قال: (مسألة: الحروف معنى قولهم الحرف لا يستقل بالمفهومية أن نحو من وإلى مشروط فى دلالتها على معناها الإفرادى ذكر متعلقها ونحو الابتداء والانتهاء وابتدأ وانتهى غير مشروط فيها ذلك وأما نحو ذو وفوق وتحت وإن لم تذكر إلا بمتعلقاتها لأمر فغير مشروط فيها ذلك لما علم من أن وضع ذو بمعنى صاحب ليتوصل به إلى الوصف بأسماء الأجناس اقتضى ذكر المضاف إليه وأن وضع فوق بمعنى مكان ليتوصل به إلى علو خاص اقتضى ذلك وكذا البواقى).
أقول: قد سمعت قول النحاة الحرف لا يستقل بالمفهومية وعليه إشكال فأراد تقرير المراد أولًا والإشارة إلى الإشكال ثانيًا وحله ثالثًا.
أما تقريره: فهو أن معناه أن نحو من وإلى مشروط فى وضعها دالة على معناها الإفرادى وهو الابتداء والانتهاء ذكر متعلقها من دار أو سوق أو غيرهما مما يدخل عليه الحرف ومنه الابتداء وإليه الانتهاء والاسم نحو الابتداء والانتهاء والفعل نحو ابتدأ وانتهى غير مشروط فيه ذلك.
وأما الإشكال: فهو أن نحو ذو وأولو وأولات وقيد وقيس وقاب وأىّ وبعض وكل وفوق وتحت وأمام وقدام وخلف ووراء مما لا يحصى كذلك إذ لم يجوز الواضع استعمالها إلا بمتعلقاتها فكان يجب كونها حروفًا وإنها أسماء.
وأما الحل: فهو أنها وإن لم يتفق استعمالها إلا كذلك لأمر ما عرض فغير مشروط فى وضعها دالة ذلك لما علم أن ذو بمعنى صاحب ويفهم منه عند الإفراد ذلك لكن وضعه له لغرض ما وهو التوصل به إلى الوصف بأسماء الأجناس فى نحو زيد ذو مال وذو فرس فوضعه ليتوصل به إلى ذلك هو الذى اقتضى ذكر المضاف إليه لا أنه لو ذكر دونه لم يدل على معناه نعم لم يحصل الغرض من وضعه والفرق بين عدم فهم المعنى وبين عدم فائدة الوضع مع فهم المعنى ظاهر وكذلك فوق وضع لمكان له علو ويفهم منه عند الإفراد ذلك لكن وضعه له ليتوصل به إلى علو خاص اقتضى ذكر المضاف إليه وكذلك بواقى الألفاظ قال فى المنتهى وأشكل منه نحو على وعن والكاف فى الاسمية إذ معناها أسماء وحروفًا واحد.
والجواب: أنه يجب رده إلى ذلك وإن لم يقو هذا التقرير فيه إجراء للبابين على ما علم من لغتهم فيهما ولا يخفى ما فى هذا الكلام من التمحل والتحكم
[ ١ / ٦٥٩ ]
وإن كنت تريد حقيقة الحال فى ذلك فاعلم أولًا مقدمة: وهى أن اللفظ قد يوضع وضعًا عامًا لأمور مخصوصة كسائر صيغ المشتقات والمبهمات فإن الواضع لما قال صيغة فاعل من كل مصدر لمن قام به مدلوله وصيغة مفعول منه لمن وقع عليه علم منه حال نحو: ضارب ومضروب، من غير تعرض لخصوصهما.
وكذلك إذا قال: هذا: لكل مشار إليه مخصوص، وأنا: لكل متكلم، والذى: لكل معين بجملة. وليس وضع هذا كوضع رجل فإن الموضوع له فيه عام وهذه وضعت باعتبار المعنى العام للخصوصيات التى تحته حتى إذا استعمل رجل فى زيد بخصوصه كان مجازًا وإذا أريد به العام المطابق له كان حقيقة بخلاف هذا وأنا والذى فإنه إذا أريد بها الخصوصيات كانت حقائق ولا يراد بها العموم أصلًا فلا يقال هذا والمراد أحد مما يشار إليه ولا أنا ويراد به متكلم ما وإذ قد تحقق ذلك فنقول: الحرف وضع باعتبار معنى عام وهو نوع من النسبة كالابتداء والانتهاء لكل ابتداء وانتهاء معين بخصوصه والنسبة لا تتعين إلا بالمنسوب إليه فالابتداء الذى للبصرة بتعين بالبصرة والانتهاء الذى للكوفة يتعين بالكوفة فما لم يذكر متعلقه لا يتحصل فرد من ذلك النوع هو مدلول الحرف لا فى العقل ولا فى الخارج وإنما يتحصل بالمنسوب إليه فيتعقل بتعقله بخلاف ما وضع للنوع نفسه كالابتداء والانتهاء وبخلاف ما وضع لذات ما باعتبار نسبة نحو ذو وفوق وعلى وعن والكاف إذا أريد به علو وتجاوز وشبه مطلقًا فهو كالابتداء والانتهاء.
قوله: (الحرف لا يستقل بالمفهومية) عبارة النحاة أن الحرف ما يدل على معنى فى غيره أى لا فى نفسه، وضمير فى "غيره" إما عائد إلى اللفظ بمعنى أنه لا يدل بنفسه بل بانضمام لفظ آخر إليه، وإما إلى المعنى بمعنى أنه غير تام فى نفسه أى لا يحصل من اللفظ إلا بانضمام شئ آخر إليه فصار الحاصل أنه لا يستقل بالمفهومية أى بمفهومية المعنى منه والمعنى قد يكون إفراديًا هو مدلول اللفظ بانفراده، وقد يكون تركيبيًا يحصل منه عند التركيب فيضاف أيضًا إلى اللفظ وإن كان معنى اللفظ عند الإطلاق هو الإفرادى ويشترك الاسم والفعل والحرف فى أن معانيها التركيبية لا تحصل إلا بذكر ما تتعلق به من أجزاء الكلام، ويختص الحرف بأن معناه الإفرادى أيضًا لا يحصل بدون ذكر المتعلق لكن لا بحسب اتفاق الاستعمال كما
[ ١ / ٦٦٠ ]
فى بعض الأسماء؛ بل بحسب الوضع واشتراط الواضع ذلك تنصيصًا أو دلالة على ما يشهد به الاستقراء؛ فمعنى عدم استقلال الحرف بالمفهومية أنه مشروط بحسب الوضع فى دلالتها على معناها الإفرادى ذكر متعلقها، وفى عبارة الشارح قلق لا يخفى لأن قوله: دالة لم يقع موقعًا صالحًا.
قوله: (لما علم من أن وضع ذو بمعنى صاحب) تعليل لقوله: غير مشروط فيها ذلك على ما قرره الشارح المحقق، وليس بدلًا من قوله: لأمر ما على ما توهمه الشارح العلامة.
قوله: (ولا يخفى ما فى هذا الكلام) أى كلام المنتهى (من التمحل والتحكم) أما التمحل فلظهور أن معنى الكاف فى زيد كعمرو وجاءنى الذى كعمرو واحد فيكون الحكم بأن الأول اسم مستقل بالمفهومية، والثانى حرف غير مستقل غير مستقيم، وأما التحكم فلأنا قاطعون بأن ذكر المتعلق مشروط فيهما بحسب الاستعمال ولا دليل على أن ذلك فى أحدهما بحسب الوضع ليكون حرفًا وفى الآخر لا بحسب الوضع ليكون اسمًا، وأما التقصى عن ذلك على ما ذكره الشارح المحقق فهو أن نظر الواضع فى وضعه قد يكون إلى خصوص اللفظ لخصوص المعنى كما فى الإعلام، وقد يكون إلى خصوص اللفظ لعموم المعنى أى للمعنى الكلى المحتمل للمقولية على الكثرة كوضع رجل حتى يصح أن يقال أكرم رجلًا والمراد رجل ما ولو أريد زيد بخصوصه لم يصح حقيقة وقد يكون إلى عموم اللفظ لخصوص المعنى بأن لا يلاحظ لفظ بعينه بل أمرًا كليًا يندرج فيه كثير من الألفاظ وذلك فى وضع الهيئات بأن يقول صيغة فاعل مع كل مصدر فإنها لمن قام به مدلول ذلك المصدر فيعلم منه أن ضاربًا لمن قام به الضرب وقاعد لمن قام به القعود إلى غير ذلك من الخصوصيات مع أنه لم يعتبرها ولم يلاحظها على التفصيل، وقد يكون إلى اللفظ بخصوصه فيضعه بملاحظة أمر عام لأفراد ذلك الأمر ولخصوصياتها حتى لا يكون الموضوع له هذا الأمر العام بل خصوصياته على التفصيل إلا أن نظر الواضع عند الوضع يكون إلى ذلك الأمر لا إلى الخصوصيات بمعنى أنه عين اللفظ لتلك الخصوصيات لكن بملاحظة ذلك الأمر كما فى تعيين لفظ هذا لهذا الرجل وهذا الفرس إلى غير ذلك مما لا يتناهى بملاحظة أمر كلى هو مفهوم المشار إليه بالخصوص وإلى القسمين الأخيرين أشار الشارح بقوله: اللفظ
[ ١ / ٦٦١ ]
قد يوضع وضعًا عامًا لأمور مخصوصة، وأشار بقوله وضعًا عامًا إلى أنه لا يلاحظ إلا ذلك الأمر العام وبقوله لأمور مخصوصة إلى أن تعيين اللفظ لا يكون إلا للدلالة على الخصوصيات حتى لا يصح أن يقال: ضارب والمراد من قام به مدلول مصدر ما بل مدلول الضرب بخصوصه، أو يقال: هذا والمراد شخص ما مشار إليه بل هذا المشار إليه بعينه ففى هذا القسم الأخير خصوص المعنى شخصى لا يحتمل الكثرة واعتبار خصوص اللفظ فى نظر الواضع ضرورى بخلاف ما قيل فإن خصوصيات المعانى كليات وملاحظة الألفاظ عند الوضع ليست باعتبار خصوصياتها بل باعتبار اندراجها تحت أمر كلى، وإنما اقتصر الشارح على التعرض لهذين القسمين لأن وضع الحروف من هذا القبيل لأنها وضعت باعتبار أمر عام هو نوع من النسبة لكل فرد من أفرادها معين بخصوصه ومعلوم أنه لا يحصل خصوص النسبة وتعينها لا فى العاقل ولا فى الخارج إلا بتعيين المنسوب إليه فلم يكن بدّ فى دلالة الحروف على معانيها من ذكر متعلق به تتعين تلك النسبة، بخلاف الاسم والفعل فإنهما ليسا للنسبة بخصوصها بل الاسم قد يكون لنفس الذات كرجل، وقد يكون لذات باعتبار نسبة كذو وفوق، وقد يكون لنسبة لا بخصوصها كالابتداء والانتهاء وكذا الفعل فإنه لنسبة الحديث إلى موضوع ما فعلى وعن والكاف إذا أريد بها علو وتجاوز وشبه مطلقًا من غير نظر إلى الخصوصيات كانت أسماء، وإذا أريد بها علو وتجاوز وشبه بخصوصها كانت حروفًا فلا تمحل ويعرف بالعلامات والقرائن كما فى سائر الألفاظ المشتركة فلا تحكم فقوله: نحو ذو وفوق مثال لما وضع لذات باعتبار نسبة وقوله وعلى وعن والكاف مبتدأ خبره الجملة الشرطية بعده ومما يوضح الفرق بين الكاف الاسمية والحرفية التأمل فى قولنا زيد ما نند أسداست وزيد همجو أسداست.
قوله: (على معناها الإفرادى) قيل: احترز بقيد الإفرادى عن الاسم والفعل؛ فإن دلالتهما على معناهما التركيبى كالفاعلية وكونه مسندًا مثلًا مشروطة بذكر متعلقه لا على معناهما الإفرادى بخلاف الحرف إذ قد اشترط فى وضعه دالًا على معناه الإفرادى ذلك، وأما العلم بهذا الاشتراط فإما من نص الواضع عليه كما قيل وفيه بعد، وإما من استقراء عدم استعمال الحروف بدون المتعلق فلولا
[ ١ / ٦٦٢ ]
الاشتراط لاستعملت فى الجملة بدونه وهذا أقرب؛ وحينئذ يظهر الإشكال بالأسماء المذكورة لاشتراكهما فى عدم الاستعمال بدون المتعلقات فكما دل هناك على الاشتراط وعدم تجويز الاستعمال بدونها دل عليه ههنا أيضًا، وإنما مثل من الأسماء بالابتداء والانتهاء ومن الأفعال بابتدأ وانتهى لأنهما أقرب إلى حرفى من وإلى مما عداهما للاشتراك فى المعنى فيعلم أن الاختلاف بحسب الاشتراط وعدمه ويتضح ما ذكره من المدعى وقيد رمح وقيس رمح بمعنى قدر رمح وقاب القوس ما بين المقبض والسية فلكل قوس قابان وقوله تعالى: ﴿فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ﴾ [النجم: ٩]، يقال: أراد قابى قوس فقلبه كذا فى الصحاح.
قوله: (إلى الوصف بأسماء الأجناس) لم يرد به النعت بل ما هو أعم؛ ومحصل الحل: أن ذكر المتعلق فى الحروف لتتميم الدلالة وفى هذه الأسماء لتحصيل الغاية فإن قيل: إذا سمع لفظ من مفردة يفهم منها معنى الابتداء فلا تكون دلالتها عليه بحسب الوضع مشروطة بذكر المتعلق، أجيب بأن فهمه منها ليس لكونها دالة عليه عند الانفراد وضعًا، بل لكونه مفهومًا منها عند التركيب فيسبق الذهن إليه دونه.
قوله: (وأشكل منه) أى مما ذكر من الأسماء، وإنما كانت أشكل إذ معناها أسماء وحروفًا واحد وكذا لفظها فالفرق أشكل ودعوى الاشتراط فى لفظ واحد بالقياس إلى معنى واحد فى حالة دون أخرى أبعد منها فى لفظين بالنسبة إلى معنى واحد ومعنيين فلذلك قال: وإن لم يقو هذا التقرير فيه.
قوله: (ولا يخفى ما فى هذا الكلام من التمحل والتحكم) أما التمحل أى الاحتيال فهو الاشتراط المذكور؛ لأن الحكم بأن الواضع وضع من والابتداء لمعنى واحد لكنه اشترط فى دلالة الأوّل ذكر المتعلق دون الثانى مع عدم ظهور فائدة لهذا الاشتراط تمحل محض لتوجيه قولهم: الحرف لا يستقل بالمفهومية، وأما التحكم فهو أن الدليل على الاشتراط ليس إلا عدم الاستعمال بدون المتعلق على ما هو الحق وهذا مشترك بين الحروف والأسماء المذكورة فالحكم بأن التزام الذكر فى أحدهما للدلالة وفى الآخر للغاية دون العكس ترجيح من غير مرجح.
قوله: (فاعلم أوّلًا مقدمة) لا بد للواضع فى الوضع من تصوّر المعنى فإن تصوّر معنى جزئيًا وعين بإزائه لفظًا مخصوصًا أو ألفاظًا مخصوصة: متصوّرة تفصيلًا أو
[ ١ / ٦٦٣ ]
إجمالًا كان الوضع خاصًا لخصوص التصوّر المعتبر فيه أى تصوّر المعنى والموضوع له أيضًا خاصًا، وإن تصور معنى علمًا يندرج تحته جزئيات إضافية أو حقيقية فله أن يعين لفظًا معلومًا أو ألفاظًا معلومة على أحد الوجهين بإزاء ذلك المعنى العام فيكون الوضع عامًا لعموم التصوّر المعتبر فيه والموضوع له أيضًا عامًا، وله أن يعين اللفظ أو الألفاظ بإزاء خصوصيات الجزئيات المندرجة تحته؛ لأنها معلومة إجمالًا إذا توجه العقل بذلك المفهوم العام نحوها والعلم الإجمالى كاف فيكون الوضع عامًا لعموم التصوّر المعتبر فيه والموضوع له خاصًا، وأما عكس هذا أعنى: أن يكون الوضع خاصًا لخصوص التصوّر المعتبر فيه والموضوع له عامًا فلا يتصوّر لأن الجزئى ليس وجهًا من وجوه الكلى ليتوجه العقل به إليه فيتصوّره إجمالًا إنما الأمر بالعكس وإذا تحققت هذا يصح عندك معنى قوله: إن اللفظ قد يوضع وضعًا عامًا لأمور مخصوصة كسائر صيغ المشتقات والمبهمات إلخ وبينهما على الوجه الذى أورده فوق من وجهين أحدهما: أن الخصوصيات التى وضعت بإزائها المشتقات جزئيات إضافية كل واحد منها كلى فى نفسه حتى لو فرض أن الواضع تصوّر مفهوم الضارب وعين بإزائه لفظه بيان الوضع والموضوع له عامين وخصوصيات ما وضعت المبهمات بإزائها جزئيات حقيقية وثانيهما: أن تصور اللفظ والمعنى فى المشتقات بوجه عام، وأما فى المبهمات فعموم التصوّر فى المعنى لكن الوضع فى كليهما عام؛ لأن المعتبر فى ذلك هو المعنى إذ لا يترتب على اعتباره فى اللفظ فائدة.
قوله: (وكذلك إذا قال: هذا لكل مشار إليه مخصوص) فإن الواضع تصوّر كل مشار إليه مفرد مذكر باعتبار هذا المفهوم العام ولم يضع اللفظ لهذا المعنى الكلى بل لتلك الجزئيات المندرجة تحته فصار الوضع عامًا والموضوع له خاصًا، وإنما حكمنا بذلك؛ لأن لفظ هذا لا يطلق إلا على الخصوصيات ولا يجوز إطلاقه على غيرها إذ لا يقال: هذا والمراد أحد مما يشار إليه بل لا بد فى إطلاقه من القصد إلى خصوصية معينة فلو كان موضوعًا للمعنى العام كرجل لجاز فيه ذلك ولكان استعماله فى الخصوصيات مجازًا، والقول بأنه موضوع للمفهوم الكلى لكن الواضع قد اشترط أن لا يستعمل إلا فى الجزئيات بخلاف نحو رجل تمحل ظاهر، فإن قلت: إذا كان هذا موضوعًا للخصوصيات المتعددة كان مشتركًا لفظيًا، قلت:
[ ١ / ٦٦٤ ]
إنما يلزم ما ذكرتم أن لو كان موضوعًا لها بأوضاع متعددة وليس كذلك بل موضوع لها وضعًا واحدًا، واعلم أن وضعه للخصوصيات من حيث إنها مندرجة تحت المفهوم الكلى فزيد من حيث تعلق به إشارة مخصوصة معنى لهذا فله اعتبار فى الوضع وفى الموضوع له أيضًا، ومن ههنا ظهر أن المبهمات والمضمرات بحسب معانيها جزئيات حقيقية ولا يقدح فى ذلك أن "هذا" يشار به إلى أمر كلى مذكور وأن ضمير الغائب قد يرجع إليه أيضًا؛ أما الأوّل فلأن هذا يقتضى بحسب أصل الوضع مشاهدًا مشارًا إليه إشارة حسية فلا يكون إلا جزئيًا حقيقيًا وإذا استعمل فى غيره فقد نزل منزلته والكلى المذكور من حيث إنه مذكور بهذا الذكر الجزئى جزئى لا يحتمل الشركة وإطلاقه من هذه الحيثية، وأما الثانى فلاقتضاء الغائب ذكرًا جزئيًا للمرجوع إليه إما لفظًا أو معنًى أو حكمًا وقد عرفته أن الكلى من حيث هو مذكور ذكرًا جزئيًا جزئى.
قوله: (وليس وضع هذا) أى لفظ هذا وما ذكر معه أو هذا المذكور (وهذه) أى المذكورات من المبهيات والمضمرات (وضعت باعتبار المعنى العام) وقد تحقق اعتباره من وجهين.
قوله: (وإذ قد عرفت ذلك) اعلم أن الابتداء إن أخذ مطلقًا كان معنًى مستقلًا ملحوظًا للعقل بالذات يمكنه أن يحكم عليه وبه، وإن أخذ معينًا متعلقًا بشئ مخصوص فله اعتباران أحدهما: أن يلاحظه العقل من حيث إنه مفهوم من المفهومات ويتوجه إليه بالقصد فيكون مفهومًا مستقلًا أيضًا يصلح أن يكون محكومًا عليه وبه، وثانيهما: أن يلاحظه العقل من حيث هو حالة لذلك الشئ ويجعله آلة لتعرف حاله ويكون المتوجه إليه بالقصد هو ذلك الشئ وبهذا الاعتبار هو مفهوم لا يستقل بالتعقل والملاحظة إنما يلاحظه العقل باعتبار ملاحظة ذلك الشئ؛ فالعقل فى الأوّل يتوجه إلى مطلق مفهومه ويلزمه إدراك متعلقه إجمالًا لكنه ليس مقصودًا بالذات، وفى الثانى يتوجه إلى مطلق المفهوم أيضًا لكنه يضيفه إلى متعلق مخصوص وهو المفهوم من قولك: ابتداء البصرة، وفى الثالث يتوجه بالقصد إلى المتعلق ثم إنه فى تعرّف حاله يلاحظه للابتداء المتعلق به إذا تمهد هذا فنقول: معنى من ليس هو الابتداء المطلق ولا المخصوص المأخوذ بالاعتبار الأوّل وإلا لصح أن يقع محكومًا عليه وبه قطعًا، لكنا لا نشك أن المفهوم المستفاد منه
[ ١ / ٦٦٥ ]
فى قولك: سىرت من البصرة على الوجه الذى استفيد منه لا يصلح لشئ منهما فتعين أن يكون معناه الابتداء الخاص بالاعتبار الثانى؛ وهو معنى لا يستقل بالمفهومية ولا يتحصل ذهنًا ولا خارجًا إلا بمتعلق ثم إنه يستعمل فى كل ابتداء خاص حقيقة بلا اشتراك فهو موضوع لذلك وضعًا عامًا على معنى أن الواضع تصوّر مفهوم الابتداء ولاحظ به جزئيات فعين لفظ "من" بإزائها، وأما "ابتدأ" فالواضع تصوّر معنى الابتداء المطلق ولاحظ معه النسبة من حيث هى حالة بينه وبين شئ معين فى زمان ماض وعين لفظه بإزاء هذا المجموع، فالنسبة ههنا مفهوم غير مستقل كمفهوم الحرف لا تعقل إلا بطرفيها فلذلك لا يتحصل معنى ابتدأ ذهنًا ولا خارجًا إلا بذكر الفاعل، وإنما حكمنا بذلك لأن النسبة المطلقة والمخصوصة الملحوظة بالذات من حيث هى كذلك لا تكون حكمية بل تقع محكومًا عليها أو بها كما يظهر بأدنى تأمل، وإنما اعتبرنا فى الفاعل التعيين أىّ تعيين كان سواء كان جزئيًا أو مفهومًا عامًا فإن المفهومات العامة من حيث هى أمور متعينة وباعتبار ما صدقت هى عليه غير متعينة؛ لأن النسبة الحكمية التى يتضمنها ابتدأ لو كانت متعلقة بفاعل لا بعينه ولا شك أنه مفهوم عند إطلاقه لكان ابتدأ وحده كلامًا تامًا محتملًا للصدق والكذب وأنه باطل اتفاقًا مع استلزامه محذورين على ما بين فى علم آخر، وأما معنى الابتداء فإنه وإن كان صالحًا فى نفسه للحكم عليه وبه لكنه بانضمام هذه النسبة إليه صار مأخوذًا فيه من حيث إنه محكوم به وانسلخ عنه صلاحية الحكم عليه؛ لأنا نعلم قطعًا أن الابتداء المستفاد من ابتدأ على الوجه الذى استفيد منه لا يصلح أن يكون محكومًا عليه وبه، وما يقال من أن الفعل صالح للحكم به فإنما هو باعتبار جزء معناه لا مجموعة، وما حققناه من الوضع العام فى الحروف يجرى فى الأفعال باعتبار النسب المعتبرة فيها وامتازت الأفعال بالاشتمال على معنى هو محكوم به، وأما نحو ذو وفوق فهو موضوع لذات ما باعتبار نسبة مطلقة كالصحبة والفوقية لها نسبة تقييد به إليها فليس فى مفهومه ما لا يتحصل إلا بذكر متعلقه بل هو مستقل بالتعقل والتزام الإضافة لا يقتضى عدم الاستقلال فلذلك يقع محكومًا عليه وبه، وعلى وعن والكاف فى الحرفية معناها الاستعلاء والتجاوز والشبه المخصوصة على قياس من فتكون غير مستقلة بالمفهومية، وفى الاسمية معناها إما الفوق والجانب والمثل كما هو المشهور
[ ١ / ٦٦٦ ]
وهى معان مستقلة، وإما العلو والتجاوز والشبه مطلقًا كما فى الشرح وهى أيضًا مستقلة، ولعلك إذا استوضحت ما تلونا عليك اطلعت على مقاصد الكتاب منضمة إلى فوائد لا بد منها فى تحقيق الصواب وانكشف عندك معنى قولهم: الحرف؛ ما يوجد معناه فى غيره وأنه لا يدل على معنى باعتباره فى نفسه بل باعتباره فى متعلقه.
قوله: (على معناهما التركيبى) الإضافة بأدنى ملابسة قد تعتبر لغاية الاحتياط فى التعريف فإن الفاعلية ليست معنى زيد فى ضرب زيد، لكن يمكن أن تجعل معنى تركيبيًا له باعتبار تعلقه به وكونه ناشئًا من التركيب.
قوله: (دالًا على معناه الإفرادى) قد يقال فى توضيح تلك العبارة: إن المراد بالوضع هنا مطلق التخصيص فإن الوضع عبارة عن التخصيص المقيد بقيود مذكورة فى تعريفه من قبيل ذكر الخاص وإرادة العام والتخصيص المطلق شامل للتخصيص الصادر من المستعمل أيضًا فإنه قد عين اللفظ بإزاء المعنى باعتبار إطلاقه عليه، وعلى هذا صار تقدير الكلام مشروطًا فى تخصيصها وإطلاقها حال كونها دالة على معناها ذكر متعلقها، وهذا التوضيح راجع إلى ما ذكروه من أن لفظة من مشروط فى دلالتها على معناها ذكر متعلقها، ولا بأس بالتكلف فى العبارة مع وضوح المعنى.
قوله: (للاشتراك فى المعنى) لا يعتبر ذلك القائل بتفاوتهما فى العموم والخصوص فإن معنى "من" ابتداء مخصوص، ومعنى لفظ الابتداء: الابتداء المطلق.
قوله: (دلالتها عليه بحسب الوضع مشروطة) يفهم من هذا الكلام أن المراد من قول الشارح: مشروط فى وضعها دالة على معناها، أن الدلالة مشروطة بحسب الوضع.
قوله: (بل لكونه مفهومًا منها عند التركيب) يمكن أن يقال: إن المجيب يجب عليه أن يقول فى دفع هذا الاعتراض: إن ما فهم (^١) من لفظة "من" مفردة وهو الابتداء المطلق منها ليس كلمة "من" معناها ابتداء مخصوص لا يفهم إلا مع ذكر
_________________
(١) إن ما فهم. . . إلخ. هكذا فى النسخة السقيمة وهى عبارة غير مستقيمة فحررها. كتبه مصحح طبعة بولاق.
[ ١ / ٦٦٧ ]
المتعلق كما ذكر الشارح المحقق فى التحقيق وفهم الابتداء المطلق منها عند الانفراد بماء على فهم الابتداء المخصوص منها عند التركيب واعتبار الواضع فى وضعها للخصوصيات عنه وأن الابتداء المطلق (^١)، وأما إذا سلم أن معناها مطلق الابتداء فلا يصح أن يقال: فهمه منها ليس لكونها دالة عليه عند الانفراد وضعًا لأن لفظة "من" لو كانت موضوعة لمطلق الابتداء، فإذا علم ذلك الوضع فهم منها ذلك المعنى عند ذكرها سواء ذكر معها شئ آخر أو لا كالأسماء التى لزمت إضافتها وهذا الفهم منها لكونها دالة عليه عند الانفراد وضعًا وخلاف ذلك تحكم لا يفيد شيئًا.
قوله: (لعموم التصور المعتبر فيه والموضوع له خاصًا) أى: ما هو أعم من أن يكون جزئيًا حقيقيًا أو إضافيًا؛ الأول كالمبهمات والثانى كالمشتقات فإن الواضع تصوّر الألفاظ المشتقة إجمالًا فى ضمن أمر شامل كما إذا قال صيغة فاعل من كل مصدر وتصوّر المفهومات الكلية التى بخصوصيات الألفاظ المشتقة فى ضمن أمر شامل كما إذا قال لمن قام به مدلوله فالألفاظ المشتقة موضوعة بإزاء المفهومات الكلية التى هى جزئيات إضافية للأمر الشامل الذى تصوّره الواضع عند الوضع فالوضع عام والموضوع له خاص فى ذلك الفعل، إذ قد لوحظ ههنا من حيث إنه يندرج تحت شئ ولو تصوّر الواضع خصوص لفظ ضارب وخصوص معناه ووضع اللفظ بإزائه لا يقال: إن الوضع ههنا عام والموضوع له خاص؛ إذ لا يتصور ههنا هذا المفهوم العام من حيث إنه مندرج تحت شئ بل يقال: إن الموضوع له ههنا عام أيضًا.
قوله: (ألا يذكر الفاعل) أى: بوجوده ففى العبارة مسامحة لا يلتبس بها المقصود.
المصنف: (مسألة الحروف) قيل: إن ذكرها فى الأصول لاحتياج الفقيه إليها لوقوعها فى الأدلة وإلا فمحلها علم العربية.
الشارح: (فما لم يذكر متعلقه) الأولى فما لم يلاحظ متعلقه.
التفتازانى: (إما عائد إلى اللفظ بمعنى. . . إلخ) فقوله فى غيره حال من ضمير يدل والمعنى ما يدل حال كونه فى غيره أى ليس منظور إليه فى ذاته ومستقلًا بذلك
_________________
(١) وأن الابتداء المطلق كذا فى الأصل وفى الكلام سقط ظاهر. كتبه مصحح طبعة بولاق.
[ ١ / ٦٦٨ ]
بل لا بد من النظر فى دلالته على المعنى إلى لفظ آخر فيضم إليه وقوله: وإما إلى المعنى وعليه فقوله فى غيره صفة للمعنى ومعنى كون المعنى فى غير نفسه أنه ليس معنى بالنظر إلى ذاته كما يقال الدار فى نفسها حكمها كذا وإنما هو معنى بالنظر إلى غيره فلا يتحقق المعنى إلا بذلك الغير وحينئذ فليس الحرف دالًا عليه إلا بذكر دال ذلك الغير فلذا قال أى لا يحصل من اللفظ إلا بانضمام شئ آخر إليه.
التفتازانى: (فيضاف أيضًا إلى اللفظ) أى لأن الإضافة تأتى لأدنى ملابسة وحينئذ يحتاج لإخراج الاسم والفعل باعتبار معناهما التركيبى فيقيد معنى الحرف بالإفرادى فيخرج معنى الاسم والفعل الإفرادى فإنه ليس كمعنى الحرف الإفرادى.
التفتازانى: (لم يقع موقعًا صالحًا) أى لأن ذكر المتعلق شرط فى دلالتها بحسب الوضع عند الاستعمال لا شرط فى وضعها مقترنة بالدلالة إذ الدلالة إنما تتحقق بعد الوضع حين الاستعمال وعبارة الشارح مؤولة بأن معنى قوله فى وضعها دال فى تخصيصها بالمعنى من المستعمل أى ذكرها وهو يقارن الدلالة أو أن معنى قوله فى وضعها بحسب وضعها وقوله دالة حال منتظرة ومحط الشرط هو الدلالة.
التفتازانى: (وليس بدلًا. . . إلخ) أى لأنه عليه لا يحسن قوله اقتضى ذكر المضاف إليه بناء على ذلك فيحتاج إلى التأويل وقد درج على أنه يدل الأصفهانى أيضًا وقدر ما يلائم قوله اقتضى فقال ولأجل ذلك اقتضى ذكر متعلقه.
التفتازانى: (فلظهور أن معنى الكاف. . . إلخ) قد يكتال: إن معنى الكاف حال كونها اسمًا غير معناها حال كونها حرفًا باعتبار الاستقلال فى الأول وأنه ليس آلة لتعرف حال غيره وعدم الاستقلال وأنه آلة لتعرف حال غيره فى الثانى يدل على ذلك الوقوع محكومًا عليه وبه فى الأول دون الثانى وليس بلازم أن يجعل الوضع عامًا لموضوع له خاص كما درج عليه الشارح المحقق والسيد لما قاله عبد الحكيم: إنه لا دليل على ذلك إلا الاستعمال فى الجزئيات والاستعمال بلا قرينة دليل الوضع فتكون موضوعة لها ولا شك أن الوضع لو كان لكل واحد منها بخصوصه يلزم الاشتراك بين المعانى غير المحصورة فاعتبر الوضع العام وهو التزام أمر لا شاهد عليه ولذا اختار السعد فى تصانيفه ما ذهب إليه الأوائل من أنها موضوعة للمعانى الكلية غير الملحوظة لذاتها فلذلك يشترط الواضع فى دلالتها ذكر متعلقها وما قيل: إنه يلزم على هذا أن يكون استعمالها فى خصوصيات تلك المعانى مجازًا
[ ١ / ٦٦٩ ]
لا حقيقة له لعدم استعمالها فى المعانى الأصلية أصلًا مع إنهم ترددوا فى أن المجاز يلزمه الحقيقة أولًا فمدفوع بأنه إنما يكون مجازًا لو كان استعمالها فيها من حيث خصوصياتها أما إذا كان من حيث إنها أفراد المعانى الكلية فلا. اهـ.
التفتازانى: (ولا دليل على أن ذلك فى أحدهما بحسب الوضع) رد ذلك عبد الحكيم على المطول بأنه كما لا دليل على هذا الاشتراط لا دليل على وضعه للمعنى الجزئى مع احتياجه إلى اعتبار الوضع العام الذى لا دليل عليه، وأما الاستعمال فى الجزئيات فقد عرفت أنه لا يصير دليلًا على الوضع. اهـ. ثم إن الدليل على أن ذلك فى أحدهما بحسب الوضع عدم صحة كونه محكومًا عليه أو به.
التفتازانى: (ليسا للنسبة بخصوصها) أى ليسا للنسبة الخاصة بأن لم يكونا للنسبة أصلًا أو يكونا للنسبة المطلقة، والمراد بالخاصة الملحوظة لتعرف حال الغير فلا ينافى أن النسبة الخاصة إذا لم تلاحظ لتعرف حال الغير بل لوحظت وقصدت لذاتها فلا يكون الدال عليها حرفًا ويصح الحكم عليها وبها وعبارة السيد صريحة فى ذلك.
قوله: (فكما دل هناك على الاشتراط وعدم الاستعمال) الأولى حذف عدم الاستعمال لأن الذى دل هو عدم الاستعمال والمدلول هو الاشتراط وعدم فهم المعنى بدون المتعلق.
قوله: (ما بين المقبض والسية) فى القاموس سية القوس بالكسر مخففة ما عطف من طرفيها، الجمع سيات.
قوله: (لكونه مفهومًا منها عند التركيب) هذا ظاهر فى أن "من" معناها عند التركيب الابتداء الكلى إلا أنه لتعرف حال الغير فكانت من حرفًا.
قوله: (مع عدم ظهور فائدة لهذا الاشتراط) فى عبد الحكيم أن الفائدة هى الإشارة إلى أن معناه مفهوم الابتداء من حيث إنه آلة لتعرف حال متعلقه فلذا وجب ذكر متعلقه وحينئذ لا حاجة إلى القول بالوضع العام والموضوع له الخاص فإنه التزام أمر لا شاهد عليه. اهـ.
قوله: (فالحكم بأن التزام. . . إلخ) فى عبد الحكيم على المطول التزام ذكر المتعلق لأجل كونه آلة لتعرف حاله يورث الفرق بينه وبين الأسماء اللازمة الإضافة فإنها
[ ١ / ٦٧٠ ]
ملحوظة فى أنفسها والإضافة تبع لها يشهد بذلك وقوعها محكومًا عليها وبها دون الحرف وهذا مراد من قال: إن ذكر المتعلق فى الحرف لتتميم الدلالة لكون معناه متعقلًا بالقياس إلى الغير وفى الأسماء اللازمة لتحصيل الغاية فإن ذو مثلًا معناه متعقل فى نفسه لا يحتاج فى الدلالة إلى ذكر المتعلق إلا أن المقصود من وضعه هو التوصل إلى الوصف بأسماء الأجناس ولا يحصل بدون ذكر ما يضاف إليه. اهـ. ببعض تغيير.
قوله: (وعين بإزائه لفظًا مخصوصًا) أى كزيد وقوله: أو ألفاظًا مخصوصة متصورة تفصيلًا أى كوضع الألفاظ المترادفة لذلك المعنى الجزئى وقوله: أو إجمالًا أى بأن يلاحظ الألفاظ بمفهوم كلى والمعنى بخصوصه ويوضع كل لفظ من هذه الألفاظ المندرجة تحت المفهوم الكلى لهذا المعنى مرة واحدة وهو ليس بواقع وإن كان ممكنًا.
قوله: (يندرج تحته جزئيات إضافية) أى كالحيوان وقوله أو حقيقية أى كالإنسان فله أن يعين لفظًا معلومًا كالحيوان والإنسان أو ألفاظًا معلومة على أحد الوجهين الوجه الأول وهو تصورها بنفسها تفصيلًا يتحقق فى المترادفات والثانى ليس بواقع وإن أمكن.
قوله: (فله اعتبار فى الوضع وفى الموضوع له) أى أن المفهوم الكلى له اعتبار فى الوضع حيث يلاحظ به الجزئيات المندرجة تحته وله اعتبار فى الموضوع له حيث يعتبر تحققه فى الجزئى الموضوع له فـ "زيد" مثلًا إنما وضع له لفظ "هذا" باعتبار أنه مشار إليه إشارة مخصوصة.
قوله: (وقد تحقق اعتباره من وجهين) هما اعتباره آلة فى الوضع للجزئيات واعتباره فى الموضوع له.
قوله: (فتعين أن يكون معناه الابتداء الخاص) فيه أنه لو جعل معنى من الابتداء المطلق الملحوظ لتعرف حال الغير لم يصح الحكم عليه ولا به فلا يلزم من صحة عدم الحكم عليه وبه أن يكون المعنى جزئيًا كما ذكره عبد الحكيم.
قوله: (إلا بذكر الفاعل) الأولى: بملاحظة الفاعل.
[ ١ / ٦٧١ ]
شرح مختصر المنتهى الأصولي
تأليف
الإمام أبي عمرو عثمان ابن الحاجب المالكي المتوفى سنة ٦٤٦ هـ
شرحه
العلامة القاضي عضد الدين عبد الرحمن الإيجي المتوفى سنة ٧٥٦ هـ
وعلى المختصر والشرح
حاشية العلامة سعد الدين التفتازاني المتوفى سنة ٧٩١ هـ
وحاشية السيد الشريف الجرجاني المتوفى سنة ٨١٦ هـ
وعلى حاشية الجرجاني
حاشية المحقق الشيخ حسن الهروي الفناري المتوفى سنة ٨٨٦ هـ
وعلى المختصر وشرحه وحاشية السعد والجرجاني
حاشية الشيخ محمد أبو الفضل الوراقي الجيزاوي المتوفى سنة ١٣٤٦ هـ
تحقيق
محمد حسن محمد حسن إسماعيل
[الجزء الثاني]
[ ٢ / ٦٧٢ ]
منشورات محمد علي بيضون
دار الكتب العلمية
جميع الحقوق محفوظة
جميع حقوق الملكية الأدبية والفنية محفوطة لدار الكتب العلمية بيروت - لبنان.
ويحظر طبع أو تصوير أو ترجمة أو إعادة تنضيد الكتاب كاملًا أو مجزأً أو تسجيله على أشرطة كاسيت أو إدخاله على الكمبيوتر أو برمجته على إسطوانات ضوئية إلا بموافقة الناشر خطيًا
الطبعة الأولى
١٤٢٤ هـ - ٢٠٠٤ م
دار الكتب العلمية
بيروت - لبنان
رمل الظريف - شارع البحتري - بناية ملكارت
الإدارة العامة: عرمون - القبة - مبنى دار الكتب العلمية
هاتف وفاكس: ١٣/ ١٢ /١١/ ٨٠٤٨١٠ (٩٦١٥+)
صندوق بريد: ٩٤٢٤ بيروت - لبنان
[ ٢ / ٢ ]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
قال: (مسألة: الواو للجمع المطلق لا لترتيب ولا معية عند المحققين لنا النقل عن الأئمة أنه كذلك واستدل لو كان للترتيب لتناقض ﴿وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ﴾ [البقرة: ٥٨]، مع الأخرى ولم يصح تقاتل زيد وعمرو ولكان جاء زيد وعمرو بعده تكرارًا وقبله تناقضًا وأجيب بأنه مجاز لما سيذكر، قالوا: ﴿ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا﴾ [الحج: ٧٧]، قلنا: الترتيب مستفاد من غيره قالوا: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ﴾ [البقرة: ١٥٨]، وقال ﵇: "ابدءوا بما بدأ اللَّه به" قلنا: لو كان له لما احتيج إلى ابدءوا، قالوا: رد ﵇ على قائل ومن عصاهما فقد غوى وقال قل ومن عصى اللَّه ورسوله قلنا لترك إفراد اسمه بالتعظيم بدليل أن معصيتهما لا ترتيب فيها، قالوا: إذا قال لغير المدخول بها أنت طالق وطالق وطالق وقعت واحدة بخلاف أنت طالق ثلاثًا وأجيب بالمنع وهو الصحيح وقول مالك ﵀ والأظهر أنها مثل ثم إنما قاله فى المدخول بها يعنى تقع الثلاث ولا ينوى فى التأكيد).
أقول: الواو العاطفة تجمع بين أمرين فى ثبوت نحو: ضرب زيد وأكرم عمرو، أو فى حكم نحو: ضرب زيد وعمرو، أو فى ذات نحو: ضرب وأكرم زيد ولا يجب الاجتماع فى الزمان وهو المعبر عنه بالمعية ولا عدم الاجتماع وكونهما فى زمانين مع تأخر ما دخلت هى عليه وهو المعبر عنه بالترتيب بل للجمع المشترك بينهما المحتمل فى الوجود لهما من غير تعرض فى الذكر لشئ منهما ولا يلزم من عدم التعرض للمعية التعرض للترتيب وقيل: إنه للترتيب فقوله لا لترتيب تنبيه على الخلاف، وقوله: ولا معية لئلا يتوهم أنه ينفى الترتيب اشتراطًا للمعية لنا النقل عن أئمة اللغة أنها كذلك نقل أبو على الفارسى أنه مجمع عليه وذكره سيبويه فى خمسة عشر موضعًا من كتابه واستدل عليه بأنها لو كانت للترتيب لزم محذورات منها أنه يتناقض قوله تعالى: ﴿وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوْا حِطَّةٌ﴾ [البقرة: ٥٨]، مع الآية الأخرى وهو قوله ﴿وَقولُوا حِطَّةٌ وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجًّدًا﴾ [الأعراف: ١٦١]، إذ القصة واحدة والتناقض فى كلامه محال ومنها أن لا يصح تقاتل زيد وعمرو إذ لا يتصور فى فعل يعتبر فى مفهومه الإضافة المقتضية للمعية ترتيب
[ ٢ / ٣ ]
وأنه صحيح باتفاق ومنها أن يكون قولنا جاء زيد وعمرو بعده تكرارًا لاستفادة البعدية من الواو وقولنا: جاء زيد وعمرو قبله تناقضًا وهو مجيئه بعد للواو وقبل لقبله واللازم منتف بالاتفاق.
والجواب: غاية ما ذكرتم صحة إطلاقها من غير إرادة ترتيب ولا يلزم كونه حقيقة فيه غايته أن يقال: المجاز خلاف الأصل فنقول: لكن يجب المصير إليه إذا دل الدليل عليه وما سنذكره من أنه للترتيب يدل عليه ولا يخفى عليك أن هذه معارضة لا تنفى صحة الدليل نعم لو تم دليلهم لتوقف دليلنا للتعارض فوجب الترجيح وأنه لا يتم كما سترى.
قالوا: أولًا: قال اللَّه تعالى: ﴿ارْكَعُوْا وَاسْجُدُوا﴾ [الحج: ٧٧]، ففهم منه أن السجود بعد الركوع ولولاه لجاز الأمران.
والجواب: لا نسلم أن الترتيب فهم منه ولعله مستفاد من غيره إذ لا يلزم من موافقة الحكم للدليل كونه منه ولا من عدم دلالته عليه عدم الدليل مطلقًا.
قالوا: ثانيًا: لما نزل ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٥٨]، قال ﵇: "ابدءوا بما بدأ اللَّه به" فصرح بوجوب الابتداء بما بدأ اللَّه به ويفهم منه ترتيب الوجوب على ابتداء اللَّه به ولولا أنه للترتيب لما كان كذلك.
والجواب: أنه لنا لا علينا فإن الترتيب مستفاد من قوله: "ابدءوا بما بدأ اللَّه به" ولو كان الواو للترتيب لفهموه من الآية فلم يشكوا فيه فلم يسألوا فلم يحتاجوا إلى قوله: "ابدءوا" فلما سألوا علمنا أنها ليست للترتيب.
قالوا: ثالثًا: خطب أعرابى عند رسول اللَّه -ﷺ- فقال: من أطاع اللَّه ورسوله فقد اهتدى ومن عصاهما فقد غوى فقال -ﷺ-: "بئس خطيب القوم أنت قل ومن عصى اللَّه ورسوله" ولولا أن الواو للترتيب لما كان بين العبارتين فرق فما كان للرد والتلقين معنى.
والجواب: لا نسلم عدم الفرق حينئذ إذ الإفراد بالذكر فيه تعظيم ليس فى القرآن مثله فرد عليه لتركه التعظيم الذى كان يحصل بالإفراد لو أفرد ويدل عليه أن معصيتهما لا ترتيب فيها لأن كلًا آمر بطاعة الآخر فمعصيته معصية لهما ولأنهما تطابقا فى الأوامر طرًا.
قالوا: رابعًا: لو قال قائل لغير المدخول بها: أنت طالق وطالق وطالق وقعت
[ ٢ / ٤ ]
واحدة ولو قال: أنت طالق ثلاثًا وقعت الثلاث وما ذلك إلا بإفادة العبارة الأولى الترتيب فتبين بالطلقة الأولى فلا يبقى المحل قابلًا للثانية والثالثة ولا ترتيب فى العبارة الثانية فلحقها الثلاث دفعة ولولا أن الواو للترتيب لما كان بينهما فرقًا.
والجواب: منع وقوع الواحدة فى العبارة الأولى بل يقع الثلاث وهو الصحيح من مذهب مالك ﵀ عند المصنف. فإن قيل: فقد قال مالك ﵀: والأظهر أنها مثل ثم والاتفاق على أن ثم للترتيب وأنه لا يقع بها إلا واحدة قلنا إنما قال ذلك فى المدخول بها ولا يعنى به أن الواو مثل "ثم" فى المعنى بل فى الحكم فيقع الثلاث ولا ينوى فى التأكيد تنوية أى لا يوكل إلى نيته إذا قال: أردت به التأكيد إرادة أن لا يقع إلا واحدة لأن التأكيد يؤتى بغير الواو غالبًا والواو ظاهر فى التعدد ومثله لا يعتبر فيه النية.
قوله: (الواو العاطفة) هى فى عطف الجملة التى لا محل لها من الإعراب لإفادة ثبوت مضمون الجملتين لأن مثل قولنا: ضرب زيد أكرم عمرو بدون العطف يحتمل الإضراب والرجوع عن الأول فلا يفيد ثبوتهما بخلاف ما إذا عطفت نص على ذلك الشيخ عبد القاهر، وأما فى عطف المفردات وما فى حكمها من الجمل التى لها محمل من الإعراب فهى لإفادة الجمع فى حكم المعطوف عليه من الفاعلية والمفعولية أو المسندية أو غير ذلك وقد عبر الشارح عن ذلك بالجمع فى حكم أو ذات.
قوله: (غاية ما ذكرتم) يعنى أن صحة إطلاق الواو حيث لا ترتيب ولا معية لا يستلزم كونها حقيقة لجواز أن تكون مجازًا والمجاز وإن كان خلاف الأصل يصار إليه عند قيام الدليل، والأدلة الدالة على كونها للترتيب تدل على ذلك لكونه راجحًا على الاشتراك فصار الحاصل أنها فى غير الترتيب مجاز لا حقيقة، لأن الأدلة القائمة على كونها للترتيب تدل على أنها مجاز فى غير الترتيب لئلا يلزم الاشتراك ولا يخفى أن هذه معارضة وهى لا تقدح فى صحة دليل الخصم فلا يحسن ذكرها فى معرض التزييف للدليل على مذهب الحق، نعم لما دل ما ذكرنا على كونها لمطلق الجمع فلو دل ما ذكروا على كونها للترتيب احتاج دليلنا إلى الترجيح لكن أدلتهم ليست بتامة لما سيجئ من أجوبتها.
[ ٢ / ٥ ]
قوله: (ولعله مستفاد من غيره) كالإجماع وفعل النبى ﵇ بيانًا لمجمل الصلاة فوجوب تقديم الركوع على السجود موافق لتقديمه عليه وعطفه عليه بالواو فى الآية لكن لا يلزم من ذلك أن يكون مستفادًا منه ولا يلزم من عدم دلالة هذا الدليل عليه عدم الدليل مطلقًا فلا يصح قوله: ولولاه لجاز الأمران.
قوله: (ويفهم منه ترتيب الوجوب) لا فى تعليق الحكم بالوصف من الإشعار بالحيثية والعلية.
قوله: (والجواب منع وقوع الواحدة) وأما من يرى وقوع الواحدة ولا يجعل الواو للترتيب فجوابه أن الترتيب فى الذكر كاف فى ترتيب الإيقاع وحاصله منع عدم الفرق بين العبارتين على تقدير عدم كون الواو للترتيب وتمام تحقيقه فى شرحنا للتنقيح.
قوله: (الواو العاطفة) إذا عطفت بها جملة مستقلة على جملة أو قصة على قصة دلت على اجتماعهما فى الثبوت بحسب نفس الأمر لا يقال: الاجتماع فيه مفهوم من ثبوتهما فى الواقع المفهوم منهما فلا حاجة إلى الواو للدلالة عليه؛ لأنا نقول: ما ذكرتم إنما هو بالدلالة العقلية وقد لا يكتفى بها فى تأدية المعانى بالألفاظ كما فى قولك: أكل زيد الخبز وإن عطف بها مفرد على مفرد آخر محكوم عليه بحكم دلت على اجتماعهما فى ذلك الحكم أو محكوم به لذات؛ أفادت اجتماعهما فيها، وعلى هذا القياس إذا عطف بها فى الفضلات أو ما هو فى حكم المفردات ولا تدل فى شئ من هذه الصور على الاجتماع فى الزمان وهو المراد بالمعية ولا على عدم الاجتماع وكونهما فى زمانين مع تأخر ما دخلت عليه الواو وهو المراد بالترتيب ههنا إذ عكسه لم يقل به أحد ولا يذهب إليه الوهم أيضًا، بل الواو للجمع المطلق المشترك بين المعية ومطلق الترتيب المحتمل فى الوجود لهما من غير تعرض فى الذكر لخصوصية شئ منهما، ولا يلزم من عدم التعرض فى الذكر للمعية التعرض لمطلق الترتيب فضلًا عن التعرض لأحد قسميه ولا العكس؛ لأن التعرض لشئ لا يستلزم التعرض لعدمه وقوله: ولا لمعية لئلا يتوهم أنه ينفى الترتيب اشتراطًا للمعية لم يجعله تنبيهًا على الخلاف لعدم القائل بها على ما هو المشهور.
[ ٢ / ٦ ]
قوله: (فى خمسة عشر موضعًا) المشهور وكذا فى بعض النسخ: فى سبعة عشر.
قوله: (ولا يخفى عليك) رد لجواب المصنف عن الأدلة المذكورة، تقريره: أن هذه الأدلة التى سيذكرها فى أنه للترتيب معارضة لهذه الأدلة المذكورة، والمعارضة لا تنفى صحة الدليل بل تقتضى على تقدير تمامها توقفه فلا يبطل بها أدلتنا المذكورة، نعم لو تم دليلهم توقف دليلنا للتعارض فوجب الترجيح بينهما (وأنه) أى: دليلهم (لا يتم لما سترى) فلا يعتد به ولا يرتكب المجاز لأجله.
قوله: (ففهم منه) أى من قوله تعالى بسبب العطف بالواو (أن السجود بعد الركوع) ولولا هذا الفهم منه ودلالة الواو على الترتيب لجاز الأمران أى: تقديم هذا على ذاك وتقديم ذاك على هذا، والجواب: لا نسلم أن الترتيب بين الركوع والسجود فهم من قوله تعالى: ﴿ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا﴾ [الحج: ٧٧]، ليلتزم دلالة الواو عليه، ولعل الترتيب مستفاد من غيره مثل قوله ﵇: "صلوا كما رأيتمونى أصلى" مع تقديمه الركوع على السجود إذ كما لا يلزم من موافقة الحكم للدليل كونه منه لجواز استفادة ذلك الحكم من غيره لا يلزم من عدم دلالة الدليل كالآية المذكورة على الحكم كالترتيب بين الركوع والسجود عدم الدليل عليه مطلقًا، بل يجوز أن تكون هناك أدلة كثيرة وهذا ما يقتضيه سياق الكلام من حيث المعنى ولو لم يحمل على التشبيه كما هو التبادر من ظاهر العبارة لم يكن للأمر الأوّل مدخل فى هذا المقام، ولو أريد أنه لا يلزم من موافقة الحكم كالترتيب مثلًا للدليل كالآية الكريمة على زعمكم كونه منه لكان بعيدًا.
قوله: (ويفهم منه) أى من وجوب الابتداء بما بدأ اللَّه تعالى به (ترتيب الوجوب على ابتداء اللَّه تعالى) لأنه من ترتيب الحكم على الوصف المناسب، ولولا أن الواو للترتيب لما كان الأمر كذلك وفيه منع؛ لأنه على تقدير صحته إنما يستفاد منه ترتيب الوجوب على مطلق الابتداء لا عليه من حيث إن ما بعده معطوف عليه بالواو ليدل على ما ذكروه.
قوله: (الجواب: لا نسلم عدم الفرق حينئذ) أى: حين لا يكون الواو للترتيب إذ إفراد اللَّه تعالى بذكر اسمه فيه تعظيم ليس فى القرآن بذكر ضمير المثنى مثله فإن الإفراد بالذكر ينبئ عن تعظيم مع اشتمال لفظة اللَّه عليه، وكذا إفراده ﵇ بلفظ الرسول يشتمل على التعظيم من الوجهين.
[ ٢ / ٧ ]
قوله: (بل يقع الثلاث) قال فى الأحكام (^١): وبه قال أحمد بن حنبل وبعض أصحاب مالك والليث بن سعد وربيعة وأبن أبى ليلى، وقد نقل عن الشافعى ما يدل عليه فى القديم، وإن سلم ذلك فالوجه فى تخريجه أن ثلاثًا تفسير للأوّل والكلام يعتبر بجملته بخلاف: أنتما طالق وطالق وطالق.
قوله: (ولا ينوّى فى التأكيد تنوية) ذكر مصدر لا ينوى وفسره بلا يوكل إلى نيته أى لا يفوّض ولا يقبل منه تنبيهًا على أنه صيغة مجهول من التنويه لا صيغة معلوم من النية ليكون معنى الكلام حينئذ: أنه يقع الثلاث حال عدم نية التأكيد على ما توهم وزعم أنه أولى لأن عدم قبول نية التأكيد منتف إجماعًا ونيته جائزة إجماعًا، وفى قوله: إرادة أن لا يقع إلا واحدًا إشارة إلى اندفاع ما ذكره الزاعم من وجه الأولوية إذ الإجماع فيما إذا قال: أردت بالثالث تأكيد الثانى ليقع اثنتان لا فيما إذا قال: أردت بهما تأكيد الأولى لئلا يقع إلا واحدة.
قوله: (لو كانت متعلقة بفاعل لا بعينه) أى: لا يرتبط بمفهوم من المفهومات لمفهوم الفاعل وغيره على وجه يكون هو فاعلًا بل يتعلق بفرد من الفاعل؛ إذ هو المفهوم عند ذكر الفعل بدون الفاعل.
قوله: (مع استلزامه. . . إلخ) قيل: أحدهما عدم احتياج الفعل إلى الاسم، والثانى تحقق الإسناد بدون الكون فى الاسمين أو فى فعل واسم.
قوله: (لم يكن للأمر الأول مدخل) قيل: هذا إذا كان المراد من موافقة الحكم للدليل الدليل الدال عليه ونقيضه، وأما إذا كان المراد بالموافقة وقوع شئ فى الدليل يناسب المدلول ككون القدم فى الواقع متبوعًا فى الذكر والمؤخر تابعًا ومذكورًا بعده فللأمر الأول مدخل فى هذا المقام قطعًا.
قوله: (صيغة مجهول من التنويه) يجوز أن تكون هذه الصيغة فى عبارة الشارح موقوفة على ما سبق من حيث المعنى، وحاصله أنه يقبل هذا الكلام فى التأسيس المقتضى لوجوب الثلاث ولا يقبل فى التأكيد الخصوص المقتضى لوقوع الواحدة فقط وهو أن يكون الثانى والثالث تأكيدًا للأول فليس هنا حصول الواحدة فقط عند قصد التأكيد أيضًا، وأما وقوع الاثنتين بسبب القصد إلى أن الثالث تأكيدًا
_________________
(١) قال فى الأحكام. . . إلخ. عبارة لا تخلو من خلل فحرر. كتبه مصحح طبعة بولاق.
[ ٢ / ٨ ]
للثانى فهو مما يؤيد مطلوبنا لأن الغرض إثبات التعدد المنافى لكون الواو العاطفة للترتيب سواء كان الواقع اثنتين أو ثلاثًا، وإن جعلت هذه الصيغة حالًا صار المعنى هكذا يقع الثلاث بهذا الكلام حال عدم إرادة التأكيد المخصوص وبقى فى تلك الحالة احتمال وقوع الاثنتين بالاعتبار الصحيح وهو أن يكون الثالث تأكيدًا للثانى فلا يكون وقوع الثلاث باعتبار هذا التقييد كليًا.
قوله: (لأن عدم قبول نية التأكيد منتف إجماعًا) توضيح ذلك موافق لزعم هذا الزاعم أن نية التأكيد إذا وقعت فهى مقبولة وليس فى حالة وقوعها عدم قبول؛ بل عدم القبول يتصوّر حالة عدم النية باعتبار عدم النية فترك القبول الموهم لما يخالف الواقع أولى.
قوله: (إشارة إلى اندفاع ما ذكره الزاعم) يمكن أن يقال: ما أورده الزاعم هنا لا يدفع بما ذكره الشارح لأن الزاعم يقول: نية التأكيد أى مطلقًا جائزة إجماعًا وهو كلام صحيح لأن الفرد الواحد من التأكيد هنا جائز إجماعًا وعدم قبول نية التأكيد مطلقًا ممنوع وثبوت عدم قبول هذا المطلق تابع فى إثبات وقوع الثلاث لا ثبوت عدم قبول نية فرد واحد، وهو أن يكون الثانى والثالث تأكيدًا للأول إلى أنه يبقى وقوع الثلاث عند وجود فرد آخر يثبت الاثنان، وأما اعتبار كون عدم نية التأكيد أولى فلأن عدم نية التأكيد مطلقًا يفيد وقوع الثلاث وعدم قبول نية التأكيد المخصوص لا يفيده والتقييد بالمخصوص جائز بناء على ما ذكرناه فى الحاشية السابقة نعم لو كان الزاعم قائلًا بتقييد لفظ التأكيد الواقع فى كلامه موافقًا لما ذكره الشارح ما أورده المحشى من الاندفاع، وإن أراد أن اعتبار عدم التأكيد مطلقًا وإيراد الكلام على وجه يطابقه يكون أولى فلا يندفع ما أورده.
المصنف: (الواو للجمع المطلق) لا فرق بين مطلق الجمع والجمع المطلق لغة ومن فرق فقد سرى له ذلك من اصطلاحهم على الفرق بين الماء المطلق ومطلق الماء ولذلك عدل ابن السبكى عن عبارة ابن الحاجب إلى مطلق الجمع.
الشارح: (والجواب أنه لنا لا علينا. . . إلخ) التحقيق سقوط الاستدلال بذلك لأن العطف فيها إنما يضم المعطوف إلى المعطوف عليه فى الشعائر ولا ترتيب فيها فسؤالهم عما لم يعبر فيه بلفظ الواو بل بغيره وهو التطوف بهما فى قوله تعالى:
[ ٢ / ٩ ]
﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّف بِهِمَا﴾ [البقرة: ١٥٨] وأجاب -ﷺ- بقوله: "ابدءوا بما بدأ اللَّه به".
الشارح: (ليس فى القرآن مثله) أى من مثل القائل بخلاف الجمع بالتعبير عنهما بضمير التثنية منه -ﷺ- كما فى الصحيح: "لا يؤمن أحدكم حتى يكون اللَّه ورسوله أحب إليه مما سواهما" فإنه أعلم الخلق باللَّه وأشدهم خشية فلا يكون فى ذلك منه -ﷺ- إخلال بالتعظيم.
التفتازانى: (أو غير ذلك) كالشرطية والجزئية والحالية.
التفتازانى: (تدل على ذلك) أى على المجازية فى مطلق الجمع.
التفتازانى: (موافق لتقديمه. . . إلخ) جعل المراد من موافقة الدليل مناسبته للمدلول لكون المتقدم متبوعًا فى الذكر والمؤخر تابعًا.
قوله: (مع استلزامه محذورين) فى الهروى قيل أحدهما عدم احتياج الفعل إلى الاسم والثانى تحقق الإسناد بدون الكون فى اسمين أو فى فعل واسم.
قوله: (وما يقال من أن الفعل. . . إلخ) قال السيد فى حواشى المطول فإن قلت: قد حكموا بأن الجملة الفعلية فى زيد قام أبوه وقعت محكومًا بها قلت: فى هذا الكلام يتصور حكمان أحدهما الحكم بأن أبا زيد قام والثانى بأن زيدًا قائم الأب ولا شك أن هذين الحكمين ليسا مفهومين منه صريحًا أى ليسا مفهومين منه بالأصالة بل أحدهما مقصود والآخر تبع فإن قصد الأول لم يكن زيد بحسب المعنى محكومًا عليه بل هو قيد يتعين به المحكوم عليه وإن قصد الثانى كما هو الظاهر فلا حكم صريحًا بين القيام والأب بل الأب قيد للمسند الذى هو القيام إذ يتم مسندًا إلى زيد ألا تراك لو قلت: قام أبو زيد وأوقعت النسبة بينهما لم يرتبط بغيره أصلًا فلو كان معنى قام أبوه ذلك أيضًا لم يرتبط بزيد قطعًا فلم يقع خبرًا عنه ومن ثم تسمع النحاة يقولون: قام أبوه جملة وليست بكلام وذلك لتجريده عن إيقاع النسبة بين طرفيه بقرينة ذكر زيد مقدمًا وإبراز ضميره فإنها دالة على الارتباط الذى يستحيل وجوده مع الإيقاع وعبارة مسلم الثبوت قالوا الفعل لاشتماله على النسبة غير مستقل بل باعتبار الزمان أيضًا فإنه معتبر على أنه ظرف لها لكن باعتبار المعنى التضمنى أعنى الحديث مستقل فعلى المعنى المطابقى لا يصح محكومًا عليه وبه وعلى التضمن يصير محكومًا به لا عليه لأنه معتبر على أنه
[ ٢ / ١٠ ]
منسوب إلى الفاعل نسبة تامة وما اشتهر من أن الجملة تصير خبرًا للمبتدأ فمن باب التوسع أقول فيلزم تخلف التضمن عن المطابقة وقد تقدم أنه متحد معها فالحق أن المعنى الحدثى مطابق له نظرًا إلى المادة. اهـ. قال فى شرحه: قال مطالع الأسرار الإلهية فى تحقيق معنى الفعل أنه معنى واحد إجمالى يفهم من لفظ الفعل صالح لأن يحلل إلى الأجزاء بل بسيط محض لأن يجعل صورًا أخرى وبعد التحليل يصير حدثًا وزمانًا ونسبة فالأخيرة غير مستقلة والأول مستقل والوسط إن اعتبر نفسه فمستقل وإن اعتبر أنه ظرف للنسبة فغير مستقل، وما قالوه: إنه محكوم به نظرًا إلى المعنى التضمنى فالمقصود أنه بعد التحليل كذلك ثم الفعل المستعمل فى المحاورات يفهم منه معنى إجمالى مسند إلى الفاعل مستقل بالمفهومية قطعًا وأجزاؤه مندمجة فيه فلا تخلف للتضمن عن المطابقة بل هى متحدة معها وأما فى حال التحليل فهما غير متحدين قطعًا هكذا ينبغى أن يفهم ويؤيده ما مر أن اللفظ المفرد لا يفهم إلا معنى واحدًا إجماليًا ولا شك فى صحة كونه محكومًا به واستقلاله. اهـ.
قوله: (لا يصلح أن يكون محكومًا عليه وبه) الأولى حذف وبه والاقتصار على قوله: محكومًا عليه.
قوله: (لأن التعرض بشئ لا يستلزم التعرض لغيره) الأولى لأن عدم التعرض لشئ لا يستلزم التعرض لضده.
قوله: (لعدم القائل بها على المشهور) مقابله ما نسب لمحمد وأبى يوسف من أنها للمعية لقولهما بوقوع الثلاثة فى: إن دخلت فأنت طالق وطالق وطالق فإن ذلك ظاهر فى جعلها للمعية وهو مردود بأنهما إنما قالا بذلك لجعل الشرط ما بعده شيئًا واحدًا فتنزل طالق وطالق وطالق دفعة واحدة يدل على ذلك قولهما بوقوع الواحدة فى أنت طالق وطالق وطالق من غير ذكر شرط.
قوله: (وإن سلم ذلك) أى أنه يقع واحدة.
قوله: (أن ثلاثًا) أى إذا قال: أنت طالق ثلاثًا وقوله تفسير للأول هو قوله طالق.
قوله: (بخلاف أنت طالق. . . إلخ) أى فليس فى آخره ما يغير أوله من شرط أو غيره فينزل به الطلاق فى المحل قبل التلفظ بالثانية والثالثة ويرتفع محليتها للباقى
[ ٢ / ١١ ]
لعدم العدة فيلغو لهذا لا لكون الواو للترتيب، وأما لو تعلقت بمتأخر كما لو قال: أنت طالق وطالق وطالق إن دخلت الدار فإنه يقع الثلاث اتفاقًا من أبى حنيفة وصاحبيه، أما لو تقدم الشرط بأن قال: إن دخلت الدار فأنت طالق وطالق وطالق فأبو حنيفة يقول فى غير المدخول بها إنها تبين بواحدة وعندهما بثلاث لا لأن أبا حنيفة يقول بأن الواو للترتيب وهما يقولان: إنها للمعية كما توهم بل للوقوع مرتبًا فى الذكر والمعلق بالشرط ينجز عنده على حسب ما تعلق به وقد تعلق المتأخر المعطوف بالمتقدم الذى هو المعطوف عليه بسبب العطف من حيث هو ولا دخل لكون الواو للترتيب فينزل على حسب ذلك فوقعت الطلقة الثانية والثالثة بعد الأولى فلم يجدا محلًا وقال الصاحبان: قد اشترك الكل فى التعلق ولا ترتيب فى المتعلق والنزول بعد الاشتراط فى التعلق فتنزل الطلقات دفعة كما فى تأخير الشرط لتوقف الكل على آخر الكلام لوجود المغير فتعلقت دفعة ونزلت دفعة.
قوله: (ليكون معنى الكلام. . . إلخ) علة للمنفى.
قوله: (لأن عدم قبول. . . إلخ) علة لأنه أولى.
[ ٢ / ١٢ ]