قال: (وللمقدمتين باعتبار الوسط أربعة أشكال فالأول محمول لموضوع النتيجة موضوع لمحمولها والثانى محمول لهما والثالث موضوع لهما والرابع عكس الأول فإذا ركب كل شكل باعتبار الكلية والجزئية والموجبة والسالبة كانت مقدراته سنة عشر ضربًا).
أقول: وضع الأوسط عند الحدين الآخرين يسمى شكلًا والأشكال أربعة لأن الأوسط إن كان محمولًا فى الصغرى موضوعًا فى الكبرى فالأول وإن كان محمولًا فيهما فالثانى وإن كان موضوعًا فيهما فالثالث وإن كان عكس الأول أى موضوعًا فى الصغرى محمولًا فى الكبرى فالرابع ثم إذا ركب كل شكل باعتبار مقدمتيه فى الإيجاب والسلب والكلية والجزئية جاءت مقدراته العقلية ستة عشر ضربًا لأن الصغرى إحدى الأربع والكبرى إحدى الأربع ويضرب الأربع فى الأربع فيحصل ستة عشر لكن منها ما لا يكون بالحقيقة قياسًا لأنه غير منتج فيسقط بحسب الشروط ويكون محققاته ما يبقى بعد ذلك.
قوله: (وضع الأوسط) أى الهيئة الحاصلة من نسبة الأوسط إلى الأصغر والأكبر تسمى شكلًا.
قوله: (لكن منهما ما لا يكون بالحقيقة قياسًا) إشارة إلى أن ما ذكر فى باب القياس من أن شرط إنتاجه كذا وكذا ليس معناه أنه إذا انتفى هذه الشرائط كان قياسًا غير منتج بل لا يكون قياسًا أصلًا لعدم صدق الحد عليه.
قوله: (وضع الأوسط) أراد بالوضع اللغوى أى وضع الحد الأوسط عند الحدين الآخرين بالوضع أو الحمل بل الهيئة الحاصلة به يسمى شكلًا وإنما رتب الأشكال على هذا النسق لأن الأول على نظم طبيعى ينتقل فيه الذهن من المحكوم عليه إلى الوسط ومنه إلى المحكوم به بلا كلفة فلا تحتاج قياسيته لكونها ضرورية إلى بيان والثانى يشاركه فى أشرف مقدمتيه أعنى الصغرى المشتملة على موضوع النتيجة الذى هو الذات والثالث يشاركه فى المقدمة الأخرى والرابع يخالفه فيهما فصار بعيدًا عن الطبع مشكلًا بيان قياسيته.
قوله: (إحدى الأربع) يريد المحصورات لأن المهملة فى قوة الجزئية
[ ١ / ٣٦٦ ]
والشخصيات لا تعتبر فى العلوم والضرب هو اقتران الصغرى بالكبرى بحسب الكمية والكيفية ويسمى قرينة.
قوله: (ما لا يكون بالحقيقة قياسًا) إشارة إلى أن الستة عشر أقسام يقدرها العقل وبعضها لا ينتج فلا يكون قياسًا بالحقيقة لأن الإنتاج بمعنى الاستلزام معتبر فى حده فيسقط بحسب الشروط المعتبرة فيه ويكون محققات كل شكل ما يبقى بعد سقوط ما انتفى عنه شرط منها.
قوله: (أراد بالوضع اللغوى) أى: لا الوضع المقابل للحمل حتى لا يشمل كون الوسط محمولًا.
قوله: (فى أشرف مقدمتيه) أى وفى الحكم على الأصغر بالأوسط فينتقل الذهن عنه إلى النتيجة ولذلك لا يحتاج صاحب الذهن القوى إلى رده إلى الأول.
قوله: (فى المقدمة الأخرى) أى وفى الحكم الأكبر على الأوسط الثابت للأصغر فله قرب للأول من هذه الجهة أيضًا.
قوله: (فصار بعيدًا عن الطبع مشكلًا بيان قياسيته) أى صار بعيد تمام البعد فلا ينافى أن غيره من الثالث والثانى بعيد أيضًا.
قوله: (والشخصيات لا تعتبر فى العلوم) أى وإن كانت أحكامها أحكام الكليات كما ذكر الشيخ فى الشفاء أن المخصوصات أحكامها كأحكام الكليات فإنه قد يكون القياس مركبًا من شخصيتين، كقولك: زيد أبو عبد اللَّه وأبو عبد اللَّه أخو عمرو لكن النتائج تكون مخصوصة شخصية وأكثر ما يستعمل الشخصيات مقدمات صغرى. اهـ.
[ ١ / ٣٦٧ ]
قال: (الشكل الأول أبينها ولذلك يتوقف غيره على رجوعه إليه وينتج المطالب الأربعة وشرط إنتاجه إيجاب الصغرى أو فى حكمه ليتوافق الوسط وكلية الكبرى ليندرج فينتج يبقى أربعة موجبة كلية أو جزئية وكلية موجبة أو سالبة فالأول كل وضوء عبادة وكل عبادة بنية الثانى كل وضوء عبادة وكل عبادة لا تصح بدون النية الثالث بعض الوضوء عبادة وكل عبادة بنية الرابع بعض الوضوء عبادة وكل عبادة لا تصح بدون النية).
أقول: الشكل الأول: هو أبين الأشكال ولذلك كان غيره موقوفًا على الرجوع إليه فيكون إنتاجه إنما يعلم برجوعه إليه لما علمت أن حقيقة البرهان وسط مستلزم للمطلوب حاصل للمحكوم عليه وأن جهة الدلالة أن موضوع الصغرى بعض موضوع الكبرى فالحكم عليه حكم عليه وكلاهما صورة الشكل الأول والعقل لا يحكم بإنتاج إلا بملاحظة ذلك سواء صرح به أو لا وليس من شرط ما يلاحظه العقل التمكن من تفسيره وتلخيص العبارة فيه فلأجل ذلك تراه يحكم بأن ما تحقق فيه الرجوع إلى الشكل الأول تحقق فيه ذلك وهو السبب للإنتاج والفقه فيه فأنتج وما لم يرجع إليه فهو بخلافه ولا تظننه محتجًا بعدم الدليل الخاص على عدم المدلول فتحكم بغلطه وهو برئ من ذلك وكيف يذهب على مثله أن انتفاء الدليل الخاص بل انتفاء الدليل مطلقًا لا يوجب انتفاء المدلول وقد كرر ذلك فى مواضع من كتابه وبين ضروبًا بغير هذا الوجه من الخلف بل قصده إلى ما ذكرنا ولا يستبعد أن يفطن ذكى لحكمة هى مناط لأمر فيؤيدها باستقراء الجزئيات فتتعاضد اللمية والأنية.
واعلم أن هذا الشكل يختص بأنه بنتج المطالب الأربعة وبأنه ينتج الكلية الموجبة وباقى الأشكال الا ينتج الكلية الموجبة فلا ينتج الأربعة بل إما جزئية أو سالبة وكل ذلك ستعلمه عند التفصيل ثم إن شرط إنتاجه أمران:
أحدهما: أن تكون الصغرى موجبة أو فى حكمها ليتوافق الأوسط فيحصل أمر مكرر جامع وذلك أن الحكم فى الكبرى على ما هو أوسط إيجابًا فلو كان المعلوم ثبوته فى الأغر هو الأوسط سلبًا تعدد الأوسط فلم يتلاقيا.
والمراد بحكم الإيجاب ما يستلزم إيجابًا نحو لا شئ من (ج ب) وكل ما هو ليس (ب أ) فإن لا شئ من (ج ب) سالبة فى حكم كل (ج) هو ليس (ب)
[ ١ / ٣٦٨ ]
سالبة المحمول.
وثانيهما: أن تكون الكبرى كلية ليعلم اندراج الأصغر فيه إذ لو كانت جزئية جاز كون الأوسط أعم من الأصغر وكون المحكوم عليه فى الكبرى بعضًا منه غير الأصغر فلا يندرج فلا ينتج وبحسب هذا الشرط تسقط السالبتان صغرى مع الكليتين والجزئيتين كبرى والموجبتان صغرى مع الجزئيتين كبرى ويبقى صغرى موجبة إما كلية أو جزئية مع كبرى كلية إما موجبة أو سالبة.
الأوّل: من كلية موجبة وكلية موجبة تنتج كلية موجبة مثل كل وضوء عبادة وكل عبادة بنية ينتج كل وضوء بنية.
الثانى: كلية موجبة وكلية سالبة ينتج كلية سالبة كل وضوء عبادة وكل عبادة لا تصح بدون نية ينتج كل وضوء لا يصح بدون النية.
الثالث: جزئية موجبة وكلية موجبة ينتج جزئية موجبة بعض الوضوء عبادة وكل عبادة بنية ينتج بعض الوضوء بنية.
الرابع: جزئية موجبة وكلية سالبة ينتج جزئية سالبة بعض الوضوء عبادة وكل عبادة لا تصح بدون نية فبعض الوضوء لا يصح بدون نية فقد ظهر لك أنها تنتج المطالب الأربعة وأنها بنية بذواتها لا يحتاج إنتاجها للمطلوب إلى دليل.
قوله: (ولا تظننه) ذكر بعض الشارحين أن القول بتوقف باقى الأشكال على الأول باطل؛ لأن إنتاجها قد تبين بطرق كالخلف والعكس والافتراض وأجاب بعضهم بأنه لا بد من أنتهاء الطرق كلها إلى الشكل الأول لأنه البديهى الذى لا يحتاج إلى بيان، وتحقيق ذلك أنه كما لا بد من انتهاء المواد إلى ضرورى يحصل التصديق به بلا كسب كذلك لا بد من انتهاء الصور إلى الضرورى قطعًا للتسلسل وذلك هو الشكل الأول لا غير، ولما كان كلام المصنف فى أثناء الأشكال مشعر بأن مراده برجوعها إلى الشكل الأول غير انتهاء الطرق إليه لأن بعد البيان بالرجوع بقول ويبين بالخلف مثلًا، ذهب الشارح المحقق إلى أن مراد المصنف هو أن الإنتاج فى القياس مطلقًا لا يكون إلا بملاحظة صورة الشكل الأول بوجهين قررهما المصنف: أحدهما: أن حقيقة البرهان وسط مستلزم للمطلوب حاصل للمحكوم عليه وهذه صورة الشكل الأول، وثانيهما: أن وجه دلالة القياس على
[ ١ / ٣٦٩ ]
المطلوب أن الصغرى باعتبار الموضوع خصوص والكبرى عموم وهذا أيضًا صورته وكل قائس يلاحظ ذلك، وإن لم يتمكن من تلخيص العبارة بحيث يكون تصريحًا برجوع كل قياس إلى الشكل الأول فلذلك جزم المصنف بأن السبب والحكمة فى الإنتاج هو ملاحظة الشكل الأول، فما تحقق فيه ذلك أنتج وما لا فلا فهذا المعنى بمنزلة برهان لمىّ يفيد لمية الإنتاج واستقراء الجزئيات وإثبات كل منها بما يدل عليه بمنزلة برهان أنى وإذا تعاضدا تبين الإنتاج غاية التبين.
قوله: (ليتوافق الوسط) أى فى الصغرى والكبرى فيتكرر لأن الحكم فى الكبرى على ما ثبت له الأوسط وانتسب إليه إيجابًا؛ لأن موضوع القضية ما ثبت له الوصف العنوانى فلو كان المعلوم فى الأصغر انتساب الأوسط إليه سلبًا بأن تكون الصغرى سالبة لم يتكرر بل تعدد لأن ما ثبت له الأوسط غير ما نفى عنه الأوسط فقوله: ثبوته منصوب خبر كان والضمير للأوسط وسلبًا تمييز وإن كان يحتمل أن يكون ثبوته مرفوعًا فاعل المعلوم والضمير للموصول أعنى اللام فى المعلوم وسلبًا خبر كان، وبالجملة قد ظهر بهذا التحقيق صحة وقوع الأوسط فاعل يتوافق لتعدد معنى ولم يحتج إلى ما ذهب إليه الشارحون من أن المعنى ليتوافق الأوسط مع الأوسط أى لا يباينه، إذ الحكم على أحد المتباينين لا يوجب الحكم على الآخر.
قوله: (والمراد بحكم الإيجاب) جمهور الشارحين على أن المراد به كون السالبة مركبة وأنت خبير بأنه إن أريد إنتاج الجزء الإيجابى منها فهو موجبة لا فى حكم الموجبة وإن أريد الجزء السلبى بناء على أنه يصدق موجبة معدولة المحمول لوجود الموضوع فلا حاجة إلى التركيب بل يكفى مجرد وجود الموضوع، وأما على ما ذكره الشارح المحقق من أن المراد بحكم الإيجاب هو أن تكون السالبة مستلزمة للموجبة ولو سالبة المحمول فهو مطرد فى كل سالبة لأن السالبة المحمول لا تحتاج إلى وجود الموضوع، نعم يشترط حينئذ أن تكون الكبرى سالبة الموضوع ليتحقق الاندراج فصار الحاصل أنه يشترط كون الصغرى موجبة محصلة المحمول أو معدولته أو سالبته وأن تكون الكبرى على وفقها فى جانب الموضوع ليتحقق التلاقى بخلاف ما إذا كانت الصغرى سالبة محضة لا شئ من ج ب، فإن موضوع الكبرى ج إن كان محصلًا مثل كل (ب أ) لم يتحقق الاندراج وإن كان معدولًا أو سالبًا مثل كل لا (ب أ) وكل ما ليس (ب أ) لم يكن هذا شكلًا أول؛
[ ١ / ٣٧٠ ]
لأن ما وقع محمول الصغرى لم يقع موضوع الكبرى وبالجملة ليتحقق الإنتاج مثل لا شئ من (ج ب) وكل ما ليس (ب أ) مع أن ظاهر الصغرى سالبة قال إيجاب الصغرى أو حكمه وإلا فالصغرى عند الإنتاج موجبة.
قوله: (وبحسب هذا الشرط) يعنى الشرط الذى هو أمران.
قوله: (هو أبين الأشكال) وهو المنتج منها فى الحقيقة ولذلك كان غيره موقوفًا فى إنتاجه على الرجوع إليه واشتماله على هيئته فيكون إنتاج ذلك الغير إنما يعلم برجوعه إلى الأول، وإنما قلنا: إن إنتاج غيره بل العلم بإنتاجه أيضًا يتوقف على رجوعه إليه لما علمت سابقًا أن حقيقة البرهان أى الدليل وسط مستلزم للمطلوب حاصل للمحكوم عليه وبيانه أن النسبة بينهما إذا كانت مجهولة فإن لم يكن هناك أمر ينتسب إليهما فلا برهان أصلًا وإن كان فإن لم يكن حاصلًا للمحكوم عليه لم يستلزم انتساب المطلوب إليه فلا برهان أيضًا وإن كان حاصلًا له فلا بد من استلزامه للمطلوب وإلا فلا برهان فظهر أن حقيقة ما ذكر فلا إنتاج إلا فيما وجدت فيه ولما علمت أيضًا أن جهة الدلالة أن موضوع الصغرى بعض موضوع الكبرى فيندرج فى حكمه فلا يعلم الإنتاج إلا بذلك وبالجملة فحقيقة البرهان وجهة الدلالة انحصرتا فى الشكل الأول فلا إنتاج فى نفس الأمر إلا له والعقل لا يحكم بالإنتاج إلا بملاحظته سواء صرح به أو لا، وقوله: ليس من شرط. . . إلخ. جواب عما يقال أن العقل يحكم بالإنتاج فى الأشكال الباقية بالخلف ولا يلاحظ فيها هيئة الأول كيف ولو لاحظها لتمكن من التعبير عنها وقد يجزم بالإنتاج فى ضروب لا يقدر على ردها إلى الأول وقد علم ذلك فى الكتب المنطقية فلا يصح أن العقل لا يحكم بالإنتاج إلا بملاحظته وتقريره أن العقل ربما لاحظه فى ضمن هيئات باقى الأشكال ملاحظة إجمالية ولم يميزه تمييزًا تامًا مفصلًا ولا يلزم من ذلك قدح فيما ذكرنا إذ ليس من شرط ما يلاحظه العقل أن يتمكن من تفسيره وتلخيص العبارة فيه كما هو حال أكثر العوام فى دلائل وجوده تعالى وكما قيل فى الاستحسان على بعض تفاسيره.
قوله: (فلأجل ذلك) أى فلأجل ما ذكر من أن حقيقة البرهان وجهة الدلالة منحصرتان فى الشكل الأول (تراه يحكم بأن ما تحقق فيه الرجوع إلى الشكل)
[ ١ / ٣٧١ ]
الأول من ضروب الأشكال الثلاثة (تحقق فيه ذلك) المذكور من حقيقة البرهان وجهة الدلالة وهو السبب للإنتاج.
قوله: (والفقه فيه) بالرفع عطف على السبب أى السر والحكمة فى الإنتاج وإن قرئ مجرورًا فمعناه أنه السبب العلم به، وقوله: فأنتج عطف على تحقق وما بينهما اعتراض يؤكد تحقق الإنتاج وما لم يرجع إلى الأول لم ينتج لأنه لم يتحقق فيه سبب الإنتاج والعلم به.
قوله: (ولا تظننه) جعل المصنف الأشكال الثلاثة مبنية فى إنتاجها على الشكل الأول واعتبر شرائطها فى ذلك لرجوعها إليه فعلم منه أن المنتج من ضروبها ما اشتمل على هيئته وأن ما عداه لا ينتج أصلًا وظاهره استدلال بانتفاء الدليل الخاص على انتفاء المدلول لأن الارتداد إلى الأول بعض دلائل إنتاجها إذ من جملتها الخلف والافتراض وهذا خطأ فاحش فإن انتفاء الدليل مطلقًا لا يستلزم انتفاء المدلول فضلًا عن الدليل الخاص، وقد صرف المصنف بذلك فى مباحث شرائط العكس فى علة القياس حيث قال: لا يلزم من انتفاء الدليل على الصانع انتفاؤه فلا يتوهم ذلك فى حقه ولا يمكن أن يقال لعله أراد انتفاء العلم بالإنتاج وهو لازم لانتفاء دليله لأنه بين ضروبًا بغير الارتداد وهو الخلف ولفظ من فى قوله: من الخلف بيانية ويوجد فى بعض النسخ بعده لفظة وغيره وهو سهو من الناسخ إذ لم يستعمل المصنف فى بيان الضروب غير الرد والخلف فظهر أن قصده إلى ما ذكرنا من أن حقيقة البرهان ووجه الدلالة الوسط والاندراج المخصوصان بالشكل الأول وهو المنتج فى الحقيقة وهو السبب للعلم بالإنتاج فقد استدل بانتفاء العلة على انتفاء المعلول المساوى لها فلا إشكال ولما كان انحصار الإنتاج فيه مخالفًا للمشهور أزال استبعاده بقوله: ولا يستبعد أن يفطن ذكى لحكمة هى أن حقيقة البرهان ووجه الدلالة ما ذكر وتكون تلك الحكمة مناطًا لأمر هو انحصار الإنتاج فى الأول فيحصل له العلم بهذا الأمر من علته فيؤيد تلك الحكمة فى دلالتها وثبوت مدلولها بأن يستقرئ الجزئيات فيجد الضروب المشتملة على هيئة الأول منتجة وما لا يرتد إليه بوجه لا ينتج أصلًا فهذا الاستقراء التام دل أيضًا على أن المنتج فى الحقيقة هو الأول فيحصل له العلم بذلك من معلوله فيتعاضد اللمية والآنية فى إثبات ذلك الأمر.
[ ١ / ٣٧٢ ]
قوله: (ليتوافق الأوسط) إنما جاز كون الأوسط فاعل التوافق لكونه متعددًا باعتبار وقوعه فى المقدمتين فكأنه قيل: ليتوافق الأوسط المذكور فى الصغرى مع الأوسط المذكور فى الكبرى أى يتحدا فيحصل فى القياس أمر مكرر جامع بين طرفى المطلوب فإن قلت كيف يتحدان والأوسط فى الصغرى يراد به مفهومه لكونه محمولًا وفى الكبرى ما صدق عليه لكونه موضوعًا قلت المعنى بالاتحاد أن المفهوم الذى جعل محمولًا هو بعينه يجعل وصفًا عنوانيًا لأن المقصود باندراج الأصغر فى حكم الأوسط ويحصل بالإيجاب أو حكمه وبيانه أن الحكم فى الكبرى على ما هو أوسط إيجابًا لأن عقد الوضع بطريق الإيجاب قطعًا فلو كانت الصغرى سالبة كان العلوم ثبوته فى الأصغر هو الأوسط سلبًا فيتعدد الأوسط ولا يتلاقى الطرفان، فقوله: ثبوته متعلق للجار ومرفوع بالعلوم وصيغة هو فصل والأوسط خبر كان وسلبًا تمييز والمراد بما فى حكم الإيجاب سلب يستلزم إيجابًا نحو لا شئ من (ج ب) فإنه لو جعل صغرى لقولنا وكل ما ليس (ب أ) أنتج كل (ج أ) لأن لا شئ من (ج ب) وإن كان سالبة لكنه فى حكم الإيجاب لاستلزامه موجبة سالبة المحمول وهى قولنا كل (ج) هو ما ليس (ب) وسيأتى بيان الاستلزام وإذا اعتبرت هذه الموجبة مع الكبرى أنتجنا تلك النتيجة فالإيجاب ينتج فى صغرى الأول بالذات والسلب لاستلزامه الإيجاب وجمهور الشارحين على أن المراد بحكم الإيجاب كون الصغرى سالبة مركبة فإنها تنتج بسبب الجزء الإيجابى وليس بشئ لأن ذلك إيجاب لا أنه فى حكمه فالصواب ما ذكره الشارح من تأويل السلب بإيجاب سالب المحمول ولا بد حينئذ من تكرر النسبة السلبية فى الكبرى فتكون سالبة الموضوع.
قوله: (وبحسب هذا الشرط) أى الشرط الذى هو أمران فاللام للعهد والمعهود، قوله: وشرط إنتاجه وفى بعض النسخ هذين الشرطين.
قوله: (تسقط السالبتان) إشارة إلى طريق الحذف، وقوله: يبقى إشارة إلى طريق التحصيل.
التفتازانى: (بما يدل عليه) أى على السبب والحكمة فى الإنتاج.
التفتازانى: (فقوله ثبوته منصوب خبر كان. . . إلخ) أى وقوله فى الأصغر من
[ ١ / ٣٧٣ ]
تعلق بالمعلوم وهو غير مناسب لقول الشارح هو الأوسط وكذا قوله وإن كان يحتمل. . . إلخ. فلعل النسخة التى وقعت له ليس فيها هو الأوسط.
التفتازانى: (بناء على أنه يصدق موجبة معدولة المحمول) أى يئول بها لوجود الموضوع أخذًا من الجزء الإيجابى، وقوله: ولو سالبة المحمول مقتضى كلام السيد أنها لا تكون إلا سالبة المحمول وقوله سالبة محضة أى لم تجعل مزولة بالموجبة السالبة المحمول.
التفتازانى: (لا شئ من ج ب) فيه إسقاط لفظة نحو وقوله فإن موضوع الكبرى حينئذ أى حين إذ كانت الصغرى سالبة كما فى المثال المذكور.
قوله: (وهو المنتج منها فى الحقيقة) هذا لابد منه فى صحة قوله ولذلك يتوقف رجوع غيره إليه كما أشار إلى ذلك المحشى.
قوله: (فلا يعلم الإنتاج. . . إلخ) أى لا يعلم الإنتاج مطلقًا إلا بالاندراج الذى هو لازم لكون موضوع الصغرى بعض موضوع الكبرى وذلك غير بين فى غير الشكل الأول فيكون أبين الأشكال وغير موقوف إنتاجه بل العلم بإنتاجه على رجوعه إليه.
قوله: (فلا إنتاج فى نفس الأمر إلا له) منهرع على قوله: فحقيقة البرهان. . . إلخ.
قوله: (والعقل لا يحكم. . . إلخ) مفرع على قوله وجهة الدلالة.
قوله: (على بعض تفاسيره) أى من أنه دليل ينقدح فى ذهن المجتهد تقصر
عبارته عن الإفصاح به ومتى حصل ذلك عنده وجب عليه العمل به.
قوله: (ولا يمكن أن يقال. . . إلخ) يشير إلى أن قول الشارح وبين ضروبًا بغير هذا الوجه جواب عما يقال: إنه أراد أن انتفاء الدليل مطلقًا علة لانتفاء العلم بالمدلول ولم يرد انتفاء الدليل الخاص ولا أنه علة لانتفاء المدلول وقوله وهو المنتج منها فى الحقيقة ناظر لقوله حقيقة البرهان وسط. . . إلخ. وقوله وهو السبب ناظر لقوله وجهة الدلالة.
قوله: (على انتفاء المعلول المساوى) يشير إلى أن انتفاء العلة لا يوجب انتفاء المعلول مطلقًا بل إذا كانت العلة مساوية لمعلولها.
قوله: (يجعل وصفًا عنوانيًا) أى وإن كان المراد به الماصدق وكان فى الصغرى المراد به المفهوم لأن المعنى وكل ما ثبت له هذا الفهوم.
[ ١ / ٣٧٤ ]
قوله: (لأن عقد الوضع بطريق الإيجاب قطعًا) أى فموضوع القضية ما ثبت له الوصف العنوانى سواء كان ذلك الوصف إيجابًا أو سلبًا أو عدوليًا.
قوله: (ثبوته متعلق للجار) أى وليس متعلقه المعلوم كما قال السعد، وقوله: ومرفوع بالمعلوم أى لا منصوب خبر كان كما قال السعد وقوله أنتج كل ج أو هى موجبة لا تقتضى وجود موضوعها لأن موضوعها هو موضوع الموجبة السالبة المحمول فعليه ليس كل موجبة محصلة المحمول تقتضى وجود الموضوع.
[ ١ / ٣٧٥ ]
قال: (الشكل الثانى شرطه اختلاف مقدمتيه فى الإيجاب والسلب وكلية كبراه يبقى أربعة ولا ينتج إلا سالبة أما الأول فلوجوب عكس إحداهما وجعلها الكبرى فموجبتان باطل وسالبتان لا تتلاقيان وأما كلية الكبرى فلأنها إن كانت التى تنعكس فواضح وإن عكست الصغرى فلا بد أن نكون سالبة لتتلاقيا ويجب عكس النتيجة وهى لا تنعكس لأنها تكون جزئية سالبة الأول كليتان والكبرى سالبة، الغائب مجهول الصفة وكل ما يصح بيعه ليس بمجهول الصفة ويتبين بعكس الكبرى الثانى كليتان والكبرى موجبة الغائب ليس بمعلوم الصفة وما يصح بيعه معلوم ولازمه كالأول ويتبين بعكس الصغرى وجعلها الكبرى وعكس النتيجة الثالث جزئية موجبة وكلية سالبة بعض الغائب مجهول وكل ما يصح بيعه ليس بمجهول فلازمه بعض الغائب لا يصح بيعه ويتبين بعكس الكبرى الرابع جزئية سالبة وكلية موجبة بعض الغائب ليس بمعلوم وكل ما يصح بيعه معلوم ويتبين بعكس الكبرى بنقيض مفرديها ويتبين أيضًا فيه وفى جميع ضروبه بالخلف فتأخذ نقيض النتيجة وهو كل غائب يصح بيعه وتجعله الصغرى فينتج نقيض الصغرى الصادقة ولا خلل إلا من نقيض المطلوب فالمطلوب صادق).
أقول: الشكل الثانى: شرط إنتاجه اختلاف مقدمتيه فى الإيجاب والسلب وكلية كبراه ومن خواصه أنه لا ينتج إلا سالبة.
أما الشرط الأول أعنى اختلاف مقدمتيه فى الكيف فلما علمت أنه لا ينتج إلا بردّه إلى الأول وإذا كان مخالفته للأول إنما هو فى الكبرى وجب فى رده إليه أن تعكس إحدى المقدمتين وتجعل كبرى فإن كانتا موجبتين فباطل أى لا يمكن فيه ذلك لأن عكس ما يعكس منهما جزئية لا تصلح كبرى للأول وإن كانتا سالبتين أمكن فيه ذلك لكن لا ينتج إذ تصير الصغرى سالبة فى الأول فلم يتلاقيا كما مر.
وأما الشرط الثانى وهو كلية الكبرى فلأنها إن كانت هى التى تنعكس فواضح لأن الجزئية عكسها جزئية فلا تصلح كبرى للأول وإن كانت غير التى تنعكس بأن عكست الصغرى وجعلتها كبرى والكبرى صغرى فلا بد من عكس النتيجة إذ الحاصل منه سلب موضوع النتيجة عن محمولها والمطلوب عكس ذلك لكنها لا تنعكس لأن القياس حينئذ من جزئية موجبة وكلية سالبة فينتج سالبة جزئية وأنها لا تنعكس وأما كونه لا ينتج إلا سالبة فلأن كبراه عكس سالبة كلية أبدًا إذ غيرها
[ ١ / ٣٧٦ ]
لا ينعكس أو ينعكس جزئية لا تصلح كبرى للأول وقد علمت أن نتيجة مثله فى الأول سالبة.
فإن قلت: فكيف ذلك فى قولك بعض (ج) ليس (ب) وكل (أب).
قلت: كل (أب) يستلزم لا شئ من (أ) ليس (ب) وينعكس إلى لا شئ مما ليس (ب أ) وينتج المطلوب.
وضروب هذا الشكل باعتبار هذا الشرط أربعة إذ يسقط الموجبة الكلية مع الموجبتين، والجزئية السالبة والكلية السالبة مع السالبتين، والجزئية الموجبة والجزئية الموجبة مع الموجبتين، والجزئية السالبة مع السالبتين والموجبة الجزئية، يبقى الموجبتان مع السالبة الكلية، والسالبتان مع الموجبة الكلية:
الأول: كليتان والكبرى سالبة ينتج كلية سالبة كل غائب مجهول الصفة وكل ما يصح بيعه ليس بمجهول الصفة فكل غائب لا يصح بيعه وبيانه بعكس الكبرى فإن قولنا: كل ما يصح بيعه ليس بمجهول الصفة ينعكس كل مجهول الصفة لا يصح بيعه فيصير كل غائب مجهول الصفة وكل مجهول الصفة لا يصح بيعه ينتج المطلوب من الأول.
الثانى: كليتان والكبرى موجبة تنتج كلية سالبة كالأول كل غائب ليس بمعلوم الصفة وكل ما يصح بيعه معلوم الصفة ينتج كالأول كل غائب لا يصح بيعه بيانه بعكس الصغرى وجعلها كبرى ثم عكس النتيجة فإن قولنا: كل غائب ليس بمعلوم الصفة عكسه كل معلوم الصفة ليس بغائب فيصير هكذا كل ما يصح بيعه معلوم الصفة وكل معلوم الصفة ليس بغائب ينتج كل ما يصح بيعه ليس بغائب وينعكس كل غائب ليس يصح بيعه وهو المطلوب.
الثالث: جزئية موجبة صغرى وكلية سالبة كبرى ينتج جزئية سالبة بعض الغائب مجهول الصفة وكل ما يصح بيعه ليس بمجهول الصفة ينتج بعض الغائب لا يصح بيعه وبيانه بعكس الكبرى كالأول سواء.
الرابع: جزئية سالبة صغرى وكلية موجبة كبرى ينتج جزئية سالبة بعض الغائب ليس بمعلوم وكل ما يصح بيعه معلوم فبعض الغائب لا يصح بيعه بيانه بعكس الكبرى، وهو قولنا: كل ما يصح بيعه معلوم بعكس النقيض إلى قولنا: كل ما ليس بمعلوم لا يصح بيعه وهو مع الصغرى ينتج المطلوب.
[ ١ / ٣٧٧ ]
واعلم أنه يتبين الإنتاج فى هذا الضرب بالخلف وهو أن نأخذ نقيض المطلوب، وهو قولنا: كل غائب يصح بيعه وتجعله لكونها موجبة صغرى وكبرى القياس لكونها كلية كبرى هكذا كل غائب يصح بيعه وكل ما يصح بيعه معلوم واللازم كل غائب معلوم وهذا يناقض الصغرى، وهى قولنا: بعض الغائب ليس بمعلوم فلا يجتمعان صدقًا لكن الصغرى صادقة لأن المفروض ذلك فتعين كذب هذا وهو مستلزم لكذب مجموع المقدمتين المنتجتين لهذا ولصدق الكبرى تكون الكاذبة هى الأخرى أعنى نقيض المطلوب وإذا كذب نقيض المطلوب كان المطلوب صادقًا وهو المدعى وهكذا فى الضروب الثلاثة الأخر.
قوله: (وجب أن تعكس إحدى المقدمتين) هى الصغرى فى الضرب الثانى والكبرى فى البواقى لكن فى الرابع عكس النقيض، فإن قيل هب أن مخالفته للأول فى الكبرى فقط تصلح علة لعكس الكبرى ليرتد إليه لكن كيف تصلح علة لعكس الصغرى وجعله الكبرى قلنا من جهة أن الصغرى إذا عكست صار الأوسط موضوعًا، فإذا جعلت كبرى وكبرى الأصل صغرى كان الأوسط محمولًا فى الصغرى موضوعًا فى الكبرى وهو الشكل الأول.
قوله: (فلم يتلاقيا كما مر) من أن شرط الشكل الأول إيجاب الصغرى أو حكمه فإذا قلنا لا شئ من الإنسان بفرس ولا شئ من الناطق بفرس وعكسنا الكبرى إلى أنه لا شئ من الفرس بناطق لم يلزم تلاقى الأصغر والأكبر؛ لأنا وإن جعلنا الصغرى موجبة سالبة المحمول لم يتحقق الاندراج لأن الحكم فى الكبرى إنما هو على ما ثبت له محمول السالبة لا على ما سلب عنه.
قوله: (إن كانت هى التى تنعكس) يعنى إن كان القياس من الضروب التى يكون ردها إلى الشكل الأول بعكس الكبرى وجعلها كبرى فاشتراط كلية الكبرى واضح فإن قيل: لا يجوز أن تكون الكبرى جزئية تعكس وتجعل صغرى مثل لا شئ من ج ب وبعض أب قلنا لأنه يكون إلى الشكل الرابع أعنى بعض ب أولا شئ من ج ب، وهذا لا ينتج وإن كان مما يرد إلى الشكل الأول بعكس الصغرى وجعلها كبرى وكبرى الأصل صغرى؛ فكلية الكبرى شرطت فيه أيضًا لأنه لا بد من عكس النتيجة الحاصلة من هذا القياس؛ لأنا إذا قلنا لا شئ من ج ب وكل أب وجعلناه
[ ١ / ٣٧٨ ]
كل أب ولا شئ من ب ج كان الحاصل لا شئ من أج بسلب موضوع النتيجة لهذا الضرب عن محمولها، لأن نتيجته لا شئ من ج أليصح أن لا شئ من ج ب صغرى لاشتمالها على موضوعها والمطلوب عكس ذلك الحاصل؛ أعنى سلب محمول النتيجة عن موضوعها لكن النتيجة الحاصلة من عكس الصغرى وجعلها كبرى وجعل الكبرى الجزئية صغرى لا تنعكس؛ لأن القياس حينئذ يكون من صغرى جزئية موجبة هى كبرى الأصل وكبرى سالبة كلية هى عكس صغرى الأصل ونتيجتها سالبة جزئية وهى لا تنعكس فالمراد بالنتيجة فى قوله عكس النتيجة نتيجة الشكل الأول، وفى قوله سلب موضوع النتيجة نتيجة الشكل الثانى التى هى المطلوب.
قوله: (ولا ينتج إلا سالبة) العمدة فيه الاستقراء إلا أنه حاول البيان اللمى يعنى أن كل ضروبه تنتهى إلى الشكل الأول السالب الكبرى، لما تقرر من أنه لا بد من الرجوع إلى الشكل الأول وهذا الشكل لا يخالف الأول إلا فى الكبرى فيجب أن تعكس كبراه كما فى الضرب الأول والثالث أو تعكس صغراه وتجعل كبرى كما فى الضرب الثانى فتكون كبراه عند الرد إلى الشكل الأول عكس سالبة كلية وهو سالبة كلية ونتيجة الكبرى السالبة فى الشكل الأول لا تكون إلا سالبة، ولما لم يتحقق هذا فى الضرب الرابع أعنى السالبة الجزئية مع الموجبة الكلية لكون كبراه عند الرد إلى الشكل الأول عكس موجبة كلية عكس النقيض أجاب بأنه فى التحقيق عكس سالبة كلية لأنا إذا قلنا: بعض ج ليس ب وكل أب فالكبرى تستلزم لا شئ من أليس ب ضرورة وتنعكس إلى لا شئ مما ليس ب أفترجع إلى الشكل الأول من موجبة سالبة المحمول وسالبة كلية سالبة الموضوع فتنتج سالبة جزئية وهذا تكلف عظيم من الشارح لا حاجة إليه، إذ يكفى عكس الكبرى الموجبة بعكس النقيض إلى كل ما ليس ب ليس أعلى ما بينه المصنف وقرره الشارح وإن حاول الاحتراز عن البيان بعكس النقيض لكونه أجنبيًا، فاستلزام الموجبة للسالبة المذكورة أيضًا كذلك على أن كلًا من التقريرين مبنى على جعل الصغرى السالبة فى حكم الإيجاب، لكن على تقرير المتن عند صيرورتها صغرى الشكل الأول وعلى تقرير الشرح قبلها فيصير هذا الضرب الثالث بعينه.
قوله: (باعتبار هذا الشرط) يعنى اشتراط الأمرين اختلاف المقدمتين وكلية
[ ١ / ٣٧٩ ]
الكبرى ولهم فى ذلك طريقان طريق الإسقاط وطريق التحصيل، والشارح يشير إليهما بقوله: يسقط ويبقى وهو ظاهر.
قوله: (وهو مع الصغرى ينتج المطلوب) هكذا بعض الغائب هو ليس بمعلوم وكل ما ليس بمعلوم لا يصح بيعه، على أن الصغرى موجبة سالبة المحمول إذ لو كانت سالبة محضة لم يكن الأوسط محمولًا فى الصغرى موضوعًا فى الكبرى، فإن قيل فيكون الشكل الثانى من موجبتين قلنا الصغرى فى الثانية سالبة وإنما نجعلها موجبة سالبة المحمول عند الرجوع إلى الأول على أن عكس نقيض الموجبة لا يجب أن يكون موجبة بل سالبة من نقيض المحمول وعين الموضوع على ما هو رأى المتأخرين.
قوله: (وهو) أى كذب هذا اللازم أعنى كل غائب معلوم (مستلزم لكذب مجموع المقدمتين المنتجتين له) ضرورة أنهما لو صدقتا لم يكن هذا اللازم لامتناع كذب اللازم عند صدق الملزوم وانتفاء المجموع إما بانتفائهما أو بانتفاء الكبرى فقط، أو بانتفاء نقيض المطلوب فقط والأولان باطلان فتعين الثالث، وقد يقال فى هذا المقام لم لا يجوز أن يكون كذب المجموع لكذب الاجتماع وإن صدق كل كامتناع اجتماع كتابة زيد وعدمها وإن أمكن كله وفساده؛ واضح إذ لا معنى لصدق المجموع إلا صدق كل فإذا صدقتا فلا استحالة ولا لزوم للمحال.
قوله: (أن تعكس إحدى المقدمتين وتجعل كبرى) وذلك لأن كل واحدة منهما توافق صغرى الأولى وعكسها يوافق كبراه فإن عكست الكبرى وقع عكسها موقعها وإن عكست الصغرى جعل عكسها كبرى ثم تعكس النتيجة.
قوله: (أى لا يمكن فيه) أى فى المركب من الموجبتبن (ذلك) أى عكس إحداهما وجعله كبرى لأن عكس الموجبة جزئى لا يصلح كبرى للأول.
قوله: (فلم يتلاقيا) أى الطرفان أعنى الأصغر والأكبر (كما مر) فى اشتراط الإيجاب فى صغرى الأول.
قوله: (فواضح) وذلك لأن عكس الكبرى حينئذ يجب أن يكون كليًا فتكون الكبرى أيضًا كلية لأنها لو كانت جزئية لم يمكن عكسها كليًا.
قوله: (بأن عكست الصغرى) لابد أن تكون كلية سالبة ليكون عكسها كليًا
[ ١ / ٣٨٠ ]
صالحًا لأن يقع كبرى فى الأول فتكون الكبرى موجبة جزئية والقياس الحاصل بالرد مركب من جزئية موجبة وكلية سالبة فينتج سالبة جزئية موضوعها ما هو أكبر فى الشكل الثانى ومحمولها ما هو أصغر فيه فلا بد من عكس النتيجة ليحصل المطلوب من الثانى وأنها لا تنعكس وإن جعلتها سالبة المحمول وعكستها صار السلب جزءًا من الموضوع فى العكس فتكون موجبة سالبة الموضوع وليست نتيجة لذلك القياس من الشكل الثانى.
قوله: (وأما كونه لا ينتج إلا سالبة) السر فى هذا الحكم وإن كان معلومًا استقراء إذ كبرى الثانى بعد الرد إلى الأول عكس سالبة كلية أبدًا لأن رده إليه بعكس إحدى مقدمتيه وجعله كبرى فلا بد أن تكون تلك المقدمة سالبة كلية لتنعكس إلى كلية إذ غيرها لا ينعكس أصلًا كالسالبة أو ينعكس جزئية لا تصلح كبرى للأول فالقياس المنتظم على هيئة الأول كبراه سالبة ونتيجته مثله لا تكون إلا سالبة وهى بنفسها أو بعكس السالبة نتيجة الثانى.
قوله: (فإن قلت) سؤال على ما ذكره من أن كبرى الثانى بعد الرد إلى الأول عكس سالبة كلية أى كيف يوجد ذلك فى الضرب الرابع المركب من صغرى سالبة جزئية وكبرى موجبة كلية فليس ههنا سالبة كلية تنعكس وتجعل كبرى للأول وأجاب بأن الكبرى الموجبة الكلية تستلزم سالبة كلية سالبة المحمول وتلك السالبة تنعكس بالمستوى إلى ما يصير كبرى للأول لا يقال فالقياس حينئذ من سالبتين لأنا نقول تؤول الصغرى بالموجبة السالبة المحمول فإن قلت: لم لم يكتف فى بيانه بما سيجئ من أن الكبرى نعكس بنقيض مفرديها ويضم إلى الصغرى على هيئة الأول فينتج المطلوب قلت: لأنه أراد توضيح ما ذكره من أن كبراه بعد الرد لا تكون إلا عكس سالبة كلية وعكس نقيضها موجبة سالبة الطرفين وليست سالبة محضة وإن ساوتها صدقًا والنتيجة فى هذا البيان موجبة سالبة المحمول فيحتاج إلى ردها إلى سالبة بسيطة وأيضًا فيه تنبيه على أن لرده إلى الأول طريقين وإن كان المذكور ههنا أطول إلا أن المقدمة المتوسطة فيه لا تخالف حدود القياس إلا بأحد طرفيها وعلى جواز أن يرد ضرب من الأشكال الثلاثة إلى ضرب آخر منها أجلى منه فإنه إذا اكتفى فى بيان هذا الضرب بالسالبة اللازمة لكبراه رجع إلى الضرب الثالث.
قوله: (إذ يسقط وقوله يبقى) إشارة إلى طريقى الحذف والتحصيل.
[ ١ / ٣٨١ ]
قوله: (الرابع جزئية سالبة) بيانه بعكس النقيض مخالف للمشهور حيث جوزوا استعمال العكس المستوى فى بيان نتاتج القرائن دون عكس النقيض وعللوه بأن المستقيم لا يغير حدود القياس والحق جواز استعماله أيضًا لكونه لازمًا بخلاف المقدمة الأجنبية ولا دليل على رعاية الحدود فى بيان القياسية على أنهم استعملوه فى الاقترانيات الشرطية ولابد من رد الصغرى إلى موجبة سالبة المحمول لتصح صغرى للأول.
قوله: (واعلم أنه) طريق الخلف فى الشكل الثانى أن يؤخذ نقيض نتيجة السالبة فيكون موجبة أبدًا ويجعل صغرى وكبرى القياس لكليتها كبرى فينتظم قياس على هيئة الأول لأن الأكبر محمول فى نقيض النتيجة موضوع فى كبرى الثانى وينتج ما ينافى الصغرى وحيث كانت صادقة فرضًا كان منافيها كاذبًا وكذبه مستلزم لكذب ملزومه أعنى مجموع المقدمتين لأن الكبرى منهما صادقة فتعين كذب الأخرى أعنى نقيض النتيجة ولو فرض كذبهما معًا يحصل المطلوب أيضًا لكنه محال لكون الكبرى مفروضة الصدق فى القياس.
الشارح: (لأن القياس حينئذ) أى حينئذ كانت الكبرى ليست كلية وعكست إلى الجزئية وجعل عكسها صغرى والصغرى كبرى.
الشارح: (الموجبة الكلية) أى الصغرى وقوله مع الموجبتين الكبريين أى الكلية والجزئية وقوله والجزئية السالبة عطت على الموجبتين وهذه ثلاثة أقسام وقوله والكلية السالبة أى الصغرى وقوله مع السالبتين والجزئية الموجبة أى الكبريات وهذه ثلاثة أقسام أيضًا وقوله والجزئية الموجبة أى الصغرى وقوله مع الموجبتين والجزئية السالبة أى الكبريات وهذه ثلاثة أيضًا فالأقسام الساقطة اثنا عشر وفى بعض نسخ الشارح سقط قوله والجزئية السالبة قبل قوله مع السالبتين.
التفتازانى: (وإن جعلنا الصغرى موجبة سالبة المحمول. . . إلخ) فتجعل قولنا: لا شئ من الإنسان بفرس راجعًا إلى قولنا: كل إنسان هو ليس بفرس ثم يضم إلى: ولا شئ من الفرس بناطق فالحكم فى الكبرى ما ثبت له أنه فرس وهو مسلوب فى الصغرى فلم يتحقق الاندراج.
التفتازانى: (فاشتراط كلية الكبرى واضح) لأنها لو كانت جزئية لم يمكن أن
[ ١ / ٣٨٢ ]
عكسها يكون كليًا ويكون كبرى الشكل الأول.
التفتازانى: (وإن كان مما يرد) عطت على قوله إن كان القياس فى الضروب التى يكون ردها إلى الشكل الأول بعكس الكبرى.
التفتازانى: (فكلية الكبرى شرطت فيه أيضًا لأنه لا بد. . . إلخ) يصير إلى أن قول الشارح فلابد من عكس النتيجة مرتب على محذوف تقديره ما ذكر.
التفتازانى: (لأنا إذا قلنا. . . إلخ) أى إذا كانت الصغرى سالبة كلية والكبرى موجبة كلية فالرد بعكس الصغرى وجعلها كبرى والكبرى صغرى ثم تعكس النتيجة ظاهر وأما إذا كانت الكبرى موجبة جزئية والصغرى سالبة كلية فالرد بعكس الصغرى وجعلها كبرى والكبرى صغرى ثم عكس النتيجة غير ظاهر لأن القياس حينئذ يكون مركبًا من موجبة جزئية صغرى وسالبة كلية كبرى والنتيجة حينئذ سالبة جزئية وهى لا تنعكس إن قيل لم لا يصح أن تجعل تلك النتيجة السالبة الجزئية مئولة بالموجبة السالبة المحمول كما فعل ذلك فى الضرب السادس من الشكل الثالث فتقول: لا شئ من ج ب وبعض أب تجعل الكبرى صغرى والصغرى بعد عكسها كبرى هكذا بعض أب ولا شئ من ب ج لينتج بعض أليس ج ثم تؤول هذه ببعض أهو ليس ج ثم تعكس إلى بعض ما ليس ج أأجيب بأنه لا فائدة فى ذلك العكس لأنه غير المطلوب إذ المطلوب من هذا القياس لو صح بعض ج ليس ألا بعض ما ليس ج أ.
التفتازانى: (نتيجة الشكل الأول) أى الذى حصل الرد إليه.
التفتازانى: (لكونه أجنبيًا) أى وشرط القياس أن لا يحتاج فى استلزامه النتيجة إلى أمر أجنبى من المقدمتين.
التفتازانى: (كذلك) أى أجنبى وحينئذ لا داعى للعدول عن البيان بعكس النقيض كما فعل المصنف إلى البيان باستلزام الموجبة الكلية السالبة الكلية التى تنعكس بالعكس المستوى المؤدى للمطلوب.
التفتازانى: (لكن على تقرير المتن) أى من عكس الكبرى عكس نقيض مواقف وقوله: عند صيرورتها صغرى الشكل الأول أى لا قبله لأن القياس حينئذ مركب من سالبة جزئية وموجبة كلية من الشكل الثانى، وقوله: على تقرير الشارح أى من أن الموجبة الكلية تستلزم السالبة الكلية، وقوله: قبلها أى لأن الشكل الثانى:
[ ١ / ٣٨٣ ]
لا يتحقق من سالبتين فلابد قبل الرد إلى الأول من تأويل السالبة الجزئية بالموجبة السالبة المحمول حتى يختلف المقدمتان إيجابًا وسلبًا كما هو المعتبر فى الشكل الثانى.
التفتازانى: (فيصير هذا الضرب الثالث بعينه) أى لأن الجزئية السالبة حيث رجعت إلى الموجبة السالبة المحمول والموجبة الكلية الكبرى رجعت إلى السالبة الكلية كان ذلك هو الضرب الثالث بعينه من الشكل الثانى ولم يكن له ضرب رابع.
التفتازانى: (يعنى اشتراط الأمرين) يشير إلى أن الشرط فى كلام الشارح بمعنى الاشتراط للأمرين أو أن "ال" فى الشرط للجنس فلا يرد أن المعتبر فى الشكل الثانى شرطان لا شرط.
التفتازانى: (إذ لا معنى لصدق المجموع إلا صدق كل) أى فلا يتأتى صدق كل مع كذب المجموع.
قوله: (توافق صغرى الأول) لأن الأوسط محمول فى كل منهما.
قوله: (يوافق كبراه) لأن الأوسط يكون موضوعًا فى كل من عكسهما.
قوله: (فتكون الكبرى موجبة جزئية) أما كونها موجبة فلأن الشرط اختلاف الكيف وقد فرض أن الصغرى سالبة فلابد أن تكون الكبرى موجبة وأما كونها جزئية فلأن الكلام على تقدير عدم الكلية.
قوله: (وإن جعلتها) أى النتيجة.
قوله: (بنفسها) أى إذا عكست الكبرى وقوله أو بعكسها أى عكس النتيجة إذا عكس الصغرى وجعل عكسها كبرى.
قوله: (تؤول الصغرى بالموجبة السالبة المحمول) أى حتى يتحقق الاختلاف فى الكيف كما هو المعتبر فى الشكل الثانى فهذا التأويل ثابت قبل الرد إلى الشكل الأول على هذا كما مر.
قوله: (والنتيجة فى هذا البيان) أى بيان الرد بعكس النقيض وقوله موجبة سالبة المحمول أى لأن جعل عكس الكبرى عكس نقيض كبرى القياس يقتضى ذلك لأن الكبرى حينئذ موجبة سالبة الطرفين فالصغرى موجبة سالبة المحمول ليتكرر الوسط فتكون النتيجة موجبة سالبة المحمول هى فى المثال الذى فى الشارح بعض ج هو
[ ١ / ٣٨٤ ]
ليس أعلى أن نتيجته هى بعض ج ليس أسالبة جزئية.
قوله: (وإن كان المذكور هنا) هو اعتبار السالبة اللازمة للموجبة الكلية.
قوله: (لا تخالف حدود القياس إلا بأحد طرفيها) فإن قولنا لا شئ من أليس ب لا يخالف كبرى الأصل الذى هو قولنا كل أب فى المحمول بخلاف عكس النقيض فهو مخالف بالطرفين.
قوله: (رجع إلى الضرب الثالث) أى الذى هو أجلى فى الإنتاج من الضرب الرابع بخلاف ما إذا عكس الكبرى بعكس النقيض وجعل هذا العكس كبرى فإنها حينئذ تكون موجبة كلية سالبة الطرفين فلا ترجع إلى الضرب الثالث فظهر أن ما صنعه الشارح لا تكلف فيه وأنه وجيه خلافًا للسعد.
قوله: (بأن المستقيم هو العكس المستوى لكونه لازمًا بخلاف المقدمة الأجنبية) يعنى أن الممنوع بيان الإنتاج بالمقدمة الأجنبية لأن البيان بها يستلزم أن ما عداها وحده غير مستلزم للمطلوب فلا يكون قياسًا إذ القياس ما يستلزم القول الآخر لذاته بخلاف البيان بعكس النقيض فإنه لكونه لازمًا لا يستلزم عدم قياسية ما عداه وحده فيكون حينئذ مستلزمًا للمطلوب.
قوله: (ولا دليل على رعاية الحدود) إشارة إلى ضعف القيل المذكور وقوله: على أنهم استعملوه فى الاقترانيات الشرطية إشارة إلى بطلانه.
قوله: (ولا بد من رد الصغرى. . . إلخ) راجع لأصل الكلام.
[ ١ / ٣٨٥ ]
قال: (الشكل الثالث شرطه إيجاب الصغرى أو فى حكمه وكلية إحداهما يبقى ستة ولا ينتج إلا جزئية، أما الأول فلأنه لا بد من عكس إحداهما وجعلها صغرى فإن قدرت الصغرى سالبة وعكستها لم يتلاقيا وإن كان العكس فى الكبرى وهى سالبة لم يتلاقيا مطلقًا وإن كانت موجبة فلابد من عكس النتيجة ولا تنعكس وأما كلية إحداهما فلتكون هى الكبرى آخرًا بنفسها أو بعكسها وأما إنتاجه جزئية فلأن الصغرى عكس موجبة أبدًا أو فى حكمها.
فالأول: كلتاهما كلية موجبة كل بر مقتات وكل بر ربوى فينتج بعض المقتات ربوى ويتبين بعكس الصغرى.
الثانى: جزئية موجبة وكلية موجبة بعض البر مقتات وكل بر ربوى فينتج مثله ويتبين كالأول.
الثالث: كلية موجبة وجزئية موجبة كل بر مقتات وبعض البر ربوى فينتج مثله ويتبين بعكس الكبرى وجعلها الصغرى وعكس النتيجة.
الرابع: كلية موجبة وكلية سالبة كل بر مقتات وكل بر لا يباع بجنسه متفاضلًا ينتج بعض المقتات لا يباع ويتبين بعكس الصغرى.
الخامس: جزئية موجبة وكلية سالبة بعض البر مقتات وكل بر لا يباع بجنسه متفاضلًا فينتج ويتبين مثله.
السادس: كلية موجبة وجزئية سالبة كل بر مقتات وبعض البر لا يباع بجنسه فينتج مثله ويتبين بعكس الكبرى على حكم الموجبة وجعلها الصغرى وعكس النتيجة. فيتبين مع جميعه بالخلف أيضًا فتأخذ نقيض النتيجة كما تقدم إلا أنك تجعله الكبرى).
أقول: شرط الشكل الثالث أن تكون صغراه موجبة أو فى حكمها كما ذكرنا فى الأول وأن تكون إحدى مقدمتيه كلية ومن خواصه أن نتيجته لا تكون إلا جزئية.
أما الشرط الأول وهو إيجاب الصغرى فلأنه إنما يرتد إلى الأول بعكس إحداهما وجعلها صغرى لموافقته له فى الكبرى فالتى تعكسها إما الصغرى أو الكبرى فإن كانت الصغرى فإذا عكستها كانت الصغرى سالبة فى الأول، فلم يتلاق الطرفان وإن كانت الكبرى فهى إما سالبة أو موجبة فإن كانت سالبة فإذا جعلتها صغرى للأول لم يتلاق الطرفان مطلقًا فلا يلزم حمل الأصغر على الأكبر
[ ١ / ٣٨٦ ]
ولا حيل الأكبر على الأصغر وإن كانت موجبة فعكسها جزئية فتجعلها صغرى والصغرى كبرى وهى سالبة فينعقد قياس فى الأول من صغرى جزئية موجبة وكبرى كلية سالبة فينتج جزئية سالبة ويتلاقيان على أن الأصغر محمول على بعض الأكبر ثم لابد من عكس النتيجة وإلا لكان غير المطلوب كما علمت لكن السالبة الجزئية لا تنعكس.
وأما الشرط الثانى وهو كلية إحدى مقدمتيه فلأنه لا بد من رده إلى الأول وكبراه كلية فالجزئية لا تصلح لذلك لا بنفسها ولا بعد عكسها لأن عكس الجزئى جزئى وأما أنه لا ينتج إلا جزئية، فلأن الصغرى لكونها عكس إحدى المقدمتين ووجوب إيجابها فى الأول تكون عكس موجبة أو ما فى حكمها فتكون الصغرى جزئية والجزئية لا تنتج إلا حزئية فضروب هذا الشكل بحسب الشرط المذكور ستة إذ تسقط السالبتان صغرى مع الأربع والموجبة الجزئية مع الجزئيتين ويبقى الموجبة الكلية مع الأربع والجزئية مع الكليتين:
الأول: كلية موجبة وكلية موجبة ينتج جزئية موجبة كل بر مقتات وكل بر ربوى فبعض المقتات ربوى بيانه بعكس الصغرى ليصير بعض المقتات بر وكل بر ربوى.
الثانى: جزئية موجبة وكلية موجبة ينتج جزئية موجبة بعض البر مقتات وكل بر ربوى ينتج كالأول بعض المقتات ربوى ويتبين كالأول بعكس الصغرى.
الثالث: كلية موجبة وجزئية موجبة ينتج جزئية موجبة كل بر مقتات وبعض البر ربوى ينتج كالأول أى كاللازم الأول أو كما أنتج الضرب الأول وهو بعض المقتات ربوى وبيانه لا يمكن بعكس الصغرى لأنه يصير من جزئيتين بل بعكس الكبرى وجعله صغرى ليصير بعض الربوى بر وكل بر مقتات ينتج بعض الربوى مقتات وينعكس بعض المقتات ربوى وهو المطلوب.
الرابع: كلية موجبة وكلية سالبة تنتج جزئية سالبة كل بر مقتات وكل بر لا يصح بيعه بجنسه متفاضلًا فبعض المقتات لا يصح بيعه بجنسه متفاضلًا وبيانه بعكس الصغرى كالأول.
الخامس: جزئية موجبة وكلية سالبة ينتج جزئية سالبة بعض البر مقتات وكل بر لا يصح بيعه بجنسه متفاضلًا ينتج بعض القتات لا يصح بيعه بجنسه متفاضلًا
[ ١ / ٣٨٧ ]
وبيانه أيضًا بعكس الصغرى.
السادس: كلية موجبة وجزئية سالبة ينتج جزئية سالبة كل بر مقتات وبعض البر لا يصح بيعه بجنسه متفاضلًا ينتج بعض المقتات لا يصح بيعه بجنسه متفاضلًا وبيانه بأن يقضى على الكبرى بأنها فى حكم موجبة، وهى قولنا: بعض البر هو لا يباع على أن السلب هو جزء المحمول وقد أثبت السلب للموضوع ويسمى مثله موجبة سالبة المحمول وهى لازمة للسالبة وحينئذ تنعكس إلى قولنا: بعض ما لا يباع بجنسه متفاضلًا بر ويجعل صغرى لقولنا: وكل بر مقتات لينتج ما ينعكس إلى المطلوب وهذا الضرب قد يتبين بالخلف أيضًا وهو أن تأخذ نقيض النتيجة كما أخذت فى الشكل الثانى إلا أنك كنت هناك تجعله صغرى لكبرى القياس وههنا تجعله كبرى لصغرى القياس وذلك لأن عكس الصغرى دائمًا موجبة ونقيض النتيجة دائمًا كلية فتقول لو لم يصدق بعض القتات لا يباع لصدق نقيضه وهو كل مقتات يباع فإذا جعلناه كبرى لتمولنا كل بر مقتات أنتج كل بر يباع وكان الكبرى بعض البر لا يباع هذا خلف وتقريره ما تقدم وكذلك الضروب الخمسة الأخر وطريقه ما علمته ولا يخفى تفصيله.
قوله: (فلتكون هى الكبرى آخرًا) لا خفاء فى أن الأول والثانى والرابع والخامس من ضروب هذا الشكل يرجع بمجرد عكس الصغرى إلى الشكل الأول، وتكون نفس الكلية كبرى وأما فى الضرب الثالث والسادس فلا تصير الكلية كبرى إلا بعد القلب أعنى الترتيب، فقوله: أو بعكسها معناه عكس الكلية فيما لها من الوصف أعنى قلبها من وصف الصغروية إلى وصف الكبروية ولا يصح حمله على ما هو المتعارف من عكس القضية؛ لأن كبرى الشكل الأول المرجوع إليه فى هذا الشكل لا تكون عكس إحدى المقدمتين فى شئ من الضروب، بل تكون إما نفس الصغرى كما فى الثالث والسادس أو نفس الكبرى كما فى البواقى وأما الشارح المحقق فقد حمله على العكس المتعارف كما هو الظاهر قصدًا إلى نفى ما يمكن أن يتوهم من أن الجزئية وإن لم تصلح للكبروية بنفسها لكن لم لا يجوز أن تعكس فتجعل كبرى وأنت خبير بأن هذا لا يطابق المتن أصلًا ولا يصلح شرحًا لأن عكس الكلية لا يكون كبرى الشكل الأول المرجوع إليه من الضروب.
[ ١ / ٣٨٨ ]
قوله: (فلا يلزم حمل الأكبر على الأصغر ولا حمل الأصغر على الأكبر) بيان لعدم التلاقى مطلقًا إذ فى صورة سلب الصغرى إن لم يلزم حمل الأكبر على الأصغر، لكن لزم حمل الأصغر على الأكبر سلب حمل بالرد إلى الشكل الرابع بخلاف السالبتين فإنه لا يستلزم الحمل لا إيجابًا ولا سلبًا مثالًا لا شئ من (ج ب) وكل (ج أ) يرتد بعكس الصغرى إلى لا شئ من (ب ج) وهو يرتد بالتبديل أعنى جعل الصغرى كبرى والكبرى صغرى إلى الشكل الرابع وهو كل (ج أ) ولا شئ من (ب ج) وينتج بعض أليس ب لكنه لا ينتج ما هو المطلوب من الثالث أعنى بعض ب ليس ألأن السالبة الجزئية لا تنعكس، وأما لا شئ من (ج ب) ولا شئ من (ج أ) فلا ينتج أصلًا ولا يوجب التلاقى لا بحمل الأكبر على الأصغر ولا بعكسه لا إيجابًا ولا سلبًا.
قوله: (لكن السالبة الجزئية لا تنعكس) فإن قيل هى فى حكم موجبة سالبة المحمول على ما تقرر فى كثير من الأحكام وهى تنعكس قلنا: نعم تنعكس إلى موجبة سالبة الموضوع ومعناها إثبات الأكبر لما سلب عنه الأصغر والمطلوب إنما هو سلب الأكبر عما ثبت له الأصغر فأين أحدهما من الآخر.
قوله: (فلأن الصغرى) أى صغرى الشكل الأول الذى يرتد إليه هذا الشكل دائمًا موجبة جزئية لكونها عكس موجبة هى الكبرى كما فى الضرب الثالث والسادس من هذا الشكل أو الصغرى كما فى البواقى ونتيجة الصغرى الجزئية لا تكون إلا جزئية.
قوله: (ينتج كالأول أى كاللازم الأول) يوهم أن المذكور فى المتن فى هذا الضرب لفظه كالأول كما فى الضرب الثانى وأنه يحتمل أن يكون صفة للنتيجة بتأويل اللازم وأن يكون صفة للضرب، لكن المذكور فى نسخ المتن فى هذا الموضع لفظة: مثله والضمير للأول المذكور وهو الضرب مع ظهوره لا وجه لجعله عائدًا إلى الأول الذى هو صفة اللازم وليس بمذكور، وكأنه وقع فى نسخته ههنا أيضًا كالأول فأشار إلى أنه يحتمل أن يكون صفة للنتيجة بتأويل اللازم وأن يكون صفة للضرب أى كما أنتجه الأول، وحاصله حذف المضاف أى كنتيجة الأول وعلى التقديرين مثله مفعول به، لأن المماثلة بين الضربين إنما هو فى النتيجة دون البيان ويدل على ذلك قوله وهو بعض القتات ربوى؛ فإن الضمير ليس للإنتاج بل للازم
[ ١ / ٣٨٩ ]
الأول أو لما أنتجه الضرب الأول ولو حملت قوله كما أنتج الضرب الأول على أنه مفعول مطلق فضمير هو يعود إلى ما دل عليه الكلام من النتيجة.
قوله: (وهى لازمة للسالبة) يريد أنهما متلازمتان لكن لظهور كون السالبة لازمة لها لم يتعرض له؛ وذلك لأنه لا فرق فى المعنى بين سلب الشئ عن شئ وإثبات سلبه له ولهذا لا تحتاج هذه الموجبة إلى وجود الموضوع وكما تنعكس الموجبة، وإن كانت جزئية تنعكس هذه السالبة لكن بأن يجعل السلب جزءًا من الموضوع فبعض الحيوان ليس بإنسان ينعكس إلى بعض ما ليس بإنسان حيوان وإن لم ينعكس إلى بعض الإنسان ليس بحيوان.
قوله: (عكس الصغرى دائمًا موجبة) للزوم إيجاب الصغرى (ونقيض النتيجة كلية) للزوم كون النتيجة جزئية لكن لفظ عكس ههنا زائد؛ لأن نقيض النتيجة إنما يجعل كبرى لصغرى القياس نفسها لا لعكسها.
قوله: (كما ذكرنا فى الأول) من أن ما فى حكم الإيجاب سالبة تستلزم موجبة سالبة المحمول.
قوله: (فلم يتلاق الطرفان) أى الأصغر والأكبر على أن يكون الأصغر موضوعًا له إيجابًا أو سلبًا لما علمت فى اشتراط الإيجاب فى صغرى الأول نعم لو قلبت المقدمتان حينئذ ارتد إلى الشكل الرابع من موجبة صغرى وسالبة كبرى وأنتج سلب الأصغر عن بعض الأكبر لكنه ليس بمطلوب ولا تنعكس إليه وأما إذا عكست الكبرى وهى سالبة وجعلت عكسها السالب صغرى للأول والصغرى السالبة فرضًا كبرى كان القياس من سالبتين ولم يتلاق الطرفان مطلقًا فلا يلزم حمل الأصغر على الأكبر ولا عكسه إيجابًا ولا سلبًا إذ لا قياس من سالبتين فى شكل فأى تصرف يفرض ههنا لم يفد نسبة بينهما.
قوله: (لكن السالبة الجزئية لا تنعكس) فإن قيل هى فى قوة موجبة سالبة المحمول على ما تقرر فى كثير من الأحكام وهى منعكسة فكذا ما يساويها أجيب بأنها تنعكس إلى موجبة سالبة الموضوع ومعناها إثبات الأكبر لما سلب عنه الأصغر والمطلوب الذى هو عكس السالبة سلبه عما ثبت له الأصغر وبينهما بون بعيد وستقف على كلام فى انعكاس الموجبة السالبة المحمول.
[ ١ / ٣٩٠ ]
قوله (ولا بعد عكسها) مبالغة فى عدم ارتداده إلى الأول لأن شيئًا من المقدمتين لا يصلح كبرى للأول لا بنفسها ولا بعكسها لكونهما جزئيتين ولا يرد أن عكس إحداهما لو كان كليًا يصلح لذلك فإنه ظاهر الفساد لأن الوسط فى هذا العكس محمول وفى كبرى الأول موضوع، وقول المصنف: فلتكون هى الكبرى آخرًا أى عند الرد إلى الأول بنفسها أو بعكسها لأجل هذه المبالغة فكأنه قيل لابد من كلية لتصلح أن تقع كبرى للأول إما بنفسها أو بعكسها إذ الجزئية غير صالحة لذلك أصلًا لا بنفسها ولا بعكسها فاعتبار صلاحية الكلية بأحد الوجهين إشارة إلى عدم صلاحية الجزئية بوجه هذا هو المتبادر من تقرير الشارح ومنهم من قال معنى كلام المصنف أن الكلية تارة تقع كبرى للأول بنفسها أى من غير قلب لها عن حالها كما فى الضروب الأربعة أعنى ما عدا الثالث والسادس وتارة تقع هناك بعكسها أى بقلبها من وصف إلى آخر ما فى هذين الضربين إذ تعكس فيهما الكبرى وتجعل صغرى والصغرى الكلية بعينها كبرى وأما عكس الكلية مستويًا أو عكس نقيض فلا يكون كبرى للأول فى ارتداد شئ من الضروب الستة وزعم أنه وقع فى بعض النسخ أو بقلبها مكان أو بعكسها وأراد بعضهم تطبيق الشرح على هذا المعنى فقال: لا بد من كلية إحدى المقدمتين لتصير كبرى فى الأول لأن الجزئية لا تقع كبراه لا بنفسها ولا بعكسها لأنه أيضًا جزئى وبهذا القدر يتم الدليل، وأما قول المصنف فلتكون. . . إلخ. فلم يتعرض لشرحه اكتفاء بما سيجئ فى تفاصيل الضروب حذرًا من سآمة التكرار لأنه إشارة إلى كيفية رده إلى الأول كما سبق فالمراد بالعكس عكس الترتيب والضمير فى نفسها وعكسها للكلية أو إلى كيفية الإنتاج بعد الرد أى لتكون الكلية كبرى بعد الرد ملتبسة بنفس النتيجة كما فى الضروب الأربعة التى كبرياتها كليات أو بعكسها كما فى الضربين الباقيين فالمراد بالعكس هو المستوى والضميران للنتيجة ولا يخفى تمحله.
قوله: (فلأن الصغرى) الشكل الثالث لا ينتج إلا جزئية لأن القياس الحاصل بعد رده إلى الأول لا ينتج إلا جزئية لأن صغراه أبدًا عكس موجبة أو ما فى حكمها فإن كانت هى عين نتيجة الثالث فذاك وإن عكست فعكسها جزئى أيضًا وقد أشار إلى طريقى الإسقاط والتحصيل معًا.
قوله: (ينتج كالأول أى كاللازم الأول) يعنى أن قول المصنف فينتج مثله يحتمل
[ ١ / ٣٩١ ]
أن يكون معناه ينتج الضرب الثالث نتيجة مثل اللازم الأول المذكور سابقًا وهو الموجبة الجزئية فيكون مثله مفعولًا به أنه ينتج إنتاجًا مثل إنتاج الضرب الأول فيكون مثله مفعولًا مطلقًا ويختلف مرجع الضمير والمآل واحد ولذلك صرح باللازم بعدهما فإنتاجه مثل إنتاج الضرب الأول ولازمه كاللازم الأول وأما بيان إنتاجه فليس كذلك بخلاف الضرب الثانى فإن نتيجته وإنتاجه وبيانه كالضرب الأول وإنما تعين فيه جعل الأول صفة للضرب لقوله يتبين إذ لا معنى لقوله يتبين كاللازم الأول لأن البيان للإنتاج لا للازم.
قوله: (بأن يقضى) لا يمكن بيانه بعكس الصغرى وإلا لكان كبرى الأول جزئية ولا بعكس الكبرى لأنها سالبة جزئية لا تنعكس ولو انعكست لم تصلح صغرى للأول فاحتيج فى ذلك إلى زيادة تصرف هى أن تجعل الكبرى فى حكم موجبة ثم تعكس وتجعل صغرى لصغرى القياس فتنتج موجبة جزئية سالبة الموضوع فتنعكس إلى موجبة جزئية سالبة المحمول وتؤول إلى السالبة الجزئية المطلوبة.
وههنا أبحاث: الأول: أن الموجبة السالبة المحمول؛ ما سلب فيها محمولها عن موضوعها ثم أثبت ذلك السلب له فتشمل على مفهوم السالبة مع أمر زائد هو إثبات سلب المحمول عن الموضوع للموضوع، وأما الموجبة المعدولة فهى ما أثبت فيه عدم أمر وجودى للموضوع، فأنت إذا لاحظت مفهوم الكتابة وأضفت إليه مفهوم العدم ثم حكمت على الموضوع بثبوت ذلك العدم المضاف كانت القضية موجبة معدولة، وإن نسبت مفهوم الكتابة إليه وسلبته عنه ثم حكمت عليه بثبوت ذلك السلب كانت موجبة سالبة المحمول، فإن قلت قوله وقد أثبت السلب للموضوع دل على أن السلب نفس المحمول وقد صرح بأنه جزء له، قلت: السلب مضاف إلى المسلوب، وهو بمنزلة جزء منه، وقد أثبت للموضوع ذلك السلب المضاف فلا منافاة.
الثانى: أن الموجبة السالبة المحمول ملزومة للسالبة ولازمة لها فهما متساويان، وإنما لم يتعرض للحكم الأول لكونه ظاهرًا ثابتًا فى المعدولة كما هو المشهور دون الثانى لا لأنه غير محتاج إليه ههنا لأن لزومها للسالبة كاف فى لزوم عكسها إياها وبه يتم المقصود فإنه ذهول عن الحاجة فى النتيجة إلى رد الموجبة السالبة المحمول إلى السالبة المطلوبة، وبيان الحكم الثانى أن انتفاء المحمول عن الموضوع فى نفس
[ ١ / ٣٩٢ ]
الأمر يستلزم صدق أن الموضوع منتف عنه المحمول إذ لو صدق أنه ليس بمنتف عنه المحمول لم يكن انتفاؤه عنه صادقًا فى نفس الأمر؛ فلا يحتاج الإيجاب السالب المحمول فى صدقه إلى وجود الموضوع كالسالبة بخلاف المعدولة، والسبب فى ذلك أن مآله فى الحقيقة هو السلب، وأما المعدولة فتشتمل على معنى الإيجاب تحقيقًا وإن كانت الصفة المثبتة عدمية.
الثالث: أن عقد الوضع تركيب تقييدى لا يقتضى وجود الموضوع، إنما المقتضى له فى الموجبة عقد الحمل، فالموجبة السالبة المحمول إذا لم يكن موضوعها سلبًا بل محصلًا أو معدولًا يجب أن لا تنعكس، لأن المحصل أو العدول يصير محمولًا فى العكس فيقتضى وجود الموضوع وليس بموجود فلا تصدق؛ فإن قلت: السلب الواقع محمولًا يتناول ذلك الموضوع العدوم وغيره من الموجودات التى يثبت لها ذلك السلب فقد وجد موضوع العكس قلت: التلاقى بين الموضوع والسلب المحمول إنما علم فى ذلك المعدوم دون غيره على أن المحمول على المعدوم فى الخارج سلبًا خارجيًا ربما كان شاملًا لجميع الأشياء المحققة والمقدرة فسلبه لا يصدق على شئ من الموجودات أصلًا فلا صدق للإيجاب فى العكس قطعًا.
قوله: (وهذا الضرب) طريقة الخلف فى هذا الشكل أن يؤخذ نقيض النتيجة فيكون كليًا لأنها جزئية أبدًا فيجعل كبرى وصغرى القياس لإيجابها صغرى، فينتظم قياس على هيئة الشكل الأول وينتج ما ينافى الكبرى الصادقة فرضًا وبقية الكلام على ما سبق وقد وقع فى أكثر النسخ، لأن عكس الصغرى دائمًا موجبة بزيادة لفظ عكس وهو فى الحقيقة مستدرك وإن أمكن توجيهه بأن إيجاب العكس يدل على إيجابها إلا أنه مستغنًى عنه.
التفتازانى: (لا يطابق المتن أصلًا) وذلك لأن المتن يقول: لا بد من كلية إحدى المقدمتين لتكون هى الكبرى آخرًا بنفسها أو بعكسها وأما كون الجزئية ربما يتوهم إن عكسها يصلح للكبروية فشئ غير هذا بالمرة.
التفتازانى: (لأن عكس الكلية لا يكون. . . إلخ) أى وذلك لما علمت أن الكبرى هى نفس الكلية الواقعة كبرى فى الشكل أو الصغرى التى جعلت كبرى.
التفتازانى: (وليس بمذكور) فيه أنه مذكور لقوله وهو بعض المقتات ربوى
[ ١ / ٣٩٣ ]
وقوله وحاصله حذف المضاف أى حاصل الوجه الثانى وهو قوله أن يكون صفة للضرب.
التفتازانى: (لأن المماثلة. . . إلخ) دفع لما يقال كيف يصح فى الضرب الثالث أنه ينتج مثل الأول مع اختلافهما فى البيان وحاصل الدفع أن المماثلة ليست إلا فى النتيجة لا فى البيان فلا ينافى اختلاف الأول والثالث فى البيان.
التفتازانى: (وكما تنعكس الموجبة وإن كانت جزئية) أى الموجبة السالبة المحمول والغرض من ذلك بيان حكمة قول الشارح وهى لازمة للسالبة ومحصله أن ما لزم الموجبة السالبة المحمول يلزم السالبة المحضة فصح أن يقوم مقامها وسيأتى للسيد رده.
قوله: (لما علمت فى اشتراط الإيجاب فى صغرى الأول) وهو أن الحكم فى الكبرى على ما هو أوسط إيجابًا لأن عقد الوضع بطريق الإيجاب قطعًا فلو كانت الصغرى سالبة كان المعلوم ثبوته فى الأصغر هو الأوسط سلبًا فيتعدد الأوسط ولا يتلاقى الطرفان.
قوله: (إذ لا قياس من سالبتين) أى لكون المحمول فى الصغرى غير الموضوع فى الكبرى.
قوله: (وستقف على كلام فى انعكاس الموجبة السالبة المحمول) إشارة إلى ما ذكره فيما بعد من أن عقد الوضع تركيب تقيدى لا يقتضى وجود الموضوع إنما المقتضى له فى الموجبة عقد الحمل فالموجبة السالبة المحمول إذا لم يكن موضوعها سلبًا بل كان محصلًا أو معدولًا يجب أن لا تنعكس لأن المحصل أو المعدول يصير محمولًا فى العكس فيقتضى وجود الموضوع وليس بموجود فلا تصدق.
قوله: (فاعتبار صلاحية الكبرى بأحد الوجهين) أى فى قول المصنف: وأما كلية إحداهما فلتكن هى الكبرى آخرًا بنفسها أو بعكسها إشارة إلى عدم صلاحية الجزئية للكبروية بوجه لا لجواز وقوع عكسها كبرى إذا كانت كلية.
قوله: (وزعم أنه وقع. . . إلخ) تأييد لكون العكس قلبها من وصف الصغروية إلى وصف الكبروية.
قوله: (لأنه إشارة إلى كيفية رد الثانى إلى الأول) أى ففى التعرض له سآمة التكرار لأنه فى تفاصيل الضروب يبين كيفية الرد.
[ ١ / ٣٩٤ ]
قوله: (أو إلى كيفية الإنتاج) أى يبين فى تفاصيل الضروب فيحصل سآمة التكرار.
قوله: (يعنى أن قول المصنف فينتج مثله. . . إلخ) أى فالشارح أراد أن يبين أن مثله يحتمل أن يكون مفعولًا به وأن يكون مفعولًا مطلقًا فما قاله السعد من قوله يوهم. . . إلخ. مدفوع.
قوله: (ما سلب فيها محمولها عن موضوعها ثم أثبت) أى أنه يعتبر أولًا سلب المحمول عن الموضوع ثم يحكم بثبوت ذلك السلب للموضوع فالفرق بين السالبة والمعدولة أن السلب جعل جزءًا من المحمول فى المعدولة وجعل نفس المحمول فى السالبة المحمول فهو محمول ثان والمحمول الذى سلب محمول أول، وأما السالبة البسيطة فالسلب فيها ليس جزءًا من المحمول ولا محمولًا ثانيًا.
قوله: (عدم أمر وجودى) لا مفهوم لوجودى إلا أن يقال: أراد به ما لا يشتمل على حرف السلب.
قوله: (فإن قلت قوله) أى: قول الشارح.
قوله: (قلت السلب مضاف. . . إلخ) أى فأراد بالجزء الجزء التشبيهى باعتبار المحمول الأول وذلك لا ينافى اعتباره محمولًا ثانيًا.
قوله: (ثابتًا فى المعدولة) فإن صدق قولنا زيد لا كاتب يستلزم صدق قولنا زيد ليس بكاتب وإلا لكان كاتبًا وهو ينافى لا كاتب وإذا ثبت فى المعدولة والسالبة المحمول أعم منها كان ثابتًا فى السالبة المحمول.
قوله: (لأن لزومها. . . إلخ) علة للنفى فى قوله لأنه غير محتاج إليه والضمير فى لزومها للسالبة المحمول وقوله للسالبة أى السالبة المحضة وقوله: فى لزوم عكسها أى السالبة المحمول إياها أى السالبة المذكورة يعنى أن السالبة لما لم تنعكس وقد لزمها السالبة المحمول التى تنعكس صح جعلها صغرى وصغرى القياس كبرى فى الرد إلى الشكل الأول.
قوله: (فإنه ذهول. . . إلخ) علة للنفى فى قوله: لا لأنه غير محتاج إليه يعنى أن نتيجة الضرب السادس لا تكون إلا سالبة جزئية والبيان المذكور لإنتاجه أفاد كون النتيجة موجبة سالبة المحمول فاحتيج إلى رد الموجبة السالبة المحمول الجزئية إلى السالبة الجزئية وإنما يتأتى هذا إذا كانت الموجبة السالبة المحمول مستلزمة للسالبة
[ ١ / ٣٩٥ ]
البسيطة فظهر أنه لا بد من التعرض للحكم الأول الذى هو كونها ملزومة للسالبة.
قوله: (وبيان الحكم الثانى) هو كون السالبة المحمول لازمة للسالبة الذى ذكره الشارح.
قوله: (أن انتفاء المحمول. . . إلخ) هو السالبة البسيطة وقوله: إن الموضوع. . . إلخ. هو الموجبة السالبة المحمول وقوله فلا يحتاج. . . إلخ تفريع على لزوم الموجبة السالبة المحمول للسالبة.
قوله: (إن مآله فى الحقيقة هو السلب) أى وإن كان فى الظاهر قد حكم بثبوت السلب للموضوع.
قوله: (وليس بموجود) أى إذا كان موضوع الموجبة السالبة المحمول معدومًا فلا يصدق العكس لاقتضائه وجود الموضوع وليس بموجود.
قوله: (السلب الواقع محمولًا) أى فى القضية الموجبة السالبة المحمول وقوله: يتناول ذلك الموضوع المعدوم وغيره فإذا قلت: المعدوم هو ليس بواجب الوجود فليس واجب الوجود يشمل المعدوم وغيره فقد وجد موضوع العكس إذ هو بعض ذلك المحمول فيصدق.
قوله: (قلت التلاقى إنما علم. . . إلخ) أى فلا بد أن يكون الحكم فى العكس على هذا المعدوم الذى وقع فيه التلاقى دون غيره.
قوله: (ربما كان شاملًا. . . إلخ) أى كقولك: زيد المعدوم ليس بشئ فما ليس بشئ الذى هو السلب لا يصدق على الموجودات أصلًا.
قوله: (مستدرك) أى لأن المطلوب هنا كون الصغرى موجبة لا كون عكسها موجبة.
[ ١ / ٣٩٦ ]
قال: (الشكل الرابع وليس تقديمًا ولا تأخيرًا للأول لأن هذه نتيجة عكسه والجزئية السالبة ساقطة لأنها لا تنعكس وإن بقيتا وقلبتا فإن كانت الثانية لم يتلاقيا وإن كانت الأولى لم تصلح للكبرى وإذا كانت الصغرى موجبة كلية فالكبرى على الثلاث وإن كانت سالبة كلية فالكبرى موجبة كلية لأنها إن كانت جزئية وبقيت وجب جعلها الصغرى وعكس النتيجة وإن عكست وبقيت لم تصلح للكبرى وإن كانت سالبة كلية لم يتلاقيا بوجه وإن كانت موجبة جزئية فالكبرى سالبة كلية لأنها إن كانت موجبة كلية وفعلت الأول لم تصلح للكبرى وإن فعلت الثانى صارت الكبرى جزئية وإن كانت موجبة جزئية فأبعد فينتج منه خمسة: الأول: كل عبادة مفتقرة إلى النية وكل وضوء عبادة فينتج بعض المفتقر وضوء ويتبين بالقلب فيهما وعكس النتيجة، الثانى: مثله والثانية جزئية، الثالث: كل عبادة لا تستغنى وكل وضوء عبادة فينتج كل مستغن ليس بوضوء ويتبين بالقلب وعكس النتيجة، الرابع: كل مباح مستغن وكل وضوء ليس بمباح فينتج بعض المستغنى ليس بوضوء ويتبين بعكسها، الخامس: بعض المباح مستغن وكل وضوء ليس بمباح وهو مثله).
أقول: الشكل الرابع: وقد يظن أنه هو الشكل الأول بعينه قدّم فيه الكبرى وأخر فيه الصغرى لموافقته له فى الصورة وليس كذلك لأن الأشكال تتعين باعتبار موضوع النتيجة ومحمولها كما علمت ولا يتعين ذلك إلا بتعين النتيجة فإذًا إنما يكون شكلًا أولًا لو كانت نتيجته نتيجته وليس كذلك بل نتيجته عكس نتيجة الأول لأن المطلوب فى قولنا: كل (ج ب) وكل (أج) بعض (ب أ) ولو جعلته من الشكل الأول لأنتج كل (أب) والجزئية السالبة ساقطة فى هذا الشكل لا تصلح صغرى له ولا كبرى لأنه إنما يرتد إلى الأول بأحد الطريقين إما عكس المقدمتين مع بقاء الترتيب وإما بقائهما مع عكس الترتيب ويعبر عنه بقلب المقدمتين ولا يتأتى شئ منهما إذا كانت فيه سالبة جزئية أما عكس المقدمتين فلأن هذه لا تنعكس وأما عكس الترتيب فلأن السالبة الجزئية حينئذ إن كانت كبرى صارت صغرى الأول سالبة فلا يتلاقى الطرفان وإن كانت صغرى صارت كبرى الأول جزئية فلا يعلم الاندراج وإذا سقط هذه فالصغرى إحدى الثلاث الأخر فلنتكلم على التقديرات الثلاث:
الأوّل: أن تكون كلية موجبة وحينئذ يجئ فى الكبرى الثلاث لأنها إن كانت
[ ١ / ٣٩٧ ]
سالبة كلية عكست الصغرى ليرجع إلى الثانى أو عكستهما ليرجع إلى الأول وإن كانت موجبة كلية فإن شئت عكست الكبرى وإن شئت قلبت المقدمتين أى عكست الترتيب وإن كانت جزئية موجبة قلبت المقدمتين.
الثانى: أن تكون كلية سالبة وحينئذ يجب أن تكون الكبرى كلية موجبة وإلا لكانت إما موجبة جزئية أو كلية سالبة فإن كانت جزئية موجبة لم يمكن الطريقان أما قلب المقدمتين فلأن النتيجة لابد من عكسها وهى جزئية سالبة لا تنعكس. وأما عكسهما فلأنه تصير الكبرى جزئية فى الأول وإن كانت كلية سالبة صار القياس من سالبتين فلا ينتجان بأى تصرف تصرفت فيه وإلى أى شكل رددته لما علمت أنه لا قياس من سالبتين فى شئ من الثلاثة.
الثالث: أن تكون جزئية موجبة فيجب أن تكون الكبرى كلية سالبة وإلا لكانت موجبة لسقوط السالبة الجزئية فإن كانتا كلية لم يمكن الطريقان.
أما الأول وهو عكس المقدمتين فلأن عكس الكلية الموجبة جزئية فلا تصلح كبرى للأول.
وأما الثانى وهو قلب المقدمتين فلأنك إذا قلبت جعلت الجزئية الموجبة كبرى للأول فلا ينتج، وإن كانت جزئية فأبعد إذ الجزئيتان عكسهما جزئيتان فلا تنتجان بنفسهما ولا بعكسهما بوجه ولأن إنتاج الجزئية يستلزم إنتاج الكلية لأن لازم الأعم لازم الأخص، وقد علمت أن الكلية لا تنتج فقد علمت أن ضروب هذا الشكل خمسة:
الأول: كلية موجبة وكلية موجبة ينتج جزئية موجبة كل عبادة مفتقرة إلى النية وكل وضوء عبادة لازمه بعض المتفقر وضوء بيانه بالقلب فى الصغرى والكبرى ثم عكس النتيجة بأن تقول كل وضوء عبادة وكل عبادة مفتقرة فكل وضوء مفتقر فبعض المفتقر وضوء وهو المطلوب.
الثانى: مثله إلا أن الثانية أى الكبرى جزئية فتقول مكان كل وضوء عبادة بعض الوضوء عبادة والنتيجة والبيان كما فى الأول.
الثالث: كلية سالبة وكلية موجبة ينتج كلية سالبة كل عبادة لا تستغنى عن النية وكل وضوء عبادة ينتج كل مستغن ليس بوضوء وبيانه بالقلب فى المقدمتين ثم عكس النتيجة وهو ظاهر.
[ ١ / ٣٩٨ ]
الرابع كلية موجبة وكلية سالبة ينتج سالبة جزئية كل مباح مستغن وكل وضوء ليس بمباح ينتج بعض المستغنى ليس بوضوء وبيانه بعكس المقدمتين حتى يصير جزئية موجبة وكلية سالبة فى الأول فينتج جزئية سالبة.
الخامس: جزئية موجبة وكلية سالبة ينتج جزئية سالبة بعض المباح مستغن وكل وضوء ليس بمباح فبعض المستغنى ليس بوضوء وهذا مثل الرابع فى اللازم والبيان بعكس المقدمتين.
قوله: (وفعلت الأول) جمهور الشارحين على أن الأول إشارة إلى طريق القلب والثانى إلى طريق العكس وهو الظاهر الوافق لما سبق فى بيان اجتماع كون الكبرى موجبة جزئية عند كون الصغرى سالبة كلية، إلا أن الشارح المحقق عدل عن ذلك وراعى الترتيب المذكور فى بيان سقوط السالبة الجزئية حيث قدم طريق العكس وهذا هو الحق عند من له معرفة بأساليب الكلام.
قوله: (لأن الأشكال تتعين باعتبار موضوع النتيجة ومحمولها) لأنه ما لم يتعينا لم يتعين الأصغر ولأكبر فلم تتعين الصغرى والكبرى فلم يعلم أن الأوسط محمول فى الصغرى موضوع فى الكبرى أو بالعكس أو محمول فيهما أو موضوع فيهما.
قوله: (والجزئية السالبة ساقطة) مبنى هذا الكلام على ما تقرر من وجوب رد الكل إلى الشكل الأول وتحقيقه أن هذا الشكل لما خالف الأول المقدمتين كان رده إليه بعكسهما أو قلبهما ولا خالف الثانى فى الصغرى والثالث فى الكبرى كان رده إلى الثانى بعكس الصغرى وإلى الثالث بعكس الكبرى، فإذا كانت الصغرى موجبة كلية تنتج مع الكبريات الثلاث أما مع السالبة الكلية فلرجوعه إلى الأول بعكس المقدمتين دون عكس الترتيب لصيرورة صغرى الأول سالبة، وأما الموجبتين فلرجوعه إلى الأول بقلب المقدمتين ثم عكس النتيجة لا بعكس المقدمتين لعدم إنتاج الجزئيتين ولا تنتج مع السالبة الجزئية لتعذر الطريقين وأما ما ذكره الشارح من أن الكبرى حينئذ إن كانت سالبة كلية عكست الصغرى، فبهذا القدر لا يرجع إلا إلى الشكل الثانى وحينئذ لابدّ من عكس الكبرى ليرتد إلى الأول وكأنه سكت عنه لكونه معلومًا من الشكل الثانى، لكن ما ذكره من أن الكبرى إن كانت موجبة
[ ١ / ٣٩٩ ]
كلية فإن شئت عكست فما لا ينبغى أن يصدر عن مثل الشارح؛ لأنه بهذا العكس لا يرتد إلا إلى الثالث وحينئذ لابدّ من عكس ذلك العكس ثم قلب المقدمتين ليرجع إلى الأول، ثم عكس النتيجة وهذا هدر إذ يكفى قلب المقدمتين ثم عكس النتيجة مثلًا إذا صدق كل ج ب وكل أج فنحن نرجعه إلى كل أج وكل ج ب ونعكس النتيجة أعنى كل أب إلى بعض ب أوهو يعكس كل أج إلى بعض ج أثم يعكس بعض ج أإلى بعض أج ويضمه إلى كل ج ب لينتج بعض أب ويعكس إلى بعض ب أوإن لم يقصد الرد إلى الشكل الأول بل اكتفى بالخلف ونحوه، فلا حاجة إلى عكس الكبرى ليرتد إلى الثالث لظهور جريانه فى الرابع ابتداء ثم لا يخفى أن هذا البيان جار فيما إذا كانت الكبرى موجبة جزئية، وقد اقتصر فيه على قلب المقدمتين وغاية ما يمكن أن يقال فى هذا المقام أنه حاول التنبيه على جواز رد هذا الشكل إلى الثانى فى بعض ضروبه والثالث فى بعض ضروبه مع بيانهما بالخلف ونحوه واكتفى بهذا التنبجه فى جانب الموجبة الكلية دون الجزئية.
قوله: (وقد يظن أنه هو الشكل الأول بعينه قدم فيه الكبرى) لأنها الأصل فى الإنتاج، وإنما ظن ذلك لموافقة الرابع الأول فى الصورة إذا لوحظ فيه التقديم والتأخير، وأيده أن بعض المتقدمين حصر الأشكال فى ثلاثة؛ بأن الأوسط إن كان محمولًا فى إحدى المقدمتين وموضوعًا فى الأخرى فهو الأول، وإن كان محمولًا فيهما فهو الثانى؛ وإن كان موضوعًا فيهما فهو الثالث وليس بصحيح؛ لأن تعين الأشكال وتمايزها إنما هو باعتبار تعين موضوع النتيجة ومحمولها ليتحقق نسبة الأوسط إليهما ولا تعين لها إلا بتعينهما فإذًا الرابع إنما يكون هو الأول لو كان نتيجته نتيجة وأما الاقتصار على الثلاثة فليس لاتحادهما بل لبعد الرابع عن النظم الطبيعى وصعوبة إبانة قياسيته وربما كان تحصيل النتيجة فى نفسها أسهل منها.
قوله: (إما عكس المقدمتين) لما خالف الأول فى مقدمتيه معًا وكانت كبراه كصغرى الأول وصغراه ككبرى الأول اتجه فى رده إليه طريقان ولا يتأتى شئ منهما مع السالبة الجزئية، فإن قلت: لِمَ لا يجوز حينئذ رده إلى الثانى بعكس الصغرى أو إلى الثالث بعكس الكبرى؟ قلت: السالبة الجزئية إن كانت صغرى لم
[ ١ / ٤٠٠ ]
تنعكس ليرتد إلى الثانى وإن عكس الكبرى كان صغرى الثالث سالبة، وإن كانت كبرى لم تنعكس ليرتد إلى الثالث وإن عكس الصغرى كان كبرى الثانى جزئية.
قوله: (لأنها إن كانت سالبةكلية عكست الصغرى ليرتد إلى الثانى) من صغرى موجبة جزئية وكبرى سالبة كلية وينتج المطلوب بعينه وقد علمت إنتاج الثانى بالرد والخلف، فأخذ ههنا على أنه معلوم مسلم لا أنه أشير إلى طريق رده إلى الأول بعكس الكبرى ليرد أن توسيط الثانى لغو إذ يجب عكس الكبرى أيضًا فمآله إلى عكس المقدمتين فليعكسا ابتداء وكذلك قوله: فإن شئت عكست الكبرى إشارة إلى أنه بعكس الكبرى يرتد إلى الثالث من صغرى موجبة كلية وكبرى موجبة جزئية، وقد تبين إنتاجه سابقًا فأخذ ههنا مسلمًا وجعل مبدأ فى إنتاج الرابع، فلا يتوجه أنه تطويل للمسافة؛ لأن ذلك الضرب من الثالث إنما يرتد إلى الأول بعكس الكبرى وجعلها صغرى ثم عكس النتيجة فليكتف ههنا بقلب المقدمتين وعكس النتيجة، وقد نبه الشارح بالرد إلى الثانى والثالث على أنهما بعد الإحاطة بإنتاج قرائنهما بأى وجه كان صارا أصلًا للرابع يرد إليهما من ضروبه ما أمكن رده إلى واحد منهما فتعدد التصرفات والطرق فيها بحسب الظاهر ويعضد ما ذكرناه، قوله: فيما بعد فلا ينتجان بأى تصرف تصرفت فيه وإلى أى شكل رددته لما علمت من أنه لا قياس من سالبتين فى شئ من الثلاثة، وهو شرح لقوله: لم تتلاقيا بوجه ففي المتن إيماء إلى ذلك؛ وتوضيحه أن القسم الأول من التقدير الأول لا يمكن فيه قلب المقدمتين وإلا لكان صغرى الأول سالبة فتعين رده إليه بعكسهما معًا أو رده إلى الثانى بعكس الصغرى، فأشار إليهما وسكت عن رده إلى الثالث بعكس الكبرى وحدها، والقسم الثانى يتأتى فيه الرد إلى الأول بقلب المقدمتين لا بعكسهما وإلا لصارتا جزئيتين وإلى الثالث بعكس الكبرى لا إلى الثانى بعكس الصغرى لكونهما موجبتين، والقسم الثالث فى حكم الثانى إلا أنه ذكر فيه القلب فقط لاقتصاره فى التنبيه على موضوع واحد.
قوله: (وأما عكسهما فلأنه تصير الكبرى جزئية فى الأول) ويلزم أيضًا من ذلك كون الصغرى سالبة، ولا يمكن الرد إلى الثانى بعكس الصغرى لأنه تصير كبراه جزئية، ولا إلى الثالث بعكس الكبرى لأنه تكون صغراه سالبة.
قوله: (أما الأول وهو عكس المقدمتين) قيل: جمهور الشارحين على أن الأول
[ ١ / ٤٠١ ]
فى قوله: وفعلت الأول إشارة إلى طريق القلب، والثانى إلى طريق العكس نظرًا إلى ما سبق فى بيان امتناع كون الكبرى موجبة جزئية مع كون الصغرى سالبة كلية، وأما الشارح فقد راعى ترتيب ما ذكر فى إسقاط السالبة الجزئية وهو الحق عند العارف بأساليب الكلام.
قوله: (وإن كانت جزئية) أى: إن كانت الكبرى موجبة جزئية على تقدير كون الصغرى كذلك فالإنتاج أبعد منه إذا كانت الكبرى موجبة كلية؛ لأن المقدمتين حينئذ وعكسهما جزئيتان فلا تنتجان بنفسهما ولا بعكسهما بوجه إذ لا قياس من جزئيتين فى شئ من الأشكال السابقة.
التفتازانى: (وهو يعكس) أى الشارح يعكس وقوله وإن لم يقصد أى الشارح.
قوله: (أسهل منها) أى أسهل من أخذها من قياسية الرابع.
قوله: (لا أنه أشير. . . إلخ) رد على التفتازانى حيث قال: وأما ما ذكره الشارح من أن الكبرى إلى قوله: وحينئذ لا بد من عكس الكبرى ليرتد إلى الأول، وحاصل الرد أن الشكل الثانى قد أخذ مسلمًا معتبرًا إنتاجه فى ذاته من غير اعتبار رده إلى الأول وإن كان فى الحقيقة إنتاجه بواسطة رجوعه إلى الأول فيكفى فى بيان الشكل الرابع رجوعه إلى الثانى.
قوله: (وكذلك قوله وإن شئت عكست الكبرى. . . إلخ) رد على التفتازانى أيضًا حيث قال لكن ما ذكره من أن الكبرى إن كانت موجبة كلية فإن شئت عكست الكبرى فمما لا ينبغى أن يصدر عن مثل الشارح لأنه. . . إلخ. وحاصل الرد أن الشكل الثالث صار مسلمًا كما قيل فى الشكل الثانى.
قوله: (بحسب الظاهر) أى وفى الحقيقة مآلها إلى طريق واحد هو الشكل الأول.
قوله: (ويعضده. . . إلخ) لأنه يفهم منه أنه لو كان القياس يتأتى من سالبتين فى شئ من الأشكال الثلاثة لأمكن رد هذا الشكل الرابع إلى واحد منها لإنتاجه.
قوله: (على موضع واحد) هو قوله فى الثانى فإن شئت عكست الكبرى فهو كاف لعدم ذكر عكس الكبرى فى القسم الثالث ورده إلى الشكل الثالث فى بيان إنتاجه.
[ ١ / ٤٠٢ ]
قوله: (وهو الحق عند العارف بأساليب الكلام) أى ما فعله الشارح من مراعاة ترتيب ما ذكره المصنف فى إسقاط السالبة الجزئية وجعل الأول إشارة إلى العكس، والثانى إلى طريق القلب هو الحق عند من يعرف أساليب الكلام من البلغاء فإن الأول على الإطلاق إنما هو طريق العكس فيكون الثانى طريق القلب ولا ينساق الذهن إلا إلى ذلك.
[ ١ / ٤٠٣ ]