قال: (مسألتان على التنزل: الأولى: شكر المنعم ليس بواجب عقلًا لأنه لو وجب لوجب لفائدة وإلا كان عبثًا وهو قبيح ولا فائدة للَّه تعالى لتعاليه عنها ولا للعبد فى الدنيا لأنه مشقة ولا حظ للنفس فيه ولا فى الآخرة إذ لا مجال للعقل فى ذلك، قولهم: الفائدة الأمن من احتمال العقاب فى الترك وذلك لازم الخطور مردود بمنع الخطور فى الأكثر ولو سلم فمعارض باحتمال العقاب على الشكر لأنه تصرف فى ملك الغير أو لأنه كالاستهزاء كمن شكر ملكًا على لقمة بل اللقمة بالنسبة إلى الملك أكثر).
أقول: إذا بطل حكم العقل فلا يجب شكر عقلًا ولا يكون قبل الشرع حكم لكن أصحابنا نزلوا عن ذلك الأصل.
وبتقدير تسليم حكم العقل أبطلوا هاتين المسألتين فاقتدى بهم المسألة الأولى شكر المنعم ليس بواجب عقلًا فلا إثم فى تركه على من لم تبلغه دعوة النبوة خلافًا للمعتزلة، لنا لو وجب لوجب لفائدة واللازم باطل، أما الأولى فلأنه لولا الفائدة لكان عبثًا وهو قبيح فلا يجب عقلًا أو كان إيجابه عبثًا وهو قبيح فلا يجوز على اللَّه، وأما الثانية فلأن الفائدة إما للَّه وإما للعبد، والثانى إما فى الدنيا وإما فى الآخرة، والثلاث منتفية، إما للَّه فلتعاليه عن الفائدة وإما للعبد فى الدنيا فلأن منه فعل الواجبات وترك المحرمات العقلية وأنه مشقة وتعب ناجز ولا حظ للنفس فيه وما هو كذلك لا يكون له فائدة دنيوية وأما للعبد فى الآخرة فلأن أمور الآخرة من الغيب الذى لا مجال للعقل فيه والذى ذهب إليه المعتزلة من هذه الأقسام وانفصلوا به عن هذا الإلزام هو أن الفائدة للعبد فى الدنيا وهو الأمن من احتمال العقاب لتركه وذلك الاحتمال لازم الخطور على بال كل عاقل فإنه إذا نشأ ورأى ما عليه من النعم الجسام التى لا تحصى حينًا فحينًا علم أنه لا يمتنع كون المنعم بها قد ألزمه الشكر فلو لم يشكره لعاقبه وقولهم هذا مردود لأنا نمنع لزوم خطوره بل معلوم عدمه فى أكثر الناس ولو سلم فخوف العقاب على الترك معارض بخوف العقاب على الشكر إما لأنه تصرف فى ملك الغير بدون إذن المالك فإن ما يتصرف فيه العبد من نفسه وغيرها ملك للَّه تعالى وإما لأنه كالاستهزاء وما مثله إلا كمثل فقير حضر مائدة ملك عظيم يملك البلاد شرقًا وغربًا ويعم العباد وهبًا ونهبًا فتصدق عليه بلقمة خبز فطفق يذكرها فى المجامع ويشكره عليها بتحريك أنملته
[ ٢ / ٩٥ ]
دائمًا لأجله فإنه يعدّ استهزاءً منه بالملك، فكذا ههنا بل اللقمة بالنسبة إلى الملك وما يملكه أكثر مما أنعم اللَّه به على العبد بالنسبة إلى اللَّه وشكر العبد بفعله أقل قدرًا فى جنبا اللَّه من شكر الفقير للملك بتحريك أصبعه.
قوله: (أبطلوا هاتين المسألتين) فيه تسامح لأن المسألة الأولى على ما ذكر: هى أن شكر المنعم ليس بواجب عقلًا والثانية: هى أن لا حكم لأفعال العقلاء ومعناه لا حكم لها أى فيما لا يقضى العقل فيه بحسن ولا قبح على ما صرح به فى المتن إذ لو أجرى على عمومه لم يكن مسألة على التنزل وقوله فى المتن بل اللقمة بالنسبة إلى الملك أكثر مما يؤكد أمر الاستهزاء وأما ما ذكره الشارح من أن شكر العبد أقل قدرًا من شكر الفقير فلا يؤكده بل ربما يخلّ به؛ لأن مبنى الاستهزاء على قلة النعمة وكثرة الشكر.
قوله: (تنزلوا عن ذلك الأصل) يعنى: بطلان حكم العقل إلى مذهبهم فالتنزل ههنا الانتقال من المذهب الحق الذى هو فى غاية العلو إلى المذهب الباطل الذى هو فى غاية الانخفاض، وكأن الفائدة فى تسليم القاعدة بعد إبطالها وبيان فساد هاتين المسألتين اللتين هما من فروعها المعتبرة إظهار سقوط كلامهم فى فرعهم بناء على أصلهم كسقوط كلامهم فى أصلهم.
قوله: (فلا إثم فى تركه على من لم تبلغه دعوة نبى) إشارة إلى فائدة الخلاف.
قوله: (لولا الفائدة لكان) أى الشكر (عبئًا وهو قبيح فلا يجب عقلًا أو كان إيجابه عبئًا وهو قبيح فلا يجوز على اللَّه سبحانه) يعنى أن ضمير كان فى قوله وإلا لكان عبئًا راجع إلى الشكر أو إيجابه فإن قلت: الوجوب العقلى هو أن يكون الفعل فى ذاته بحيث يستحق فاعله المدح والثواب وتاركه الذم والعقاب فلا يكون مستفادًا من الشرع والإيجاب من اللَّه سبحانه حينئذٍ بمعنى كشف الوجوب لا إثباته كما تحقق فيما سبق فإن حمل قوله: أو كان إيجابه على الكشف لم يكن له معنًى، وإن حمل على الإثبات لم يوافق القاعدة قلت: الظاهر من مذهب المعتزلة أن الوجوب وأخواته صفات ثابتة للأفعال فى ذواتها لا من الشرع بل هو كاشف عنها كما مر، ويمكن أن يحمل على أن للأفعال صفات فى ذواتها تقتضى الإيجاب
[ ٢ / ٩٦ ]
والتحريم وغيرهما من اللَّه سبحانه والعقل قد يطلع على ذلك بالضرورة أو بالنظر قبل الشرع فيثبت الوجوب عقلًا بهذا المعنى فلعله نظر إلى هذين الوجهين فأورد ذينك الوجهين.
قوله: (فلأن منه) أى من الشكر (فعل الواجبات وترك المحرمات العقلية) وذلك لأن الشكر عندهم ليس قول القائل الشكر للَّه أو الحمد للَّه أو ما يماثل ذلك كما يسبق إلى الوهم لأن العقل لا يوجب النطق بلفظ دون آخر، بل هو صرف العبد جميع ما أنعم اللَّه عليه فيما خلق وأعطاه (^١) لأجله؛ كصرفه النظر إلى مصنوعاته والسمع إلى تلقى أوامره وإنذاراته وعلى هذا القياس قيل: وهذا معنى الشكر حيث ورد فى كتابه الكريم ولهذا وصف الشاكرين بالقلة، قال فى الأحكام: شكر اللَّه تعالى عند الخصوم ليس هو معرفة اللَّه سبحانه لأن الشكر فرع المعرفة وإنما هو عبارة عن إتعاب النفس وإلزام المشقة لها بتكليفها تجنب المستقبحات العقلية وفعل المستحسنات العقلية والتفسير الأول أشمل وبما فى الكتاب أنسب.
قوله: (ولا حظ للنفس فيه) أى فى فعل الواجبات وترك المحرمات وما هو كذلك أى ما هو مشقة بلا حظ لا يكون له فائدة دنيوية.
قوله: (لا مجال للعقل فيه) قيل: فيه نظر لأن المعتزلة لما قالوا باستقلال العقل بإدراك حسن بعض الأفعال الموجب للثناء والثواب، فقد قالوا باستقلاله بمعرفة الفائدة الأخروية فكيف يسلمون عدم المجال بالاستقلال؟ نعم، لو لم تسلم القاعدة سقط المنع، وقيل: الجزم بالفائدة الأخروية أعنى حصول الثواب أو دفع العقاب إنما يحصل لو لم يكن للإتيان بالشكر احتمال العقاب وهو ممنوع ولعل الشارح قدس اللَّه سره نظر إلى أن المعتبر من الحسن والقبح استحقاق المدح والذم فقط لا باعتبارهم إياهما بالقياس إلى اللَّه سبحانه لا يتصور فيه استحقاق ثواب وعقاب.
قوله: (وقولهم هذا) أى قولهم بحصول الأمن من احتمال العقاب بناء على كونه لازم الخطور فى أكثر الناس ولا يحصل من تسليم الخطور فى البعض مطلوبهم لإيجابهم الشكر على كل عاقل ولو سلم لزوم الخطور فى الكل فإزالة
_________________
(١) قوله: وأعطاه. كذا فى الأصل ولعل هذه الكلمة من زيادة الناسخ، أو محرفة عن أعضائه فحرر. كتبه مصحح طبعة بولاق.
[ ٢ / ٩٧ ]
خوف العقاب على الترك الحاصل من الاحتيال اللازم الخطور ليست أولى من إزالة خوف العقاب على الشكر الحاصل من الاحتيال اللازم الخطور أيضًا فيكون ترك الشكر واجبًا وباقى الفصل مستغنٍ عن التوضيح.
قوله: (وصف الشاكرين بالقلة) فى قوله تعالى: ﴿وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ [سبأ: ١٣]، فإن الشكور أيضًا شاكر لكن لا دلالة فى صفة الشاكر على المبالغة، بل هى أعم والمبالغة فى الشكر بالمعنى المذكور معقولة باعتبار قوّة الأفراد وضعفها وأيضًا باعتبار كثرة الأفراد وقلتها فإن صرف كل نعمة له مراتب متفاوتة بحسب القوّة والضعف ويجب وقوعه فى الأوقات الكثيرة والقليلة مثلًا صرف النظر إلى دقائق مصنوعات عجيبة مثل الفلكيات وما فى الأبدايات (^١) الإنسانية وصرف القلب إلى الاستدلال بها على الذات والصفات أقوى من الصرف إلى مصنوعات لا تكون كذلك وصرف القلب الكامل إلى الاستدلال أقوى من صرف قلب لا يكون كذلك وصرف الأعضاء إلى ما هى لأجله يحسن يمكن على المحرمات أقوى من صرف من ليس له كذلك وقوله ولهذا وصف الشاكرين بالقلة إشارة إلى أن الشاكرين لا يوصفون بالقلة على تقدير المبالغة وكونه بمعنى فعل ينبئ عن تعظيم المنعم بسبب إنعامه.
الشارح: (ولا يكون قبل الشرع حكم) أى فيما لا يتمضى العقل فيه بحسن ولا قبح.
الشارح: (وأما الثانية فلأن الفائدة إما للَّه. . . إلخ) قيل: إنه متى أدرك العقل حسن الشكر وقبح الكفران كما هو مقتضى تسليم الأصل فقد أدرك وجوب الشكر لا محالة وإذا ثبت الوجوب لم يبق لنا حاجة فى تعين فائدة بل نقطع بثبوتها فى نفس الأمر علم عينها أم لا وإذا منع الأشاعرة اتصاف الشكر بالحسن لم تكن مسألة الشكر مبينة على التنزل وفيه أن معنى كونها على التنزل أننا لو قلنا بالحسن والقبح العقليين فلا حسن فى الشكر فلا يجب إذ لو حسن لكان
_________________
(١) قوله: وما فى الإبدايات وقوله فيما يأتى: يحسن يمكن. . . إلخ. كذا فى الأصل السقيم وحرر. مصحح طبعة بولاق.
[ ٢ / ٩٨ ]
لفائدة. . .إلخ.
الشارح: (وإما لأنه كالاستهزاء. . .إلخ) قيل: إن نعم اللَّه فى ذاتها أمور عظيمة كإيجاد الإنسان بقواه الظاهرة والباطنة والأعضاء السليمة التى لو اجتمع الخلائق على تحصيل واحد منها لعجزوا فالشكر على هذه النعم لا يعد استهزاء وكونها قليلة بالنسبة إلى اللَّه تعالى لا يقدح فى عظمها فى ذاتها بالنسبة إلينا وليس هذا كشكر الفقير للملك على لقمة خبز لأن اللقمة حقيرة فى العرف يقدر على إعطاء أمثالها غير الملك ممن هو دونه فكان شكره على ذلك استهزاء بخلاف نعم اللَّه على العبد وأيضًا النعمة إذا كان لها قدر يعتد به بالنسبة إلى حاجات المنعم عليه وإن لم يكن لها قدر بالنسبة إلى مالك النعم لا يعد شكرها استهزاء.
التفتازانى: (لأن المسألة الأولى على ما ذكر هى أن شكر المنعم ليس بواجب عقلًا) أى مع أنها ليست مبطلة إنما المبطل هو أن شكر المنعم واجب عقلًا بناء على قاعدة حكم العقل وقوله والثانية هى أن لا حكم لأفعال العقلاء. . . إلخ. أى مع أن الذى أبطلناه على التنزل هو ثبوت الحكم فيها من حظر وإباحة وقوله: لم تكن مسألة على التنزل أى بل تكون إبطالًا لأصل القاعدة.
قوله: (لم يكن له معنى) إذ لا علاقة بين الوجوب بهذا المعنى وبين الكشف حتى يلزم أن الشكر الواجب إن لم يكن لفائدة كان الكشف عن الوجوب عبثًا وقوله: لم يوافق القاعدة هى أن الوجوب استحقاق الفعل المدح والحرمة استحقاقه الذم المقتضى أنه لا إيجاب من اللَّه تعالى.
قوله: (قلت الظاهر من مذهب المعتزلة. . . إلخ) ظاهر هذا الكلام أن الحاكم على مذهب بالمعتزلة هو العقل بمعنى أنه مثبت للحكم وتقدم لك أن الإجماع على أن اللَّه هو المثبت للحكم، تأمل.
قوله: (وأعطاه عطف على أنعم) ولا حاجة إليه ويظهر أنه تحريف.
قوله: (وهذا معنى الشكر حيث ورد. . . إلخ) أى لا معناه اللغوى الذى هو فعل ينبئ عن تعظيم المنعم لإنعامه.
قوله: (ولهذا وصف الشاكرين) إذ لو كان بالمعنى اللغوى لم يوصف بالقلة والوصف بالقلة فى قوله تعالى: ﴿وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ [سبأ: ١٣]، لكن يرد أن الشكور صيغة مبالغة فتفيد الآية أن كثير الشكر قليل والكلام فى أصل الشكر إلا
[ ٢ / ٩٩ ]
أن يحمل على أنه لأصل الشكر ولا يرد أن الشكر بهذا المعنى لا تفاوت فيه لأنه يتفاوت ضعفًا وقوة وبحسب وقوعه فى الأوقات الكثيرة والقليلة.
قوله: (وقيل الجزم بالفائدة الأخروية. . . إلخ) أى فمعنى لا مجال للعقل فيه أنه لا جزم للعقل فى حصول الفائدة الأخروية لأن الجزم بذلك إنما يكون إذا جزم العقل بحصول الثواب أو دفع العقاب على الإتيان بالشكر وهو ممنوع لاحتمال العقاب على الشكر، هذا وقوله: ولعل الشارح. . . إلخ. هو جواب آخر عن النظر على قوله لا مجال للعقل.
قوله: (لا باعتبارهم) تحريف وصوابه لاعتبارهم.
قوله: (لازم الخطور فى أكثر الناس) فيه سقط والأصل وهو معدوم فى أكثر الناس.
قوله: (ولا يحصل من تسليم الخطور. . . إلخ) جواب عما يقال يكتفى بالخطور للبعض.
[ ٢ / ١٠٠ ]
قال: (الثانية: لا حكم فيما لا يقضى العقل فيه بحسن ولا قبح وثالثها لهم الوقف عن الحظر والإباحة وأما غيرها فانقسم عندهم إلى الخمسة لأنها لو كانت محظورة وفرضنا ضدين لكلف بالمحال. الأستاذ: إذا ملك جواد بحرًا لا ينزف وأحب مملوكه قطرة فكيف يدرك تحريمها عقلًا، قالوا: تصرف فى ملك الغير قلنا: يبتنى على السمع ولو سلم ففيمن يلحقه ضرر ما ولو سلم فمعارض بالضرر الناجز وإن أراد المبيح أن لا حرج فمسلم وإن أراد خطاب الشارع فلا شرع وإن أراد حكم العقل بالتخيير فالفرض أنه لا مجال للعقل فيه، قالوا: خلقه وخلق المنتفع به فالحكمة تقتضى الإباحة قلنا معارض بأنه ملك غيره وخلقه ليصبر فيثاب وإن أراد الواقف أنه وقف لتعارض الأدلة ففاسد).
أقول: هذه هى المسألة الثانية من مسألتى التنزل وهو أنه لا حكم لأفعال العقلاء قبل الشرع وقد قسم المعتزلة الأفعال الاختيارية إلى ما لا يقضى العقل فيها بحسن لا وقبح. ولهم فيها ثلاثة مذاهب الحظر والإباحة والوقف عنهما وإلى غيرها وهو ينقسم عندهم إلى الأقسام الخمسة المشهورة: من واجب ومندوب ومحظور ومكروه ومباح لأنه لو اشتمل أحد طرفيه على مفسدة فأما فعله فحرام أو تركه فواجب وإن لم يشتمل عليها فإن اشتمل على مصلحة فأما فعله فمندوب أو تركه فمكروه وإن لم يشتمل عليها أيضًا فمباح أما الحاظر فنقول له لو كانت محظورة وفرضنا ضدين لا ثالث لهما كالحركة والسكون لزم التكليف بالمحال. قال الأستاذ: من ملك بحرًا لا ينزف واتصف بغاية الجود وأحب مملوكه قطرة من ذلك البحر فكيف يدرك بالعقل تحريمها والتقريب واضح.
قالوا: تصرف فى ملك الغير بغير إذنه فيحرم.
الجواب: أن حرمة التصرف فى ملك الغير عقلًا ممنوع فإنها تبتنى على السمع ولولا ورود السمع بها لما علم ولو سلم أنها عقلية فذلك فيمن يلحقه ضرر ما بالتصرف فى ملكه ولذلك لا يقبح النظر فى مرآة الغير والاستظلال بجداره والاصطلاء بناره والمالك فيما نحن فيه منزه عن الضرر ولو سلم فمعارض بما فى المنع من الضرر الناجز. ودفعه عن النفس واجب عقلًا وليس تحمله لدفع ضرر الخوف أولى من العكس وأما المبيح فنقول له: إن أردت أن لا حكم بحرج فى الفعل والترك فمسلم وإن أردت خطاب الشارع بذلك فلا شرع وإن أردت حكم
[ ٢ / ١٠١ ]
العقل فالمفروض أنه مما لا حكم للعقل فيه بحسن أو قبح فى حكم الشارع فإن ذلك معنى عدم حكم العقل بحسنه أو قبحه وقد فرضته كذلك فيلزمك التناقض ومثله آت فى المحرم.
قالوا: خلق اللَّه العبد وما ينتفع به فالحكمة تقتضى إباحته له تحصيلًا لمقصود خلقهما وإلا كان عبثًا خاليًا من الحكمة وإنه نقص.
والجواب: المعارضة بأنه ملك الغير فيحرم التصرف والحل بأنه ربما خلقهما ليشتهيه فيصبر عنه فيثاب عليه فلا يلزم من عدم الإباحة عبث وأما الواقف فنقول له: إن أردت أنك توقفت عن الحكم لتوقفه عن السمع فمسلم وإن أردت أنت توقفت لتعارض الأدلة ففاسد لأنا بينا بطلانها فلا تعارض وقد يقال من قبل الحاظر: لا نسلم أن الضدين بلا واسطة مما لا حكم للعقل فيه لأنه يحكم بإباحة أحدهيا قطعًا ومن قبل المبيح الفرض أن لا حكم فيه بخصوصه إذ لا يدرك صفة محسنة أو مقبحة ولا ينافى ذلك الحكم العام بالإباحة ومن قبل الواقت أريد أن ثمة حكمًا بأحدهما فى نفسه فالبعض مباح والبعض محظور ولا أدرى أيهما هو فى الفعل المعين وهو غير ما رددت فيه من الأمرين.
قوله: (ولو سلم فمعارض) يعنى أن ما ذكرتم من كونه تصرفًا فى ملك الغير وإن دل على الحرمة لكن كونه دفعًا للضرر الناجز تقتضى وجوبه فضلًا عن الإباحة فتنتفى الحرمة وليس تحمل الضرر الناجز لدفع ضرر خوف العقاب المرتب على التصرف فى ملك الغير أولى من تحمل ضرر الخوف لدفع الضرر الناجز وإن رجح ضرر الخوف بكونه أشد رجح الآخر بكونه ناجزًا مقطوعًا به عند العقل.
قوله: (أن لا حرج) فسره الشارح بأن لا حكم بالحرج إذ لو حمل على ظاهره لكان حكمًا بعدم الحرج فلا يكون مسلمًا؛ فإن قيل: الحكم بعدم الحكم أيضًا حكم قلنا نعم لكن لا بأن الفعل فى نظر الشرع محظور أو مباح أو غيرهما على ما هو المتنازع.
قوله: (ولهم) أى للمعتزلة فى الأفعال التى لا يحكم العقل فيها بحسن ولا قبح ثلاثة مذاهب: أحدها: الحظر أى الحرمة وثبوت الحرج فى حكم الشرع، وثانيها: الإباحة أى الإذن وعدم الحرج، وثالثها: التوقف وفسر تارة بعدم الحكم ورد بأنه
[ ٢ / ١٠٢ ]
قطع لا توقف وتارة بعدم العلم بأن هناك حكمًا أم لا أو بأنه الحظر أو الإباحة، وإلى هذا تشير عبارة الشارح بقوله والوقف عنهما فإن قيل كيف يتصور القول بالحظر أو بالإباحة بالمعنى المذكور مع أنه لا شرع ولا حكم من العقل بحسن أو قبح قلنا معناه أن الفعل الذى لا يدرك العقل فيه بخصوصه جهة محسنة أو مقبحة كأكل الفواكه مثلًا ولا يحكم فيه بحكم خاص تفصيلى فى فعل فعل فحكم العقل فيها على الإجمال أنها محرمة عند الشارح وإن لم يظهر الشرع ولم يبعث النبى أو مباحة، وبهذا يظهر فساد اعتراض الشارحين على صورة التصرف فى ملك الغير وصورة الضرر الناجز وأمثال ذلك بأنها خارجة عن محل النزاع لاستلزام الحكم بالتحريم إدراك جهة القبح، ثم جوابهم بمنع ذلك وبأن المراد احتمال الضرر.
قوله: (لا ثالث لهما) إذ لو وجد لجاز تركهما جميعًا اشتغالًا بالثالث فلم لجزم التكليف بالمحال وفيه بحث؛ لأن الثالث أيضًا حرام يجب تركه؛ فإن قيل يجوز أن يكون الثالث مما تدرك فيه جهة حسن قلنا فكذا أحد الضدين ففى الجملة لا حاجة إلى نفى الثالث.
قوله: (والتقريب واضح) وهو أن تناول العبد للمستلذات التى خلقها اللَّه تعالى بمنزلة تناول المملوك قطرة من بحر مالكه بل أقل فكيف يحكم العقل بتحريمه.
قوله: (ومثله آت فى المحرم) بأن يقال إن أردت بالحرمة أن العقل يحكم بأنه قبيح حرام فى حكم الشارع لزم التناقض لأن المفروض أنه مما لا حكم للعقل فيه بحسن أو قبح فى حكم الشارع وسيجيء الجواب عن هذا وقد حققناه فى تحرير المبحث وهو أن المراد بعدم حكم العقل أنه لا يدرك فيه بخصوص جهة حسن أو قبح وهذا لا ينافى الحكم العام بالحرمة أو بالإباحة؛ بل الوجوب نظرًا إلى الدليل.
قوله: (المعارضة بأنه ملك الغير فيحرم) فإن قيل المعارضة بدليل المحرم تنافى تسليم أن لا حرج فى الفعل والترك قلنا هى من قبيل المحرم على أنها لا يجب أن تكون على وفق المعتقد بل يجب أن يكون نافيًا لما ادعاه الخصم.
قوله: (ومن قبل الواقف) يعنى أن المراد بالتوقف أن الفعل الذى لا يدرك العقل فيه بخصوصه جهة حسن أو قبح العقل بأن لذلك الفعل فى نفسه حكمًا من الشارع بالحظر أو الإباحة حتى إن بعض أفراده مباح وبعضها محظور، لكن فى أى
[ ٢ / ١٠٣ ]
معين فرضت لا أدرى أن الحكم الحظر أو الإباحة وهذا غير الأمرين اللذين وقع فيهما الترديد أعنى التوقف عن الحكم لعدم السمع والتوقف فى الحكم لتعارض الأدلة وهذا فى التحقيق هو الأمر الثانى من الأمرين أعنى التوقف فى الحكم لكن لا لتعارض الأدلة بل لعدم الدليل على التعيين.
قوله: (وهو أنه لا حكم لأفعال العقلاء قبل الشرع) أى عند الأشاعرة إذ لا حاكم عندهم إلا الشرع كما مر وإذ لا شرع فلا حكم فلا حرج فى شئ من أفعالهم سواء كانت اضطرارية لا يمكن البقاء والتعيش بدونها أو اختيارية هى بخلافها، وذهبت المعتزلة إلى أن الاضطرارية جائزة عقلًا، وأما الاختيارية فقد قسموها إلى قسمين ما لا يقضى العقل فيه بحسن ولا قبح وإلى غيرها والمناقشة معهم بعد التنزل على ما فى الكتاب إنما هى فى القسم الأول لا فى الثانى ولا فى الاضطرارية فإنهم اكتفوا فى إبطال قولهم فيهما بإبطال قاعدة التحسين والتقبيح وما ذكره فى وجه الانقسام إلى الخمسة ظاهر قال فى الأحكام: ما حسنه العقل إن استوى فعله وتركه فى النفع والضر سموه مباحًا وإن ترجح فعله على تركه فإن لحق الذم بتركه سموه واجبًا وإلا فمندوبًا وما قبحه العقل فإن لحق الذم بفعله سموه حرامًا وإلا فمكروهًا وفيه تصريح بأن المكروه عندهم مندرج تحت القبيح وقد قيل بانحصاره عندهم فى الحرام وقد سبق إليه إشارة.
قوله: (أما الحاظر فنقول له: لو كانت) أى ما لا يقضى العقل فيها بحسن ولا قبح من الأفعال الاختيارية (محظورة وفرضنا) أن من جملتها (ضدين لا ثالث لهما) فلا يمكن خلو المحل عنهما (كالحركة والسكون) فإن الجسم بعدان، حدوثه لا يخلو عنهما فلو كانا محظورين على العاقل (لزم التكليف بالمحال) وأنه باطل على أصلكم.
قوله: (لا ينزف) أى لا ينزح ماؤه من قولهم: نزفت ماء البئر نزفًا، إذا نزحته كله أو لا يذهب ماؤه ولا ينقطع من قولهم: نزفت البئر، أى: ذهب ماؤها، فعلى الأول يقرأ مجهولًا وعلى الثانى معلومًا.
قوله: (والتقريب واضح) التقريب تطبيق الدليل على المدعى، وبعبارة أخرى هو سوق الدليل على وجه يفيد المطلوب فيقال ههنا: إذا لم يحكم العقل بالتحريم
[ ٢ / ١٠٤ ]
فى هذه الصورة مع إمكان احتياج الجواد إلى تلك القطرة وتناهى جوده وما يملكه فبالأولى أن لا يحكم بالحرمة مثلًا فى الاستلذاذ بنعمة من نعمه سبحانه مع استغنائه عنها ولا تناهى جوده وما يملكه وعلى هذا يندفع ما قيل من أنه مثال اخترعه الأستاذ يفيد استبعاد الحظر ولا حجة فيه فلا حاجة إليه.
قوله: (تُبْتنَى) على صيغة المجهول لأن بنى وابتني بمعنًى، كذا فى الصحاح.
قوله: (لما علم) أى: تحريم التصرف فى ملك الغير.
قوله: (ولذلك لا يقبح) أى لأن حرمة التصرف بالعقل إنما هى بالقياس إلى من يلحقه ضرر بذلك التصرف لا مطلقًا لا تقبح ولا تحرم هذه الأمور المذكورة لعدم تضرر المالك بهذه التصرفات.
قوله: (ولو سلم فمعارض) يعنى: ولو سلم أن العقل يحكم بحرمة التصرف فى ملك الغير بغير إذنه مطلقًا بناء على أنه يوجب الخوف من العاقبة فدليلكم هذا معارض بما فى منع النفس عن تلك الأفعال كتناول الفاكهة مثلًا من الضرر الناجز ودفع هذا الضرر بل الضرر مطلقًا عن النفس واجب عندكم عقلًا ولا يندفع إلا بالتناول فلا يكون محظورًا، بل واجبًا وليس تحمل هذا الضرر الناجز لدفع ضرر الخوف الحاصل من التصرف أولى من العكس بل ربما كان العكس أولى، وما قيل من أنا نمنع كون صورة الضرر الناجز مما لا يقضى العقل فيها بحسن ولا قبح ليندرج تحت التنازع فيها فقد أجيب عنه بأن المراد جواز الضرر الحاجز فلا يخرج عنها، فإن العقل وإن لم يقض بحسن ولا قبح لكنه لم يجزم بعدم احتمال الضرر الناجز وقد يقال: الظاهر أن أكل الفواكه من صور النزاع أيضًا فاندفع المنع.
قوله: (وإن أردت خطاب الشارع بذلك) أى بعدم الحرج فى الفعل والترك.
قوله: (فالمفروض أنه) أى المتنازع فيه (مما لا حكم للعقل فيه بحسن أو قبح فى حكم الشارع) وبالقياس إليه (فإن ذلك) أى: عدم الحكم للعقل فيه بحسن أو قبح فى حكم الشارع هو (معنى عدم حكم العقل بحسنه أو قبحه وقد فرضته كذلك) أى لا حكم للعقل بحسنه أو قبحه فلا يثبت فيه شئ من تلك الأحكام ولو أثبت الإباحة به لزمك التناقض، وهو ثبوت الإباحة وعدمها بحكم العقل ومثله فى المحرم فيقال له: إن أردت خطاب الشارع بالحرمة فلا شرع قبل وروده، وإن أردت حكم العقل بالحرمة فالمفروض أن لا حكم للعقل فيه بحسن أو قبح
[ ٢ / ١٠٥ ]
إلى آخر الدليل.
قوله: (والجواب المعارضة بأنه ملك الغير فيحرم التصرف) قيل هذه المعارضة مما ينافى تسليم المصنف الإباحة بمعنى أنه لا حرج فيه.
قوله: (فيثاب عليه) أى على الصبر عن المنتفع به المشتهى، وما يقال: من أن الاشتهاء لا يحصل إلا بالتناول فلا بد منه فممنوع.
قوله: (لتوقفه على السمع فمسلم) هذا التوقف فى معنى الجزم بعدم الحكم.
قوله: (وقد يقال) جواب عما رد به المصنف المذاهب الثلاثة فيقال (من قبل الحاظر لا نسلم أن) مجموع (الضدين بلا واسطة مما لا حكم للعقل فيه) بحسن ولا قبح لأن العقل يحكم بإباحة أحدهما لا على التعيين قطعًا فلا بد من إدراك حسنه (و) يقال (من قبل المبيح الفرض أن لا حكم فيه بخصوصه إذ لا يدرك) أى العقل (فيه بخصوصه صفة محسنة أو مقبحة) ولا ينافى عدم الحكم فيه بخصوصه الحكم العام بالإباحة لجواز أن لا يدرك العقل فى كل واحد من أشياء متعددة صفة محسنة فيحكم بالإباحة وبمثله يجاب إن أورد مثله على الحرم فاندفع ما يتوهم ههنا من أن الحكم بالحظر أو الإباحة ينافى محل النزاع (و) يقال (من قبل الواقف أريد أن ثمة حكمًا بأحدهما) من الحظ والإباحة (فى نفسه ولا أدرى أيهما هو الثابت فى الفعل المعين) فالتوقف بمعنى عدم العلم.
قوله: (إذ لا حاكم عندهم إلا الشرع) فإن قلت: لا يجوز أن يقال بعد التنزل عن بطلان حكم العقل لا حكم لأفعال العقلاء مطلقًا قبل الشرع إذ لا حاكم إلا الشرع لأنه ليس هنا تنزل وتسليم حكم العقل فى الجملة إذ لو وقع التنزل عن بطلان حكم العقل ليس حكم العقل فى شئ من أفعال العقلاء قبل الشرع، قلت: أراد الشارح بأفعال العقلاء أفعالًا مخصوصة هى ما لا يقضى العقل فيه بحسن ولا قبح بقرينة التفصيل والمحشى نظر إلى ظاهر كلامه وأوضح على ما هو مذهبهم ولذا قال فيما بعد والمناقشة معهم بعد التنزل على ما فى الكتاب إنما هى فى القسم الأوّل يعنى أن الشارح قد تسامح فى قوله وهو أنه لا حكم لأفعال العقلاء إذ ليس المذكور مسألة التنزل ولا نعنى لادعاء عدم الحكم فى شئ من أفعال العقلاء فى مقام المناقشة معهم فى القسم الأول فقط.
[ ٢ / ١٠٦ ]
قوله: (بل ربما كان) ومع ذلك يعتبر (^١) تلك الفاكهة ويضع إن لم تأكله ففى هذه الصورة تحمل ضرر الخوف لدفع ضرر النفس أولى ممنوع إذ الإباحة لا تتحقق إلا بالحكم بعدم الحرج فى الفعل والترك فالمنع متوجه إلى الحكم بأن الإباحة تتحقق بسبب عدم الحكم بحرج فى الفعل والترك.
قوله: (فى حكم الشارع) أراد بعدم حكم العقل فى حكم الشارع عدم حكمه فيما يتعلق به حكم الشارع من أفعال المكلفين كما سبق فى توضيح قول الشارح فى أوّل المبادئ؛ بل إنه لا يحكم بأن الفعل حسن أو قبيح فى حكم اللَّه، ومعنى ذلك أنه لا يحكم بحسن أو قبح فى أفعال المكلفين على طبق حكم اللَّه تعالى كما ذهب إليه المعتزلة فقالوا: إن الحاكم هو العقل والشرع كاشف ومعلوم أن كل فعل من أفعال المكلفين يحكم فيه العقل بأن الأحكام الشرعية (^٢) فهو حكم من العقل بحسن أو قبح فى حكم الشارع إذ الشرع كاشف عن حسن أو قبح من العقل.
قوله: (فلا يثبت فيه) أى هذا القسم من الأفعال (شئ من تلك الأحكام) أى من الأحكام الشرعية فلو أثبت الإباحة بحكم العقل فيه بالتخيير لزمك التناقض وهو ثبوت الإباحة لأن العقل قد حكم بالتخيير وعدم ثبوت الإباحة لأن المفروض أن تلك الأفعال لا يحكم العقل فيها بحسن أو قبح فى حكم الشارع.
الشارح: (وهو أنه لا حكم لأفعال العقلاء قبل الشرع) هذا إبطال من الخصم لا مستدلون ولم يفحموا، وفى المستصفى أن استقرار الشرع موقوف على أن يبعث اللَّه الرسول ويتمكن الشخص من النظر وليس له أن يقول: لا أنظر حتى يجب علىَّ ومثل من يقول ذلك كمثل من قال له أبوه: إن وراءك سبعًا يريد أن يهجم عليك إن غفلت عنه فليس له أن يقول: لا ألتفت حتى يجب علىّ. . . إلخ.
الشارح: (أحد طرفيه) أى الفعل والمراد به الفعل بالمعنى الحاصل بالمصدر وطرفاه الفعل بالمعنى المصدرى والترك وقوله فأما فعله الضمير فيه للفعل بالمعنى الحاصل بالمصدر والفعل المضاف بالمعنى المصدرى لكن يرد أن المصلحة والمفسدة
_________________
(١) يعتبر. . . إلخ. كذا فى الأصل وفى الكلام تحريف وفساد ظاهر فليحرر. اهـ. كتبه مصحح طبعة بولاق.
(٢) بأن الأحكام الشرعية. كذا فى الأصل وانظر أين الخبر. كتبه مصحح طبعة بولاق.
[ ٢ / ١٠٧ ]
ليس المشتمل عليها الفعل بالمعنى المصدرى بل بالمعنى الحاصل بالمصدر ويجاب بأن المعنى المصدرى اشتمل عليها باعتبار متعلقه.
التفتازانى: (رجح الآخر بكونه ناجزًا) فيه أن ضرر خوف العقاب المرتب على التصرف فى ملك الغير ناجز أيضًا وإنما العقاب المخوف هو الذى ليس بناجز.
التفتازانى: (أنها محرمة عند الشارع) ظاهر فى أن الحاكم هو اللَّه حتى على رأى المعتزلة.
التفتازانى: (وبأن المراد احتمال الضرر) أى فالتحريم لذلك لا للقبح.
قوله: (أى عند الأشاعرة. . . إلخ) يشير إلى أن الشارح قد تسامح فى جعل كون الأفعال لا حكم فيها قبل الشرع هى المسألة الثانية المبنية على التنزل.
قوله: (نمنع كون صورة الضرر الناجز مما لا يقضى العقل. . . إلخ) أى فالحكم بالحرمة لأنه تصرف فى ملك الغير فيحتمل أن يعاقب على ذلك التصرف ليس من محل النزاع كما أن الوجوب لدفع الضرر الناجز المعارض به ليس من محل النزاع، وقوله: أجيب بأن المراد جواز الضرر الناجز أى بالنسبة للوجوب العارض به كما أن المراد احتمال العقاب بالنسبة للقول بالحظر وقوله لم يجزم بعدم الضرر الناجز أى فحكم بالوجوب نظرًا لذلك الاحتمال كما حكم بالحرمة نظرًا لضرر احتمال العقاب وقوله: الظاهر أن أكل الفواكه من صور النزاع أيضًا أى باتفاق منا ومنهم أى فالحظر فيها من قبل الفرع لا يخرجها عن محل النزاع.
[ ٢ / ١٠٨ ]