قال: (ويسمى كل تصديق قضية وتسمى فى البرهان مقدّمات والمحكوم عليه فيها إما جزئى معين أو لا الثانى إما مبين جزئية أو كلية أو لا صارت أربعة: شخصية وجزئية محصورة وكلية ومهملة كل منها موجبة وسالبة والمتحقق فى الهملة الجزئية فأهملت).
أقول: هذا أوان الفراغ من التصورات والشروع فى التصديقات وكل تصديق يسمى قضية وتسمى القضايا فى البرهان. أى إذا جعلت جزء قياس مقدّمات له ولا بد فيها من حكم بنسبة فيستدعى محكومًا عليه ومحكومًا به فالمحكوم عليه فيها إما جزئى معين أو لا والثانى إما أن يكون مبينًا جزئيته أى كون الحكم على بعض أفراده أو كليته أى كون الحكم على كل أفراده أو لا يكون مبينًا جزئيته ولا كليته صارت أربعة أقسام:
الأول: ما موضوعها جزئى معين نحو: زيد إنسان، وتسمى شخصية.
الثانى: ما ليس موضوعها جزئيًا معينًا وبين جزئيته نحو: بعض الإنسان عالم، وتسمى جزئية محصورة.
الثالث: ما ليس موضوعها جزئيًا معينًا وبين كليته نحو: كل جوهر متحيز، وتسمى كلية محصورة.
الرابع: ما ليس موضوعها جزئيًا معينًا ولم يبين جزئيته ولا كليته نحو: الإنسان فى خسر، وتسمى مهملة.
والمتحقق فيها الجزئية لأنها متحققة سواء كانت جزئية أو كلية إذ الجزئية لا يعتبر فيها عدم الكلية بل أن لا يتعرض لها فلذلك أهملت ولا يذكر فيها البعض للاستغناء عنه.
قوله: (وكل تصديق يسمى قضية) قد سبق أن التصديق نوع من العلم وكثيرًا ما يطلق على ذلك النوع مع ما يتوقف هو عليه من التصورات وكثيرًا ما تطلق التصورات والتصديقات على المعلومات التصورية والتصديقية إطلاقًا للمصدر على المفعول، أو تسمية للمحل باسم الحال فبهذا الاعتبار كان كل تصديق قضية وإلا فالتصديق تعقل أحد أجزاء القضية.
قوله: (أى إذا جعلت جزء قياس) إشارة إلى أن المراد بالبرهان مطلق القياس
[ ١ / ٣١٩ ]
إطلاقًا للخاص على العام.
قوله: (والمتحقق فيها الجزئية) فإن قيل المهملة بمقتضى تقسيمه تتناول الطبيعة مثل: الإنسان نوع والحيوان جنس ولا تتحقق فيها الجزئية إذ ليس الحكم على بعض الأفراد قلنا كأنه لم يعتد بها لعدم اعتبارها فى العلوم وأشار بقوله: لم يبين جزئيته ولا كليته إلى أن المهملة ما فيها جزئية أو كلية لكنها غير مبينة.
قوله: (إذ الجزئية) دفع لما يتوهم من أن الجزئية والكلية بمقتضى التقسيم متقابلان فكيف يجتمعان؟ يعنى أن تقابلهما إنما هو باعتبار عارض التعرض والبيان للكلية والجزئية وأما باعتبار الذات فالجزئية أعم وظاهر عبارته مشعر بأن المعتبر فى الجزئية عدم التعرض للكلية وليس كذلك، بل لا بد من التعرض للجزئية وبيان أن الحكم على بعض الأفراد.
قوله: (فلذلك أهملت) إشارة إلى أنها سميت مهملة لإهمال السور وعدم ذكره فيها بناء على أن المتحقق فيها الجزئية، وما قيل إن تحقق الجزئية فيها واحتمال الكلية إنما هو بسبب إهمال السور وعدم بيان الكلية والبعضية فكيف يعلل الإهمال بذلك ممنوع وقد يقال سميت مهملة؛ لأنها أهملت ولم يبين أحكامها من التناقض والعكوس استغناء عنها بذكر الجزئية.
قوله: (وكل تصديق يسمى قضية) التصديق يطلق على أحد قسمى العلم كما مر وعلى المعلوم أى المصدق به ولا أعنى به متعلقه بالذات لأنه وقوع النسبة أو لا وقوعها بل ما يتركب منه ومن غيره وهو القضية ومن ههنا نشأ توهم من قال: إن التصديق بالمعنى الأول هو المجموع المركب من التصورات والحكم ومنهم من جعله بذلك المعنى مرادفًا للقضية فزعم أن القضايا والمسائل والقوانين والمقدمات كلها عبارات عن العلوم لا المعلومات وتحقيق المقام أنك إذا قلت: زيد كاتب مثلًا وأدركت معناه فههنا لفظ هو القضية الملفوظة ومدرك مركب من الطرفين والنسبة مع وقوعها وإدراك متعلق به فذهب الإمام الرازى ومن تبعه إلى أن التصديق الذى ينقسم العلم إليه وإلى التصور هو مجموع الإدراكات المتعلقة بتلك المدركات وذهب الأوائل إلى أنه إدراك الوقوع واللاوقوع على ما هو المشهور فالقضية المعقولة تطلق على ذلك المدرك المركب، أما أولًا فلأنها عبارة عما يفهم من القضية
[ ١ / ٣٢٠ ]
الملفوظة ومدلولها المتبادر منها إلى الأذهان هو ذلك المدرك، وأما ثانيًا فلأنهم يقولون: عملت هذه القضية أو المسألة وأدركتها وفهمتها ولا يعنون العلم بتلك الإدراكات بل المدركات، وأما ثالثًا فلوصفهم إياها بالعقولة فإن قلت: المدرك لا يوصف بالصدق أو الكذب والقضية توصف بهما قلت: إن أريد بهما التحقق وعدمه فهما وصفان له وإن فسرا بمطابقة نفس الأمر وعدمها جاز وصفه بهما على معنى أن المدرك من حيث هو مدرك إما مطابق له من حيث نفسه أو لا والحكم الذى جعل جزءًا للقضية هو وقوع النسبة أو لا وقوعها لا إدراكهما، وقوله: ولا بد فيها من حكم بنسبة محمول على هذا أى حكم متعلق بها أو يراد به أنه لا بد فيها من حيث إنها معقولة حاصلة فى الذهن من حكم بنسبة.
قوله: (أى إذا جعلت جزء قياس) يعنى أطلق البرهان وأراد القياس إطلاقًا للخاص على العام وعلى هذا فالتسمية لا تتناول القضايا المستعملة فى الاستقراء والتمثيل وإن حمل البرهان على الدليل مطلقًا تتناولها أيضًا.
قوله: (إما جزئى معين) أى مشخص قيده بالتعين ليعلم أن المراد بالجزئى الحقيقى لا الإضافى.
قوله: (وتسمى مهملة) هذا إذا كان الحكم على ما صدق عليه الكلى وفى قولهم: موضوع المهملة كلى لم يتبين جزئية ولا كلية إشارة إلى ذلك إذ يتبادر منه أن هناك كلية أو جزئية لم يتعرض لبيانها، وأما إذا حكم على طبيعته كقولنا الإنسان نوع فلا يتصور الحكم بكلية ولا جزئية ولا تسمى مهملة بل طبيعية.
قوله: (والمتحقق فيها) أى المتيقن المقطوع به فى الهملة الجزئية لا الكلية لتحققها على التقديرين اللذين لا محتمل لها غيرهما دون الكلية لانتفائها على أحدهما وإنما تحققت عليهما لأن الجزئية لا يعتبر فيها عدم الكلية لتكون مباينة لها فى تحققها؛ بل ما هو أعم منه وهو أن لا يتعرض لها فإنه لازم لمفهوم الجزئية، وهو أن الحكم على البعض مطلقًا فيتقابلان مفهومًا وتكون الجزئية أعم منها تحققًا.
قوله: (فلذلك) أى فلأن الجزئية متحققة على تقدير كون المهملة جزئية وكلية ولم يعتبر فيها ما ينافى تحقق الكلية فصارت مقطوعًا بها وحدها أهملت القضية عن السور عند إرادتها، ولم يصرح بذكر البعض استغناء عنه وحاصله أن إفادة
[ ١ / ٣٢١ ]
الحكم الجزئى وحده لها طريقان: أن يصرح بذكر سوره فيفهم مطابقه، وأن يترك السور رأسًا فيعلم تحققه عقلًا، فالمقصود فى الجزئية لا يتوقت على التصريح بالبعض فيستغنى عنه فى إفادته وإن اختلف فيهما جهة الدلالة عليه وحمل الإهمال على ترك ذكرها فى الأحكام لا يناسب المقام.
التفتازانى: (وكثيرًا ما يطلق على ذلك النوع مع ما يتوقف عليه) هو ما ذهب إليه الإمام الرازى.
التفتازانى: (فالتصديق تعقل أحد أجزاء القضية) أى التصديق الذى هو أحد قسمى العلم وهذا على رأى الأوائل.
التفتازانى: (وأشار بقوله. . . إلخ) أى فلا تتناول المهملة الطبيعية وتركها من التقسيم لا يضر لأنها ليست معتبرة فى العلوم.
التفتازانى: (وليس كذلك) مردود بأنه كذلك ولعل كلامه فى الجزئية الاصطلاحية فيتم.
التفتازانى: (بل لا بد. . . إلخ) ليس كذلك.
التفتازانى: (وما قيل إن تحقق الجزئية. . . إلخ) قائله الأصفهانى وهو مردود بأن تحقق الجزئية ليس لإهمال السور بل لأن الحكم على البعض مطلقًا يقتضى تحقق الجزئية.
التفتازانى: (لأنها أهملت ولم تبين أحكامها. . . إلخ) رده السيد بأنه غير مناسب للمقام.
قوله: (بذلك المعنى) أى أحد قسمى العلم.
قوله: (مجموع الإدراكات المتعلقة بتلك المدركات) أى وعلى هذا فالحكم إدراك وهو أحد رأيى الإمام.
قوله: (على ما هو المشهور) هو الحق لأن المقصود من تقسيم العلم أن يبين أن لكل قسم طريقًا يوصل إليه وإدراك الوقوع أو اللاوقوع هو الممتاز عن جميع ما عداه من الإدراكات بأن له طريقًا خاصًا فى الاكتساب وهو الحجة وجميع ما عداه له طريق آخر وهو القول الشارح ولا معنى لضم بعض ما عداه إليه وجعله قسمًا برأسه كذا نقل عنه.
[ ١ / ٣٢٢ ]
قوله: (مطابق له من حيث نفسه) أى فالمطابق والمطابق اختلافًا اعتبارًا فطرفا القضية ونسبتها والوقوع أو اللاوقوع باعتبار كونه مدركًا فى الذهن تطابق نفسها من حيث ذاتها كما قالوا: إن الحكم فى القضية إذا كان هو الوقوع أو اللاوقوع يحتمل المطابقة باعتبار كونه فى الذهن له بقطع النظر عن ذلك.
قوله: (والحكم الذى جعل. . . إلخ) جواب عن استدلالهم على أن القضية علم لا معلوم بأن الحكم هو الإدراك وقد جعل جزءًا من القضية وظاهر أن الإدراك لا يكون جزءًا من المدرك بل إنما يكون جزءًا من الإدراكات والعلوم فتكون القضية عبارة عن الإدراكات الأربعة التى من جملتها الحكم، وحاصل الجواب أن الحكم يطلق أيضًا على الوقوع واللاوقوع وهو جزء من المدرك لا من الإدراك.
قوله: (محمول على هذا) أى الوقوع واللاوقوع.
قوله: (أو يراد به أنه لا بد فيها. . . إلخ) والحكم على هذا بمعنى إدراك الوقوع أو اللاوقوع ولكن لم يجعل جزءًا من القضية إذ المعنى لا بد منه فى كون القضية معقولة حاصلة فى الذهن لا أنه لا بد منه فى نفسها.
قوله: (بل طبيعية) أى وتركها من التقسيم لعدم اعتبارها فى العلوم.
قوله: (فإنه لازم) أى عدم التعرض لازم.
قوله: (وإن اختلف فيهما جهة الدلالة عليه) أى فعند التصريح بالسور تكون الدلالة مطابقية وعند عدمه تكون التزامية عقلية.
قوله: (لا يناسب المقام) قال فى حاشية الحاشية: لأن المقام يقتضى بيان جهة التسمية أى وما قاله التفتازانى صريح فى أن إهمالها أى ترك ذكرها فى الأحكام إنما هو للاستغناء عنها بذكر الجزئية فى الأحكام وكونها فى قوتها وظاهر أن هذا لا يصلح جهة للتسمية فلا يكون مناسبًا للمقام من بيان جهة التسمية.
[ ١ / ٣٢٣ ]