلحق بسبب الترك الأول ذم أصلًا فلا يصدق على صلاته أنه فعل يذم تاركه بسبب ذلك الترك الذى هو تارك له به بل يصدق عليها أنه يذم تاركها بترك آخر وهو الترك الحاصل عند عدم العذر فعلم أن ترك الكفاية وترك النائم أمران متغايران بالوجه المذكور أعنى التغير وعدمه فإذا أريد إدخال أحدهما أعنى غير المتغير فى تعريف بزيادة قيد يناسبه فقط لم يرد الآخر أعنى المغير نقضًا على ذلك التعريف بوساطة ذلك القيد الذى لا يناسبه إذ ما عداه
[ ٢ / ١٣٩ ]
آب عن دخوله فيه وملخصه: أن فرض الكفاية وصلاة النائم خارجان عن الحد بدون ذلك القيد لكن خروج الأول بسبب العموم فى الذم وخروج الثانى بسبب اعتبار لحوق الذم للتارك بالترك الذى هو تارك له به فإذا زيد القيد ارتفع العموم فقط فيدخل الأول دون الثانى لبقاء مخرجه على حاله هكذا حقق المقال.
قوله: (ثبت بقطعى) أى دلالة وسندًا والظنى يقابله فلا قطع فى أحدهما أو فيهما وقوله: "لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب" ظنى فيهما كما أشار إليه قوله: والنزاع لفظى إذ لا خلاف فى أن المعنى المذكور قد ثبت بدليل قطعى من جميع الجهات وقد ثبت بدليل ظنى بحسب ذلك قد تفاوتت مراتبه وأحكامه إن اشترك الكل فى لحوق الذم على ما ذكر إنما النزاع فى إطلاق هاتين اللفظتين على الكل أو بالتقسيط قالت الحنفية: الفرض هو التقدير قال اللَّه تعالى: ﴿فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٧]؛ أى قدرتم والوجوب عبارة عن السقوط فخصصنا اسم الفرض بما علم بدليل قاطع إذ هو الذى عرف أن اللَّه قدره علينا وما علم بدليل ظنى سميناه واجبًا لأنه ساقط علينا لا فرضًا إذ لم يعلم أن اللَّه قدره علينا قال الإِمام فى المحصول: وهذا الفرق ضعيف لأن الفرض هو القدر مطلقًا أعم من أن يكون مقدرًا علمًا أو ظنًا وكذا الواجب هو الساقط أعم من أن يكون ساقطًا علمًا أو ظنًا فالتخصيص تحكم محض.
قوله: (ومنهم من اعترض على حد الوجوب) أى الحدّ المذكور فى المتن وأما الحدّ المذكور فلا ورود لهذا الاعتراض عليه وأنت تعلم أن الأوّل تكرار أى باعتبار استناد المتقدم إلى معنى الوجوب مرتين وإلا فلا يظهر التكرار فيما إذا قيل الواجب الفعل المتعلق للوجوب كما تقدم ومعنى الوجوب أى مثل معنى الوجوب والمماثلة تكون باعتبار أن كل واحد من معنى الواجب ومعنى الوجوب شئ يعتبر تعلقه بالآخر ويندفع ما أورده المصنف أى ثبت التعميم فى نص الشارع بأن يكون ذلك النص به أو بدليله وهذا المقام يوجد فى الجميع.
قوله: (مع أن الدور ظاهر الاندفاع) وذلك لأن العلم بالوجوب على تقدير اعتبار نص أهل الشرع فى التعريف يتوقف على العلم بذم أهل الشرع بالترك والعلم بذم أهل الشرع لا يتوقف على العلم بالوجوب؛ بل نفس ذم أهل الشرع
[ ٢ / ١٤٠ ]
يتوقف على الوجوب وعلى العلم به.
هذا آخر ما ظهر على خاطر الفقير الحقير المدعو بالحسن الهروى والمرجو من اللَّه العلم الحكيم أن يجعله عند السالكين طريق الحق على الإنصاف وليس لهم الأثر من النفس بكمالات يصل إليها قليل من الناس وأن يحفظه من أيدى جماعة يمشون على الأرض مع الاعتساف وليس لهم إلا التوجه إلى تعظيم العمامة وتفخيم البدن بتكثير اللباس اللهم اشغل الظالمين بالظالمين واجعل المسلمين من بينهم سالمين، آمين (^١).
الشارح: (وللقاضى أن يقول ترك أحدنا. . . إلخ) يعنى أن للقاضى أن يقول فى دفع إيراد خلل التعريف بعدم طرده لأنه يرد صلاة الناسى والنائم والمسافر وجهًا غير ما قاله عنه المصنف بقوله: فإن قال يسقط الوجوب بذلك وهو أن المراد بالترك فى تعريف الواجب الترك الذى يبقى بحاله عند الوجه الذى يلحق فيه الذم وإنما يقع التغير من خارج عنه فتخرج صلاة الناسى وما معه من تعريف الواجب ويكون قيد: بوجه ما لا بد منه لإدخال فرض الكفاية والموسع كما قال وحينئذ لا يرد عليه شئ.
التفتازانى: (أنه خطاب بطريق) أى فالباء للملابسة والملابسة هى ملابسة العام للخاص.
التفتازانى: (قد ذهب بعض المتكلمين. . . إلخ) وعليه فالإيعاد لا يستلزم العقاب فلا يخرج الواجب المعفو عنه، وقد يقال أيضًا: إن الإيعاد مقيد بعدم العفو فلا خلف ولا إيراد بخروج الواجب المعفو عنه لا يقال: إن التقييد عدول عن الظاهر بلا موجب لأنا نقول: الموجب هو ثبوت جواز العفو لأهل الكبائر غير المشركين ثبوتًا جليًا مثل الشمس فى رابعة النهار.
التفتازانى: (لما اقتصر على ذكر الشك. . . إلخ) أى فلو ذكر الظن والاعتقاد لكان يصح أن يقال: إنه اعترض بالواجب الذى لا يخاف من تركه العقاب لظنه أنه غير واجب أو اعتقاده ذلك.
_________________
(١) إلى هنا انتهت القطعة التى عثرنا عليها من تقرير العلامة الشيخ حسن الهروى على حاشية المحقق السيد فليعلم. كتبه مصحح طبعة بولاق.
[ ٢ / ١٤١ ]
التفتازانى: (وبطلان الانعكاس) عطف على قوله فى الواجب أى كيف يحكم ببطلان الانعكاس وكان حقه أن يقول: وببطلان الانعكاس.
التفتازانى: (لا تصوره) أى والموقوف عليه الوجوب تصوره فالجهة منفكة.
التفتازانى: (وبأن توابع الماهيات كلها. . . إلخ) أى فمقتضاه أن لا يصح الرسم بالتابع أصلًا مع أنه ليس كذلك.
التفتازانى: (والجواب أن المراد أن تابع الماهية. . . إلخ) أى فمراد المنتهى بما لا يتحقق إلا بعد تحققها ما يتأخر عن الماهية بالزمان وليس كل تابع كذلك إذ منه ما يلزم الماهية ولا يتحقق بدونه ومنها ما ليس كذلك.
التفتازانى: (وأن الغرض) جواب عن دفع الدور وحاصله أن تعريف الشئ بفائدته وما يترتب عليه دور لأن فائدة الشئ تتوقف على معرفته فلو توقفت معرفته عليها لزم الدور كما ذكره المصنف فى تعريف العرب بما يختلف آخره باختلاف العوامل فإن معرفة اختلاف الآخر باختلاف العوامل فائدة مترتبة على معرفة المعرب فأخذها فى تعريفه دور كتعريف الفاعل بأنه الاسم المرفوع فإن الغرض من تعريف الفاعل أن يعرف ليثبت له الرفع فأخذه فى تعريف الفاعل موجب للدور.
التفتازانى: (نعم لو قصد. . . إلخ) أى فذم التارك ليس فائدة لمعرفة الواجب بالنسبة إلى غير من يذم فالتعريف بالنسبة لغيره فقط.
التفتازانى: (وكان على المصنف أن لا يذكر الموسع أيضًا) أى كما لم يذكر الواجب المخير لأن مذهبه فى الوسع أنه واجب فى جزء ما من الوقت وأما الكفائى فذكره فى محله لأن مذهبه أنه واجب على الكل.
التفتازانى: (إن يرد الناسى والنائم) هذه العباره عبارة المصنف لا عبارة الشارح وعبارة الشارح فدخل فيه ما ليس من الحدود وهو صلاة النائم والناسى والمسافر وكان حق التفتازانى حيث هو الآن فى حل الشارح أن يقول قوله فدخل فيه ما ليس من المحدود. . . إلخ. والمؤدى واحد.
التفتازانى: (لا جهة لذكر السفر حينئذ) أى لأن المدار على فقد الطهورين.
التفتازانى: (يعنى الركعتين فى القصر) أى اللتين سقطتا بالسفر وقوله فإنها أى الصلاة ممن ذكر وقوله: وبهذا التحقيق وهو أن المراد أنه يذم تاركه من حيث إنه
[ ٢ / ١٤٢ ]
تارك له لا من حيثية أخرى كترك القضاء وقوله يتمكن من دفع الاعتراض عن القاضى أى بأن يقال: إن الترك فيما ذكر من صلاة النائم والساهى والمسافر لا يبقى بحاله عند لحوق الذم للتارك إذ هو حينئذ ليس ترك النائم وما معه بخلاف الترك فى فرض الكفاية فإنه بأن بحاله عند لحوق الذم للتارك وإنما التغير فى أمر خارجى وهو ترك الغير فعند حصوله يذم تارك فرض الكفاية وعند عدم حصوله بأن حصل فعل من الغير فلا يذم ذلك التارك أما لو اعتبر أنه يذم تاركه فى حال مطلقًا ولم يعتبر تاركه من حيث إنه تارك له بهذا الترك فلا يتمكن من دفع الاعتراض عن القاضى.
التفتازانى: (لاختلال كلام المصنف) الأولى لخفاء كلام المصنف.
التفتازانى: (لأن الواجب الذى سقط وجوبه) أى كصلاة النائم والساهى إما أن يكون المقصود إدراجه فى الحد أى حتى يكون الاعتراض الذى ذكره المصنف بقوله: فأخل بطرده إذ يرد الناسى والنائم والمسافر مدفوعًا، وقوله: أو إخراجه أى وعليه لا يكون الإيراد مدفوعًا، وقوله: فإن قصد إدراجه فى الحد أى فقوله: فإن قال: يسقط الوجوب بذلك معناه أن صلاة الناسى والنائم والمسافر وإن ساقط وجوبها بالعذر فهى واجبة؛ فيندفع الإيراد بإخلال الطرد بها إذ دخولها هو اللازم وقوله: لم يستقم الجواب أى الذى هو قوله: قلنا: ويسقط بفعل البعض لأن معناه أن الواجب الكفائى يسقط وجوبه بفعل البعض ولا يخرج بذلك عن كونه واجبًا وكذا الموسع لا يخرج عن الوجوب بسقوطه بفعله آخر الوقت وحينئذ يكون القيد الذى هو: بوجه ما محتاجًا إليه فى إدخالهما فى التعريف لا مستدركًا لأنا بنينا على أن الواجب الذى سقط وجوبه فى بعض الأحيان مقصود إدراجه فى التعريف مع أن مقصود الجواب أن القيد مستدرك ولا يتأتى استدراكه إلا إذا كان الجواب مبنيًا على أن الواجب الذى يسقط وجوبه ليس بواجب حتى لا يحتاج إلى إدخاله فى التعريف وقوله فبنى السؤال على أن ما سقط وجوبه واجب، أى لأن الغرض من السؤال دفع إيراد خلل الطرد بما سقط وجوبه لعذر فدفعه بهذا السؤال الذى هو قوله: فإن قيل: يسقط. . . إلخ إنما ينبنى على أن ما سقط وجوبه واجب، وقوله: مبنى الجواب أى الذى هو قوله قلنا: ويسقط بفعل البعض على أنه ليس بواجب حتى يكون القيد مستدركًا ولا حاجة له كما هو مراد المجيب
[ ٢ / ١٤٣ ]
وحيث كان مبنى الجواب غير مبنى السؤال لم يتطابقا؛ فكان الكلام مشكلًا.
التفتازانى: (يجب عليهم الصوم بالنص) كقوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: ١٨٥].
التفتازانى: (فإن قال القاضى. . . إلخ) السؤال والجواب عليه ظاهر لو كان الاعتراض بإخلال العكس لا الطرد.
التفتازانى: (وبعضهم لم يتحاش) أى لأنه قرر الكلام بغير ما يفيده، وقوله: فقرر السؤال. . . إلخ. تقرير السؤال بذلك ظاهر إذ معناه أن صلاة النائم ونحوه واجبة فدخولها فى التعريف غير مخل بطرده.
التفتازانى: (إن كانت واجبة لزم الإخلال بالطرد) ممنوع.
التفتازانى: (وإن لم تكن واجبة) كيف هذا الترديد مع فرض أنها واجبة.
التفتازانى: (بأنكم إذا جوزتم. . . إلخ) على هذا التقرير يكون ما سقط وجوبه لعذر ليس بواجب وعليه يكون قوله: فإن قيل ليس دفعًا للإيراد بخلل التعريف طردًا بل هو مقرر له.
التفتازانى: (مجمجة فى الكلام) أى إبهام وعدم تبيين فيه، فى القاموس: مجمج فى خبره لم يبينه ومجمج بفلان ذهب معه مذهبًا غير مستقيم.
التفتازانى: (وجعل ضمير يسقط. . . إلخ) وعلى ما قاله الشارح صار كل من السؤال والجواب مبنيًا على أن ما سقط وجوبه لعذر واجب، فالسؤال الذى هو قوله: فإن قيل. . . إلخ. دفع لإيراد خلل الطرد، والجواب الذى هو قوله: قلنا: ويسقط بفعل البعض إيراد على هذا الدفع بأنه يلزمه أن يكون قيد على وجه ما، مستدركًا لدخول فرض الكفاية، والموسع بدونه وإن كلًا يذم تاركه وإن سقط الذم إذ سقوطه لا ينافى الاعتداد به كما اعتد بوجوب صلاة الناسى مع سقوط الوجوب.
التفتازانى: (فنحن نجعل اللفظين اسمًا لعنى واحد. . . إلخ) فى العطار على جيع الجوامع بعد ذكر ذلك ما نصه: وفيه تأييد لما ذكره كثير كالسيوطى فى طبقات النحاة من أن السعد التفتازانى شافعى المذهب وكلامه فى حاشية التلويح يؤيد ذلك فإنه كثيرًا ما ينتصر للشافعية وأما السيد فحنفى باتفاق. اهـ.
قوله: (وقد ذكر فى الأحكام هذا) وهو ما استحق تاركه العقاب.
[ ٢ / ١٤٤ ]
قوله: (بانتفاء الاستحقاق عندنا) بنى الاستحقاق على الحسن والقبح العقليين وقد تقدم أننا لا نقول بهما.
قوله: (معنى الحال أو الاستقبال) أى الحال بالنسبة لزمن الترك والاستقبال بالنسبة له فالذم فى الحال أى فى حال الترك والذم فى الاستقبال أى بعد الترك وقوله: على أحد الوجهين ليس المراد بالوجهين الحال والاستقبال بل ما نص الشارع به وما نص على دليله وقوله: عمن لم يشعر بتركه أى كالناسى والنائم بناء على أن تركه ترك للواجب وأنه يذم بوجه ما وهو ما إذا ترك بعد زوال العذر وقوله: لا يذم تارك الواجب أى بعد تركه بل ذمه على تقدير الترك.
قوله: (مع أن الدور ظاهر الاندفاع) أى لأن معرفة الواجب وتمييزه بالنسبة لغير من يذم متوقفة على معرفة أن أهل الشرع بذمون تاركه الموقوفة على معرفة الواجب لأهل الشرع بغير ذم أهل الشرع.
قوله: (كل واحدة من الأفراد المتفقة الحقيقة) أى كل جزء من الوقت الموسع يجب فيه فرد من الصلاة المخصوصة كالظهر بحيث لو حصل فرد سقط عنه الطلب.
قوله: (كما أشار إليه) أى بقوله: وهو آحاد ونفى الفضيلة محتمل ظاهر.
قوله: (أن المعنى المذكور) هو الفعل المتعلق للطلب الذى ينتهض تركه فى جميع الوقت سببًا للعقاب.
[ ٢ / ١٤٥ ]