قال: (مسألة: الموسع الجمهور أن جميع وقت الظهر ونحوه وقت لإدائه، القاضى الواجب الفعل أو العزم ويتعين آخرًا وقيل وقته أوله فإن آخره فقضاء بعض الحنفية آخره فإن قدمه فنفل يسقط الفرض الكرخى إلا أن يبقى بصفة التكليف فما قدمه واجب لنا أن الأمر قيد بجميع الوقت فالتخيير والتعيين تحكم وأيضًا لو كان معينًا لكان المصلى فى غيره مقدمًا فلا يصح أو قاضيًا فيعصى وهو خلاف الإجماع، القاضى ثبت فى الفعل والعزم حكم خصال الكفارة وأجيب بأن الفاعل ممتثل لكونها صلاة قطعًا لا لأحد الأمرين ووجوب العزم فى كل واجب من أحكام الإيمان، الحنفية: لو كان واجبًا أو لا عصى بتأخير لأنه ترك قلنا التأخير والتعجيل فيه كخصال الكفارة).
أقول: هذه ثالثة مسائل الوجوب وهى أنه إذا كان وقت الواجب موسعًا أى زائدًا على الفعل كالظهر ونحوه فالجمهور على أن جميعه وقت لأدائه ففى أى جزء أوقعه فقد أوقعه فى وقته، وقال القاضى ومتابعوه: الواجب فى كل جزء من الوقت هو إيقاع الفعل فيه أو إيقاع العزم فيه على الفعل فى ثانى الحال إلا أن آخر الوقت إذا بقى منه قدر ما يسع الفعل فحينئذ يتعين الفعل، وقال قوم: وقته أوله فإن آخره عنه فقضاء، وقال الحنفية: وقته آخره فإن قدمه عليه فنفل يسقط به الفرض كتعجيل الزكاة قبل وجوبها، وقال الكرخى: هذا إذا لم يبق على صفة التكليف إلى آخر الوقت بأن يجن أو يموت وأما إذا بقى فيعلم أن ما فعله كان واجبًا لنا الأمر قيد بجميع الوقت ولا تعرض فيه للتخيير بين الفعل والعزم ولا لتخصيصه بأول الوقت أو آخره بل الظاهر ينفيهما فيكون القول بهما تحكمًا باطلًا، ولنا أيضًا إن كان وقته جزءًا معينًا فإن كان آخر الوقت كان المصلى فى غيره مقدمًا لصلاته على الوقت فلا يصح كما قبل الزوال وإن كان أوله كان المصلى فى غيره قاضيًا فيكون بتأخيره له عن وقته عاصيًا كما لو أخر إلى وقت العصر وكلاهما خلاف الإجماع.
وقال القاضى: إنه ثبت فى الفعل والعزم حكم خصال الكفارة وهو أنه لو أتى بأحدهما أجزأ ولو أخل بهما عصى وذلك معنى وجود أحدهما فيثبت.
الجواب: أنا نقطع أن الفاعل للصلاة ممتثل لكونها صلاة بخصوصها لا لكونها أحد الأمرين مبهمًا وأيضًا فلا نسلم أن الإثم بترك العزم إنما هو لكونه مخيرًا بينه
[ ٢ / ١٧٧ ]
وبين الصلاة حتى يكونا كخصال الكفارة بل لأن العزم على فعل كل واجب إجمالًا وتفصيلًا عند تذكره هو من أحكام الإيمان يثبت مع ثبوته سواء دخل وقت الواجب أو لم يدخل فلو جوّز ترك واجب بعد عشرين سنة لأثم وإن لم يدخل الوقت ولم يجب.
وقال الحنفية: لو كان واجبًا فى أول الوقت لعصى بتأخيره لأنه ترك للواجب وهو الفعل فى الأول.
الجواب: أن الملازمة ممنوعة وإنما يلزم لو كان الفعل أولًا واجبًا على التعيين وليس كذلك بل التأخير والتعجيل فيه جائز كخصال الكفارة ومذهب الشافعية لما علم دليله بالجواب عن دليل الحنفية لأنه عكسه تركه اختصارًا.
قوله: (إنا نقطع) إشارة إلى أن هذا الحكم قطع ضرورى لا يحتاج إلى الاستدلال بأنه لو كان ممتثلًا لأحد الأمرين لجاز الاقتصار على العزم دون الإتيان حتى يرد عليه منع الملازمة إن أريد الفاعل للصلاة فى آخر الوقت، وبطلان اللازم إن أريد فى أوّله على أن التحقيق أن هذا الجواب منع أى لا نسلم ثبوت حكم خصال الكفارة فى الفعل والغرم وإنما يثبت لو لم يكن الامتثال لخصوصية الصلاة وحينئذ لا يتوجه ما ذكر.
قوله: (بل لأن العزم) يعنى أن من أحكام الإيمان ولوازمه أن يعزم المؤمن على الإتيان بكل واجب إجمالًا ليتحقق التصديق الذى هو الإذعان والقبول وأن يعزم على الإتيان بالواجب المعين إذا تذكره تفصيلًا كالصلاة مثلًا سواء دخل الوقت أو لم يدخل على ما قال فى المنتهى، وأجيب بأن العزم على فعل كل واجب قبل فعله من أحكام الإيمان فكان العصيان لذلك وأما تفريع قوله فلو جوّز على ما سبق فليس كما ينبغى بأن عدم العزم لا يستلزم تجويز الترك.
قوله: (ومذهب الشافعية) أى البعض منهم هو الذهب الثالث المشار إليه بقوله وقيل وقته أوله فإن آخره عنه فقضاء لما علم دليله بالجواب أى مع جوابه عن دليل مذهب بعض الحنفية مع جوابه، وتقريره أنه لو كان واجبًا فى آخر الوقت لعصى من تركه فى آخر الوقت وقد أتى به فى أوّله والجواب أن ذلك إنما يلزم لو تعين وجوبه آخر الوقت.
[ ٢ / ١٧٨ ]
قوله: (أى زائدًا على الفعل) الواجب إذا نسب إلى زمانه فإن كان مساويًا له سمى واجبًا مضيفًا كالصوم وإن كان الوقت زائدًا عليه سمى واجبًا موسعًا كالظهر ولا يجوز أن يكون الوقت ناقصًا عنه إلا لغرض القضاء كما إذا طهرت وقد بقى من الوقت مقدار ركعة.
قوله: (الواجب فى كل جزء من الوقت هو إيقاع الفعل أو إيقاع العزم فيه على الفعل فى ثانى الحال) يدل على أن العزم ليس بدلًا عن نفس الفعل حتى يتوجه أن يقال: ينبغى أن يتأدى الفعل بالعزم ضرورة تأدى المبدل منه بالبدل وأن يقال: يلزم تعدد البدل وهو العزم فى كل جزء من الوقت مع وحدة المبدل منه وهو الفعل؛ لأن المبدل منه هو إيقاعات الفعل فى أجزاء الوقت والبدل هو إيقاعات العزم فيها لا فى الجزء الأخير فكل واحد منهما متعدد وكل بدل يتأدى به مبدله، وما يقال من أن البدل إنما يصار إليه عند العجز عن المبدل منه كالتيمم والوضوء مدفوع بأن ذلك فيما لا يكون على سبيل التخيير.
قوله: (وقال الحنفية) فى بعض نسخ الشرح والمتن بعض الحنفية وهذا هو الصحيح؛ لأن المحققين من الحنفية لم يذهبوا إلى هذا بل قالوا: دل النص ظاهرًا على سببية جميع الوقت وحينئذ يلزم أحد الأمرين إما وجوب تأخير الفعل عن جميع الوقت أو تقديم المسبب على السبب لأنه إما أن يجب تأخيره عنه فيلزم الأول أو لا بل يجوز فعله فيه فيلزم الثانى وكلاهما باطل إجماعًا فوجب تأويل النص وصرف السببية إلى أجزاء الوقت، والجزء الأول من الوقت أولى بهذا الوصف لعدم المزاحم فإن اقترن به الفعل استقر عليه السببية وإلا انتقلت إلى الجزء الثانى فإن اتصل به الفعل فذاك وإلا انتقلت عنه إلى الثالث وهكذا إلى أن يبقى من الوقت قدر يسع الفعل فحينئذ يتضيق الفعل بحيث لو آخره كان عاصيًا لكن عند زفر تستقر السببية على هذا الجزء ولا تنتقل عنه إلى ما بعده، وعند الأئمة الثلاثة تنتقل هكذا إلى الجزء الأخير ولهم فى ذلك تحقيقات وتفريعات لا تناسب المقام.
قوله: (وقال الكرخى هذا) أى كونه نفلًا سقط به الفرض ويسمى مذهبه بالمراعاة فإن بقى إلى آخر الوقت وأدرك منه قدر ما يسع الفعل على صفة التكليف كان ما أداه أوّلًا فرضًا وإلا كان ما فعله نفلًا.
[ ٢ / ١٧٩ ]
قوله: (لنا الأمر قيد بجميع الوقت) لأن الكلام فيما هو كذلك وليس المراد بتطبيق أجزاء الفعل على أجزاء الوقت أن يكون الجزء الأول من الظهر مثلًا منطبقًا على الجزء الأول من الوقت والجزء الأخير على الجزء الأخير فإن ذلك باطل إجماعًا وليس المراد تكراره فى أجزائه بأن يأتى بالظهر فى كل جزء يسعه من أجزاء الوقت وليس فى الأمر تعرض للتخيير بين الفعل والعزم ولا لتخصيصه بأوّل الوقت أو آخره ولا بجزء من أجزائه المعينة بل ظاهر الأمر ينفى التخيير والتخصيص ضرورة دلالته على وجوب الفعل بعينه وعلى تساوى نسبته إلى أجزاء الوقت؛ فيكون القول بهما أعنى: التخيير والتخصيص المذكورين تحكمًا باطلًا ويجب القول بوجوبه على التخيير فى أجزاء الوقت ففى أى جزء أداه فقد أداه فى وقته.
قوله: (فإن كان آخر الوقت) يفرض للآخر والأول إذ لم يقل أحد بتعيين جزء من أجزائه لوجوب الفعل فيه.
قوله: (فيكون بتأخير له عن وقته عاصيًا) يعنى: إذا أخرجه عمدًا ولم يصرح لأن التأخير مشعر به.
قوله: (لا لكونها أحد الأمرين) فلو كان هناك تخيير بين الصلاة والعزم لكان الامتثال بها من حيث إنها أحد الأمرين ومشتملة على هذا المفهوم المطلق كما علم من تحقيق القول بالتخيير وقوله: إنا نقطع يدل على أن هذه المقدمة مما علمت ضرورة من الدين أو أنها مجمع عليها إجماعًا قطعيًا.
قوله: (وأيضًا. . . إلخ) يريد أن الإثم بترك العزم ليس لأن المكلف مخير بينه وبين الصلاة حتى يكونا واجبين على التخيير كخصال الكفارة بل لأن العزم على فعل كل واجب إجمالًا عند الالتفات إليه على سبيل الإجمال وتفصيلًا عند تذكره بخصوصه حكم من أحكام الإيمان يثبت مع ثبوت الإيمان سواء دخل وققط الواجب أو لم يدخل فهو واجب مستمر عند الالتفات إلى الواجبات إجمالًا أو تفصيلًا، فليس وجوبه على سبيل التخيير بينه وبين الصلاة بل هو واجب قبل وجوبه ومعه.
قوله: (بل التخيير والتعجيل فيه جائز كخصال الكفارة) قيل: الفرق أن التخيير هناك بين جزئيات الفعل وههنا فى آخر الوقت وقيل: بل التخيير هناك فى الجزئيات المتخالفة الحقائق، وههنا فى الجزئيات المتفقة الحقيقة، فإن الظهر المؤداة
[ ٢ / ١٨٠ ]
مثلًا فى جزء من أجزاء الوقت مثل المؤداة فى كل جزء من الأجزاء الباقية والمكلف مخير بين هذه الأشخاص المتخالفة بتشخصاتها المتماثلة بالحقيقة.
قوله: (ومذهب الشافعية لما علم دليله بالجواب عن دليل الحنفية) وكذا علم جوابه عن دليلهم؛ لأنه عكسه تركه اختصارًا إذ علم من الجواب جواز التعجيل وإيقاع الفعل فى أوّل الوقت على صفة الوجوب فيقال: لو لم يكن واجبًا فى أوّل الوقت لما خرج عن عهدة التكليف بأدائه فيه والتالى باطل إجماعًا، وجوابه: أنه لا يلزم من وجوبه فى أوّل الوقت تعينه للوجوب لجواز أن يكون على سبيل التخيير فى أجزائه وأيضًا لو تعين أوّله لما جاز تأخيره.
المصنف: (وقت لأدائه) أى فإذا وقع الفعل فى أى جزء منه كان واقعًا فى وقت أدائه وليس وقت الأداء ما اتصل به كما قال جمهور الحنفية فهم وإن قالوا بالواجب الموسع إلا أنهم يقولون معناه أن أى جزء وقع فيه الفعل فهو وقت أدائه فوقت الأداء جزء من الوقت لا بعينه يتعين بالوقوع فيه إن فعل فى الوقت وإلا تعين الوقت كله للسببية وأما على رأى من قال بأن وقت الأداء أول الوقت أو آخره فلا وجوب موسعًا عنده.
التفتازانى: (لا يحتاج إلى الاستدلال. . . إلخ) أى الاستدلال على أن الفاعل للصلاة ممتثل لكونها صلاة بخصوصها لا لكونها أحد الأمرين بأنه لو كان الفاعل ممتثلًا لكونها أحد الأمرين لجاز الاقتصار.
التفتازانى: (لو كان ممتثلًا لأحد الأمرين) أى لكون الصلاة التى فعلها أحد الأمرين اللذين هما الصلاة والعزم.
التفتازانى: (على أن التحقيق. . . إلخ) أى أن الجواب ليس دعوى يستدل عليها بأنه لو كان. . . إلخ. حتى يرد ما ذكر من منع اللازمة أو بطلان اللازم بل مجرد منع.
التفتازانى: (وأجيب بأن العزم. . . إلخ) مقول قوله: قال فى المنتهى.
التفتازانى: (وأجيب بأن العزم. . . إلخ) فى حاشية ميرزاجان اعتراضه بأن العزم على الفعل هو إرادته الإتيان به وليست من لوازم الإيمان ومحققاته وإلا لزم أن من ترك العزم على الفعل وقتًا ما غير مؤمن وأيضًا إن أريد بالعزم نية الفعل حاله فصحيح لكنه لا نزاع فيه وإن أريد القصد إلى الفعل ثانى حال فلا نسلم وجوبه
[ ٢ / ١٨١ ]
فالشارح نبه على أن مرادهم بوجوب العزم دائمًا عدم جواز الترك وهو الحق والظاهر أن المراد بتجويز الترك ما يقابل العزم والإرادة فالتفريع صحيح. اهـ باختصار.
التفتازانى: (أى مع جوابه. . . إلخ) أى: فالباء فى قوله بالجواب بمعنى مع والدليل معلوم من الدليل، والجواب من الجواب ففى قوله عن دليل الحنفية حذف أى وجوابهم.
قوله: (ليس بدلًا عن نفس الفعل) أى بل بدل عن إيقاعه فى ذلك الجزء من الوقت.
قوله: (تستقر السببية على هذا الجزء) أى الذى يبقى بعده ما يسع الفعل.
قوله: (وعند الأئمة الثلاث) أى أئمة الحنفية وهم الإمام أبو حنيفة وصاحباه ﵃ إذ المالكية والشافعية على أن السبب أول جزء من الوقت قال فى مسلم الثبوت وشرحه السبب فى الواجب الوسع الجزء الأول عند الشافعية للسبق وعند عامة الحنفية ليس الجزء الأول سببًا عينًا بل السبب موسع إلى الجزء الآخر كالمسبب وعند زفر إلى ما يسع الأداء وبعده لا سببية فمن صار أهلًا فى الجزء الذى لا يسعه لا تجب الصلاة معه عنده وعند عامة الحنفية تجب وبعد الخروج كل الوقت سبب.
قوله: (أى كونه نفلًا سقط به الفرض) الأولى حذف قوله سقط به الفرض لأن الكرخى يقول: إنه لا يكون فرضًا إلا إذا بقي المكلف بصفة التكليف إلى آخر الوقت فببقائه تبين أن ما فعله أول الوقت كان فرضًا فإذا لم يبق بصفة التكليف إلى آخر الوقت كان نفلًا لا غير.
قوله: (بالمراعاة) أى مراعاة البقاء إلى آخر الوقت بصفة التكليف.
قوله: (تعرض للآخر والأول) أى دون غيرهما من بقية أجزاء الوقت.
قوله: (إذا لم يقل أحد بتعيين جزء من أجزائه لوجوب الفعل فيه) كان عليه أن يزيد بعده سوى الأول والآخر.
قوله: (فهو واجب مستمر) أى فليس وجوبه للوقت كالصلاة.
قوله: (وكذا علم جوابه عن دليلهم) أى علم الجواب عن دليل مذهب الشافعية كالجواب عن دليل مذهب الحنفية فالدليل والجواب علمًا من الجواب وهذا خلاف ما درج عليه السعد من أن الدليل علم من الدليل والجواب من الجواب.
[ ٢ / ١٨٢ ]