قال: (الأحكام لا يحكم العقل بأن الفعل حسن أو قبيح فى حكم اللَّه تعالى ويطلق لثلاثة أمور إضافية لموافقة الغرض ومخالفته ولا أمرنا بالثناء عليه والذم ولما لا حرج فيه ومقابله وفعل اللَّه تعالى حسن بالاعتبارين الأخيرين، وقالت المعتزلة والكرامية والبراهمة: الأفعال حسنة وقبيحة لذاتها، فالقدماء من غير صفة، وقوم بصفة، وقوم بصفة فى القبيح، والجبائية بوجوه واعتبارات، لنا لو كان ذاتيًا لما اختلف وقد وجب الكذب إذا كان فيه عصمة نبى والقتل والضرب وغيرهما، وأيضًا لو كان ذاتيًا لاجتمع نقيضان فى صدق من قال لأكذبن غدًا وكذبه).
أقول: قد استوفى مبادئ هذا العلم من اللغات وها هى مبادئه من الأحكام والكلام فى الحاكم ونفس الحكم والمحكوم فيه والمحكوم عليه.
أما الحاكم فهو عندنا الشرع دون العقل ولا نعنى به أن العقل لا حكم له فى شئ أصلًا بل إنه لا يحكم بأن الفعل حسن أو قبيح فى حكم اللَّه تعالى، وأن الحسن والقبح إنما يطلق لثلاثة أمور إضافية لا ذاتية:
الأول: لموافقة الغرض ومخالفته وليس ذاتيًا لاختلافه باختلاف الأغراض.
الثانى: ما أمر الشارع بالثناء على فاعله أو بالذم له وليس ذاتيًا إذ يختلف بالأحوال والأزمان.
الثالث: ما لا حرج فى فعله وما فيه حرج وليس ذاتيًا لما ذكرناه آنفًا.
والمباح وفعل غير المكلف حسن بهذا التفسير وبالتفسير الثانى ليس حسنًا ولا قبيحًا وفعل اللَّه تعالى بالاعتبار الأول لا يوصف بحسن ولا قبح لتنزهه عن الغرض وهو بالاعتبارين الأخيرين حسن أما بالثالث فمطلقًا وأما بالثانى فبعد ورود الشرع لا قبله سواء فيه فعله قبل الشرع وبعده. وقالت المعتزلة والكرامية والبراهمة: الأفعال حسنة وقبيحة لذواتها فمنها ما هو ضرورى كحسن الصدق النافع وقبح الكذب المضر ومنها ما هو نظرى كحسن الصدق المضر وقبح الكذب النافع ومنها ما لا يدرك إلا بالشرع كالعبادات فإن حسن صوم آخر رمضان وقبح صوم أول شوال مما لا سبيل للعقل إليه لكن الشرع إذا ورد به كشف عن حسن وقبح ذاتيين.
ثم اختلفوا فقال القدماء: يحصل الحسن والقبح للفعل من غير صفة توجبه بل بذاته، وقال قوم: يحصل بصفة توجبه فيهما، وقال قوم: يحصل بصفة توجبه فى القبيح فقط والحسن يكفى فيه عدم موجب القبح، وقال الجبائية: يحصل بصفة
[ ٢ / ٣٥ ]
توجبه فيهما لكنها ليست صفة حقيقية بل وجوه واعتبارات تختلف كلطم اليتيم للتأديب أو للتعذيب، لنا لو كان الحسن والقبح ذاتيًا لما اختلف بأن يكون فعل واحد حسنًا تارة وقبيحًا أخرى واللازم باطل أما الملازمة فلأنه لو اختلف لزم انفكاك ما هو ذاتى للشئ عنه وأنه محال وأما بطلان اللازم فلأن الكذب قبيح وقد يحسن فإنه يجب إذا كان فيه عصمة نبى من ظالم أو إنقاذ برئ ممن يقصد سفك دمه وكذلك القتل والضرب وغيرهما من الأفعال مما يجب تارة ويحرم أخرى، ولنا أيضًا: لو كان ذاتيًا لاجتمع النقيضان واللازم باطل، بيان الملازمة أنه إذا قال: لأكذبن غدًا فهذا خبر لا يخلو عن الصدق والكذب وأيًا ما كان يجتمع النقيضان أما الصدق فلأنه عبارة عن وقوع متعلقه وهو الكذب فى آخر فيجتمع فيه صفتا الحسن والقبح الذاتيتان وأنهما متناقضان وأما الكذب فلأنه عبارة عن انتفاء متعلقه فهو ترك الكذب ويلزم المحال بعينه.
قوله: (مبادئه من الأحكام) قد سبق أن الآمدى صرح بأن هذه من المبادئ الفقهية والأحكام الشرعية؛ لكن لاستبعاد استمداد الأصول من الفروع وعدم بيان هذه المباحث المتعلقة بالحاكم والحكم والمحكوم فيه أعنى فعل المكلف والمحكوم عليه أعنى المكلف فى شئ من كتب الفقه لم يصرح الشارح بذلك.
قوله: (وإن الحسن والقبح) ابتداء كلام لتحرير محل النزاع، وفيه إشارة إلى أن ضمير يطلق للحسن والقبح المدلول عليهما بالحسن والقبيح ليصح التفسير بموافقة الغرض ولا حاجة إلى ما ذكره العلامة من أن اللام ليست صلة للإطلاق بل تعليل أى يطلق الحسن والقبيح على الشئ لأجل موافقته الغرض ومخالفته ولا يخفى أن المناقشة باقية فى قوله ولا أمرنا. . . إلخ، للقطع بأنه تفسير للحسن والقبيح لا الحسن والقبح والمراد أن اتصاف الأفعال بالحسن والقبح فى العرف والاصطلاح يكون بأحد هذه المعانى وأما بحسب اللغة فأعم كحسن الصورة والسيرة وقبحهما وصرح فى كل من المعانى الثلاثة بأنه ليس ذاتيًا تنبيهًا على فساد مذهب المخالف، ثم إنه لم يبين أن أى هذه المعانى محل النزاع والظاهر أنه المعنيان الأخيران كما ذكره بعض الشارحين وإنما اقتصر فى الواقف على الثانى لأنه لم يذكر التفسير الثالث ولأن معنى الحرج استحقاق الذم فى حكم الشارع فاستويا، فإن قيل: كيف
[ ٢ / ٣٦ ]
يتصور النزاع فى أن ما أمر المرع بالثناء على فاعله أو بالذم له يكون بحسب الشرع؟ قلنا: بمعنى أنا ندرك بالعقل قبل ورود الشرع فى أن هذا الفعل مما يستحق فاعله الثناء أو الذم فى نظر الشرع.
واعلم أن الحسن بالتفسير الثانى هو الواجب والمندوب، وأن القبيح هو الحرام، وأما المباح فليس بحسن ولا قبيح كذا المكروه، وفعل غير المكلف من الصبيان والمجانين والبهائم إذ لا أمر بالثناء أو بالذم لفاعله، وأما بالتفسير الثالث فالمباح وفعل غير المكلف حسن كالواجب والمندوب إذ لا حرج فى الفعل، والقبيح هو الحرام لا غير كما فى الثانى، وأما المكروه فلا حرج فى فعله فينبغى أن يكون حسنًا اللهم إلا أن يقال عدم لحوق المدح الذى فى الترك حرج فى الفعل وأما فعل اللَّه فحسن بالتفسير الثالث ورد الشرع أو لم يرد إذ لا حرج فيه، وكذا بالتفسير الثانى إذ قد أمر الشارع بالثناء على فاعله لكى يعد ورود الشرع لا قبله إذ لا أمر حينئذٍ اللهم إلا أن يقال الأمر قديم ورد أو لم يرد ثم فعله الذى صدر عنه قبل ورود الشرع وبعده سواء فى هذا المعنى وهو أنه حسن بالتفسير الثالث مطلقًا وبالثانى بعد ورود الشرع لا قبله.
قوله: (ثم اختلفوا) ضمير توجبه للحسن أو القبح إلا فى قوله توجبه فى القبيح فقط فإنه للقبح فقط وكذا المستتر فى يحصل وضمير فيهما للحسن والقبيح والظرف حار أو متعلق بـ "قال" أو بـ "يحصل" وضمير بذاته للفعل ومعنى كونه بذاته أنه لا مدخل للصفة أصلًا ومعنى كونه بصفة أن لها مدخلًا للقطع بأنها لا تستقل بدون الذات ومعنى اتفاق المعتزلة على أن الأفعال تحسن وتقبح لذواتها أعم من أن يكون باستقلال الذات أو بواسطة الصفات أو الوجوه والاعتبارات ومعنى قوله وكان ذاتيًا لو كان لذات الفعل أو لصفة لازمة.
قوله: (والحسن يكفى فيه) إشارة إلى أن وجه التفرقة هو أن الأصل فى الفعل هو الحسن وعدم الحرج والذم ما لم يطرأ ما يوجبه فيندفع ما ذكره الشارح العلامة من أنى لم أظفر بسبب فى هذا التخصيص فكأنه مبنى على ما ذهب إليه المعتزلة من تساوى الذوات وتمايزها بالصفات فلو قبح فعل لذاته لقبح فعل اللَّه تعالى لتساوى الأفعال فى الذوات.
قوله: (كلطم اليتيم) فإن كونه للتأديب صفة تحسنه وكونه للتعذيب تقبحه.
[ ٢ / ٣٧ ]
قوله: (فإنه يجب إذا كان فيه عصمة نبى) بأن يتعين كونه طريقًا إليها بحيث لا تحصل عصمته بغيره من المعاريض ولا خفاء فى أن الواجب حسن، والتقدير أن كل ما هو حسن أو قبيح فحسنه أو قبحه ذاتى يمتنع زواله وبهذا يندفع ما يقال: أنه لا يتعين لذلك ولو سلم فالحسن لازمه أعنى تخليص النبى لا هو ولو سلم فالتخلق لمانع لا يقدح فى الاقضاء.
قوله: (فهذا خبر لا يخلو عن الصدق والكذب) قرر الآمدى وغيره لزوم اجتماع النقيضين أعنى الحسن واللاحسن فى الكلام الغدى بناء على أن صدقه مستلزم لكذب الكلام اليومى، وكذبه صدقه وفيه نظر لأنه إن أريد لأكذبن غدًا فى الجملة فلا يصدق على شئ من الكلام الغدىّ أن صدقه مستلزم لكذب هذا الكلام، وإنما الخفاء فى أنه هل يصدق ذلك على المجموع على تقدير صدقها وإن أريد لأكذبن غدًا فى كل خبر أتكلم به فظاهر أن كذب شئ لا يستلزم صدقه وإنما الكلام فى المجموعى فلذا عدل المرح المحقق إلى تقرير اجتماع النقيضين فى الكلام اليومى ليتم سواء حمل على الإطلاق أو العموم وسواء سكت فى الغد عن الكلام أو تكلم بما يكون كله صادقًا أو كاذبًا أو بعضه صادقًا وبعضه كاذبًا بيانه أن قوله لأكذبن غدًا إن طابق الواقع كان حسنًا لصدقه وقبيحًا لاستلزامه وقوع متعلقه الذى هو صدور الكذب عنه فى الغد كان لم يطابق الواقع كان قبيحًا لكذبه وحسنًا لاستلزامه انتفاء متعلقه الذى هو الكذب القبيح ولا شك أن انتفاء القبيح وتركه حسن والتقدير أن ملزوم الحسن حسن وملزوم القبيح قبيح وأن كل حسن أو قبح فذاتى فيلزم فى الكلام اليومى اجتماع صفتى الحسن والقبح الذاتيين وهما متناقضان ضرورة أن القبيح لا حسن والأنسب أن يورد البيان فى الإخبار الذى هو من أفعال المكلف على ما تشعر به عبارة المتن حيث قال فى صدق من قال لأكذبن غدًا وكذبه.
قوله: (أما الحاكم فهو عندنا الشرع دون العقل) اتفقت الأشاعرة والمعتزلة على أن الأفعال تنقسم إلى: واجب ومندوب ومباح ومكروه وحرام ثم اختلفوا فذهبت المعتزلة إلى أن الأفعال فى ذواتها مع قطع النظر عن أوامر الشرع ونواهيه متصفة بالحسن والقبح وأرادوا بالقبح كون الفعل بحيث يستحق فاعله الذمّ عند العقل،
[ ٢ / ٣٨ ]
وبالحسن كونه بحيث لا يستحق فاعله ذلك وربما فسروه بكون الفعل بحيث يستحق فاعله المدح ثم القبح هو معنى الحرمة، والحسن تتفاوت مراتبه فإن كان بحيث يستحق فاعله المدح وتاركه الذم عند العقل فهو الوجوب وإلا فإن استحق فاعله المدح فقط فهو للندب أو استحق تاركه المدح فقط فهو الكراهة أو لا يتعلق بفعله ولا تركه مدح ولا ذم فهو الإباحة وهذه الأمور أعنى الوجوب وأخواته ثابتة للأفعال فى ذواتها وليست مستفادة من الشرع بل حاصله قبله أيضًا لا بالقياس إلى العباد فقط بل بالقياس إلى الخالق أيضًا ولذلك قالوا: بوجوب أشياء عليه تعالى عن ذلك علوًا كبيرًا ووصفوا الأفعال بالحسن والقبح بالنسبة إليه وذهبوا إلى أن أوامر الشرع ونواهيه كاشفة عنها لا مثبتة إياها فوجوب الصلاة وحرمة الزنا أمران ثابتان لا بسبب الأمر والنهى بل هما كاشفان عنهما وإذا قاسوا الأفعال إلى المكلفين زادوا فى تعريف القبع استحقاق العقاب آجلًا وقيدوا استحقاق الذم بالعاجل ونفوهما من تعريف الحسن، وذهبت الأشاعرة إلى أن الأفعال لا حسن لها ولا قبح بما ذكر من التفسير بل قبحها عبارة عن كونها منهيًا عنها شرعًا، والحسن بخلافه وليس لها فى نفسها صفة يكشف عنها الشرع بل هما مستفادان منه ولو قلب القضية فى الأمر والنهى لانقلب الحسن قبيحًا وبالعكس ولما كانت هذه الأحكام الخمسة ثابتة للأفعال من الشرع والعقل يحكم بذلك إجمالًا وقد يطلع على تفاصيلها إما بالضرورة أو بالنظر فيحكم بها على مذهب المعتزلة قالوا: الحاكم هو العقل والشرع هو الكاشف، وأما على مذهب الأشاعرة: فلا ثبوت لها إلا من الشرع ولا حكم للعقل بها أصلًا فالحاكم عندهم هو الشرع فظهر أن مدار الكلام على أن للأفعال حسنًا وقبحًا بما ذكر من المعنى والعقل يحكم بذلك أوّلًا فلهذا قال: أما الحاكم فهو عندنا الشرع دون العقل ولا نعنى به أن العقل لا حكم له فى شئ أصلًا إذ أحكامه فى الأشياء أكثر من أن تحصى بل نعنى به أن العقل لا يحكم بأن الفعل حسن أو قبيح لذاته فيما تعلق به حكم اللَّه تعالى من أفعال المكلفين ونعنى أن الحسن والقبح إنما يطلق لثلاثة أمور إضافية تتغير بحسب الإضافات لا ذاتية للأفعال لا تتغير بحسب الأحوال ويوصف بها الأفعال على ما ذكر من التفصيل والعقل يحكم بها ولا تطلق على ذلك المعنى ولا يتصف بها الفعل ولا يحكم به العقل فليس النزاع فى اتصاف الأفعال بالحسن والقبح على
[ ٢ / ٣٩ ]
التفسيرات الثلاث كما سيصرح به الشارح ﵀ فيما بعد بل بما أوضحناه سابقًا وتوهم بعضهم أنهما بالتفسير الأول عقليان اتفاقًا إنما النزاع فيهما بالتفسيرين الأخيرين.
قوله: (الثالث ما لا حرج فى فعله) أى شرعًا (وما فيه حرج وليس ذاتيًا) للفعل (لما ذكرناه آنفًا) من الاختلاف بالأحوال والأزمان.
قوله: (بهذا التفسير) أى الثالث إذ لا حرج شرعًا فى المباح وفعل غير المكلف وليس شئ منهما حسنًا ولا قبيحًا بالتفسير الثانى إذ لم نؤمر بالثناء على فاعله ولا بذمه وفعل اللَّه سبحانه بالاعتبار الأول لا يوصف بحسن ولا قبح لتنزهه عن الغرض كما تحقق فى علم الكلام وبالاعتبارين الأخيرين حسن أما بالاعتبار الثالث فحسن مطلقًا أى قبل ورود الشرع وبعده وأما بالاعتبار الثانى فبعده لا قبله إذ لا أمر من الشارع بالثناء إلا بعده سواء فى الحسن بهذا الاعتبار بعد ورود الشرع فعله تعالى قبل الشرع وفعله تعالى بعده إذ قد أمرنا بالثناء على الفاعل فيهما وأما فعل العبد قبل ورود الشرع فيوصف بالحسن والقبح بالاعتبار الأول وبالحسن فقط بالاعتبار الثالث ولا يوصف بشئ منهما بالاعتبار الثانى وفعله بعد وروده ينقسم إلى حسن وقبيح بالاعتبارات الثلاث وفى الأحكام أن ما كان من أفعال العباد قبل ورود الشرع فحسنه وقبحه بالاعتبار الأول والثالث وفيه إشعار بثبوت الحرج قبل الشرع وهو منظور فيه فإن قلت قد يطلق الحسن والقبح بمعنى الكمال والنقصان فلا يصح الحصر المستفاد من قوله: إنما يطلق لثلاثة أمور قلت: ذلك فى الصفات والكلام فى الأفعال لا يقال ما ذكرته من أن القبح عند الأشاعرة هو كونه منهيًا عنه والحسن بخلافه معنًى رابع لأنا نقول بل هو راجع إلى التفسير الثالث وإن فسرنا الحسن بكونه مأمورًا به كان راجعًا إلى الثانى.
قوله: (الأفعال حسنة وقبيحة لذواتها) أى لا لسبب أمر مباين من شرع أو غيره فإن المستند إلى الصفات مستند إلى الذات فيتناول التفاصيل المذكورة من أن القدماء ذهبوا إلى أن الحسن أو القبح يحصل للفعل بذاته لا بصفة توجبه وأن قومًا قالوا يحصل الحسن أو القبح بصفة حقيقية لازمة توجبه فى الحسن والقبيح وأن قومًا اعتبروها فى القبيح فقط وأن الجبائية ذهبوا إلى أن الصفة الموجبة للحسن أو القبح ليست حقيقية بل هى وجوه واعتبارات مختلفة.
[ ٢ / ٤٠ ]
قوله: (لنا لو كان الحسن والقبح ذاتيًا) أى مستندًا إلى ذات الفعل أو صفة لازمة لها فإن البرهان ينتهض على القبيلين معًا كما سيشير إليه المرح.
قوله: (مما يجب تارة ويحرم أخرى) فإن قتل المشرك وضرب الزانى واجبان ومحرمان بالقياس إلى من هو خالٍ عن موجباتهما.
قوله: (وهو الكذب فى آخر) أى فى خبر آخر.
قوله: (فيجتمع فيه صفتا الحسن والقبح الذاتيتان) أما حسنه فلصدقه وأما قبحه فلاستلزامه الكذب القبيح ومستلزم القبيح قبيح وأنهما متناقضان لأن الحسن عدم القبح على تفسيرهم المذكور ومستلزم لعدم القبح على التفسير الآخر.
قوله: (ويلزم المحال بعينه) لأن قوله لأكذبن غدًا على هذا التقدير قبيح لكذبه وحسن لاستلزامه ترك الكذب غدًا وهو حسن والمفضى إلى الحسن حسن والشارحون قد اعتبروا الصدق والكذب بالقياس إلى الغد فقالوا: لو كذب فيه كان قبيحًا لكذبه وحسنًا لاستلزامه صدق قوله: لأكذبن غدًا ولو صدق فيه كان حسنًا لصدقه وقبيحًا لاستلزامه كذب ما قاله أمس وهذا أيضًا جيد لكن المذكور فى الكتاب أوفق للمتن.
قوله: (أو استحق تاركه المدح فقط) أى لا يستحق فاعله الذم لما كان الإنسان لشرفه يستحق غاية الاعتناء بشأنه والاهتمام بحاله والتوسعة فى أحواله وعدم التضييق عليه عدّ قسم واحد من أفعاله قبيحًا والأقسام الأربعة الباقية حسنًا ويمدح على فعل المندوب ولا يذم على فعل المكروه، ويمدح على ترك المكروه ولا يذم على ترك المندوب ولم يجعل المندوب والمكروه باعتبار التنزل من الوجوب والحرمة فى مرتبة واحدة لا يمدح تارك المكروه كما لا يذم تارك الندوب ويذم على المكروه كما يمدح على المندوب.
قوله: (زادوا فى تعريف القبح) فالقبح كون الفعل بحيث يستحق فاعله الذم عند العقل عاجلًا والعقاب آجلًا والحسن كونه بحيث لا يستحق فاعله شيئًا من ذلك.
قوله: (فيحكم بها على مذهب المعتزلة) توضيحه: أنه قد تقرر أن القبح عبارة عن كون الفعل منهيًا عنه شرعًا والحسن بخلافه فيثبت أنه لو لم يكن الشرع ثبت
[ ٢ / ٤١ ]
الحسن والقبح لكن لما حصل تلك الأحكام من الشرع ثم توجه العقل إلى دقائق وأسرار فى الأفعال مناسبة لتلك الأحكام وحكم بها إجمالًا وقد يطلع على تفاصيلها حكم بتلك الأحكام على مذهب المعتزلة بمعنى: أن العقل يحكم بها أى بالأحكام الباقية من الشرع، على مذهب المعتزلة أى على أن فى ذوات الأفعال أشياء تقتضى تلك الأحكام وتناسبها والشرع يقع على طبقها.
قوله: (فلهذا قال: أما الحاكم فهو عندنا الشرع دون العقل) أى ولأجل أن للأفعال حسنًا وقبحًا بالمعنى الذى ذكر فى صدر الكلام والعقل يحكم بالحسن والقبح أوّلًا أى قبل الشرع قال الشارح: أما الحاكم فهو عندنا الشرع دون العقل ولم يقل: أما الحاكم فهو الشرع.
قوله: (فيما تعلق به حكم اللَّه تعالى من أفعال المكلفين) يعنى أن الظاهر فى عبارة الشارح أن يقال: لا نعنى به أن العقل لا حكم له فى شئ أصلًا بل إنه لا يحكم فى أفعال المكلفين بأن الفعل حسن أو قبيح لذاته فذكر حكم اللَّه تعالى مقام متعلقه كما يقال: زيد لا يحكم فى حكم عمرو أى لا يحكم فى متعلق حكمه، والنكتة فى اختيار تلك العبارة هى الإشعار بتقدم حكم اللَّه تعالى على حكم العقل والحكم فى الشئ متأخر عن ذلك الشئ.
قوله: (ويوصف بها الأفعال على ما ذكر من التفصيل) متعلق بقوله لثلاثة أمور إضافية تتغير بحسب الإضافات والتفصيل المذكور هو فى قول الشارح والمباح وفعل غير المكلف. . . إلخ. ومن ذكر هذا القول ظهر أنه ليس النزاع فى اتصاف الأفعال بالحسن والقبح على التفسيرات الثلاث، وقوله: ولا يطلق على ذلك المعنى متعلق بقوله: إنما يطلق أى الحصر المستفاد من قوله: إنما يطلق بالإضافة إلى الإطلاق على المعنى الذى ذكر فى الحاشية.
قوله: (وفعل اللَّه تعالى بالاعتبار الأوّل) أى بالمعنى الأوّل للحسن والقبح وإنما أورد لفظ التفسير فى الثانى والثالث ولفظ الاعتبار فى الأوّل لأن المذكور فى الأوّل مبدأ التعين (^١) على وجه يؤخذ منه تفسير وفى الثانى والثالث نفس التفسير، وإنما لم يذكر فى الأوّل ما هو تفسير للحسن والقبح كما ذكره فى الثانى والثالث لأن الأول لا يسند إلى الشرع بخلاف الثانى والثالث ولا يتصف فعل اللَّه تعالى
_________________
(١) مبدأ التعين كذا فى الأصل السقيم ولعل فى الكلام تحريفًا فتأمل. كتبه مصحح طبعة بولاق.
[ ٢ / ٤٢ ]
بالحسن باعتباره ويتصف باعتبار الثانى والثالث فاستحق لذلك إيراد لفظه فى مقام التفسير لسنده (^١) عند التفسير.
واعلم أن الشارح قد نبه بذكر اللام فى قوله: الأوّل لموافقة الغرض مع أن الظاهر أن يترك ويقال الأول موافقة على أن ما ذكر من الأوّل والثانى والثالث ليس تفصيلًا للثلاثة المذكورة وبذكر التفسير للحسن والقبح فى الثانى والثالث على أن الأول والثالث تفصيل للمعانى الثلاثة المذكورة للحسن والقبح ضمنًا فإن البيان (^٢) فى الحسن والقبح يظهر منه البيان فى الحسن والقبح فقول الشارح الأول: لموافقة الغرض، معناه: أن المعنى الأوّل للحسن والقبح يتحقق بموافقة الغرض إذ مبدأ المحمول علة لتحقق المحمول.
قوله: (والكلام فى الأفعال) فإن قلت: لا فرق بين موافقة الفعل الغرض ومخالفته له وبين كمال الفعل ونقصانه من التعلق بالأفعال قلت: يجب الجواب على أحد الوجهين؛ الأوّل أن ذلك المعنى فى الصفات إذ الحال أن الصفات أعم من الأفعال والكلام فى الحسن والقبح الجارى فى الأفعال خاصة، الثانى أن ذلك المعنى مقيد بكونه فى الصفات أى الحسن هو كمال فى الصفة وهى فى مقابلة الفعل.
قوله: (فى الحسن والقبيح) متعلق بقوله: قالوا ليلائم فيما بعد وأن قومًا اعتبروها فى القبيح فقط ولا فائدة فى جعله متعلقًا بقوله: توجبه لأن بيان الحسن (^٣) والقبح ما يوجبه مستغنًى عن ذلك ولذا لم يذكر هذا القيد فى قوله: من غير صفة توجبه، والحاصل أن القائلين بالصفة الحقيقية اللازمة الموجبة فريقان قالوا فى الحسن والقبح فقط وإنما قيد الصفة الموجبة بكونها حقيقية لازمة لأن الجبائية أيضًا قالوا بالصفة الموجبة والغرض من قول الشارح لكنها ليست حقيقية
_________________
(١) كذا فى الأصل من غير نقط وليحرر. كتبه مصحح طبعة بولاق.
(٢) قوله -فإن البيان. . . إلخ. هكذا فى الأصل وفى العبارة خلل فحررها. اهـ. كتبه مصحح طبعة بولاق.
(٣) قوله: لأن بيان الحسن. . . إلخ. تأمل هذه القولة إلى آخرها تجد فيها مواضع غير مستقيمة التركيب والمعنى ومواضع سقط منها ما يتم به المعنى وكم فى هذه النسخة من أمثالها ولا حول ولا قوة إلا باللَّه. كتبه مصحح طبعة بولاق.
[ ٢ / ٤٣ ]
بل وجوه واعتبارات مختلفة بيان وجه المخالفة بين الجبائية والقوم السابق. وقد ذكر فى هذا البيان شيئين اعتبارات قوله واختلافها محصل للمقابل حقيقية لازمة غير مختلفة.
قوله: (أى مستندًا إلى ذات الفعل أو صفة لازمة لها) يعنى أن هذا البرهان لا ينتهض على الجبائية لأن الاختلاف فى الحسن والقبح بأن يكون فعل واحد حسنًا تارة وقبيحًا أخرى جائز عندهم فإنهم قالوا بجواز اختلاف الوجب لهما.
قوله: (فلاستلزامه الكذب القبيح) أى استلزام هذا القول المقيد بالصدق فهذا الخبر المقيد بالصدق حسن وقبيح وكذا القول فى جانب الكذب.
قوله: (لاستلزامه ترك الكذب غدًا وهو حسن) يعنى أن هذا الترك اللازم قد يكون حسنًا وهذا القدر كاف فى هذا المقام إذ المقصود بيان النقيضين ولو فى صورة واحدة وهى ما إذا قيل، لأكذبن غدًا وهذا القائل قد قصد الكذب فى الغد ولم يقع منه قول فى الغد كاذب بناء على قبحه وترك الكذب القبيح المسبوق بالقصد الواقع فى قوله: لأكذبن حسن وقوله: والمفضى إلى الحسن حسن وقد قال فى سورة الصدق ومستلزم القبيح قبيح إشارة إلى ما ذكر والإفضاء ظاهر لأن القصد الذى له مدخل فى حسن عدم الوقوع حاصل من قوله: لأكذبن.
قوله: (لاستلزامه كذب ما قاله أمس) هذا القول أحسن من أن يقال: لاستلزامه الكذب القبيح يلزم أن يكون قبيحًا يصير قائله مستحقًا للذم كما إذا قال: زيد فى حق عمرو يكذب غدًا وقد وقع فى عمرو (^١) قول صادق فى الغد فإن هذا القول يستلزم الكذب القبيح ولا يكون قبيحًا؛ لأن صيغة المتكلم التى هى قوله لأكذبن والخبر الواقع فى الغد وقد سبق من قوله وأما قبحه فلاستلزامه الكذب القبيح كلام حق صريح لا يرد عليه شئ.
واعلم أن القائلين بالحسن والقبح الذاتيين أى: المنتسبين إلى ذات الفعل أو صفة لازمة لها لا يبعد منهم تجويز اجتماع الحسن والقبح فى فعل واحد من جهتين كما إذا وقع لفعل واحد صفتان لازمتان له لزومًا نوعيًا أو شخصيًا؛ أحدهما يوجب الحسن والآخر يوجب القبح وكون الحسن عدم القبح باعتبار أن القبح هو كون الفعل بحيث يستحق فاعله الذم وأن الحسن هو كونه بحيث لا
_________________
(١) قوله: وقد وقع فى عمرو. . . إلخ. هذه عبارة مختلة فحررها. كتبه مصحح طبعة بولاق.
[ ٢ / ٤٤ ]
يستحق فاعله ذلك لا يدل على امتناع اجتماعهما فى شئ واحد باعتبارين أولًا يرى أن الإفراد والتركيب فى الألفاظ يعتبران على هذا الوجه وهما يجتمعان فى لفظ باعتباربن.
المصنف: (لا يحكم العقل. . . إلخ) يؤخذ منه أن الحاكم فيه خلف قيل العقل وقيل الشرع وقال الكمال بن الهمام وصاحب مسلم الثبوت: إنه لا خلاف فى أن اللَّه هو الحاكم بالأحكام الشرعية وعبارة مسلم الثبوت: لا حكم إلا من اللَّه تعالى بإجماع الأمة لا كما فى كتب بعض المشايخ أن هذا عندنا وعند المعتزلة العقل فإن هذا مما لا يجترئ عليه أحد ممن يدعى الإسلام بل إنما يقولون: إن العقل معرف لبعض الأحكام الإلهية سواء ورد به الشرع أو لا ثم إنه لا بد لحكم اللَّه من صفة حسن أو قبح فى الفعل ثم إن النزاع إنما هو فى حسن الفعل وقبحه بمعنى استحقاق مدحه تعالى وثوابه ومقابليهما فعند الأشاعرة شرعى أى بجعله فقط من غير حكمة وصلوح للفعل فما أمر به حسن وما نهى عنه قبح ولو انعكس الأمر لانعكس الأمر وعندنا معاشر الماتريدية والصوفية الكرام مات معظم أهل السنة والجماعة وعند المعتزلة عقلى أى لا يتوقف على الشرع لكن عندنا معشر المتأخرين من الماتريدية لا يستلزم حكمًا من اللَّه فى العبد بل يصير مستحقًا للحكم من الحكيم الذى لا يرجح المرجوح فما لم يحكم اللَّه تعالى بإرسال الرسل وإنزال الخطاب فليس هناك حكم ومات هنا اشترطنا بلوغ الدعوة فى التكليف فالكافر الذى لم تبلغه الدعوة غير مكلف بالإيمان ولا يؤاخذ بكفره فى الآخرة وهذا الرأى خلف رأى المعتزلة والإمامية والكرامية والبراهمة فإنه عندهم يوجب الحكم من اللَّه فهو الحاكم لا غير فلو فرض عدم إرسال الرسل وكانت الأفعال لوجبت الأحكام على ما فصل الآن فى الشريعة الحقة واعلم أن المراد بالحكم فى هذا النزاع اشتغال ذمة العبد بالفعل وهو اعتبار الشارع أن فى ذمته الفعل أو الكف جبرًا وهذا لا يستدعى خطابًا ولا كلامًا ولا يوجب هذا الحسن والقبح هذا الاعتبار من الشارع يعنى على رأى المتأخرين من الماتريدية لأن الحسن والقبح ليس إلا الصلوح والاستعداد لوصول الثواب والعقاب وأما إنه تعلق بحسب هذا الصلوح والاستعداد اعتبار الشارع شغل الذمة بالفعل والكف فلا فإذن يصلح هذا المعنى
[ ٢ / ٤٥ ]
للنزاع بعد الاتفاق على الحسن والقبح العقليين وبما قررنا يندفع أن هذا النزاع بيننا وبين المعتزلة غير صحيح فإنه إن أريد بالحكم خطاب اللَّه تعالى فلا خطاب قبل ورود الشرع فكيف يتأتى قول المعتزلة وإن أريد كون الفعل مناط الثواب والعقاب فبعد تسليم حسن الفعل وقبحه لا يتأتى إنكاره فحيئذ لا نزاع إلا فى اللفظ فمن قال: بتعلق الحكم قبل الشرع أراد الثانى ومن ننهاه نًفاه بمعنى الخطاب قيل أمر الآخرة سمعى لا يستقل العقل بإدراكه فكيف يحكم بالثواب وأجيب بأن المراد بأمر الآخرة مطلق دار الجزاء سوى الدنيا وكونه سمعيًا ممنوع ولذا قالت الفلاسفة به أيضًا مع إنكارهم الحشر على ما هو المشهور نعم خصوص المعاد الجسمانى سمعى ثم قال من الحنفية من قال إن العقل قد يستقل فى إدراك بعض أحكامه تعالى فأوجب الإيمان وحرم الكفر وكل ما لا يليق بجنابه تعالى حتى على الصبى العاقل وروى عن أبى حنيفة قال: لا عذر لأحد فى الجهل بخالقه لما يرى من الدلائل أقول لعل المراد بعد مضى مدة التأمل فإنه بمنزلة دعوى الرسول ثم قال فى الشرح: ويفهم من كلام فخر الإسلام أن حاصل النزاع بيننا وبينهم أن العقل عندهم علة موجبة للحكم وعند الأشاعرة مهدرة لا اعتبار لها وعندنا لا هذا ولا ذاك بل العقل يوجب أهلية الحكم وتعلق الحكم من العليم الخبير ثم قال فخرج حاصل البحث أن هنا ثلاثة أقوال، الأول مذهب الأشاعرة أن الحسن والقبح فى الأفعال شرعى وكذلك الحكم، الثانى أنهما عقليان وهما مناط لتعلق الحكم، الثالث أنهما عقليان وليسا موجبين للحكم ولا كاشفين عن تعلقه. اهـ باختصار.
المصنف: (فى حكم) أى فى متعلق حكم اللَّه من أفعال المكلفين فذكر حكم اللَّه مكان المتعلق كما يقال: لا يحكم زيد فى حكم عمرو والنكتة فى ذلك الإشعار بتقديم حكم اللَّه على حكم العقل إذ الحكم فى الشئ متأخر عن ذلك الشئ.
الشارح: (إنما يطلق لثلاثة أمور إضافية لا ذاتية) أى ليست مستندة إلى ذات الفعل أو صفة لازمة له أو صفة هى حال واعتبار بل بالإضافة إلى أمر خارج مباين من شرع أو غيره لا يقال هذا الحصر فى الثلاثة المذكور مناقض لما فى المواقف حيث جعل من الثلاثة صفة الكمال والنقصان لأنا نقول إن الكلام فى حسن الأفعال وقبحها وليس من ذلك صفة الكمال والنقصان والوجه الثالث فى كلام المصنف راجع للثانى فلا تناقض، واعلم أن مسألة الحسن والقبح
[ ٢ / ٤٦ ]
واستلزامهما للحكم يمكن أن تكون كلامية راجعة إلى أن اللَّه تعالى لا يحكم إلا بما هو حسن أو قبيح وأن حكم اللَّه ملزومهما وأن تكون أصولية راجعة إلى أن الأمر الإلهى يدل على الحسن اقتضاء والنهى على القبح كذلك وأن تكون فقهية راجعة إلى أن الواجب حسن والحرام قبيح.
التنفتازانى: (والأحكام الشرعية) الأولى للأحكام الشرعية.
التفتازانى: (لاستبعاد استمداد الأصول من الفروع) أى لكون مبادئ العلم حينئذٍ تكون مبينة فى علم أدنى مع أنه لم يعهد تصورات الأحكام فى علم الفقه وتقدم ما فى ذلك عند قول الشارح: لما كان استمداده من المواضع الثلاثة.
التفتازانى: (ولا حاجة. . . إلخ) هو من جملة المشار إليه أى لا حاجة فى تصحيح المصنف إلى ما تكلفه العلامة من جعل اللام فى قوله: لموافقة الغرض لام التعليل لأصله ليطلق مع أنه يلزمه أن تكون اللام بمعنى على فى قوله ولما أمرنا الشارع فأشار الشارح إلى أنه لا حاجة إلى ذلك التكلف بجعل الضمير فى يطلق عائدًا على الحسن والقبح المدلول عليهما بالحسن والقبيح.
التفتازانى: (ولا يخفى أن المناقشة) أى فى كلام المصنف باقية فى قوله: ولما أمرنا. . . إلخ. للقطع بأنه تفسىير للحسن والقبيح أى فحينئذٍ لا يستقيم فى قوله: لموافقة الغرض فدفع الشارح ما تكلفه العلامة غير تام وأما على كلام العلامة فيكون المعنى فى قوله: ولما أمرنا أنه يطلق على ما أمرنا وليس قوله: ولما أمرنا على معنى لأجل ما أمرنا كما فى قوله: لموافقة الغرض.
التفتازانى: (كيف يتصور النزاع فى أن ما أمر الشارع. . . إلخ) أى بل يتفق على أنه بالشرع، وقوله: فى نظر الشرع أى ويأتى الشرع على طبقه كما هو رأى المعتزلة وأد ذلك تابع لأمر الشارع ونهيه كما هو رأى غيرهم.
التفتازانى: (فكأنه مبنى) من تتمة كلام العلامة.
التفتازانى: (لا يقدح فى الاقتضاء) دفع بهذا أنه قد فرض أن كل ما هو حسن أو قبيح فحسنه وقبحه ذاتى لا يتخلف فلو قيل بأنهما كما يكونان بالذات يكونان بالغير وإن حسن الكذب هنا بالغير والعروض أعنى بواسطة حسن عصمة النبى مثلًا وقبحه بالذات لم ينتهض الدليل لأن القبح لم يرتفع والشئ قد يكون قبيحًا لذاته حسنًا لغيره لكن يلزمه أن يكون هذا الكذب حرامًا وواجبًا من جهتين مختلفتين
[ ٢ / ٤٧ ]
لبقاء القبح مع عروض الحسن ولا يضر ذلك عندنا نعم يضر عند المعتزلة فإنهم لا يجوزون اجتماع الوجوب والحرمة فى شئ ما حتى لا يجوزوا الصلاة فى الأرض المغصوبة.
التفتازانى: (فلا يصدق على شئ من الكلام الغد أن صدقه. . . إلخ) أى لأن كل كلام يصدر عنه فى الغد لم يتعين لأن يكون هو الذى يريد به تحقق ما أخبر بأنه سيأتى به غدًا مطابقًا له أو غير مطابق لأنه إذا صدر منه خبر صادق يجوز بعده أن يوفى بما التزمه من الكذب فى الجملة بعد ذلك فلا يجتمع الصدق والكذب فى هذا الخبر الصادق.
التفتازانى: (وإنما. . . إلخ) تحريف وحقه وإنما الكلام.
التفتازانى: (صدقها) تحريف والصواب صدقه.
قوله: (وبضميمة حكم العقل بأنه. . . إلخ) أى تضم هذه إلى ما علم من المقدمتين المنقولتين وهو الجمع المحلى يجوز أن يخرج منه فردًا وأفراد تراد.
قوله: (فيحكم بها على مذهب المعتزلة) قال الهروى: توضيحه أنه قد تقرر أن القبح عبارة عن كون الفعل منهيًا عنه شرعًا، والحسن بخلافه فثبت أنه لو لم يكن الشرع لا ثبت الحسن والقبح لكن لما حصلت تلك الأحكام من الشرع ثم توجه العقل إلى دقائق وأسرار فى الأفعال مناسبة لتلك الأحكام وحكم بها إجمالًا وقد يطلع على تفاصيلها حكم بتلك الأحكام على مذهب المعتزلة بمعنى أن العقل يحكم بها أى بالأحكام الثابتة من الشرع على مذهب المعتزلة على أن فى ذوات الأفعال أشياء تقتضى الأحكام وتناسبها والشرع يقع على طبقها. اهـ مع بعض تصليح لتحريف فى النسخة. والمراد بحكم العقل إجمالًا أن يدرك أن فى كل فعل حسنًا أو قبحًا فى نظر الشارع لا أن يحكم بأحدهما بخصوصه.
قوله: (فلهذا قال أما الحاكم فهو عندنا الشرع دون العقل) أى ولم يقتصر على أن يقول الحاكم عندنا الشرع.
قوله: (ونعنى أن الحسن. . . إلخ) أى فاتوله: وإن الحسن والقبح إنما يطلق. . .إلخ. ليس ابتداء كلام لتحرير محل النزاع كما قال السعد بل من تتمة بيان كون الحاكم الشرع دون العقل وأن معناه أنه ليس هناك حسن وقبح بمعنى استحقاق المدح واستحقاق الذم للفعل فى ذاته بقطع النظر عن أوامر الشرع ونواهيه،
[ ٢ / ٤٨ ]
وقوله: ويوصف بها الأفعال عطف على يطلق لثلاثة أمور وحقه أن يقول بهما أى بالحسن والقبح، وقوله: على ما ذكر من التفصيل أى التفصيل الذى ذكره من قوله: والمباح وفعل غير المكلف. . . إلخ، وقوله: والعقل يحكم بها أى يستقل بإدراكها لكنها ليست من محل النزاع لأنها ليست ذاتية بل إضافية وقد يقال كيف يستقل بإدراك الحسن والقبيح بمعنى ما أمرنا بالثناء على فاعله ونقيضه وبمعنى ما لا حرج فى فعله وما فيه حرج فلعل المراد بحكم العقل بهما أن يحكم بهما لا بمعنى الاستقلال بل يوافق الشرع.
قوله: (ولا تطلق على ذلك المعنى) تحريف وحقه ولا يطلق بياء الغيبة أى لا يطلق الحسن والقبح على ذلك المعنى الذى هو استحقاق المدح واستحقاق الذم لذات الفعل والمراد بعدم الإطلاق عليه عدم تحققه وثبوته لا أنه ثابت والكلام فى الإطلاق كما هو ظاهر العبارة.
قوله: (ولا يتصف بها الفعل) تحريف وحقه بهما أى بالحسن والقبح أو به أى بالمعنى الذى قيل: إنه لا يطلق عليه.
قوله: (وتوهم بعضهم. . . إلخ) لعل الحق معه بعد التأوبل الذى قاله السعد.
قوله: (ومستلزم القبيح قبيح) وقد فرض أن كل حسن وقبيح فهو ذاتى.
قوله: (على تفسيرهم المذكور) هو أن الحسن هو كون الفعل بحيث لا يستحق فاعله الذم عند العقل ومآله إلى عدم استحقاق فاعل الفعل الذم عند العقل.
قوله: (على التفسير الآخر) هو كون الفعل بحيث يستحق فاعله المدح فإنه مستلزم لعدم كون الفعل بحيث يستحق فاعله الذم عند العقل.
[ ٢ / ٤٩ ]
قال: (واستدل لو كان ذاتيًا لزم قيام المعنى بالمعنى لأن حسن الفعل زائد على مفهومه وإلا لزم من تعقل الفعل تعقله ويلزم وجوده لأن نقيضه لا حسن وهو سلب وإلا استلزم حصوله محلًا موجودًا ولم يكن ذاتيًا وقد وصف الفعل به فيلزم قيامه به واعترض بإجرائه فى الممكن وبأن الاستدلال بصورة النفى على الوجود دور لأنه قد يكون ثبوتًا أو منقسمًا فلا يفيد ذلك واستدل فعل العبد غير مختار فلا يكون حسنًا ولا قبيحًا لذاته إجماعًا لأنه إن كان لازمًا فواضح وإن كان جائزًا فإن افتقر إلى مرجح عاد التقسيم وإلا فهو اتفاقى وهو ضعيف فإنا نفرق بين الضرورية والاختيارية ضرورة ويلزم عليه فعل البارى وأن لا يوصف بحسن ولا قبح شرعًا والتحقيق أنه يترجح بالاختيار).
أقول: دليلان لأصحابنا استضعفهما استدل لو كان ذاتيًا لزم قيام المعنى بالمعنى أو العرض بالعرض واللازم باطل.
أما الأولى فلأن حسن الفعل مثلًا أمر زائد على مفهوم الفعل وإلا لزم من تعقل الفعل تعقله ولا يلزم إذ يعقل الفعل ولا يخطر بالبال حسنه، ثم يلزم أن يكون أمرًا وجوديًا لأن نقيضه لا حسن وهو سلب إذ لو لم يكن سلبًا لاستلزم محلًا موجودًا فلم يصدق على المعدوم أنه ليس بحسن وأنه باطل بالضرورة وأيضًا إذا لم يصدق عليه أنه ليس بحسن صدق عليه أنه حسن إذ لا مخرج عن النفى والإثبات فلم يكن الحسن وصفًا ذاتيًا إذ المعدوم لا يكون له صفة إلا مقدرة موهومة وكيف تكون صفة حقيقية ذاتية لما لا حقيقة ولا ذات له وإذا ثبت أن نقيضه سلب كان هو وجودًا وإلا ارتفع النقيضان فقد ثبت أنه زائد وجودى فهو معنى لأن ذلك هو معنى المعنى ثم نقول الفعل قد وصف حيث يقال الفعل حسن فيلزم قيام الحسن بالفعل لامتناع أن يوصف الشئ بمعنى يقوم بغيره والفعل أيضًا معنًى وهو ظاهر فيلزم قيام المعنى بالمعنى.
وأما الثانية فلأنه يلزم إثبات الحكم قال الفعل لا له لأن الحاصل قيامهما معًا بالجوهر إذ هما معًا حيث الجوهر تبعًا له وحقيقة القيام هو التبعية فى التحيز وتحقيقه فى الكلام، قوله: فيلزم قيامه به، أى قيام الحسن بالفعل أو قيام المعنى بالمعنى واعترض عليه بوجهين:
أحدهما: النقض بإجراء الدليل فى الممكن الثابت للفعل فيلزم أن لا يكون
[ ٢ / ٥٠ ]
الإمكان ذاتيًا فلا يكون الفعل فى نفسه ممكنًا.
ثانيهما: أن الاستدلال بصورة النفى وكونه سلبًا على وجود النفى دور إذ ليس كل منفى موجودًا بل قد يكون ثبوتًا كاللاامتناع فإن المنفى فيه ثبوت الامتناع لغيره فمعناه كون الشئ لا يمتنع لا ما ليس امتناعًا والثبوت للغير أعم من الوجود له فإن المعدوم قد يثبت للمعدوم ويحمل عليه نحو الممتنع معدوم.
وأيضًا قد يكون المنفى منقسمًا إلى وجود وعدم كاللامعلوم فإن المعلوم يشمل الموجود والمعدوم وإذا جاز كونه ثبوتيًا أو منقسمًا فعلى التقديرين لا يلزم من كون النفى سلبًا وجود المنفى كما فى المثالين وإذا ثبت ذلك فلا يلزم كون المنفى وجودًا إلا إذا ثبت أن السلب ليس من أحد القبيلين بل هو سلب لوجود وفيه توقف الشئ على نفسه واستدل بأن فعل العبد غير مختار أى ما اختير بل فعل بغير اختيار فلا يكون حسنًا ولا قبيحًا عقلًا إجماعًا أما عندكم فلأن الحسن والقبيح قسمان من فعل المتمكن مضه ومن العلم بحاله وأما عندنا فظاهر وإنما قلنا: إنه غير مختار لأنه إن كان لازم الصدور عنه بحيث لا يمكنه الترك فواضح أنه غير مختار بل اضطرارى وإن كان جائزًا وجوده وعدمه فإن افتقر إلى مرجح فمع المرجح يعود التقسيم فيه بأن يقال: إن كان لازمًا فاضطرارى وإلا احتاج إلى مرجح آخر ولزم التسلسل كان لم يفتقر إلى مرجح بل يصدر عنه تارة ولا يصدر أخرى مع تساوى الحالتين من غير تجدد أمر من الفاعل فهو اتفاقى الاعتراض عليه من وجوه:
الأول: أنا نفرق ضرورة بين الأفعال الضرورية والاختيارية كالسقوط والصعود وحركتى الاختيار والرعشة فيكون استدلالًا فى مقابلة الضرورة فيكون باطلًا.
الثانى: أنه يجرى فى فعل البارى تعالى فيلزم أن لا يكون مختارًا وأنه كفر.
الثالث: يلزم أن لا يوصف الفعل بحسن ولا قبيح شرعًا إذ لا تكليف بغير المختار عندكم وإن جوزتموه.
الرابع: وهو التحقيق والبواقى إلزامية أنا نختار أنه يحتاج إلى مرجح وهو الاختيار وسواء قلنا يجب به الفعل أو لا يجب يكون اختياريًا إذ لا معنى للاختيارى إلا ما يترجح بالاختيار.
وقد يجاب عن الأول بأن الضرورى وجود القدرة لا تأثيرها وعن الثانى بأن
[ ٢ / ٥١ ]
تعلق إرادته قديم فلا يحتاج إلى مرجح متجدد وعن الثالث أن وجود الاختيار كافٍ فى الشرعى وعندكم لولا الاستقلال بالفعل لقبح التكليف عقلًا وعن الرابع أنه إذا كان ما يجب الفعل عنده من اللَّه بطل استقلال العبد به ولهذا تقرير وافٍ فى الكلام.
قوله: (ولم يكن ذاتيًا) ظاهر عبارة المتن أنه عطف على استلزم بمعنى أنه لو لم يكن اللاحسن سلبًا لم يكن ذاتيًا وهذا مما لا معنى له، فمن الشارحين من لم يتعرض له أصلًا ومنهم من جعله دليلًا آخر على كون الحسن موجودًا بمعنى أنه لو لم يكن الحسن موجودًا لم يكن ذاتيًا للفعل لاستحالة إسناد المعدوم إلى الذات وفساده واضح، أما لفظًا فلأنه ليس ههنا شئ يفيد عطفه عليه هذا المعنى وأما معنًى فلأن الصفات السلبية قد تكون مما تقتضيه الذات والشارح العلامة جعله عطفًا على استلزم وجعل ضمير لم يكن للحسن أى لو لم يكن اللاحسن سلبًا كان الحسن سلبًا لكونه نقيضه وحينئذٍ لا يكون وصفًا ثبوتيًا للذات وهذا خلاف مذهبهم والشارح المحقق مالَ إلى هذا التقرير مع زيادة تصرف وتغيير فجعله دليلًا على صدق اللاحسن على المعدوم، ولكن لم يبين أن عطفه على أى شئ يفيد هذا المعنى ومقتضى سوق كلامه أنه عطف على مقدر فى غاية البعد أى لو لم يصدق على المعدوم أنه ليس بحسن لزم خلف الضرورة ولم يكان الحسن ذاتيًا ولا يخفى أن صدق ليس بحسن على المعدوم فى الجملة أظهر من أن يحتاج إلى مثل هذا البيان الخفى؛ ولذا صرح بأنه ضرورى على معنى أن الذاتى ههنا أن لا يكون بإضافات واعتبارات بل راجعة إلى الذات المحققة أو المقدرة لا أن يكون صفة حقيقية لذات موجودة خصوصًا عند المعتزلة القائلين بأن للمعدومات ذوات محققة وإن لم تكن موجودة، والأظهر أن مقصود الشارح أنه عطف على استلزم أى لو لم يكن اللاحسن سلبًا لم يكن الحسن ذاتيًا وما ذكر من قوله وأيضًا إذا لم يصدق. . . إلخ. بيان اللزوم.
قوله: (فإن ذلك) أى كون الشئ زائدًا وجوديًا (هو معنى العرض) ولا يخفى أنه لا بد من زيادة قيد وهو أن لا يكون قائمًا بنفسه وكأن الزائد مشعر بذلك.
قوله: (وأما الثانية) أى بطلان اللازم أعنى قيام المعنى بالمعنى (فلأنه يلزم إثبات
[ ٢ / ٥٢ ]
الحكم) أعنى كون المعنى قائمًا به (محل الفعل) أعنى الفاعل (لا للفعل نفسه) ولو قال لمحل المعنى لكان أولى لأنه فى بيان بطلان قيام المعنى بالمعنى مطلقًا ولذا قال (إذ الحاصل قيامهما) أى المعنيين (معًا بالجوهر) ولم يقل بالفاعل (إذ هما) أى المعنيان (معًا حيث الجوهر) أى فى حيز الجوهر بطريق التبعية له وهذا ما قال الآمدى أن قيام العرض بالجوهر لا معنى له غير وجوده حيث الجوهر تبعًا له فيه وقيام أحد العرضين بالآخر لا معنى له سوى أنه حيث ذلك العرض الآخر وحيث ذلك العرض هو حيث الجوهر، فهما معًا حيث الجوهر وقائمان به ولا معنى لقيام أحدهما بالآخر وإن كان قيام أحدهما بالجوهر مشروطًا بقيام العرض الآخر به.
قوله: (وتحقيقه فى الكلام) على ما تقرر من أن معنى قيام العرض بالجوهر أنه فى تحيزه تابع للجوهر لا أن له اختصاصًا به بحيث يصير نعتًا له والجوهر منعوتًا به على ما هو رأى الفلاسفة ليكون مثل السرعة والبطء قائمًا بالحركة بل كلاهما قائم بالجسم، وتقرر أيضًا أن كل جوهر فهو متحيز ولا وجود للجواهر المجردة ليكون لها أعراض قائمة بها مع عدم التحيز لكن لا يخفى أن ما سبق من أن الفعل قد وصف بالحسن فيلزم قيامه به إنما يصح على رأى الفلاسفة دون المتكلمين فيتوجه قطعًا منع الملازمة أو منع بطلان اللازم.
قوله: (واعترض) كلام العلامة فى هذا القام من التطويل بحيث لا يحصل منه على شئ وكلام بعض الشارحين هو أن الاعتراض، الأول نقض إجمالى للدليلين المذكورين على كون الحسن وجوديًا، فإنهما يجريان فى الإمكان بأن يقال نقيضه لا إمكان وهو سلب لما ذكر وأيضًا لو كان الإمكان عدميًا لم يكن وصفًا ذاتيًا للممكن مع أن كون الإمكان ثبوتيًا باطل بالاتفاق وهذا مع فساده وابتنائه على الفاسد لا يوافق كلام الأصل؛ فإن الآمدى قال بعد تقرير الدليل فإن قيل يلزم منه امتناع اتصاف الفعل بكونه ممكنًا ومعلومًا ومقدورًا ومذكورًا قلنا هذه الصفات أمور تقديرية مفهوم نقائضها سلب التقدير والأمور المقدرة ليست من الصفات العرضية فلا يلزم قيام العرض بالعرض فعلم أن الاعتراض الأول نقض إجمالى للدليل المذكور على امتناع كون الحسن ذاتيًا للفعل بأنه يلزم منه أن لا يكون الإمكان ذاتيًا للفعل وهو محال ضرورة أن الإمكان ذاتى للممكن وإلا لزم الانقلاب، والاعتراض الثانى نقض تفصيلى هو منع كون الحسن وجوديًا مع تحقيق إبطال
[ ٢ / ٥٣ ]
دليله على وجه يندفع به جواب الآمدى عن الاعتراض الأول وتقريره على ما ذكره الجمهور أن الاستدلال على كون الحسن وجوديًا بكون اللاحسن سلبًا لصدقه على المعدوم ليس بمستقيم (لأنه) أى صورة النفى وتذكير الضمير باعتبار الخبر أو لأنها فى حكم المنفي (قد يكون ثبوتًا) وفى بعض النسخ ثبوتيًا أى موجودًا كاللامعدوم (وقد يكون منقسمًا) بعض أفراده موجود وبعض أفراده معدوم كاللاواجب واللاممتنع فمجرد صدقه على المعدوم لا يستلزم كونه عدميًا على الإطلاق فكون صورة النفى سلبًا موقوف على كون ما دخله النفى موجودًا، فلو استفيد كونه موجودًا من كون صورة النفى سلبًا لزم الدور وهذا تقرير ظاهر إلا أن المصنف لما قال لأنه قد يكون ثبوتيًا بتذكير الضمير والعدول عن الوجود إلى الثبوت جعل الشارح المحقق الضمير للمنفى أى ما دخله النفى لا لصورة النفى وحمل الثبوت على معناه المصدري وجعله أعم من الوجود على ما هو رأى المعتزلة وتقريره أنا سلمنا أن صورة النفى سلب لكنه قد يكون سلبًا لثبوت أمر لأمر أعم من أن يكون موجودًا أو معدومًا فلا يستلزم كون المنفى موجودًا كاللاامتناع إذا قصد به سلب الامتناع ونفى ثبوته عن الشئ لا مفهوم ما ليس بامتناع فالمنفى حينئذٍ هو ثبوت الامتناع لغير ما سلب عنه الامتناع وقد يكون سلبًا لأمر يصدق على الموجود والمعدوم كاللامعلوم وهذا أيضًا لا يستلزم كون المنفى موجودًا لأن العام لا يستلزم الخاص وهذا معنى قوله: فعلى التقديرين أى تقدير كون المنفى ثبوتيًا وتقدير كونه منقسمًا لا يلزم من كون النفى سلبًا وجود المنفى كما فى المثالين يعنى اللامتناع واللامعلوم وقد يكون سلبًا لموجود كاللاموجود وهذا يستلزم كون المنفى موجودًا فاستلزام صورة النفى لوجود المنفى يتوقف على كونها نفى وجود لا نفى ثبوت أو منقسم فلو استفيد وجود المنفى منه لزم الدور ولعمرى لا أدرى للشارح المحقق باعثًا على أمثال هذه التقريرات سوى قوة تصرفه فى الكلام وفرط ترفعه عن متابعة الأقوام.
قوله: (أما عندكم) تقريره أن كل حسن أو قبيح فهو فعل المتمكن منه أى القادر عليه وكل ما هو فعل للقادر عليه فهو مختار؛ لأن تأثير القدرة لا يتصور إلا على وفق الاختيار كل حسن أو قبيح فهو مختار وينعكس بعكس النقيض إلى قولنا كل ما ليس بمختار لا يكون حسنًا ولا قبيحًا.
[ ٢ / ٥٤ ]
قوله: (فهو اتفاقى) والاتفاقى ليس بمختار لأنه صدر عن الفاعل بغير قصد ولا تعلق قدرة وإرادة.
قوله: (فيلزم أن لا يكون مختارًا) الضمير لفعل البارى والمختار اسم مفعول أو للبارى فاسم فاعل.
قوله: (الضرورى مجرد القدرة) أى المعلوم بالضرورة هو أن للعبد قدرة فى مثل الصعود دون السقوط وأما أن قدرته مؤثرة فيه ليكون اختياريًا فلا.
قوله: (تعلق إرادته قديم) يعنى أن مرجح فاعليه البارى هو تعلق إرادته فى الأزل بحدوث ذلك الفعل فى وقته وهو قديم فلا يحتاج إلى مرجح؛ لأن علة الاحتياج عندنا الحدوث دون الإمكان وحاصله تخصيص المرجح فى قولنا ترجيح فعله يحتاج إلى مرجح بالمرجح الحادث فإن المرجح القديم المتعلق أزلًا بالفعل الحادث مرجح لا يحتاج إلى مرجح آخر هذا إذا كان عود التقسيم فى المرجح نفسه وأما إذا كان فى الفعل مع المرجح على ما هو الظاهر من عبارة الشارح فتوجيهه أنا نختار أن الفعل مع المرجح لازم ولا يلزم كان كون الفعل اضطراريًا عند كونه بالمرجح الحادث الذى لا اختيار للفاعل فيه ولا استقلال به كونه اضطراريًا عند كونه بالمرجح القديم الذى لا يفتقر إلى علة أصلًا لاستقلال الفاعل به حينئذٍ.
قوله: (وجود الاختيار كافٍ) أى لا يحتاج إلى استقلال العبد بالإيجاد والتأثير وبهذا التقرير يشير إلى ما بين فى مسألة خلق الأفعال من أن للعبد قدرة واختيارًا لكن لا تأثير لقدرته وليس اختياره بمشيئته وإنما الخالق هو اللَّه تعالى وأثر العبد هو الكسب لا غير ومثل هذا لا ينافى التكليف.
قوله: (أما الأولى) أى الملازمة (فلأن حسن الفعل) وكذا قبحه (أمر زائد على مفهوم الفعل وإلا) لكان إما نفسه أو جزأه و(لزم من تعقل الفعل) بالكنه (تعقله ولا يلزم إذ يعقل الفعل) كذلك (ولا يخطر بالبال حسنه) قيل لا حاجة إلى إثبات كونهما وجوديين لأنه مسلم عندهم فبعد كونهما زائدين على الفعل مع اتصافه بهما يلزم قيام العرض بالعرض.
قوله: (وأيضًا إذا لم يصدق عليه) أى على المعدوم (أنه ليس بحسن صدق عليه أنه حسن) تفسير لقوله: ولم يكن ذاتيًا فقد جعله دليلًا ثانيًا على أن اللاحسن
[ ٢ / ٥٥ ]
سلب معطوفًا على استلزم كما هو الظاهر ومنهم من جعله دليلًا ثانيًا على أن الحسن وجودى فقد عطفه على قوله: لأن نقيضه لا حسن وقرره هكذا لو لم يكن الحسن وجوديًا لم يكن ذاتيًا لأن السلب ليس من الصفات الذاتية ثم أجاب عنه بالمنع لأن كل شى يقتضى اتصافه بنقيض منافيه.
قوله: (فلم يكن الحسن وصفًا ذاتيًا) لوقوعه صفة للمعدوم والمعدوم لا يكون له صفة من الصفات إلا صفة مقدرة موهومة وكيف تكون صفة حقيقية ذاتية للمعدوم الذى لا حقيقة له ولا ذات وقد يقال إن أريد بالصفة الحقيقية الذاتية الصفة الوجودية المستندة إلى الذات كما يظهر من المقابلة بالمقدرة الموهومة فلا نسلم أن الحسن كذلك كيف والكلام فى إثبات وجوديته وليس لك أن تأخذه مسلمًا لأدائه إلى استدراك الاستدلال كما أشير إليه كان أريد بهما ما لا إضافه فيه مع استناده إلى الذات فلا نسلم أن المعدوم لا يتصف به فإن الذات وكذا الحقيقة يطلقان على المعدوم أيبها وإن غلب استعمالهما فى الموجودات.
قوله: (وقد ثبت أنه) أى الحسن (زائد وجودى) فهو عرض غير الفعل لأن كونه وجوديًا مع عدم قيامه بنفسه هو معنى العرض.
قوله: (وأما الثانية) أى بطلان التالى (فلأنه) على ذلك التقدير (يلزم إثبات الحكم) أى القيام (لمحل الفعل) الذى هو الفاعل (لا للفعل) فعلى تقدير قيام العرض الذى هو الحسن بالعرض الذى هو الفعل يلزم ان لا يكون القيام به بل بفاعله لأن الحاصل فى الواقع قيام الفعل والحسن معًا بالجوهر الذى هو الفاعل إذ الفعل والحسن معًا حاصلان حيث الجوهر حاصل تبعًا له فى التحيز وحقيقة القيام بمحل هو تبعيته إياه فى التحيز وتحقيق ما يورد عليه فى الكلام.
قوله: (بإجراء الدليل فى الممكن الثابت للفعل) أى لذاته فيقال: لو كان الإمكان ذاتيًا لزم قيام المعنى بالمعنى لأن إمكان الفعل زائد على مفهومه وإلا لزم من تعقله تعقله ثم يلزم أن يكون أمرًا وجوديًا لأنه نقيض الإمكان وهو سلب وإلا استلزم فعلًا موجودًا فلا يصدق أن المعدوم الممتنع ليس بممكن وإنه باطل ضرورة وأيضا إذا لم يصدق عليه أنه ليس بممكن صدق عليه أنه ممكن إلى آخر الدليل وما قيل من أنه لا يرد النقض بالإمكان لأنه اعتبارى بخلاف الحسن والقبح فقد تبين بطلانه.
[ ٢ / ٥٦ ]
قوله: (بل قد يكون ثبوتيًا كاللاامتناع) يعنى أن النفى إنما يرد على الثبوت وهو إما ثبوت الشئ فى نفسه أو ثبوته لغيره فعلى تقدير وروده على الثانى لا يلزم أن يكون المنفى أى الذى نفى ثبوته للغير أمرًا وجوديًا بل اللازم ثبوته للغير وهو أعم من وجوده له فإن المعدوم قد يثبت للمعدوم ويحمل عليه نحو الممتنع معدوم فلا يلزم من ثبوته للغير وجوده فى نفسه ومثل باللاامتناع إذ المقصود منه سلب ثبوت الامتناع للغير فإنه ثابت للممتنع فيقصد سلب هذا الثبوت بالقياس إلى غيره وليس له ثبوت فى نفسه ليقصد سلبه فالمراد من قوله: لا ما ليس امتناعًا لا سلب الامتناع فى نفسه وإن كان ظاهره سلب حمل الامتناع على شئ ولو ذهبت تجعل الثبوت للغير مخصوصًا بما ليس بطريق الحمل وجعلت مقابله الحمل لا ثبوت الشئ فى نفسه منعك قوله: فإن المعدوم قد يثبت للمعدوم ويحمل عليه فتأمل.
قوله: (وأيضًا قد يكون المنفى) أى مطلقًا منقسمًا إلى موجود ومعدوم.
قوله: (وإذا جاز كونه) أى المنفى (ثبوتيًا أو منقسمًا) وليس يلزم فى شئ منهما أن يكون موجودًا (فعلى التقديرين) أى تقديرى كون المنفى ثبوتيًا أو منقسمًا.
قوله: (كما فى المثالين) يعنى اللَّه امتناع واللامعلوم.
قوله: (وفيه توقف الشئ على نفسه) مثلًا لا يعرف كون الحسن وجوديًا بأن اللاحسن سلب إلا إذا ثبت أنه سلب ليس من أحد القبيلين بل سلب لموجود هو الحسن فيتوقف كونه وجوديًا على نشمه وإن اشتهيت أن تعرف حقيقة الحال فاستمع لما يتلى عليك وهو: أن الوجودى يطلق على معنيين الموجود وما ليس فى مفهومه سلب والعدمى يقابله فيهما والنقيضان لا بد أن يكون أحدهما وجوديًا والآخر عدميًا بالمعنى الثانى لكن الوجودى بهذا المعنى لا يجب أن يكون موجودًا لجواز كونه مفهومًا اعتباريًا ليس فيه سلب ولا يجب ذلك فى المعنى الأول لجواز ارتفاعهما بحسب الوجود عن الخارج إنما الممتنع ارتفاعهما فى الصدق وهذا التحقيق ينفعك فى مواضع كثيرة فليكن على ذكر منك.
قوله: (أى ما اختير بل فعل بغير اختيار) تفسير للمختار لتردده بين الفاعل والمفعول.
قوله: (فلا يكون حسنًا ولا قبيحًا عقلًا) الموجود فى نسخ المتن مكان عقلًا قوله: لذاته والمؤدى واحد.
[ ٢ / ٥٧ ]
قوله: (من فعل المتمكن منه) أى: من الفعل (ومن العلم بحاله) فالاضطرارى لا يتصف بشئ منهما.
قوله: (فهو اتفاقى) أى لا اختيارى صادر بقصد من جهته.
قوله: (والبواقى إلزامية) إذ لم يعرف منهما وجه الفساد بعينه ولم يطلع على حقيقة الحال بل علم أن هناك خللًا على الإجمال وهذا هو المراد من كونها إلزامية ههنا وأما الحمل على استعمال مقدمة مسلمة من الخصم فيها وهى تخلف الحكم فى الثانى والثالث لكونهما نقضًا إجماليًا لدليل المقدمة والمدعى والفرق الضرورى فى الأول فبعيد.
قوله: (وسواء قلنا يجب به) أى بالاختيار (الفعل أو لا يجب) بل يصير أولى على اختلاف الرأيين (يكون) الفعل (اختياريًا إذ لا معنى للاختيارى إلا ما يترجح بالاختيار) ترجحًا يمتنع معه الطرف الآخر أولًا.
قوله: (وقد يجاب عن الأول بأن) الفرق (الضرورى وجود القدرة) فى الأفعال التى سميتموها اختيارية وعدمها فى الضرورية (لا تأثيرها) هنالك وذلك لا ينافى كون تلك الافعال اضطرارية إنما ينافيه تأثيرها فليس استدلالنا فى مقابلة الضرورة (وعن النافى بأن تعلق إرادة اللَّه تعالى قديم فلا يحتاج إلى مرجح متجدد) وفى بعض النسخ أن إرادته قديم وعلى التقديرين فيه بحث أما على الأول فلأنه إن أراد بالتعلق التعلق الذى يترتب عليه الوجود لم يكن قديمًا وإلا لزم قدم المراد أيضًا كان أراد التعلق المعنوى فمعه يحتاج إلى مرجح متجدد وهو التعلق الحادث الذى به الحدوث، ولو قلنا: إن إرادته تعلقت فى الازل بوجود زيد فى زمان مخصوص فعنده يوجد ولا حاجة إلى تعلق آخر حادث لم يتم أيضًا لاحتياج وجوده فى ذلك الزمان إلى تعلق حادث للقدرة يترتب عليه حدوثه كما صرح به فيما تقدم وأما على الثانى فلأن الإرادة القديمة لا تكفى فى وجود الحادث بل لا بد من تعلق حادث لها أو للقدرة إذ لو كان كل ما يفتقر إليه وجوده قديمًا لزم قدمه. وإن جنحت إلى أن الفاعل المختار مع إرادته وقدرته وتعلقهما وارتفاع الموانع وحصول الشرائط قد يصدر عنه الفعل تارة ولا يصدر أخرى مع تساوى الحالين ويكون ذلك الفعل اختياريًا فهذا إن صح يكون منعًا لكون الفعل الاتفاقى غير اختيارى لا للنقض بالبارئ سبحانه كيف، ونحن نقول مع تعلق إرادته القديمة
[ ٢ / ٥٨ ]
إن كان الفعل لازم الصدور عنه بحيث لا يمكنه الترك كان اضطراريًا وإن كان جائزًا وجوده وعدمه فإما أن يفتقر إلى مرجح أو لا فعلى الثانى يكون اتفاقيًا وعلى الأول يعود التقسيم بأنه مع ذلك المرجح هل هو لازم أو لا.
قوله: (وعن الثالث أن وجود الاختيار كاف) عندنا (فى) الحسن والقبح (الشرعى) وإن لم يكن له مدخل فى الفعل أصلًا وكون الفعل اضطراريًا لما ذكرناه لا ينافى وجود الاختيار والقدرة بل تأثيرهما، وعندكم لولا استقلال العبد بإيجاد الفعل بقدرته واختياره لقبح التكليف عقلًا وقد ثبت ما ينافى ذلك فلا يثبت الحسن والقبح عقلًا (وعن الرابع أنه إذا كان ما يجب الفعل عنده) وهو الاختيار (من اللَّه) ضرورة أن اختيار العبد ليس باختياره وإلا لزم التسلسل (بطل استقلال العبد به) فلا حسن ولا قبح عقليًا، وفى قوله يجب الفعل عنده تنبيه على أن الأولوية غير كافية وللجواب عن الرابع تقرير وافٍ فى علم الكلام.
قوله: (وقد يقال: إن أريد بالصفة الحقيقية) هذا القول ضعيف لأن المقدر الموهوم المذكور فى الشرح ليس معناه ما ليس بموجود حتى يظهر من المقابلة أن المراد: الصفة الحقيقية صفة وجودية بيان ذلك أن الشارح أورد قوله إذ المعدوم لا يكون له صفة إلا مقدرة موهومة لبيان أن الحسن لم يكن وصفًا ذاتيًا على تقدير أن يكون المعدوم حسنًا ومعنى قوله: وصفًا ذاتيًا وصف مستند إلى الذات كما يظهر ذلك من كلام هذا القائل وليس فى هذا القول اعتبار الوجود فلا معنى لقوله إذ المعدوم لا يكون له صفة إلا مقدرة موهومة أى معدومة إذ لا منافاة بين كون الصفة معدومة وبين كونها وصفًا ذاتيًا كما فى الصفات الاعتبارية الثابتة للموجودات الخارجية، وإن أريد المنافاة باعتبار الاستناد إلى الذات والمعدوم لا ذات له وجب أن يقال: إذ المعدوم لا يكون له ذات حتى يلزم أن لا يكون الحسن وصفًا ذاتيًا على تقدير أن يكون المعدوم حسنًا فالظاهر أنه بعدما ذكر فى المدعى سبب كونه وصفًا وكونه ذاتًا أراد بقوله: إذ المعدوم لا بكون له صفة بيان انتفاء كون الحسن وصفًا على تقدير المذكور وبقوله: وكيف بيان انتفاء كونه ذاتًا؟ فكأنه قال: فلم يكن الحسن وصفًا إذ المعدوم لا يكون له صفة إلا بأمر معدوم وموهوم كونه صفة ولم يكن صفة ذاتية إذ الصفة المستندة إلى الحقيقة والذات لا تكون لما
[ ٢ / ٥٩ ]
لا ذات ولا حقيقة له ويجوز أن يكون كون الحسن من الصفات المستندة إلى الذات والحقيقة بالمعنى الغالب مسلمًا؛ لأنهم قائلون بأن الحسن صفة للفعل والفعل معنى أى عرض كما صرح به فى قوله والفعل أيضًا معنى وهو ظاهر وإذا كان الحسن صفة للعرض فهو صفة مستندة إلى الحقيقة والذات لأن العرض من الموجودات.
قوله: (فى الممكن الثابت) أى فى الإمكان بل يجرى هذا الدليل فى القول بأن الأفعال تتصف بالحسن والقبح سواء كان ذاتيًا أو لا وقوله أى لذاته ليحصل الدليل فى الإمكان الذاتى فيصير (^١) قوله: لو كان الإمكان ذاتيًا لزم قيام المعنى بالمعنى وإلا فلا مانع من الاكتفاء بأصل الاتصاف فى إيراد البعض.
قوله: (يعنى: إن النفى إنما يرد على الثبوت) يعنى أن قول الشارح إذ ليس كل منفى وجودًا بل قد يكون ثبوتيًا ليس معناه أن النفى قد يرد على الوجود وقد يرد على الثبوت بل معناه أن النفى إنما يرد على الثبوت؛ لأن أخذ النقيض إنما هو بالنظر إلى نفس المفهوم من غير نظر إلى الخارج واعتبار الثبوت كلى يتحقق فى الجميع والثبوت له أفراد من جملتها الوجود ولا شك أن اعتبار الوجود فى النقيض متأخر عن العلم بالوجود فإنا إذا أردنا أخذ نقيض لمفهوم لا يعلم وجوده لم يصح منا أخذ نقيضه باعتبار الوجود إذ لا يمكن أن يكون مفهومًا اعتباريًا فلا يتحقق ههنا إلا السلب؛ مثلًا مفهوم العمى ثابت لبعض الأشخاص ونفى ثبوته متحقق بالنسبة إلى بعض آخر وأما نفى وجوده فهو متحقق فى جميع الأشخاص وبعد العلم بوجوده يصح أخذ النقيض باعتبار الوجود مثل: مفهوم البياض والسواد وغيرهما من الموجودات فظهر الدور الذى ذكره الشارح وقوله: إذ ليس كل منفى وجودًا علة لبطلان الاستدلال لأن السائل زعم أن النفى لا يدخل إلا على الوجود وتوضيح كلام السائل على تقدير هذا الجواب أن نقيض الحسن لا حسن وهو نفى وجود الحسن وإن لم يكن نفى الوجود لم يكن نفيًا إذ لا نفى إلا متعلقًا بالوجود فاستلزم محلًا موجودًا لأن النفى قد انتفى فنفى الوجود كما كان قبل النفى فلم يصدق على المعدوم أنه ليس بحسن.
قوله: (فعلى تقدير وروده على الثانى) أى: هذا القدر كافٍ لنا فى هذا المقام
_________________
(١) قوله: فيصير. . . إلخ. كذا فى الأصل وفى الكلام تحريف وسقط فليحرر. اهـ. كتبه مصحح طبعة بولاق.
[ ٢ / ٦٠ ]
ولا حاجة إلى اعتبار القسم الأوّل وبيان أن الثبوت فى نفسه وجود خارجى أو أعم من الوهمى والخارجى.
قوله: (وليس له ثبوت فى نفسه ليقصد سلبه) فإن قلت: قصد سلب ثبوته فى نفسه لا يقتضى تحقق هذا الثبوت إذ يصح أن يقال: شريك البارئ ليس بموجود قلت: الغرض أنه إذا أردنا أخذ نقيض الامتناع يجب اعتباره على وجه لا يثبت النقيض فى الجميع بل الواجب تحقق الامتناع فى غيره ولو اعتبر سلب ثبوته فى نفسه لتحقق اللاامتناع فى الممتنع وفى غيره على وجه واحد.
قوله: (وإن كان ظاهره سلب حمل الامتناع على شئ) فإن قولنا: هذا الشئ ليس امتناعًا معناه يصدق عليه الامتناع ولا يحمل عليه بخلاف قولنا: هذا الشئ لا يمتنع فإن معناه لا بثبت له الامتناع ولما ذكر الشارح أن اللَّه امتناع فيه سلب ثبوت الامتناع فى نفسه وأورد بعد ذلك قوله فمعناه. . . إلخ. ناسب أن يقصد بالأول سلب ثبوت الامتناع للغير وبالثانى سلب ثبوته فى نفسه ولو اعتبر أن الامتناع مذكور فى الثانى بطريق الحمل فى القضية السالبة وفى الأوّل بطريق المبدأ للمحمول لا بطريق الحمل وجعل الثبوت للغير مخصوصًا بالثانى لينتظر الكلام وقيل أراد الشارح بقوله: فمعناه كون الشئ لا يمتنع أن الامتناع معتبر لا بطريق الحمل، وبقوله: لا ما ليس امتناعًا أن الامتناع معتبر بطريق الحمل لكان قوله: فإن المعدوم قد يثبت للمعدوم ويحمل عليه مانعًا من ذلك فإن هذا القول منه اعتراف بأن الثبوت للغير قد وقع فيما يكون بطريق الحمل قيل: المراد بالمعدوم الأوّل فى قوله: فإن المعدوم قد يثبت للمعدوم وهو العلم المأخوذ فى المعدوم والحمل هو حمل الاشتقاق فلا يكون هذا القول مانعًا إذ ليس هنا الثبوت للغير بطريق الحمل بالموأطاة.
قوله: (ونحن نقول مع تعلق إرادته) يعنى أن السلسلة لا تنقطع باختيار قدم تعلق إرادته بل يجرى الكلام فيه يعنى ما ذكره (^١) معنى كون الفعل مع المرجح لازمًا أن مجموع الفعل والمرجح لازم ومرجع اللزوم أى لزوم المرجح لأن الفعل قد فرض أنه غير لازم ويلزم من لزوم المرجح لزومه فعلى تقدير الشق الأوّل يكون
_________________
(١) قوله: يعنى ما ذكره. . . إلخ. كذا فى الأصل السقيم وحرر التركيب فإنه غير مستقيم ولا حول ولا قوة إلا باللَّه العلى العظيم. كتبه مصحح طبعة بولاق.
[ ٢ / ٦١ ]
اختياريًا إذ لا معنى للاختيارى إلا ما يترجح بالاختيار بدل على أن المراد من قوله: فمع المرجح يعود تقسيم أن الفعل على تقدير المرجح وكونه مجتمعًا مع إن كان الفعل لازمًا فاضطرارى فاللزوم وعدم اللزوم متعلق بالفعل فقط لا بالمجموع من الفعل والمرجح ولذا يصح الجواب الرابع، وتوضيح هذا الجواب أنا نختار أن الفعل يحتاج إلى مرجح وهو الاختيار وفى عود التقسيم مع المرجح نختار أن الفعل يجب بحسب المرجح ولازم معه وقول المعلل إن كان لازمًا فاضطرارى إذ لا معنى للاختيارى إلا ما يترجح بالاختيار.
المصنف: (لزم قيام المعنى بالمعنى) أى واللازم باطل لأنه يؤدى إلى كون الشئ حاصلًا غير حاصل لأن القيام معناه التبعية فى التحيز فيكون قيام العرض بالجوهر حلوله حيث الجوهر وتبعيته له فى التحيز وقيام العرض بالعرض لا معنى له حينئذٍ إلا أن العرض حيث العرض وحيث العرض هو حيث الجوهر فيكون قائمًا بالجوهر كالعرض المقوم به فهما معًا قائمان بالجوهر فلا قيام للعرض بالعرض والمصنف ترك بيان بطلان اللازم لشهرة بطلان قيام العرض بالعرض واقتصر على بيان الملازمة لكونها خفية فقال لأن حسن الفعل مثلا زائد عليه موجود فيكون معنًى وقد وصف الفعل به والفعل معنًى فيكون المعنى قائمًا بالمعنى وبين وجه زيادته ووجوده.
الشارح: (وإذا ثبت أن نقيضه سلب كان هو وجودًا وإلا ارتفع النقيضان) أى فقول المصنف لأن نقيضه سلب معناه ذلك، ويرد عليه أنه إن أراد بارتفاعهما ارتفاعهما بحسب الوجود الخارجى فلا نسلم بطلان اللازم، لأنه لا استحالة فيه اللاامتناع والامتناع، كان أراد ارتفاعهما بحسب الصدق فالملازمة ممنوعة.
الشارح: (وتحقيقه فى الكلام) حاصله أن أكثر العقلاء على عدم جواز قيام العرض بالعرض خلافًا للفلاسفة، والدليل على ذلك من وجهين الأول: أن قيام الصفة بالموصوف معناه تحيز الصفة تبعًا لتحيز الموصوف وهذا لا يتصور إلا فى المتحيز بالذات لأن المتحيز بتبعية غيره لا يكون متبوعًا لثالث إذ كونه متبوعًا لذلك الثالث ليس أولى من كونه تابعًا له والعرض ليس بمتحيز بالذات بل هو تابع فى التحيز للجوهر فلا يقوم به غيره، الثانى أن العرض القوم به إن قام بعرض آخر
[ ٢ / ٦٢ ]
عاد الكلام فيه وتسلسل وإلا فجميع تلك الأعراض المتسلسلة لا فى محل وقد عرف بطلانه لامتناع قيام العرض واحدًا أو أكثر بنفسه وإن انتهت إلى الجوهر فالكل قائم به لأن الكل تابع فى تحيزه لذلك الجوهر وحينئذٍ فلا يكون عرض قائمًا بعرض والفرض خلافه، وهذان الوجهان ضعيفان أما الأول فنمنع أن القيام هو التبعية فى التحيز بل هو الاختصاص الناعت وهو أن يختص شئ بشئ اختصاصًا يصير به الأول نعتًا لآخر والثانى منعوتًا به ألا ترى أن التحيز صفة للجوهر قائم به وليس تابعًا لتحيزه وإلا كان الشئ الذى هو التحيز مشروطًا بنفسه إن قلنا بوحدة التحيز القائم بذلك الجوهر إذ لا بد أن يقوم التحيز أولًا بالجوهر حتى يتبعه غيره فى التحيز فإذا كان ذلك الغير نفس التحيز فقد اشترط قيامه بالجوهر بقيامه بالجوهر وهو اشتراط الشئ بنفسه أو تسلسل إن قلنا بتعدد التحيز القائم بالجوهر وأيضًا صفات البارى قائمة به من غير شائبة تحيز، وأما الثانى فلأنه لا ينفى أن يقوم عرض بعرض وذلك بأن يقوم عرض بعرض مرتبًا إلى أن ينتهى إلى الجوهر فيكون بعضها تابعًا لذلك الجوهر ابتداء والبعض الآخر تابعًا للبعض الأول ولا يلزم أن الكل قائم بالجوهر وتابع له فى تحيزه ابتداء بل هناك ما يكون تابعًا بواسطة والقول بأن التابع لا يكون متبوعًا لآخر إذ ليس هذا أولى من عكسه ممنوع لجواز أن يكون أحدهما لذاته مقتضيًا لكونه متبوعًا ومحلًا والآخر لكونه تابعًا وحالًا ومحل النزاع هو قيام العرض بالعرض مع الانتهاء إلى الجوهر لا مع عدم الانتهاء فإنه مما لا يقول به أحد واحتج الفلاسفة بأن السرعة والبطء قائمان بالحركة فيقال: حركة سريعة وحركة بطيئة دون الجسم فلا يوصف بأنه سريع أو بطئ ما لم يلاحظ حركته ورد بأنهما ليسا عرضين ثابتين للحركة لا على مذهبنا ولا على مذهبهم أما على مذهبنا فإنهما من أوصاف الجسم المتحرك دون الحركة فمعنى البطء أن الجسم يسكن سكنات كثيرة فى زمان قطعه لمسافة ومعنى السرعة أن يسكن سكنات قليلة بالقياس إلى سكنات البطء وأما على مذهبهم فلجواز أن يكون طبقات الحركات ومراتبها المختلفة بالسرعة والبطء أنواعًا مختلفة بالحقيقة وليس ثم موجود إلا الحركة المخصوصة التى هى نوع من تلك الأنواع المختلفة الحقائق وأما السرعة والبطء فمن الأمور النسبية التى لا وجود لها فى الخارج ولذلك اختلف حال الحركة فيهما فإنها تكون سريعة بالنسبة إلى حركة بطيئة بالنسبة إلى أخرى. اهـ من المواقف
[ ٢ / ٦٣ ]
وشرحه.
الشارح: (بل قد يكون ثبوتًا) أى وقد يكون وجودًا كاللاموجود.
الشارح: (وأما عندنا فظاهر) وهو أنه لا دخل للعقل فى الحسن والقبح.
التفتازانى: (وهذا مما لا معنى له) أى لأنه لا يلزم من كون اللاحسن ليس سلبًا أن لا يكون ذاتيًا بل الأمر بالعكس.
التفتازانى: (ليس ههنا شئ يفيد عطفه عليه هذا المعنى) قد عطفه هذا البعض على قوله: لأن نقيضه وقدر فى المعطوف فصار هكذا لو لم يكن أى الحسن موجودًا لم يكن ذاتيًا.
التفتازانى: (فلأن الصفات السلبية قد تكون مما تقتضيه الذات) أى فلا نسلم أن العدمى لا يكون وصفًا ذاتيًا لأن كل أمر يكون مقتضيًا لاتصافه بنقيض مباينه فالإنسان مقتضٍ لاتصافه بكونه لا فرسًا فكونه لا فرسًا يقتضيه ذات الإنسان وليس كونه لا فرسًا موجودًا.
التفتازانى: (لا يكون وصفًا ثبوتيًا للذات) لأنه إذا كان سلبًا يصدق على المعدوم، والمعدوم لا يكون له صفة ثبوتية بل صفته تكون وهمية مقدرة كما ذكره الشارح، ويرد عليه أن الذاتى ليس بلازم أن يكون موجودًا وحينئذٍ لا مانع من أن يكون وصفًا ذاتيًا للمعدوم؛ كان لم يكن ثبوتيًا موجودًا والمعدوم ذات عند المعتزلة كما سيأتى فى العلاوة، وأشار إلى دفع هذا الإيراد بقوله: وهذا خلاف مذهبهم أى فمذهبهم: أن الحسن أو القبح وصف ثبوتى أى موجود؛ فكونه وجوديًا مسلم، ويرد عليه أنه لو كان الوجود مسلمًا لأدى إلى استدراك الاستدلال عليه المذكور.
التفتازانى: (لزم خلف الضرورة) هذا هو المعطوف عليه القدر وقوله ولم يكن الحسن ذاتيًا هو المعطوف وإنما لزم من عدم صدق اللاحسن على المعدوم أن الحسن ليس ذاتيًا لأنه إذا لم يصدق على المعدوم أنه ليس بحسن صدق عليه أنه حسن وإلا ارتفع النقيضان وإذا صدق عليه أنه حسن لم يكن ذاتيًا لأن المعدوم لا يوصف بالموجود.
التفتازانى: (على معنى أن الذاتى. . . إلخ) تحريف وصوابه على أن معنى الذاتى. . . إلخ. وهو ترقً فى الاعتراض فبعد أن اعترض بأن صدق اللاحسن
[ ٢ / ٦٤ ]
على المعدوم لا يحتاج إلى هذا البيان الخفى اعترض بأن الذاتى هنا معناه ما ليس إضافيًا بل أمر راجع إلى الذات سواء كانت الذات محققة أو مقدرة وحينئذ فلا نسلم أنه لو صدق على المعدوم أنه حسن لم يكن الحسن ذاتيًا وقوله بل: راجعة إلى الذات. . . إلخ. فيه سقط وحقه بل صفة راجعة إلى الذات أو بل أمر راجع إلى الذات.
التفتازانى: (والأظهر أن مقصود الشارح. . . إلخ) أى مع ورود اعتراض العلاوة المذكورة عليه.
التفتازانى: (وكأن الزائد مشعر بذلك) أى لأن معناه زائد على الموصوف قيشعر بأنه ليس قائمًا بنفسه بل بالموصوف.
التفتازانى: (أعنى كون المعنى قائمًا به) الأوضح أن يقول أعنى القيام كما قال السيد.
التفتازانى: (إنما يصح. . . إلخ) يعنى أن قيام الحسن بالفعل لا مانع منه على رأى الفلاسفة من أن قيام الصفة بالموصوف معناه الاختصاص الناعت لا التبعية فى التحيز وقوله فيتوجه قطعًا منع الملازمة أى فيقال لا نسلم لزوم قيام العرض بالعرض بمعنى التبعية فى التحيز أو منع بطلان اللازم أى لا نسلم أن قيام العرض بالعرض باطل بناء على أن القيام معناه الاختصاص الناعت.
التفتازانى: (مع أن كون الإمكان ثبوتيًا أى وجوديًا باطل بالاتفاق) أى فالدليلان على وجود الحسن قد وجدا فى الإمكان مع أنه ليس موجودًا اتفاقًا فقوله مع أن. . . إلخ. راجع للدليلين وبيان لتخلفهما فى الإمكان.
التفتازانى: (وهذا مع فساده وابتنائه على الفاسد) لعل قوله وابتنائه على الفاسد بيان لوجه فساده فكأنه قال وهذا فاسد لابتنائه على الفاسد وهو أن قول المصنف ولم يكن دليل ثانٍ على أن الحسن وجودى وتقدم أن الصفات السلبية قد تكون مما تقتضيه الذات فعلى تقدير أن الحسن عدمى لا يلزم أن لا يكون ذاتيًا.
التفتازانى: (فعلم. . . إلخ) أى من كلام الآمدى.
التفتازانى: (مع تحقيق إبطال دليله) أى بلزوم الدور وقوله على وجه يندفع به جواب الآمدى عن الاعتراض الأول ذلك الوجه هو أن صورة النفى لا تلزم أن تكون سلبًا أى عدم وجود فكون صورة النفى سلبًا موقوف على كون ما دخله
[ ٢ / ٦٥ ]
النفى وجودًا فلو استفيد كونه موجودًا من كون سورة النفى سلبًا لزم الدور وإنما اندفع به جواب الآمدى عن الاعتراض الأول لأنه قال فى الجواب استدلالًا على أن الإمكان وما معه من الأمور الاعتبارية أن مفهوم نقائضها سلب التقدير فيقال عليه إن الاستدلال على كون الإمكان وما معه من الأمور الاعتبارية بذلك دور إذ صورة النفى لا يلزم أن تكون سلبًا للتقدير فكون صورة النفى سلبًا للتقدير موقوف على كون ما دخله النفى تقديريًا فلو استفيد كون الإمكان تقديريًا من كون صورة النفى سلبًا للتقدير لزم الدور.
التفتازانى: (وتقريره) أى تقرير الاعتراض الثانى وقوله: على ما ذكره الجمهور إشارة إلى أن الشارح قد خالف فى تقريره الجمهور.
التفتازانى: (أو لأنها فى حكم النفى) تحريف وصوابه فى حكم النفى ومعنى كونها فى حكم النفى أنها النفى وأن الإضافة بيانية.
التفتازانى: (وهذا تقرير ظاهر) حاصله أن النفى ليس بلازم أن يكون سلبًا حتى يكون مقابله وجودًا فلا يعرف الوجود بالنفى إلا إذا عرف أن النفى سلب وهو موقوف على معرفة أن ما دخله النفى موجود فلو استفيد الوجود بالنفى لزم الدور وقوله والعدول عن الوجود إلى الثبوت أى فلم يقل قد يكون وجوديًا حتى يكون المعنى أن نفس النفى يكون وجوديًا كما فى اللامعدوم وقوله: وحمل الثبوت على معناه المصدرى أى لا على الوجود الذى هو الثبوت وقوله على ما هو رأى المعتزلة متعلق بقوله أعم.
قوله: (بالكنه) دفع به ما يقال من أنه لا يلزم من كونه ليس زائدًا على مفهوم الفعل أن يلزم من تعقل الفعل تعقله لجواز أن يتعقل الفعل بالعرضيات.
قوله: (لأن كل شئ يقتضى اتصافه بنقيض منافيه) كالإنسان فإنه يقتضى اتصافه بكونه ليس فرسًا كما تقدم.
قوله: (وليس لك أن تأخذه مسلمًا) أى كما يفيده قول السعد التفتازانى وهذا خلاف مذهبهم.
قوله: (كما أشير إليه) أى فى قوله: قيل لا حاجة إلى إثبات كونهما وجوديين هذا وقد قال الهروى على قول السيد: إن أريد بالصفة الحقيقية الصفة الوجودية هذا القول ضعيف لأنه لا يصح أن يريد الشارح ذلك وإنما أراد بقوله: إذ المعدوم
[ ٢ / ٦٦ ]
لا يكون له صفة بيان انتفاء كون الحسن وصفًا على التقدير المذكور، وبقوله: وكيف. . . إلخ. بيان انتفاء كونه ذاتيًا فكأنه قال: فلم يكن الحسن وصفًا إذ المعدوم لا يكون له صفة إلا بأمر معدوم وموهوم كونه صفة ولم يكن صفة ذاتية إذ الصفة المستندة إلى الذات والحقيقة لا تكون لما لا ذات ولا حقيقة له ويجوز أن يكون كون الحسن من الصفات المستندة إلى الذات والحقيقة بالمعنى الغالب مسلمًا لأنهم قائلون: بأن الحسن صفة للفعل والفعل معنًى أى عرض كما صرح به فى قوله: والفعل أيضًا معنًى وهو ظاهر وإذا كان الحسن صفة للعرض فهو صفة مستندة إلى الحقيقة والذات لأن العرض من الموجودات. اهـ بحذف. ولا يخفى أن هذا تكلف لا يغنى شيئًا فالظاهر ما قاله قدس سره.
قوله: (وما قيل من أنه لا يرد النقض بالإمكان) أى كما قال الآمدى وقوله فقد تبين بطلانه أى من أن وجود الحسن والقبح ليس مسلمًا عندهم وإلا لكان الاستدلال عليه مستدركًا.
قوله: (يعنى أن النفى إنما يرد على الثبوت وهو إما ثبوت الشئ فى نفسه. . . إلخ) يعنى أن المراد بالثبوت فى قول الشارح قد يكون النفى ثبوتًا الثبوت للغير وهو جزئى من مطلق الثبوت والجزئى الآخر ثبوت الشئ فى نفسه وهو الوجود فالمنفى على كل حال هو الثبوت الأعم لكن يرد أن الثبوت فى النفس ليس هو الوجود الخارجى بل أعم هذا وقرر الهروى كلام المحشى بأن قول الشارح ليس كل منفى موجودًا بل قد يكون ثبوتًا ليس معناه أنه قد يكون ثبوتًا وقد يكون وجوديًا بل معناه أن النفى لا يرد إلا على الثبوت.
قوله: (وليس له ثبوت فى نفسه ليقصد سلبه) قال الهروى: فإن قلت قصد سلب ثبوته فى نفسه لا يقتضى تحقق هذا الثبوت إذ يصح أن يقال: شريك البارى ليس بموجود قلت: الفرض، أنه إذا أردنا أخذ نقيض اللَّه امتناع يجب اعتباره على وجه لا يثبت النقيض فى المتنع بل الواجب تحقق اللَّه امتناع فى غيره ولو اعتبر سلب ثبوت الامتناع فى نفسه لتحقق اللاامتناع فى المتنع وغيره على وجه واحد. انتهى.
قوله: (ولو ذهبت. . . إلخ) أى لو ذهبت إلى ذلك وجعلت قوله لا ما ليس امتناعًا على ظاهره من سلب حمل الامتناع على شئ وجعلت الثبوت غير المنفى
[ ٢ / ٦٧ ]
فى اللاامتناع هو الثبوت الذى ليس بطريق الحمل كثبوت الامتناع للشريك فمعنى اللاامتناع نفى ثبوت الامتناع الذى هو ثابت للغير لا بطريق الحمل ومقابله هو الثبوت بطريق الحمل فمعنى اللاامتناع أن هذا الأمر ليس امتناعًا منعك قوله فإن المعدوم قد يثبت للمعدوم ويحمل عليه فإنه صريح فى أن الثبوت غير المنفى هو الثبوت بطريق الحمل فمقابله هو الثبوت للشئ فى نفسه فلا بد من تأويل فى قوله لا ما ليس امتناعًا.
قوله: (أى مطلقًا) أى سواء كان النفى للثبوت للغير أو لثبوت الشئ فى نفسه.
قوله: (وإن اشتهيت أن تعرف حقيقة الحال. . . إلخ) يشير إلى أن الجواب المذكور بلزوم الدور ليس فيه معرفة حقيقة الحال لأن المستدل لم يستدل بكون اللاحسن سلبًا على وجود المنفى بناء على أن مورد السلب لا يكون إلا وجودًا حتى يرد الدور بل استدل على وجود الحسن بكون اللاحسن سلبًا وأنه إذا لم يكن الحسن وجودًا ارتفع النقيضان فالمجيب إن سلم لزوم ارتفاع النقيضين لو لم يكن الحسن موجودًا تم الاستدلال ولا يلزم الدور وإلا فالجواب منع لزوم ارتفاع النقيضين على ما تقدم لك.
قوله: (ولا يجب ذلك) أى أن يكون النقيضان أحدهما وجوديًا والآخر عدميًا وقوله فى المعنى الأول تحريف أو أن فى بمعنى الباء والأصل بالمعنى الأول وهو أن الوجودى بمعنى الموجود والعدمى مقابله وقوله لجواز ارتفاعهما وذلك كالوجوب واللاوجوب فإنهما ليسا بموجودين فى الخارج قال فى المواقف: ارتفاع النقيضين بمعنى الخلو عنهما محال وأما بمعنى خلوهما عن الوجود فلا. اهـ. وكتب السيد على قوله محال أى مستحيل وأما يخلو مفهوم من الفهومات عنهما بأن لا يصدق شئ منهما عليه فلا يجوز أن لا يصدق على أمثلًا أنه واجب ولا أنه ليس بواجب أو لا يصدق عليه أنه ممتنع ولا أنه ليس بممتنع فكل مفهوم وجوديًا كان أو عدميًا مع نقيضه الذى هو رفعه يقتسمان جميع ما عداهما فلا يجتمعان فى شئ بأن يصدقا عليه معًا ولا يرتفعان عنه بأن لا يصدق عليه شئ منهما وكتب على قوله وأما بمعنى خلوهما عن الوجود فلا بل يجوز أن يكون الوجوب واللاوجوب وكذا الامتناع واللاامتناع معدومين معًا فى الخارج والسر فى ذلك أنك إذا اعتبرت ثبوت مفهوم الوجوب مثلًا لشئ كان نقيضه رفع ثبوته له فلا يجتمعان ولا
[ ٢ / ٦٨ ]
يرتفعان وإذا اعتبرت وجود مفهوم الوجوب فى نفسه كان نقيضه رفع وجوده فى نفسه فلا يجتمعان ولا يرتفعان أيضًا وليس نقيض وجود الوجوب فى نفسه وجود مفهوم اللاوجوب فى نفسه حتى يلزم من عدمية اللاوجوب أعنى ارتفاع وجوده فى نفسه أن يكون الوجوب موجودًا فى نفسه. اهـ.
قوله: (لدليل المقدمة والمدعى) يعنى أن الاعتراض الثانى نقض إجمالى للدليل على أن الفعل اضطرارى الذى هو إن كان صدوره. . . إلخ. لوجود هذا الدليل فى فعل البارى مع أنه ليس اضطراريًا فقد تخلف الحكم عن الدليل، والاعتراض الثالث نقض إجمالى للدليل على أن الحسن والقبح ليسا ذاتيين الذى هو أن فعل العبد اضطرارى وكل فعل اضطرارى لا يوصف بحسن ولا قبح ذاتيين لوجوده مع اتصاف الفعل بالحسن والقبح الشرعيين عند الخصم المستدل على نفى الحسن والقبح الذاتيين فقد تخلف الحكم عن الدليل وتخلف الحكم هنا من حيث إن الدليل ينفى الحسن والقبح الشرعيين أيضًا مع أنهما ثابتان فلا مانع من ثبوت الحسن والقبح العقليين أيضًا وهذا بعيد.
قوله: (ولهذا الجواب تقرير وافٍ فى الكلام) إشارة إلى ما ذكر فى مسألة خلق الأعمال من أن من قال: بأن العبد يخلق أفعال نفسه قائل: بأن صدور الفعل عن القادر يتوقف على أن يخلق اللَّه فيه الداعية للفعل وعند حصولها يجب حصول الفعل ولا يتمكن من الترك وهذا ينافى استقلال العبد بالفعل كان لم يناف تأثير قدرته فيه فلزم هذا القائل القول بأن العبد ليس موجودًا للفعل كما هو مذهب الأشاعرة وفى شرح مسلم الثبوت ما نصه بالاختصار وتحقيق المقام أنه عند إرادة العبد تتحقق الدواعى للفعل من التخيل الجزئى والشوق إليه فيصرف العبد اختياره المعطى من اللَّه سبحانه إلى الفعل وقد أجرى اللَّه عادته بإعطاء ما يصلح المادة إصلاحًا كاملًا وليس الشأن الإلهى أن يترك المادة المستعدة الطالبة بلسان الاستعداد عاربة عنه بإمساك الفيض عنه بل يخلق اللَّه تعالى الفعل فى المريد بجرى العادة فيتصف به هذا عند أهل الحق وأما عند المعتزلة فبعد تمام هذا الاستعداد يغلق العبد الفعل فليس الاختيار فى العبد إلا صرف القدرة والإرادة إلى الفعل سواء وجد بهذا الصرف كما هو عند المعتزلة أو لا كما هو عندنا وهذا لا ينافى الوجوب وأما فعل اللَّه تعالى فتحقيقه أن تتعلق إرادته فى الأزل بإيجاد ما علمه اللَّه تعالى صالحًا
[ ٢ / ٦٩ ]
للوجود على النظم الأتم فيوجد بهذا التعلق ما أراده مطابقًا لعلمه ويجب على اقتضائه وهذا التعلق هو الخلق بالاختيار ووجوب الإرادة لأجل الحكمة ووجوب الحكمة لكونها صفة كمالية واجبة الثبوت للبارى لا ينافى اختيار أنه مختار فيه وإن كان واجب الحصول لكونه على مقتضى إرادته وعلمه فى مسلم الثبوت بعد ذلك ما نصه فائدة فى تحقيق صدور الأفعال الاختيارية قال الجهمية الذين هم الجبرية حقًا: لا قدرة للعبد أصلًا وهذا سفسطة وعند المعتزلة له قدرة مؤثرة فى أفعاله وهم مجوس هذه الأمة وما فهموا أن الإمكان ليس من شأنه إفاضة الوجود وعند أهل الحق له قدرة كاسبة فعند الأشعرية ليس معنى ذلك إلا وجود قدرة متوهمة مع الفعل بلا مدخلية لها أصلًا قالوا ذلك كافٍ فى صحة التكليف والحق أنه كفء للجبر وعند الحنفية الكسب صرف القدرة المخلوقة إلى القصد المصمم إلى الفعل فلها تأثير فى القصد المذكور فيخلق اللَّه الفعل عقيب ذلك بالعادة والقصد من الأحوال غير موجود ولا معدوم فليس خلقًا بل إحداث ليس كالخلق بل أهون وقيل بل موجود فيجب حينئذٍ تخصيص القصد المصمم من عموم نصوص خلق اللَّه الفعل لأنه أدنى ما يتحقق به فائدة خلق القدرة ثم قال: وعندى أن العبد مختار بحسب الإدراكات الجزئية الجسمانية مجبور بحسب العلوم الكلية العقلية.
[ ٢ / ٧٠ ]
قال: (وعلى الجبائية لو حسن الفعل أو قبح لغير الطلب لم يكن تعلق الطلب لنفسه لتوقفه على أمر زائد، وأيضًا لو حسن الفعل أو قبح لذاته أو صفته لم يكن البارئ مختارًا فى الحكم لأن الحكم بالمرجوح على خلاف المعقول فيلزم الآخر فلا اختيار ومن السمع هو ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذّبينَ حَتَّى نبعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥]، لاستلزام مذهبهم خلافه).
أقول: الأدلة المذكورة لا تنتهض على الجبائية لأنه إذا كان بوجوه واعتبارات، اندفع الأول لجواز الاختلاف، والثانى لجواز الاجتماع، والثالث لأنه قد لا يكون معنى، والرابع لأن اللازم والاتفاقى قد يكون له جهات واعتبارات. فاحتج بما ينتهض عليهم وعلى غيرهم وهو من العقل والنقل. أما من العقل فوجهان:
أحدهما: أنه لو كان حسن الفعل وقبحه لأمر غير الطلب حاصل فى الفعل لم يكن تعلق الطلب لذاته واللازم باطل أما الملازمة فلتوقف تعلقه حينئذ على أمر زائد وما هو للشئ بالذات لا يتوقف على أمر زائد وأما بطلان اللازم فلأنا نعلم بضرورة العقل أن الطلب صفة ذات إضافة تستلزم مطلوبًا عقلًا ولا يعقل حقيقته إلا متعلقًا بمطلوب.
ثانيهما: أنه لو حسن الفعل أو قبح لذاته أو لصفة لم يكن البارئ مختارًا فى الحكم واللازم باطل بالإجماع.
بيان اللزوم أن الأفعال تكون حينئذ غير متساوية فى نفسها بالنسبة إلى الأحكام فإذا كان الفعل فيه أحد الحكمين راجحًا فالحكم بالمرجوح على خلاف المعقول، فيكون قبيحًا فلا يجوز عليه فيكون الحكم بالراجح متعينًا عليه وأنه ينفى الاختيار، وقد يقال: إن امتناع الفعل لقيام صارف القبح لا ينفى الاختيار.
وأما من السمع فقوله تعالى: ﴿وَمَا كنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥]، ولو كان الأحكام مدركها العقل لزم خلف ذلك وهو التعذيب قبل البعثة لتحقق الوجوب والخرم وهما يستلزمان التعذيب عندهم لمنعهم العفو. قوله: لاستلزام مذهبهم خلافه؛ يحتمل أن يريد به استلزام حكم العقل خلاف ما تقتضيه الآية والأقرب حمله على أن مذهبهم فى عدم جواز العفو يستلزم التعذيب قبل البعثة بترك الواجبات العقلية إشارة إلى أنه إلزامى وأنه لا يمتنع أن يقال بالوجوب العقلى مع نفى التعذيب قبل البعثة لجواز العفو.
[ ٢ / ٧١ ]
قوله: (وعلى الجبائية) سيتضح لك أن هذه الحجج الثلاث تنتهض على غير الجبائية أيضًا فيجب أن تكون الأدلة الأربعة السابقة مختصة بمن عداهم لا تنتهض عليهم وإلا لما كان لتخصيصهم بالذكر جهة أصلًا فلذا أشار إلى اندفاع الأدلة الأربعة عنهم أما الأول: فلجواز أن يختلف الفعل فيحسن تارة لتحقق الجهة الحسنة ويقبح تارة لتحقق الجهة المقبحة وأما الثانى: فلجواز اجتماع الحسن والقبح إذ لا تناقض عند اختلاف الاعتبار فيحسن الخبر المذكور من حيث إنه صدق ويقبح من حيث إنه مستلزم لكذب خبر آخر وأما الثالث: فلأن الحسن الذى ليس من الأوصاف الذاتية يجوز أن لا يكون وجوديًا بل اعتباريًا فلا يكون عرضًا وأما الرابع فلأن فعل العبد وإن كان لازمًا أو اتفاقيًا يجوز أن يشتمل على جهات واعتبارات بها يحسن ويقبح هذا وفى عدم انتهاض الأخيرين عليهم نظر.
قوله: (لو حسن الفعل أو قبح لغير الطلب) قد اعترف الشارح العلامة بتحيره فى تقرير هذا الدليل وقرره بوجهين أحدهما: ينتهض على جميع المعتزلة والآخر على القائلين بكون الحسن والقبح لصفات أو لجهات واعتبارات الأول: لو حسن الفعل أو قبح لغير الطلب أى لغير أمر الشارع أو نهيه سواء كان ذلك الغير ذات الفعل أو صفاته أو جهاته واعتباراته لم يكن تعلق الطلب لنفس الطلب ضرورة توقفه حينئذ على ذلك الغير واللازم باطل لأن تعلق الطلب بالمطلوب تعلق عقلى لا يتوقف على غيره لاستلزامه مطلوبًا عقلًا، فإذا حصل الطلب تعلق بنفسه بالمطلوب الثانى: لو حسن الفعل أو قبح لغير الطلب من الصفات والاعتبارات لم يكن الطلب لنفس الفعل المطلوب بل يتوقف على ما له من الصفات أو الجهات أو الاعتبارات لكنه تعلق عقلى لا يتوقف على شئ زائد على المطلوب، فبنى الأول على أن ضمير نفسه للمطلب والثانى على أنه للفعل ثم اعترض عليهما بما لا يخفى واختار بعض الشارحين التقرير الثانى لكن خص الغير بالجهات والاعتبارات ليكون حجة على الجبائية وحدهم وبين بطلان اللازم بأن التعلق نسبة بين الطلب والفعل والنسبة بين الأمرين لا تتوقف إلا على حصولهما والطلب قديم لا يتصور توقفه على حادث، فإذا حصل الفعل تعلق الطلب به من غير توقف على جهة واعتبار ثم اعترض بأنه يجوز أن يكون المطلوب هو ذلك الفعل بشرط مقارنة الجهة
[ ٢ / ٧٢ ]
الحسنة أو المقبحة فيتوقف التعلق على حصول المطلوب، أعنى الفعل المخصوص واختيار الشارح المحقق من الأول كون ضمير نفسه للطلب لأنه الملائم لقوله غير الطلب ومن الثانى تخصيص الغير بصفات الفعل واعتباراته دون ذاته؛ لأن توقف تعلق الطلب على ذات الفعل المطلوب مما لا سبيل إلى نفيه وحاصله أن تعلق الطلب بالفعل لو توقت على ما يعرض للفعل من الصفات أو يتعلق به من الجهات والاعتبارات لم يكن تعلق الطلب من لوازم الذات والجواب أنا لا نعنى أن الطلب يتحقق ولا يتعلق ما لم تعرض الصفات أو الاعتبارات، بل إنه لا يتحقق حينئذ فإن بنى ذلك على أن الطلب قديم فهو مع أنه لا ينتهض على المعتزلة يستلزم القول بقدم الفعل المطلوب أو بأنه قد يتحقق من غير تعلق بمطلوب متحقق.
قوله: (أو صفة) يعنى حقيقية لازمة أو اعتبارية عارضة لينتهض على الجبائية أيضًا.
قوله: (فيكون الحكم بالراجح متعينًا عليه) يعنى لابد فى الفعل من حكم البتة وإذا امتنع المرجوح تعين الراجح وحينئذ يندفع ما ذكره العلامة من أن هذا إنما يتم لو كان ترك الراجح مطلقًا قبيحًا وليس كذلك، إذ القبيح تركه مع الإتيان بالمرجوح.
قوله: (وقد يقال) اعتراض على الدليل المذكور بمنع المقدمة الفائلة بأن تعين الحكم بالراجح ينفى الاختيار والجواب عنه بأن أفعال اللَّه تعالى لا تعلل بالحكم والأعراض لا يستقيم على أهول المعتزلة فلا يقوم حجة عليهم.
قوله: (لتحقق الوجوب) أى بحكم العقل.
قوله: (وتحقق الخرم) أى الإخلال بالواجب بحكم الضرورة.
قوله: (استلزام حكم العقل) يعنى أن حكم العقل بحسن الأفعال وقبحها يستلزم التعذيب قبل البعثة والآية تقتضى عدم التعذيب وهو ثابت فينتفى حكم العقل.
قوله: (وأنه لا يمتنع) يعنى أن فى قوله لاستلزام مذهبهم خلافه إشارة إلى أن مجرد القول بالوجوب العقلى لا يستلزم القول بالتعذيب قبل البعثة بل هو مع القول بعدم جواز العفو.
قوله: (لأنه إذا كان) أى الحسن أو القبح (بوجوه واعتبارات) عقلية مختلفة
[ ٢ / ٧٣ ]
(اندفع) الدليل (الأول لجواز الاختلاف) حينئذ بحسب اختلاف الوجوه إنما لا يجوز ذلك إذا استند إلى الذات أو إلى الصفة اللازمة (و) كذا اندفع (الدليل الثانى جواز الاجتماع) بين الحسن والقبح بحسب الاعتبارات المختلفة ولا يجوز ذلك على تقدير الاستناد إلى الذات وهو ظاهر ولا على تقدير الاستناد إلى الصفة اللازمة لاستنادها إلى الذات فيرجع إلى الأول وكذا اندفع الثالث؛ لأن الحسن أو القبح المستند إلى الاعتبارات قد يكون أمرًا اعتباريًا لا موجودًا محققًا فلا يكون عرضًا قائمًا ليلزم المحذور (و) كذا (الرابع لأن) الفعل (اللازم والاتفاقى قد يكون له جهات واعتبارات) بحسبها يتصف بالحسن والقبح إنما لا يتصف بذلك من حيث ذاته ولا من حيثية راجعة إليه.
قوله: (لو كان حسن الفعل وقبحه لأمر غير الطلب) أى من الشارع بالأمر والنهى حاصل فى الفعل سواء كان ذلك الأمر ذات الفعل أو صفة له حقيقية أو اعتبارية لم يكن تعلق الطلب بالفعل لذات الطلب لتوقف التعلق حينئذ على أمر زائد على الطلب هو منشأ الحسن أو القبح أو على أمر زائد عليه هو الحسن أو القبح الحاصل من غيره، وباقى الكلام واضح وفيه بحث لأن تعلق الطلب بالفعل نسبة بينهما متوقفة عليهما قطعًا؛ لأن الطلب لا يمكن وجوده خارجًا ولا ذهنًا بدون المطلوب متعلقًا به فلذلك كان التعلق لازمًا له فلو فرضنا: أن ذات الفعل منشأ الحسن أو القبح، وأن تعلق الطلب متوقف عليه لم يكن فيه استحالة وأما أن التعلق ثابت له لذاته فإن أريد به أنه لا يتوقف على شئ مغاير للطلب فهو ممنوع، وإن أريد أنه مستلزم إياه بحيث يمتنع انفكاكه عنه فهو مسلم لكن توقفه على المطلوب لا ينافى ذلك لاستلزامه إياه أيضًا، كان فرض أن تعلقه باعتبار حسنه أو قبحه فإما أن يجعل الحسن مثلًا قيدًا للفعل المطلوب؛ بأن يكون المطلوب هو الفعل الموصوف بالحسن من حيث هو كذلك كان من تتمة المطلوب فلا يلزم من توقف التعلق عليه محذور، وإما أن يجعل غاية للطلب فلا امتناع أيضًا لأن وجود الطلب حينئذ متوقف عليه فضلًا عن تعلقه ولا يقدح ذلك فى الاستلزام لا يقال: حسن الفعل وقبحه، وما يستندان إليه أمور حادثة فلا يتوقت عليها الطلب وتعلقه القديمان، لأنا نقول: الطلب عند المعتزلة حادث على أنه متوقف على العلم بها لا على وجودها فى الخارج وقس على ذلك استناد الحسن إلى الصفة حقيقية كانت
[ ٢ / ٧٤ ]
أو اعتبارية ومنهم من خص الدليل بإبطال القول بالصفة؛ فقال: لو كان حسن الفعل وقبحه لغير الطلب من الاعتبارات لم يكن تعلق الطلب بالفعل لنفس الفعل بل لأجل ذلك الاعتبار، ثم منع أن الطلب يتعلق بالفعل من حيث هو لجواز تعلقه به من حيث هو على الجهة المذكورة.
قوله: (فإذا كان الفعل فيه أحد الحكمين راجحًا) يعنى: إذا كان أحد الحكمين راجحًا فى الفعل من الحكم الآخر كالأمر الراجح على النهي بالقياس إلى الحسن، فالحكم بالمرجوح أى الإتيان بالحكم المرجوح على خلف ما يقبله العقل ويرتضيه فيكون قبيحًا فلا يجوز عليه؛ فيكون الإتيان بالحكم الراجح متعينًا عليه إذ تركه أيضًا قبيح فلا اختيار وغيره قد اعتبر رجحان تعلق الحكم بفعل على تعلقه بآخر فقال: لا يجوز تعلقه بما هو مرجوح بالقياس إليه فيلزم أن يتعلق بما هو راجح بالنسبة إليه فيكون ضروريًا لا اختيار فيه.
قوله: (وقد يقال) حاصله: أن امتناع الإتيان بالحكم المرجوح لقيام صارف القبح العقلى لا ينفى اختيار الفاعل وقدرته عليه كما أن وجوب الإتيان بالحكم الراجح لقيام داعى الحسن إليه لا ينفيه أيضًا.
قوله: (لتحقق الوجوب والخرم) بفتح الخاء المعجمة أى: ترك الواجب من خرم منه شيئًا إذا نقصه أو من خرم الدليل عن الطريق إذا عدل عنه.
قوله: (سواء كان ذلك الأمر ذات الفعل) أى الأمر الذى هو غير الطلب وحاصل فى الفعل ووجه كونه فى الفعل على تقدير أن يكون ذات الفعل أن بعض الأفعال له حقيقة متركة بين الأشخاص يعرض له الحسن أو القبح باعتبار تلك الحقيقة كالصدق والكذب؛ فإن حقيقة الصدق مشتركة بين صدق هذا الخبر وذاك الخبر وبين هذا الشخص وذاك الشخص وهذه الحقيقة المشتركة علة للحسن لا مجموع الحقيقة والخصوصية فلا شك فى وقوع الشخص طرفًا للحقيقة المشتركة فهذه الطرفية معشرة بأن من قال حسن الفعل وقبحه لذاته لم يرد أن ذاته الشخصية علة لهما بل الذات والحقيقة المشتركة على الوجه الذى ذكر.
قوله: (وإما أن يجعل غاية للطلب) بأن يطلب شخص حسن الفعل وحينئذ يتوقف الطلب وتعلقه بالفعل على أن يكون ذلك الفعل مما له حسن وإلا لم
[ ٢ / ٧٥ ]
تحصل الغاية.
قوله: (وغيره قد اعتبر رجحان تعلق الحكم) بأن يقال تعلق الأمر مثلًا بالحسن راجح على تعلقه بالقبح وقد يجعل هذا الغير الأفعال راجحة ومرجوحة بالنسبة إلى الحكم فإن الفعل الحسن راجح على الفعل القبيح بالنسبة إلى الأمر والفعل القبيح راجح على الفعل الحسن بالنسبة إلى النهى على خلاف ما ذكر من أن الأمر راجح على النهى بالقياس إلى الفعل الحسن والنهى راجح على الأمر بالقياس إلى الفعل القبيح.
قوله: (لقيام صارف القبح العقلى لا ينفى اختيار الفاعل) وذلك لأن معنى كونه مختارًا أنه تعالى يصح منه الفعل والترك بالنظر إلى ذاته ونفس الفعل وذلك لا ينافى الوجوب والامتناع بالنظر إلى الغير والمعتزلة قائلون بذلك.
التفتازانى: (وفى عدم انتهاض الآخرين عليهم نظر) وذلك لأنهما ثابتان ولو كان الحسن والقبح لوجه واعتبار فى الفعل إذ يقال: إن الحسن موجود لأن نقيضه لا حسن وهو سلب. . . إلخ. ويقال: إن فعل العبد اضطرارى لأن صدوره. . . إلخ.
التفتازانى: (قد اعترف الشارح العلامة) أى الشيرازى شارح هذا المختصر.
التفتازانى: (أو جهاته واعتباراته) عطف اعتباراته على جهاته عطف تفسير.
التفتازانى: (لاستلزامه أى الطلب مطلوبًا) أى فلا بد من التعلق فيكون التعلق ذاتيًا.
التفتازانى: (ثم اعترض عليهما بما لا يخفى) لعله أنه إذا كان المطلوب هو الفعل الموصوف بالحسن كان الطلب متعلقًا بنفسه بالمطلوب.
التفتازانى: (ومن الثانى تخصيص الغير بصفات الفعل واعتبار أنه دون ذاته) أى لقوله حاصل فى الفعل فلا يشمل ذات الفعل وهو خلاف تقرير السيد كلام الشارح.
التفتازانى: (لم يكن تعلق الطلب من لوازم الذات) لتحقق الطلب بدونه عند عدم ما يعرض للفعل من الصفات أو يتعلق به من الاعتبارات، وقوله: والجواب أنا لا نعنى أن الطلب. . . إلخ. أى لا نعنى بتوقف الطلب على الصفات
[ ٢ / ٧٦ ]
والاعتبارات أن الطلب يتحقق ولا يتعلق إلا إذا عرضت الصفات أو الاعتبارات حتى ينافى كون تعلق الطلب من لوازم الذات بل نعنى أنه لا يتحقق الطلب، وقوله: فإن بناء ذلك أى بناء كون تعلق الطلب بالفعل لو توقف على ما يعرض للفعل من الصفات والاعتبارات لم يكن تعلق الطلب من لوازم الذات على أن الطلب قديم والتعلق إذا كان من لوازمه لم يتوقف على ما يعرض للفعل من الصفات والاعتبارات فلا ينتهض على المعتزلة لأن الطلب ليس قديمًا عندهم ويستلزم قدم الفعل أو أن الطلب يتحقق من غير مطلوب متحقق.
التفتازانى: (بحكم الضرورة) إذ لا شبهة فى أن العقلاء كانوا يتركون الواجبات.
قوله: (قد يكون أمرًا اعتباريًا لا موجودًا محققًا) يرد أن دليل كونه موجودًا محققًا متحقق أيضًا على هذا.
قوله: (بحسبها يتصف بالحسن والقبح) يرد أن كون الفعل الاضطرارى أو الاتفاقى لا يوصف بالحسن والقبح ثابت ولو كان وصفه بهما لوجه واعتبار ولذا قال السعد وفى عدم انتهاض الآخرين عليهم نظر.
قوله: (سواء كانت ذات الفعل) أى ماهيته المشتركة بينه وبين أمثاله كصدق أن زيدًا قائم فإن ذات الصدق الكلية مشتركة بينه وبين الأخبار الصادقة فهذه الذات المشتركة يصدق عليها أنها فى الفعل أى الجزئى فقول الشارح حاصل فى الفعل يشمل ذات الفعل لأنها حاصلة فيه وجرى السعد على الظاهر من قوله حاصل فى الفعل فقصره على الصفة حقيقية أو اعتبارية.
قوله: (فهو ممنوع) أى: لظهور توقفه على المطلوب أيضًا.
قوله: (أنه) أى الطلب مستلزم إياه أى التعلق.
قوله: (لكن توقفه) أى الطلب وقوله لا ينافى ذلك أى استلزام الطلب للتعلق وقوله لاستلزامه أى الطلب إياه أى المطلوب وقوله كان من تتمة المطلوب لو أبدل قوله فإما أن يجعل الحسن بقوله فإن جعل الحسن أو إبدال كان من تتمة المطلوب بقوله فيكون من تتمة المطلوب لكان أحسن.
قوله: (وأما أن يجعل غاية الطلب) أى أن الطلب له ففى الأول المطلوب الفعل الموصوف بالحسن وفى هذا الوجه المطلوب الفعل لما فيه من الحسن.
[ ٢ / ٧٧ ]
قوله: (على العلم بها) أى وهو متقدم فى التعقل.
قوله: (أن تركه أيضًا قبيح) رد على العلامة الشيرازى حيث قال: إن هذا إنما يعتبر لو كان ترك الراجح قبيحًا مطلقًا وليس كذلك إذ القبيح تركه مع الإتيان بالمرجوح.
قوله: (رجحان تعلق الحكم بفعل على تعلقه بآخر) أى كتعلق الأمر بالحسن على تعلقه بالقبح وقد يجعل هذا الغير الأفعال راجحة ومرجوحة بالنسبة إلى الحكم فإن الفعل الحسن راجح على الفعل القبيح بالنسبة إلى الأمر والفعل القبيح راجح على الفعل الحسن بالنسبة إلى النهى.
[ ٢ / ٧٨ ]
قال: (قالوا: حسن الصدق النافع والإيمان وقبح الكذب الضار والكفران معلوم بالضرورة من غير نظر إلى عرف أو شرع أو غيرهما والجواب المنع بل بما ذكر، قالوا: إذا استويا فى المقصود مع قطع النظر عن كل مقدر آثر العقل الصدق وأجيب بأنه تقدير مستحيل فلذلك يستبعد منع إيثار الصدق ولو سلم فلا يلزم فى الغائب للمقطع بأنه لا يقبح من اللَّه تمكين العبد من المعاصى ويقبح منا، قالوا: لو كان شرعيًا لزم إفحام الرسل فيقول لا أنظر فى معجزتك حتى يجب النظر ويعكس أو لا يجب حتى يثبت الشرع ويعكس، والجواب أن وجوبه عندهم نظرى فيقول بعينه على أن النظر لا يتوقف على وجوبه ولو سلم فالوجوب بالشرع نظر أو لم ينظر ثبت أو لم يثبت. قالوا: لو كان ذلك لجازت المعجزة من الكاذب ولامتنع الحكم بقبح نسبة الكذب إلى اللَّه قبل السمع والتثليث وأنواع الكفر من العالم بخلافه وأجيب بأن الأول إن امتنع فلمدرك آخر والثانى ملتزم إن أريد به التحريم الشرعى).
أقول: للمعتزلة فى إثبات حكم العقل وجوه:
قالوا: أولًا: حسن الصدق النافع والإيمان وقبح الكذب الضار والكفران معلوم بالضرورة من غير النظر إلى شرع أو عرف أو غيرهما من عادة أو مصلحة أو مفسدة ونحوها ولذلك اتفق عليه العقلاء من غير اختلاف مع اختلاف شرعهم وعرفهم وغرضهم وعادتهم وقال به من لا يتشرع فدل على أنه ذاتى.
الجواب: منع كونه معلومًا بالضرورة بل بأحد ما ذكر من الشرع أو العرف أو غيرهما أو نمنع الضرورة فى الحسن والقبح بالمعنى المتنازع فيه بل بأحد ما ذكر من التغيرات الثلاث.
قالوا: ثانيًا: إذا استوى الصدق والكذب فى جميع المقاصد مع قطع النظر عن كل مقدر يصلح مرجحًا للصدق آثر العقل الصدق ولولا أنه ذاتى ضرورى لما كان كذلك.
والجواب: أن يقال لا استواء فى نفس الأمر لأن لكل واحد منهما لوازم فإذًا تقدير تساويهما تقدير مستحيل فيمنع إيثار الصدق على ذلك التقدير وإن كان مما يؤثر فى الواقع وإنما يستبعد ذلك لأنه لا يلزم من فرض التساوى وقوعه وإنما يتبادر الذهن إلى الجزم بإيثار الصدق مع التقدير فيغلط ويظن أنه جزم بإيثاره عند وقوع
[ ٢ / ٧٩ ]
المقدر والفرق بينهما غير خفى ولو سلم ذلك فى الشاهد أى فى حقنا فلا يلزم فى الغائب أى فى حق اللَّه تعالى لتعذر القياس فيه فإنا نقطع بأن اللَّه تعالى لا يقبح منه تمكين العبد من المعصية وأنه منا قبيح إذ يحرم على السيد تمكين عبده من المعاصى إجماعًا.
قالوا: ثالثًا: لو كان شرعيًا لزم إقحام الرسل فلا تنهيد البعثة وبطلانه ظاهر بيانه إذا قال الرسول: انظر فى معجزتى كى تعلم صدقى فله أن يقول لا أنظر فيه حتى يجب على النظر وأنه لا يجب حتى أنظر أو يقول لا يجب علىّ حتى يثبت الشرع ولا يثبت الشرع حتى أنظر وأنا لا أنظر ويكون هذا القول حقًا ولا سبيل للرسول إلى دفعه وهو حجة عليه وهو معنى الإفحام.
الجواب: أما أولًا: فبأنه مشترك الإلزام لأنه وإن وجب عندهم بالعقل فليس ضروريًا لتوقفه على إفادة النظر للعلم مطلقًا وفى الإلهيات خاصة وعلى أن المعرفة واجبة وأنها لا تتم إلا بالنظر وأن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب والكل مما لا يثبت إلا بالنظر الدقيق وإذا كان وجوبه نظريًا فللمكلف أن يقول: ما تقدم بعينه وهو أنه لا يجب ما لم أنظر ولا أنظر ما لم يجب أو لا يجب ما لم يحكم العقل بوجوبه ولا يحكم ما لم يجب.
وأما ثانيًا: فبالحل وهو أن قوله: لا أنظر حتى يجب؛ غير صحيح لأن النظر لا يتوقف على وجوب النظر وهو ظاهر وقد يقال: فلا يمكن إلزامه النظر وهو معنى الإفحام ولو سلم أن النظر يتوقف على وجوبه فقوله: لا يجب حتى أنظر أو حتى يثبت الشرع؛ غير صحيح، فإن الوجوب عندنا ثابت بالشرع نظر أو لم ينظر ثبت الشرع أو لم يثبت لأن تحقق الوجوب لا يتوقف على العلم به وإلا لزم الدور وليس ذلك من تكليف الغافل فى شئ فإنه يفهم التكليف وإن لم يصدّق به.
قالوا: رابعًا: لو كان ذلك أى لو تحقق كونه شرعيًا للزم محالان:
أحدهما: فى فعل اللَّه تعالى وهو أن لا يقبح مند فلا شئ يمتنع عليه شئ فيلزم جواز إظهار العجزة على يد الكاذب وفيه سد باب إثبات النبوة وأن يمتنع الحكم بقبح نسبة الكذب إليه قبل السمع ويلزم أن لا يجزم بصدقه أصلًا لأنه مما لا يمكن إثباته بالسمع لأن حجية السمع فرع صدقه تعالى إذ لو جاز كذبه لم يكن تصديقه للنبى دالًا على صدقه فينسد باب إثبات النبوة وترتفع الثقة عن كلامه.
[ ٢ / ٨٠ ]
ثانيهما: فى فعل العبد وهو أن لا يقبح التثليث ونسبة الزوجة والولد والكفء إليه تعالى وأنواع الكفر من العالم بخلافه قبل السمع وبطلانه ضرورى.
والجواب عن الأول لا نسلم امتناع إظهار العجزة على يد الكاذب والكذب على اللَّه تعالى امتناعًا عقليًا كنا نجزم بعدمه لأنهما من الممكنات وقدرته شاملة ولو سلم امتناعه فلا نسلم أن امتناع القبح العقلى يستلزم انتفاءه لجواز أن يمتنع لمدرك آخر إذ لا يلزم من انتفاء دليل معين انتفاء العلم بالمدلول.
وعن الثانى أنه لو أريد بقبح التثليث التحريم الشرعى وهو المنع عنه من قبل اللَّه تعالى الذى هو المتنازع فيه التزمنا عدم قبحه وإن أريد به معنى آخر فلا يضرنا لأنه إثبات لغير المتنازع فيه.
قوله: (بل بأحد ما ذكر) المعنى الأول هو الظاهر والثانى تكلف محض معناه لا نسلم أن حسن الصدق النافع والإيمان وقبح الكذب الضار والكفران بمعنى استحقاق الثناء والذم فى حكم الشارع أو بمعنى وجود الحرج وعدمه ضرورى؛ بل بمعنى موافقة الغرض ومخالفته فالأحد معين لكن أبهمه لكونه كافيًا فى المقصود أعنى عدم ثبوت المتنازع فيه الذى هو أحد الأخيرين بالتعيين ولا دلالة فى هذا على أنه بأى معنى يوجد لا يثبت المتنازع حتى يفهم منه أن محل النزاع غير التفسيرات الثلاث؛ وكأن فى قوله أو نمنع بلفظ الفعل إيماء إلى أن هذا ليس تفسير والكلام المتن بل منعًا آخر.
قوله: (فإذًا تقدير تساويهما) يعنى إذا كان لكل منهما لوازم مخالفة للوازم الآخر كان تقدير تساويهما من جميع الوجوه تقدير أمر مستحيل وحينئذ لا نسلم أن العقل يؤثر الصدق على ذلك التقدير أى عند وقوع التساوى بل لا يؤثر الصدق ولا الكذب، وإن كان يؤثره فى الواقع لعدم وقوع المقدر فإن قيل إيثار الصدق عند وقوع التساوى مما لا يكاد يجزم به العقل ويستبعد منعه قلنا: لأنه يلتبس عليه حال وقوع التساوى بحال فرضه وتقديره فيظن أن جزمه بإيثار الصدق عند فرض التساوى وتقديره جزم بإيثاره عند وقوع التساوى، وكما يستبعد منعه عند تقدير الوقوع يستبعد منعه عند وقوع المقدر والفرق بينهما غير خفى على المتأمل لأن الجزم مع التقدير جزم فى حال عدم التساوى بل نرجح الصدق والجزم عند وقوع
[ ٢ / ٨١ ]
المقدر جزم فى حال التساوى وعدم الترجح، فالإيثار فى الأول لمرجح وفى الثانى لا لمرجح فقوله: لأنه لا يلزم من فرض التساوى وقوعه معناه أن توجه منع إيثار الصدق إنما هو حال وقوع التساوى لا حال فرضه فعند الفرض إنما كان يتوجه لو كان مستلزمًا للوقوع فحيث لم يستلزم يستبعد المنع وقوله فى المتن فلذلك يستبعد معناه أن منع إيثار الصدق إنما يستبعد؛ لأن تقدير التساوى تقدير أمر مستحيل لا يتصور وقوعه حتى لو كان أمرًا ممكنًا ربما يقع مع التقدير لم يستبعد معه المنع كما لا يستبعد مع الوقوع وشرح هذا المقام على ما ذكره المحقق مما لم يحم حوله أحد.
قوله: (ولو سلم ذلك) أى كون حسن الصدق ذاتيًا فى حقنا فلا يلزم كونه كذلك فى حق اللَّه حتى يصح حكم العقل قبل ورود الشرع أن فاعله يستحق الثناء فى حكم اللَّه تعالى.
قوله: (تمكين العبد) أى إقداره وترك قسره وإلجائه إلى الطاعة، فلا يرد ما ذكره العلامة من أن فعل العبد بقدرته لا بقدرة اللَّه تعالى فلا تمكين منه.
قوله: (ولا يثبت الشرع حتى أنظر) لم يقل حتى يجب النظر على ما هو صريح العكس لأن المنع عليه ظاهر بل أشار إليه بقوله: وأنا لا أنظر أى حتى يجب فلزم الإفحام وخفى المنع.
قوله: (والكل مما لا يثبت) إشارة إلى دفع الاعتراض بأن وجوب النظر من النظريات الجليلة التى تسمى فطرية القياس.
قوله: (وأما ثانيًا فبالحل) أشار إلى رد المقدمة الأولى أعنى لا أنظر حتى يجب ولما كان دفعه ظاهرًا وهو أن معنى الإفحام أنه لا يمكنه إلزام النظر إلا بعد الوجوب فله أن يقول لا أنظر ما لم يجب وإن جاز النظر بدون الوجوب أشار إلى رد المقدمة الثانية بأن قوله لا يجب النظر ما لم أنظر أو ما لم يثبت الشرع ليس بصحيح؛ لأن النظر إنما يكون للعلم بالشئ وثبوته عند الناظر لا لثبوته وتحققه فى نفس الأمر فالوجوب عندنا ثابت بالشرع نظر أو لم ينظر ثبت الشرع عندنا أو لم يثبت من غير توقف على العلم به؛ لأن العلم بالوجوب وقوف على الوجوب فلو توقف عليه لزم الدور ولما اعترض بعضهم بأن هذا تكليف للغافل وأجاب بأنه جائز فى هذه الصورة للضرورة أشار إلى إبطاله بقوله: وليس ذلك أى وجوب النظر قبل النظر وثبوت الشرع عنده من تكليف الغافل فى شئ لأن معناه أن لا
[ ٢ / ٨٢ ]
يفهم التكليف والخطاب وههنا قد فهمه وإن لم يصدق به ولم يعلم أنه مكلف.
قوله: (للزم محالان) ظاهر كلام المصنف وصريح كلام الآمدى هو أن الأول جواز إظهار المعجزة والثانى امتناع الحكم بقبح الأمور المذكورة وتكلف الشارح فجعل الأول جواز إظهار المعجزة وامتناع الحكم بقبح نسبة الكذب إليه والثانى عدم قبح التثليث ونحوه وجعل نسبة الكذب بمعنى انتسابه إلى اللَّه تعالى وكونه كاذبًا ليكون فعل اللَّه وإلا فظاهر أن نسبة الكذب إليه فعل العبد كنسبة الزوجة والولد والكفء. وذلك لأنه لو أجرى كلام المصنف على ظاهره لما كان لتوسيط قوله: قبل السمع بين نسبة الكذب والتثليث جهة بل كان المناسب تقديمه على الكل أو تأخيره عنه فليتأمل.
قوله: (من العالم بخلافه) أى ممن يعلم خلاف كل ما ذكر من المحالات وقيد بذلك لأنه ربما لا يحكم العقل بقبح صدور هذه الأمور من الجاهل.
قوله: (معلوم بالضرورة) أى معلوم بلا كسب، وهذا العلم الضرورى حاصل من غير نظر والتفات إلى شرع وغيره فيكون بديهيًا أو معلومًا بالبديهة فيكون قوله: من غير النظر بمنزلة التفسير مبالغة وتأكيدًا.
قوله: (ونحوها) أى من أخلاق تابعة لأمزجة، والحاصل أنه إذا نظرنا إلى الصدق النافع من حيث هو ونسبنا الحسن إليه وقطعنا النظر عن جميع ما عداه حكم العقل بأنه حسن حكمًا ضروريًا لا توقف فيه، فلو لم يكن الحسن له فى ذاته بل كان مستفادًا من شرع أو غيره لم يحكم بذلك لتوقفه حينئذ على ملاحظة ما استند إليه حسنه وكذا الحال فى قبح الكذب الضار وإذا ثبت كونهما عقليين فى هذه الأفعال ثبت فيما عداها؛ إذ لا قائل بالفصل، والجواب: منع كونه معلومًا بالضرورة مع قطع النظر عن المذكورات بل هو معلوم بأحدها، أو الجواب بمنع الضرورة؛ أى لا نسلم أن العقل مع قطع النظر عن الأمور المذكورة يحكم بالحسن أو القبح بالمعنى الذى وقع النزاع فيه وقد حققناه فى صدر الكتاب بل يحكم بهما بأحد المعانى الثلاثة المذكورة هناك.
قوله: (مع قطع النظر عن كل مقدر يصلح مرجحًا) أى: من الاعتقادات والشرائع والأقوال المستدعية للميل إليه والبرهان الدال على حسنه آثر العقل
[ ٢ / ٨٣ ]
الصدق، ولولا أن حسنه ثابت له فى ذاته ومعلوم بالضرورة لما كان كذلك، والجواب أن يقال: لا استواء بين الصدق والكذب فى نفسر الأمر من جميع الوجوه (لأن لكل واحد منهما لوازم) منافية للوازم الآخر أقلها المطابقة واللامطابقة (فإذًا تقدير تساويهما) فى جميع المقاصد والجهات (تقدير) أمر (مستحيل) فيتوجه منع التقدير (فيمنع إيثار الصدق على ذلك التقدير، وإن كان مما يؤثر فى الواقع وإنما يستبعد) منع إيثار الصدق على ذلك التقدير (لأنه لا يلزم من فرض التساوى) بينهما (وقوعه) فى نفس الأمر فهنا شيئان نفس التقدير وهو أمر واقع لا استحالة فيه ووقوع المقدر هو المستحيل ومنع الإيثار إنما هو على الثانى لا الأول وليس بمستبعد فى نفسه لجواز استلزام المحال للمحال (وإنما) يستبعده الذهن؛ لأنه (يتبادر إلى الجزم بإيثار الصدق مع) وجود (التقدير فيغلط ويظن أنه جزم بإيثاره عند وقوع المقدر والفرق) بين الجزمين الحاصل والمظنون أو بين نفس التقدير ووقوع المقدر (غير خفى ولو سلم ذلك) أى كون الحسن والقبح للفعل فى ذاته (فى حقنا) بما ذكرتم من الدليل (فلا يلزم ذلك فى حق اللَّه تعالى) وكلامنا فيه؛ لأن البحث عن الحسن والقبح بالإضافة إلى أحكام اللَّه تعالى لعدم جريانه فى حقه تعالى ولا يمكن القياس لأنا نقطع بالفرق إجماعًا لا يقال: إذا سلم أن الحسن مثلًا ذاتى للفعل وما يستند إلى ذات الشئ لا يختلف أصلًا فيلزم ثبوته فى حقه تعالى أيضًا، لأنا نقول: ما ذكرتم إنما يدل على أن للصدق حسنًا قائمًا بذاته، وأما إنه مقتضى ذاته من حيث هى فلا وحينئذ جاز الاختلاف بالمقايسة.
قوله: (لزم إفحام الرسل) أى: إسكاتهم وعجزهم عن إثبات النبوة.
قوله: (فله أن يقول: لا أنظر فيه) أى فى المعجز (حتى يجب علىَّ النظر) فيه إذ له أن يمتنع عما لم يجب عليه وأن النظر فيه لا يجب علىَّ حتى أنظر فيه إذ لا وجوب بالفرض إلا من الشرع فوجوب النظر فيه يتوقف على ثبوت الشرع المتوقف على النظر فيه فيتوقف كل من النظر فيه ووجوبه على الآخر، وله أن يقول: هذا المعنى بعبارة أوضح، فيقول: لا يجب علىَّ النظر فيه حتى يثبت الشرع لما عرفت ولا يثبت الشرع حتى أنظر وأنا لا أنظر ما لم يجب، وإذا بطل كونه شرعيًا ثبت كونه عقليًا إذ لا مخرج عنهما إجماعًا.
قوله: (أما أولًا فبأنه مشترك الإلزام لأنه) أى لأن النظر (وإن وجب عندهم
[ ٢ / ٨٤ ]
بالعقل فليس) وجوبه (ضروريًا لتوقف الوجوب على إفادة النظر للعلم مطلقًا) أى: فى الجملة وأنكرها السمنية فى الإلهيات خاصة وقد أنكرها المهندسون وعلى أن معرفة اللَّه تعالى واجبة وقد جحده الحشوية وأن المعرفة لا تتم إلا بالنظر وقد منعه الصوفية وأن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب وسيأتى ما قيل عليه، فإن قلت: ما ذكرتموه يتعلق بوجوب النظر فى معرفة اللَّه سبحانه والكلام فى النظر فى المعجزة قلت النظر فى معرفة الرسالة من اللَّه تعالى نظر فى معرفته من حيث الصفات الفعلية، أو نقول: وجوب النظر فى معرفة الرسالة منه تعالى متوقف على وجوب النظر فى معرفته فيتوقف على هذه المقدمات أيضًا ولك أن تحمل المعرفة المذكورة على معرفة الرسالة منه تعالى وباقى المقدمات على حالها فكل واحد منها لا يثبت إلا بالنظر الدقيق فبطل ما زعموا من أن وجوب النظر من القضايا الفطرية القياس، وإذا كان وجوب النظر نظريًا فللمكلف أن يقول: لا يجب علىَّ النظر فى المعجز ما لم أنظر فى وجوبه؛ لأن وجوبه مستفاد من النظر ولا أنظر فى وجوبه ما لم يجب علىَّ إذ ما ليس بواجب على لا أنظر فى وجوبه، فإن قيل: هو وإن لم يكن واجبًا لكن النظر فى وجوبه واجب فليس له الامتناع قلنا: ممنوع وإن سلم فبنظر آخر ويلزم التسلسل أو يقول: لا يجب على النظر فيه ما لم يحكم العقل بوجوبه ولا يحكم العقل به ما لم أنظر فيه وأنا لا أنظر فى وجوبه ما لم يجب على لما عرفت.
قوله: (فإن الوجوب) أى وجوب النظر فى المعرفة أو مطلق الوجوب الشامل له ولغيره. (ثابت) فى نفس الأمر (بالشرع نظر) المكلف (أو لم ينظر ثبت الشرع) عنده (أو لم يثبت لأن تحقق الوجوب) فى نفس الأمر (لا يتوقف على العلم به وإلا لزم الدور) لأن تحقق العلم به متوقف على تحققه فيه ضرورة وجوب مطابقته إياه، غاية ما فى هذا أن يقال: إنه تكليف بالوجوب للغافل عنه وإنه باطل إجماعًا؛ فيجاب بأنه ليس ذلك من تكليف الغافل المستحيل فى شئ فإن المكلف فى هذه الصورة يفهم التكليف وإن لم يصدق به وليس التصديق بالتكليف شرعًا لتحققه وإلا لزم الدور، وأما الغافل الذى لا يجوز تكليفه فهو من لا يفهم الخطاب كالصبيان أو يفهم لكنه لم يقل له: إنه مكلف كالذى لم تصل إليه دعوة نبى والحاصل أن الغافل عن التصور لا يجوز تكليفه لا الغافل عن التصديق،
[ ٢ / ٨٥ ]
وهذا هو الجواب المحقق عما فيه فى إيجاب معرفة اللَّه تعالى من أنه إما تكليف الغافل أو أمر بتحصيل الحاصل لا ما قيل من أن ذلك مستثنى من قاعدة تكليف الغافل إذ لا جواز للاستثناء فى الدلائل القطعية.
قوله: (وهو أن لا يقبح منه تعالى شئ) إذ لا قبح للأشياء عقلًا ليثبت بالقياس إليه، وأما القبح الشرعى فلا يتصور فى حقه سبحانه لترتبه على النواهى الشرعية المتعلقة بالعباد لا بالخالق تعالى وأيضًا الكلام قبل ثبوت الشرع وإذا انتفى القبح الصارف لم يمتنع عليه شئ فيلزم جواز إظهاره المعجزة على يد الكاذب فلا يحصل لنا الجزم بانتفائه فلا يلزم صدق مدعى الرسالة أصلًا، ويلزم أيضًا أن يمتنع منا الحكم بقبح نسبة الكذب إليه تعالى قبل السمع إذ لا قبح هناك فلا يعلم انتفاء الكذب عنه بل جوازه، ويلزم من ذلك أن لا يجزم بصدقه أصلًا لأن صدقه مما لا يمكن إثباته بالسمع لأن حجية السمع بل ثبوته فرع صدقه تعالى إذ لو جاز كذبه لم يكن تصديقه للنبى بإظهار المعجزة فإنه فى قوة قوله: هذا صادق فى دعواه دالًا على صدقه وإذا كان السمع متوقفًا على صدقه لم يكن إثباته به وقد عرفت أن لا جزم بصدقه من حيث العقل فينسد باب إثبات النبوة لتوقفه على الجزم بصدقه ويرتفع أيضًا الثقة عن كلامه.
قوله: (من العالم بخلافه) أى بخلاف ما ذكر من التثليث وغيره وفى بعض النسخ من العالم بحاله أى: الذى يعلم حاله تعالى وأنه ليس ثالث ثلاثة ولا زوجة له ولا ولد.
قوله: (وإن كنا نجزم بعدمه) أى بعدم إظهار المعجز على يد الكاذب وعدم الكذب إذ لا يلزم من جواز الشئ عقلًا عدم الجزم بعدمه كما سبق فى العلوم العادية.
قوله: (ولو سلم امتناعه) أى امتناع الإظهار والكذب فى نفس الأمر فلا نسلم أن انتفاء القبح العقلى يستلزم انتفاء امتناع وانتفاء العلم به لجواز أن يمتنع لمدرك آخر؛ أى يجوز أن يمتنع بسبب آخر ويدرك إذ لا يلزم من انتفاء سبب معين هو دليل معين انتفاء المسبب المدلول أو انتفاء العلم به.
قوله: (الذى هو المتنازع فيه) فيه بحث لأن القبح بهذا المعنى لا يتصور ثبوته قبل الشرع فكيف يتنازع فيه أنه ثابت قبله أو لا ومن ادعى قبح التثليث قبل السمع
[ ٢ / ٨٦ ]
لم يرد به المنع الشرعى بل كونه بحيث يستحق فاعله الذم عاجلًا والعقاب آجلًا وقد أوضحناه فيما سلف؛ ولذلك ترى بعضهم يقول: إن أريد التحريم الشرعى التزمنا عدمه ولذلك ترى التحريم القطعى (^١)، وإن لم يتعرض له المصنف ويمكن أن يقال: معناه أنه لو أريد بقبح التثليث ما يترتب عندنا على التحريم الشرعى من الذم والعقاب وهو المتنازع فيه التزمنا عدم قبحه، وإن أريد بالقبح معنى آخر فلا يضرنا إثباته لأنه إثبات لغير المتنازع فيه.
قوله: (مبالغة وتأكيدًا) وذلك لأن البداهة تظهر بنفى الاحتياج إلى النظر وبترتيب المقدمات وإذا ذكر فى بيانها نفى الاحتياج إلى النظر والالتفات حصل المبالغة والتأكيد فيها لأن الثانى أعم من الأوّل.
قوله: (بل كان مستفادًا من شرع أو غيره) قيل: أى حاصلًا من شرع أو غيره إذ المقابلة تناسب ذلك وإذا كان كذلك فقوله: لتوقفه حينئذ على ملاحظة ما استند إليه حسنه محل تأمل؛ لأن حكم العقل بين الحسن والصدق النافع بمجرد ملاحظتهما لا ينافى ثبوت الحسن له من علة مباينة ولا يلزم ملاحظة علة الثبوت فى الحكم بالشئ الذى هو بين الثبوت لشئ آخر.
قوله: (ولولا أن حسنه ثابت له فى ذاته ومعلوم بالضرورة لما كان كذلك) صحة هذا الكلام مبنية على شيئين أحدهما: إخراج الحسن من الأحوال المستدعية للميل إليه فإن الحسن حالة تصلح أن تكون مرجحًا وثانيهما: أن إثبات العقل للصدق يتوقف على ملاحظة حسنة فإذا رفع النظر عن الأشياء المذكورة وآثر العقل الصدق ثبت كون حسنه معلومًا بالضرورة وثابتًا له فى ذاته.
قوله: (لتوقف الوجوب على إفادة النظر للعلم مطلقًا) أى توقفًا علميًا أو استدلاليًا ليلزم كونه نظريًا وإنما اعتبر توقفه على المطلق مع توقفه على الخاص لأن المقصود بيان احتياجه إلى أنظار دقيقة وباعتبار كل واحد من المطلق والخاص يحصل بيان احتياجه إلى النظر الدقيق.
قوله: (أو نقول وجوب النظر فى معرفة الرسالة منه تعالى) حاصل الجوابين: وجوب النظر فى معرفة الرسالة من اللَّه تعالى ومن جملته وجوب النظر فى معرفة
_________________
(١) قوله: ولذلك ترى التحريم القطعى. هكذا فى الأصل وحرر. كتبه مصحح طبعة بولاق.
[ ٢ / ٨٧ ]
اللَّه لأن المراد بمعرفة اللَّه تعالى معرفته من حيث الذات والصفات التى من جملتها هذه الصفة الفعلية المخصوصة فإن أردنا اعتبرنا وجوب النظر وقلنا إنه متوقف على إفادة النظر للعلم مطلقًا إلى آخر المقدمات وإن أردنا اعتبرنا توقفه على وجوب النظر فى معرفته تعالى لكن يجب أن إثبات كون الوجوب نظريًا يحتاج إلى إثبات التوقف الاستدلالى فيلزم أن يجعل وجوب النظر فى معرفة الرسالة من اللَّه تعالى والتوقف العلمى بين هذين الوجهين على وجه يسند النظر له يحتاج بيانه إلى تأمل.
قوله: (هو وإن لم يكن واجبًا) اعتراض على قوله: ولا أنظر فى وجوبه أى وجوب النظر فى المعجزة ما لم يجب علىّ النظر فى المعجزة إذ ما ليس بواجب علىّ وهو النظر فى المعجزة لا أنظر فى وجوبه بأن يقال: هو أى النظر فى المعجزة وإن لم يكن واجبًا لكن النظر فى وجوبه واجب أى وجوب النظر فى الوجوب لا يتوقف على الوجوب وحاصل الجواب أنه إذا لم يكن النظر فى المعجزة واجبًا لم يكن النظر فى وجوبه واجبًا ولو سلم أن النظر فى وجوب النظر فى المعجزة واجب مع عدم وجوب النظر فى المعجزة فالنظر فى وجوب النظر فى المعجزة واجب مع عدم وجوب نظر آخر فى وجوب النظر فى المعجزة وتوضيح هذا الكلام بأنا نقرر الكلام هكذا لا يجب علىّ النظر فى المعجزة ما لم أنظر فى وجوبه ولا أنظر فى وجوبه ما لم يجب علىّ النظر فى وجوب النظر فى المعجزة ما لم أنظر فى وجوب (^١) النظر فى وجوب النظر فى المعجزة ولا أنظر فى وجوب النظر فى المعجزة وجوب فى وجوب النظر فى وجوب النظر فى المعجزة ما لم يجب علىّ النظر فى وجوب النظر فى وجوب النظر فى المعجزة ولا يجب علىّ النظر فى وجوب النظر فى وجوب النظر فى المعجزة ما لم أنظر فى وجوب النظر فى وجوب النظر فى المعجزة وهكذا إلى أن تتسلسل الوجوبات والأنظار فإن كل وجوب يتوقف على نظر وكل نظر يتوقف على وجوب لكن يجب علىّ ادعاء النظر له فى كل وجوب واقع فى السلسلة.
_________________
(١) قوله: ما لم أنظر فى وجوب. . . إلخ. هكذا فى الأصل والعبارة كما ترى غير مستقيمة وفيها تقديم وتأخير وسقط وتكرير فانظر وحرر. كتبه مصحح طبعة بولاق.
[ ٢ / ٨٨ ]
قوله: (فلا يعلم (^١) صدق مدعى الرسالة) اعتبار عدم العلم بصدق النبى ﵊ مناسب للتقرير الواقع فى انسداد باب إثبات النبوة وكأن الشارح قد قصد هنا شيئين: ثبوت النبوة وإثباته فقال: أوّلًا وفيه سد باب النبوة أى ثبوتها باعتبار أن ثبت النبوة موقوف على تصديق اللَّه تعالى للنبى ﵊ وهذا التصديق ليس إلا بإظهار المعجزة وهذا الإظهار تصديق من اللَّه تعالى إذا كان محتفيًا بالنبى ﵊ وإذا لم يكن محتفيًا لم يكن تصديقًا وإذا لم يكن للنبى ﵊ تصديق من اللَّه تعالى لم تثبت له النبوة.
قوله: (ويلزم أيضًا) يعنى أن قول الشارح: أن يمتنع معطوف على قوله: جواز إظهاره وفيه تعسف لأن امتناع الحكم منا قبح نسبة الكذب إليه تعالى قبل السمع لا يتفرع على قوله: فلا يمتنع عليه عدم قبح (^٢) الكذب وجوازه من اللَّه تعالى والحكم والنسبة المذكوران فى قوله: وإن يمتنع الحكم بقبح نسبة الكذب إليه واقعان منا ولا يلزم من عدم قبح الكذب المذكور عدم قبح أمر واقع منا ألا يرى أن هذا الكذب ليس بقبيح قبل السمع وبعده على تقدير أن يكون القبح شرعيًا والنسبة المذكورة قبيحة بعد السمع والظاهر أن هذا القول من الشارح معطوف على قوله: أن لا يقبح منه شئ لأن هذا الامتناع متفرع على كون القبح شرعيًا لكن قوله: أحدهما فى فعل اللَّه تعالى يحتاج إلى تأويل على هذا التقدير بأن يقال أراد بكونه فى فعل اللَّه تعالى تعلقه بفعله فإن امتناع الحكم بقبح الكذب والإثبات بأمر غير مطابق له أنه متعلق بفعله تعالى.
قوله: (ويلزم من ذلك) أى من العلم بجوازه فإن قيل إذا كان المقصود لزوم عدم الجزم بصدقه وهو حاصل من جواز كذبه يجب أن يترك قول الشارح وأن يمتنع. . . إلخ. ويذكر مقامه وجواز كذبه معطوفًا على جواز إظهاره قلنا: عدم الجزم بالصدق لا يلزم من جواز الكذب فى نفس الأمر بل يلزم من الحكم بجواز الكذب فى هذا الحكم من ذلك الكلام ولذا قال: فلا يعلم انتفاء الكذب عنه بل جوازه.
_________________
(١) قول: التقرير قوله: فلا يعلم عبارة السيد فلا يلزم.
(٢) قوله: فلا يمتنع عليه عدم قبح. . . إلخ. لعل فى الكلام سقطًا وحق العبارة فلا يمتنع عليه شئ إذ عدم قبح. . . إلخ. وقوله: فيما يأتى والإثبات بأمر. . . إلخ. عبارة لا تخلو من خلل وتحريف فحرر. كتبه مصحح طبعة بولاق.
[ ٢ / ٨٩ ]
قوله: (وقد عرفت أن لا جزم) يعنى أن قول الشارح أصلًا معناه لا من حيث السمع ولا من حيث العقل.
قوله: (فلا نسلم أن انتفاء القبح العقلى) هذا المنع متوجه إلى قوله: وهو أن لا يقبح منه شئ فلا يمتنع عليه شئ والقبح المذكور هنا غير مقيد بكونه عقليًا لكن قيد القبح بالعقلى فى الجواب لأن انتفاء القبح الشرعى من علة لا يدل على جواز ما ذكر وهو غاية الظهور والذى قرر توهم كونه دليلًا هو انتفاء القبح العقلى ولو قيد بكونه عقليًا وقيل: لو كان القبح شرعيًا لزم أن لا يقبح منه تعالى شئ بالقبح العقلى لم يبعد وقوله فيما سبق من توضيح هذه المقدمة وأما القبح الشرعى فلا يتصوّر فى حقه تعالى فلا يحتاج إلى نفيه.
قوله: (وانتفاء العلم به) وإنما زاد انتفاء العلم فى سنده ومراده ما ذكر.
المصنف: (قالوا إذا استويا فى المقصود. . . إلخ) المراد الاستواء فى المقصود مع جميع الأغراض وموافقة الجبلة لا الاستواء فى مقصود معين لجواز أن يكون الإيثار لمرجح آخر وأقله أن يكون لموافقة الاعتياد وقد رد هذا الدليل بأن الحسن فيه بمعنى صفة الكمال.
الشارح: (حتى يثبت الشرع) أى عندى.
الشارح: (إفادة النظر للعلم مطلقًا) أى ولو فى بعض الأشياء ثم لا بد أن يكون ذلك البعض خصوص الإلهيات وقد أنكر السمنية بضم السين وفتح الميم وهم قوم من عبدة الأوثان يقولون بالتناسخ إفادة النظر للعلم ولو فى بعض الصور وقالوا: لا طريق للعلم إلا الحس وأنكر الرياضيون إفادة النظر للعلم فى الإلهيات، وقالوا: إنها بعيدة عن الأذهان جدًا والغاية القصوى فيها الظن والأخذ بالأحرى وإلا خلق وقالوا إنما يفيد النظر العلم فى الهندسيات والحسابات لأنها علوم قريبة من الأفهام منتسقة منتظمة لا يقع فيها غلط وقال الملاحدة النظر لا يفيد العلم بمعرفته بلا معلم يرشدنا إلى معرفته ويدفع عنا الشبه.
الشارح: (وهو أنه لا يجب ما لم أنظر ولا أنظر ما لم يجب) أى لا يجب على النظر فى معجزتك عقلًا إلا إذا نظرت إذ وجوب النظر على عقلًا متوقف على ثبوت ذلك الوجوب بحكم العقل وهو متوقف على النظر وقوله أو لا يجب ما لم
[ ٢ / ٩٠ ]
يحكم العقل هو الثانى الواضح فالطريقان المتقدمان المفحمان على أن الوجوب بالشرع جاريان على أن الوجوب بالعقل.
الشارح: (أو حتى يثبت الشرع) أى كما هو الطريق الواضح فالمقدمة الثانية فى كل منوعة وهما متحدان معنًى.
الشارح: (ثبت الشرع أو لم يثبت) أى ثبت عند النظر الشرع أو لم يثبت عنده لأن المدار على ثبوته فى نفسه وقوله لأن الوجوب لا يتوقف على العلم به إشارة إلى وجه الغلط فى المقدمة الثانية القائلة ولا يجب على النظر ما لم أنظر أو لا يجب على النظر حتى يثبت الشرع وهو توقف الوجوب على العلم به مع أنه لا يتوقف وإلا كان دورًا ولزم وأن لا يجب شئ على الكافر بل الوجوب فى نفس الأمر يتوقف على ثبوت الشرع فى نفس الأمر وشرط التكليف التمكن من العلم بالمكلف به لا العلم به لكن فيه أن الوجوب وإن لم يتوقف على العلم به إلا أن الامتثال يتوقف عليه فيقال للرسول لا أمتثل أمرك حتى أعلم وجوب الامتثال إذ له أن يمتنع عما لم يعلم وجوبه فيلزم الإفحام، والحق فى الجواب أن إراءة المعجزة واجبة على اللَّه عقلًا لطفًا بعباده عند المعتزلة لقولهم بالوجوب العقلى أو واجبة عادة عند الأشعرى فإن اللَّه تعالى كريم جرت عادته بإراءة المعجزات وإذا كانت الإراءة واجبة عاقلًا أو عادة فيرى المكلف المعجزة بالضرورة عند إراءة الرسول ويقع العلم بثبوته ولا تتأتى الأسئلة والأجوبة، فالجواب بأن الوجوب ثابت فى نفسه وكذا الشرع إنما يدفع لزوم الدور المقول من طرف المرسل إليهم استدلالًا منهم على عدم التزامهم النظر فى المعجزة فالرسل مانعون تمام الاستدلال التحريم العقلى يعنى نلتزم عدمه والمراد بالتحريم العقلى التحريم الذى مستنده القبح العقلى.
الشارح: (وإن كنا نجزم بعدمه. . . إلخ) أى لأن دلالة المعجزة عادية فلا تتوقف على امتناع الكذب كما فى سائر العلوم العادية التى ليست نقائضها ممتنعة فنحن نجزم بصدق من ظهرت المعجزة على يده مع أن كذبه ممكن فى نفسه.
الشارح: (فلا نسلم أن امتناع القبح العقلى يستلزم انتفاءه) أى وجودًا أو علمًا فيجوز أن ينتفى القبح العقلى ولا ينتفى امتناع إظهار المعجزة على يد الكاذب بل يثبت امتناع الإظهار المذكور لسبب آخر ويعلم به لأن انتفاء سبب معين لا يستلزم انتفاء المسبب المعين وكذا العلم بانتفاء سبب معين لا يعلم منه انتفاء المسبب المعين
[ ٢ / ٩١ ]
فهذا منع للملازمة والأول منع بطلان اللازم.
الشارح: (لمدرك آخر) هو أن إظهار المعجزة على يد الكاذب نقص والنقص محال عليه وأيضًا يلزم أن تكون أكمل منه فى بعض الأوقات أعنى وقت صدقنا فى كلامنا وهذا إنما يدل على أن الكلام النفسى الذى هو صفة قائمة بذات اللَّه تعالى يكون صادقًا ولا يدل على صدقه فى الحروف والكليات التى يخلقها فى الجسم الذى هو الفعل المدعى امتناع القبح فيه ولا يصح التمسك فى دفع الكذب عن الكلام اللفظى بلزوم النقص فى أفعاله لأن النقص فى الفعل هو القبح العقلى بعينه وإنما الخلاف فى العبارة وقيل: إن المدرك الآخر هو العادة وهو مشكل فى أول رسول.
الشارح: (التزامنا عدم قبحه) أى وحينئذٍ فلا نسلم بطلان التالى من قوله لو جاز ذلك لجاز التثليث وأنواع الكفر من العالم.
التفتازانى: (أى المعنى الأول) مراده معنى الجواب بالمنع وهو منع كون ما ذكر من حسن الصدق النافع والإيمان وقبح الكذب الضار والكفران معلومًا بالضرورة بل بأحد ما ذكر من العرف أو الشرع أو غيرهما وقوله والثانى تكلف أى أن كون معنى الجواب بالمنع منع الضرورة فى الحسن والقبح بالمعنى المتنازع فيه بل بغيره وهو الموافقة للغرض والمخالفة له تكلف فالمراد بالمعنى الأول والثانى المعنيان المذكوران فى الشارح بيانًا لجواب المصنف الذى ذكره بقوله والجواب المنع بل بما ذكر.
التفتازانى: (والفرق بينهما غير خفى) أى فليس المنع عند وقوع الثانى بمستبعد كالمنع عند تقديره.
التفتازانى: (لأن المنع عليه ظاهر) يعنى لو قال ولا يثبت الشرع ما لم يجب على النظر لكان منعه ظاهرًا إذ يقال: إن الشرع يثبت عندك بالنظر ولو لم يجب وقوله بل أشار إليه أى إلى العكس الذى هو قولنا لا يثبت الشرع ما لم يجب بقوله وأنا لا أنظر أى حتى يجب فإنما آل ذلك إلى أنه لا يثبت حتى يجب النظر فيلزم الإفحام وخفى المنع لعدم التصريح بالعكس.
التفتازانى: (إشارة إلى دفع الاعتراض. . . إلخ) فى المواقف وشرحه لا يقال قد يكون وجوب النظر فطرى القياس أى من القضايا التى قياساتها معها فيضع النبى
[ ٢ / ٩٢ ]
﵊ للمكلف مقدمات ينساق إليها ذهنه من غير تكلف وتفيده العلم بذلك ضرورة فيكون الحكم بوجوب النظر ضروريًا محتاجًا إلى تنبيه على طرفيه مع تلك المقدمات أو نظريًا قريبًا من الضرورى محتاجًا إلى أدنى التفات لأنا نقول: كونه فطرى القياس مع توقفه على ما ذكرتموه من المقدمات الدقيقة الأنظار باطل قطعًا وعلى تقدير صحته بأن يكون هناك دليل آخر للمكلف أن لا يستمع إليه ولا يأثم بتركه فلا تمكن الدعوى وإثبات النبوة.
التفتازانى: (لأن النظر إنما يكون للعلم بالشئ) أى فالحاصل من النظر العلم بالوجوب لا ثبوت الوجوب فى نفس الأمر.
قوله: (فيكون قوله من غير النظر والالتفات مبالغة وتأكيدًا) أى لأن البديهى هو ما لا يحتاج إلى شئ أصلًا بعد تصوره فإذا حمل الضرورى عليه كان قوله من غير النظر. . . إلخ. بمنزلة التفسير مبالغة وتأكيدًا وعطف التأكيد على المبالغة للتفسير.
قوله: (وقد ضعفناه فى صدر الكتاب) الأولى فى صدر المبحث وما حققه هناك هو أن المتنازع فيه الحسن والقبح بغير التفسيرات الثلاث وتقدم أن الظاهر مع السعد لأن ما أجعله منازعًا فيه راجع إلى الثانى والثالث.
قوله: (ثبوته موقوف على الشرع) أى: كما هو الفرض وذلك الثبوت متوقف على النظر.
قوله: (وأنكرها السمنية فى الإلهيات خاصة) هكذا فى النسخ التى بأيدينا وهى محرفة وأصل النسخة هكذا وأنكرها السمنية وفى الإلهيات فقد سقط من النسخ حرف العطف وهو معطوف على قوله مطلقًا وحكاية لما فى الشارح.
قوله: (وقد منعه الصوفية) فقالوا رياضة النفس بالمجاهدات وتجريدها من الكدورات البشرية والعوائق الجسمانية والتوجه إلى الحضرة الصمدانية والتزام الخلوة تفيد العقائد الحقة التى لا تحوم حولها شائبة ريبة وأما أصحاب النظر فتعرض لهم فى عقائدهم الشكوك والشبهات الناشئة عن شبه الخصم ورد بأن ذلك يحتاج إلى معونة النظر ألا ترى أن رياضة اليهود والنصارى تؤديهم إلى عقائد باطلة فلا بد من الاستعانة بالنظر.
قوله: (هو وإن لم يكن واجبًا. . . إلخ) أى النظر فى المعجزة وإن لم يكن واجبًا
[ ٢ / ٩٣ ]
لكن النظر فى وجوبه واجب فليس له الامتناع.
قوله: (قلنا ممنوع) أى لأنه لا يكون النظر فى وجوب النظر فى المعجزة واجبًا مع كون النظر فى المعجزة ليس بواجب.
قوله: (وإن سلم فبنظرآخر) أى إن سلم أن وجوب النظر فى وجوب النظر فى المعجزة لا يستلزم وجوب النظر فى المعجزة فيكون ذلك الوجوب بنظر آخر ووجوب ذلك النظر الآخر بنظر آخر ووجوبه بنظر آخر وهكذا فيقول المعاند لا أنظر فى المعجزة ما لم أنظر فى وجوب النظر فى المعجزة ولا أنظر فى وجوب النظر فى المعجزة ما لم أنظر فى وجوب النظر فى وجوب النظر فى المعجزة ولا أنظر فى وجوب النظر فى وجوب النظر فى المعجزة ما لم أنظر فى وجوب النظر فى وجوب النظر فى وجوب النظر فى المعجزة وهكذا لأن لوجوب كل نظر نظرًا.
قوله: (أو يقول) عطف على أن يقول لا يجب على النظر إشارة إلى الطريق الثانى الواضح.
قوله: (أما تكليف العاقل) أى إن كان المكلف بالمعرفة غير العارف.
قوله: (وأما تحصيل الحاصل) أى: إن كان المكلف بها هو العارف.
قوله: (ترى بعضهم) أى بعض الشارحين لهذا الموضع يقول فى بيانه: إن أريد التحريم الشرعى. . . إلخ.
قوله: (ولذلك ترى التحريم القطعى) تحريف وصوابه وكذلك إن أريد لأصل مذهب المعتزلة وليس مبنيًا على تسليم مذهبهم فكان الظاهر أن يقول: وهو أنه لا حكم للعقل فيما لا يقضى العقل فيه بحسن ولا قبح إلا أن يقال: إن المراد بأفعال العقلاء الأفعال التى لم يقض العقل فيها بحسن ولا قبح ويكون قوله: وقد قسم المعتزلة. . . إلخ. كالتعليل لثبوت هذا القسم عندهم.
[ ٢ / ٩٤ ]