قال: (وللمفرد باعتبار وحدته ووحدة مدلوله وتعددهما أربعة أقسام:
فالأول: إن اشترك فى مفهومه كثيرون فهو الكلى فإن ثفاوت كالوجود للخالق والمخلوق فمشكك وإلا فمتواطئ وإن لم يشترك فجزئى ويقال للنوع أيضًا جزئى والكلى ذاتى وعرضى كما تقدم.
الثانى من الأربعة: متقابلة متباينة.
الثالث: إن كان حقيقة للمتعدد فمشترك وإلا فحقيقة ومجاز.
الرابع: مترادفة وكلها مشتق وغير مشتق صفة وغير صفة).
أقول: المفرد لفظة إما واحد أو متعدد وعلى التقديرين فمعناه إما واحد أو متعدد فهذه أربعة أقسام:
القسم الأول: لفظ واحد لمعنى واحد وهو إما أن يشترك فى مفهومه كثيرون يحمله عليهم إيجابًا وهو الكلى فإن كان فى مفهومه تفاوت بشدة أو ضعف أو تقدم أو تأخر كالوجود للخالق والمخلوق فإنه للخالق أشد وأقدم سمى مشككًا وإلا سمى متواطئًا، وإما أن لا يشترك وهو الجزئى الحقيقى ويقال للنوع جزئى إضافى أى بالإضافة إلى جنسه.
ثم الكلى ينقسم باعتبار ما دل عليه إلى الذاتى والعرضى بما تقدم من تفسيرهما الثلاث.
الثانى: مقابل الأول أى لفظ كثير لمعنى كثير ويسمى المتباينة تفاضلت مثل إنسان وفرس أو تواطأت مثل سيف وصارم وفى بعض النسخ متقابلة متباينة أى يسمى بهما ولم يعرف بهذا اصطلاح من غيره.
الثالث: لفظ واحد لمعنى متعدد فإن كان للمتعدد حقيقة فهو المشترك وإلا كان للبعض حقيقة وللبعض مجازًا وهذا بناء على أن المجاز يستلزم حقيقة وإلا فقد يكون لهما مجازين.
الرابع: لفظ متعدد لمعنى واحد، ويسمى المترادفة.
وكل قسم من الأربعة ينقسم إلى مشتق وغير مشتق وسنفسره، وإلى صفة وهو ما يدل على ذات غير معينة باعتبار معنى معين كالضارب، وغير صفة وهو بخلافه كالرجل.
[ ١ / ٤٦٧ ]
قوله: (وللمفرد باعتبار وحدته) إشارة إلى أن هذا التقسيم إنما هو بحسب الاعتبار دون الذات ألا يري أن القسم الثانى هو بعينه القسم الأول إذا اعتبر منه الفردان؛ بل أكثر هذه الأقسام متداخلة ومورد القسمة مطلق المفرد واحدًا كان أو أكثر.
قوله: (بحمله عليهم إيجابًا) يعنى بإمكان فرض صدقه على كثيرين.
قوله: (تفاوت بشدة) إشارة إلى أن ذكر كل من الأولوية والشدة يغنى عن الآخر ولهذا يقال هو ما يتفاوت بأولية أو أولوية؛ ومعنى ذلك أن العقل إذا لاحظ نسبة ذلك المفهوم إلى أفراده يحكم بأن اتصاف البعض به أولى أو أقدم كما فى اتصاف الخالق والمخلوق بالوجود بخلاف اتصاف الأب والابن بالإنسانية.
قوله: (ويقال للنوع) ظاهر كلام الشارح أن المراد به النوع الإضافى المندرج تحت جنس باصطلاح المنطق، ويحتمل أن يراد بالنوع والجنس الأخص والأعم.
قوله: (باعتبار ما دل عليه) إشارة إلى أن الكلام فى الألفاظ فاللفظ الدال على مفهوم الكلى يسمى كليًا وعلى الجزئى جزئيًا واللفظ الدال على كلى هو ذاتى يسمى ذاتيًا وعلى العرضى عرضيًا.
قوله: (الثانى مقابل الأول) اختار هذه النسخة ميلًا إلى الاصطلاح وإن كانت مرجوحة من جهة أن التفسير بكونه مقابل الأول فى محل الاستغناء ولهذا تركه فى القسم الثالث والرابع.
قوله: (فإن كان للمتعدد حقيقة فهو المشترك) لا يصح على إطلاقه إلا إذا كان المنقول من أقسام المشترك كالمرتجل وفيه كلام سيجئ.
قوله: (وهذا بناء على أن المجاز يستلزم حقيقة) فإن قيل على هذا التقرير أيضًا يجوز أن يكون للمعنيين مجازًا بأن لا يكون شئ من المعنيين نفس الموضوع له قلنا: نعم لكنه يصدق أنه حقيقة فى البعض مجاز فى البعض ضرورة وجود الاستعمال فى الموضوع له ويكون كل من المعنيين غير الموضوع له فيكون مجازًا فيهما.
قوله: (وهو ما يدل على ذات غير معينة) تحقيقه أن مفهوم الضارب شئ ما له الضرب من غير دلالة فى اللفظ على خصوصية كونه إنسانًا بل جسمًا أو غيره،
[ ١ / ٤٦٨ ]
حتى لو تصور ما هو أعم من الشيئية لم يقدر موصوفه الشئ وإنما ذلك لضيق العبارة فلهذا لم يكن اسم الزمان والمكان من قبيل الصفات، إذ ليس معنى القتل مثلًا شيئًا ما فيه القتل بل زمان أو مكان فيه ذلك فخصوصية الذات معتبرة فيها.
قوله: (بحمله عليهم إيجابًا) أى بإمكان حمله عليهم بأن يشترك فى مفهومه كثيرون لا فى نفس الأمر بل بمجرد ملاحظة العقل لذلك المفهوم، وإنما قيد الحمل بالإيجاب؛ لأن الجزئى يمكن حمله على كثيرين سلبًا فالمعنى الحاصل عند العقل إن أمكن له بمجرد ملاحظته فرض اشتراكه وحمله على كثيرين فهو الكلى سواء فرض العقل الاشتراك أم لا وسواء أمكن ذلك فى نفس الأمر أم لا وإن امتنع فرض الشركة بين كثيرين فهو الجزئى الحقيقى، والكلى إما أن يكون فى مفهومه تفاوت باعتبار صدقه على أفراده وحصوله فيها بشدة أو ضعف أو تقدم أو تأخر أو أولوية وعدمها فهو المشكك كالوجود فإنه للخالق أشد لشدته فيما هو أثر الوجود كما أن بياض الثلج أشد لشدته فى تفريق البصر الذى هو أثر البياض وكذلك الوجود له أقدم لكونه مبدأ لما عداه بأسرها وأولى إذ هو له بذاته ولما سواه لا لذاته.
قوله: (ويقال للنوع جزئى إضافى) أى بالإضافة إلى جنسه لكن ليس إطلاق الجزئى الإضافى على النوع باعتبار خصوصه، إذ معناه المندرج تحت غيره سواء كان جزئيًا حقيقيًا مندرجًا تحت كلى أو كليًا مندرجًا تحت كلى آخر يصدق عليه صدقًا ذاتيًا أو عرضيًا فالجزئى بهذا المعنى أعم منه بالمعنى الحقيقى.
قوله: (ثم الكلى) أى اللفظ الكلى ولهذا قال: (ينقسم باعتبار ما دل عليه إلى الذاتى والعرضى) فإن الكلية والجزئية وإن كانتا صفتين للمعانى فى الحقيقة، قد توصف بهما الألفاظ فى المشهور بخلاف الذاتى والعرضى.
قوله: (الثانى مقابل الأول) هذا على النسخة التى توجد هكذا الثانى من الأربعة متقابلة متباينة وإنما تعرض لذكر المتقابلة فى هذا القسم لأنه أقوى فى التقابل مع الأول ضرورة مخالفته إياه فى جانبى اللفظ والمعنى.
قوله: (أى يسمى بهما) يعنى بكل واحدة من المتقابلة والمتباينة أو بمجموعهما أى بالمتقابلة الموصوفة بالمتباينة (ولم يعرف بهذا) أى بإطلاقه المتقابلة مطلقًا أو
[ ١ / ٤٦٩ ]
مقيدًا (اصطلاح من غير المصنف) إذ المصطلح المشهور هو إطلاق المتباينة.
قوله: (وهذا بناء على أن المجاز يستلزم حقيقة) أى الحكم بأن اللفظ إذا لم يكن حقيقة للمتعدد كان للبعض حقيقة وللبعض مجازًا مبنى على أن المجاز يستلزم الحقيقة إذ لولا الاستلزام لجاز كون اللفظ لهما أى للمعنيين مجازين، ولما لم يكن المصنف قائلًا بالاستلزام لم يصح منه هذا الحكم، فإن منع بأن ليس المراد من معنى اللفظ ما استعمل هو فيه بل ما يصح استعماله فيه بمقتضى الوضع وكون اللفظ حقيقة لكل واحد من المتعدد هو أنه لو استعمل فيه لكان حقيقة لا أنه كذلك بالفعل وحينئذ يندفع ما ذكره لأن المجاز يستلزم المعنى الحقيقى قطعًا، وإن لم يستلزم الحقيقة يجاب على تقدير صحة ما ذكر بأن ليس المراد جميع ما يصح استعماله فيه كذلك وإلا لتعذر كونه حقيقة للكل لثبوت المجاز الظاهر وإذا أريد ما هو أعم من الجميع والبعض يتأتى القسم المذكور.
قوله: (ويسمى المترادفة) الظاهر اعتبار كون المعنى الواحد حقيقيًا للكل.
واعلم أن كل واحد من الألفاظ المتباينة إما كلى أو جزئى إلى آخر ما ذكر هناك، وأيضًا يحتمل أن يكون كل واحد منها أو بعضها مشتركًا أو حقيقة ومجازًا، وكذلك المشترك إما كلى أو جزئى، إما بحسبا معنييه أو أحدهما وقس الباقى على ما عرفت، وأن القسم الأولى أعنى اللفظ الواحد لمعنى واحد يوجد فى الاسم والفعل والحرف لكن الأخيرين لا يتصفان بالكلية والجزئية وكذا المتباينة والمشتركة والحقيقة والمجاز، وأما المشتق فيوجد فى الاسم والفعل دون الحرف وعليك بالتأمل فى البواقى.
قوله: (أى الحكم بأن اللفظ إذا لم يكن حقيقة للمتعدد) يجب أن يقال: على أن المراد بالمتعدد فى قول المصنف: لمعنى متعدد مجموع المعانى المتعددة التى يكون اللفظ لها فإن اللفظ إذا كان معناه المستعمل فيه متعددًا ولا يتحقق المجاز إلا مع الحقيقة فلا يكون فى جميعها حقيقة وجب أن يكون حقيقة فى البعض مجازًا فى البعض، وأما إذا كان المراد بالمتعدد ما هو أعم من الجميع والبعض فالقول باستلزام المجاز الحقيقة لا يدفع الفساد عن كلام المصنف إذ يجوز أن يكون للفظ معان مجازية ومعنى حقيقى يتحقق استعماله فى كل واحد منها والجواب الذى
[ ١ / ٤٧٠ ]
ذكره هنا عن المنع يتم بحمل المتعدد على الجميع والجواب الذى ذكره الفاضل التفتازانى بقوله: قلنا نعم مبنى أيضًا على أن يحمل المتعدد على الجميع والقول بأن لفظ البعض فى قوله: حقيقة فى البعض مجاز فى البعض لم يقيد بقولنا من ذلك المتعدد فى غاية البعد وإن اعتبر ذلك فالجواب عن الجواب الذى ذكره عن المنع حاصل بأدنى تأمل وإذا حيل المتعدد على الجميع وقع النقصان من وجه آخر وهو خروج بعض أفراد المشترك من تعريفه الحاصل هنا وهى الألفاظ المشتركة التى وقع استعمالها فى المعنى الجازى أيضًا والألفاظ تتصف بالتباين والترادف والاشتراك وغيرها باعتبارات متكثرة يجب أن يقع الكلام على وجه يطابقها وغاية ما يمكن أن يقال فى دفع ذلك هو أن المراد إثبات الاشتراك لهذا القسم لا التعريف وتحصيل ما يصح أن يكون تعريفًا للمشترك.
قوله: (لأن المجاز يستلزم المعنى الحقيقى وإن لم يستلزم الحقيقة) لا يقال لا فائدة لهذا الكلام لأن المصنف قال: بعضه حقيقة وبعضه مجاز يجب أن يحمل الكلام على وجه يستلزم المجاز الحقيقة لا المعنى الحقيقى فقط لأنا نقول: مراد ذلك القائل أن المجاز إذا كان مستلزمًا للمعنى الحقيقى يستلزم الحقيقة أيضًا بالتأويل المذكور قطعًا وإن لم يستلزم الحقيقة بالمعنى الأصلى فالفائدة ظاهرة.
قوله: (على تقدير صحة ما ذكره) يعنى إن لم يرد من الحقيقة والمجاز والمعنى ما ذكر على تقدير أن يريد ذلك لم يرد بالمعانى المتعددة جميع ما يصح استعماله فيه كذلك أى بمقتضى الوضع وإلا لتعذر كونه حقيقة لأن المعانى المناسبة للمعنى الموضوع له كثيرة جدًا واللفظ إذا كان موضوعًا لمعنى إذا استعمل فيه يقال هذا اللفظ لذلك المعنى، والمصنف لما قال: لفظ واحد لمعنى متعدد يمكن أن يريد بالمقصود جميع ما استعماله فيه واللام للاختصاص الذى هو فى قوله لمتعدد يفيد قيدًا فى هذا الجميع ويحصل خروج البعض الذى لم يوضع اللفظ بإزائه ولم يستعمل فيه فصار المعنى جميع ما يصح استعماله فيه من المعانى التى يصح أن اللفظ له وحينئذ يتم كلام المصنف ويندفع اعتراض الشارح حينئذ.
التفتازانى: (إذا اعتبر منه الفردان) أى فرد اللفظ وفرد المعنى يعنى إذا اعتبر أحد المتباينين مع معناه الواحد كان ذلك من القسم الأول.
[ ١ / ٤٧١ ]
التفتازانى: (بإمكان فرض صدقه على كثيرين) أى فليس بلازم الصدق فى نفس الأمر ولا الفرض بالفعل.
التفتازانى: (وبهذا يقال هو ما يتفاوت. . . إلخ) أى كما قال فى التهذيب.
التفتازانى: (ويسمى ذاتيًا) ظاهره أن التسمية به كالتسمية بالكلى والجزئى وليس كذلك فإن اللفظ يتصف بالكلية والجزئية فى المشهور وإن كانت الكلية والجزئية من عوارض المعانى أو لا وبالذات ولا يتصف بالذاتية والعرضية إلا بالنظر إلى المدلول ففى الحقيقة الذاتى والعرضى هو المدلول لا اللفظ كما ذكره السيد وأشار إليه الشارح بقوله الكلى ينقسم باعتبار ما دل عليه إلى الذاتى والعرضى.
التفتازانى: (ميلًا إلى الاصطلاح) أى من تسمية الألفاظ الكثيرة لمعانى كثيرة متباينة.
التفتازانى: (إلا إذا كان المنقول من أقسام المشترك) وإليه فالعبرة فى المشترك بتعدد الوضع سواء كان الوضع للمتعدد ابتداء أى لم يكن الوضع لبعضها مسبوقًا بوضعه لبعض آخر منها تابعًا له فيدخل المرتجل أو كان مسبوقًا بذلك فيدخل المنقول أما إذا اعتبر فى المشترك أن يكون الوضع لكل ابتداء لم يدخل المنقول وبقى أنه يدخل فى المشترك الموضوع بالوضع العام لموضوع له خاص كأسماء الإشارة والموصولات وأخواتهما لأنها موضوعة لمعان كثيرة، والجواب أن ما ذكروا أن تعدد فيه المعنى لكن لم يتعدد الوضع فيزداد فى تعريف المشترك قيد تعدد الوضع لإخراج ما ذكر أو يقال: إن ما ذكر من أسماء الإشارة ونحوها موضوعة للمعانى الكلية بشرط الاستعمال فى الجزئيات فلم يتعدد المعنى فتخرج عن المشترك.
التفتازانى: (قلنا نعم لكنه يصدق. . . إلخ) مبنى على أن المراد بقول المصنف: لمعنى متعدد جميع المعانى المتعددة التى يكون اللفظ لها فإن اللفظ إذا كان معناه متعددًا ولا يتحقق المجاز إلا مع الحقيقة ولا يكون فى جميعها حقيقة وجب أن يكون حقيقة فى البعض مجازًا فى البعض وأما إذا كان المراد بالمتعدد ما هو أعم من الجميع والبعض فالقول باستلزام المجاز الحقيقة لا يدفع الفساد فى كلام المصنف إذ يجوز أن يكون للفظ معانٍ مجازية ومعنى حقيقى، فقوله: وإلا كان للبعض حقيقة وللبعض مجازًا لا يصح لجواز أن يكون للمتعدد الذى هو المعانى المجازية فقط ولا يرد أنه إذا حمل المتعدد على الجميع يصير تعريف المشترك فاسدًا
[ ١ / ٤٧٢ ]
إذ لابد فى المشترك على هذا أن يكون مستعملًا فى جميع المعانى المتعددة على سبيل الحقيقة فيخرج الألفاظ المشتركة التى وقع استعمالها فى المعنى المجازى أيضًا لأنه إذا استعمل اللفظ المشترك فى المعنى المجازى يصدق عليه بالنسبة للمعانى الحقيقية أنه استعمل فى جميع المعانى التى يكون اللفظ لها حقيقة وبالنسبة لذلك يكون مشتركًا إذ الاشتراك ونحوه من الأمور التى تختلف بالاعتبار.
قوله: (لا فى نفس الأمر بل بمجرد ملاحظة العقل ذلك) فتدخل الكليات التى لا تصدق على شئ أصلًا كاللاشئ.
قوله: (باعتبار صدقه على أفراده وحصوله فيها) يعنى أن الزيادة معتبرة فى المصادقات لا فى نفس المسمى فتكون المصادقات أنواعًا وقوله شدة أو ضعف الأولى وضعف وكذا قوله أو تأخر الأولى وتأخر كما صنع فى قوله وعدمها عطفًا على أولوية.
قوله: (لكن ليس إطلاق الجزئى الإضافى على النوع باعتبار خصوصه) أى كما يتوهم ذلك من ظاهر قوله ويقال للنوع جزئى إضافى.
قوله: (هذا على النسخة التى توجد هكذا الثانى من الأربعة متقابلة متباينة) فى هذه العبارة تحريف وصوابه: هذا على غير النسخة التى توجد. . . إلخ.
قوله: (لذكر المقابلة فى هذا القسم) أى مع كونها فى الثالث والرابع أيضًا.
قوله: (لأن المجاز يستلزم المعنى الحقيقى قطعًا) أى وقول المصنف بعضه حقيقة وبعضه مجاز ليس المراد أن بعضه حقيقة بالفعل بل المراد أن بعضه يصح استعمال اللفظ فيه حقيقة وبعضه مجاز.
قوله: (على تقدير صحة مما ذكر) إنما قال ذلك لأن لقائل أن يمنع صحة ما ذكر بأن قول المصنف: بعضه حقيقة وبعضه مجاز معناه حقيقة بالفعل ومجاز بالفعل.
قوله: (بأن ليس المراد جميع ما يصح استعماله فيه كذلك) أى بمقتضى الوضع يعنى أنه إذا كان المراد بالحقيقة ما يصح أن يكون حقيقة بالاستعمال وإن لم يكن حقيقة بالفعل صار قول المصنف: إن كان حقيقة للمتعدد فمشترك ليس معناه إن كان كل ما يصح استعماله فيه بمقتضى الوضع حقيقة فمشترك لتعذر كونه حقيقة للكل لثبوت المجاز الظاهر لأن المعانى المناسبة للمعنى الموضوع له كثيرة جدًا فيصدق عليها أنه يصح استعمال اللفظ فيها بمقتضى الوضع وليست حقيقة وإن
[ ١ / ٤٧٣ ]
أريد ما هو أعم من الجميع والبعض يتأتى القسم المذكور وهو أن اللفظ قد يكون للمعنيين مجازًا ورد بأنا نختار الأول ولا يتعذر كونه حقيقة للكل ولا يثبت المجاز لأن كل ما يصح استعماله فيه بمقتضى الوضع لا يشمل المجاز أصلًا إذ المراد ما يصح استعماله فيه ويكون اللفظ له وضعًا أوليًا ثم المراد بالمجاز فى قوله فحقيقة ومجاز ما يشمل الكناية فلا يقال: إن الحصر باطل.
قوله: (لا يتصفان بالكلية والجزئية) أى لأنهما من صفات المعانى حقيقة وإن اشتهر اتصاف اللفظ بهما ومعنى الفعل والحرف غير مستقل فلا يصلح للموصوفية وقوله وكذا المتباينة. . . إلخ. أى توجد فى الاسم والفعل والحرف لأنها صفات للألفاظ باعتبار معانيها وجميع الألفاظ متساوية فى صحة الحكم عليها وبها.
[ ١ / ٤٧٤ ]
قال: (مسألة: المشترك واقع على الأصح لنا أن القرء للطهر والحيض معًا على البدل من غير ترجيح واستدل لو لم يكن لخلت أكثر المسميات لأنها غير متناهية، وأجيب بمنع ذلك فى المختلفة والمتضادة ولا يفيد فى غيرها ولو سلم فالمتعقل متناه وإن سلم فلا نسلم أن المركب من المتناهى متناه وأسند بأسماء الأعداد وإن سلم منعت الثانية ويكون كأنواع الروائح واستدل لو لم يكن لكان الموجود فى القديم والحادث متواطئًا لأنه حقيقة فيهما وأما الثانية فلأن الموجود إن كان الذات فلا اشتراك وإن كان الصفة فهى واجبة فى القديم فلا اشتراك وأجيب بأن الوجوب والإمكان لا يمنع التواطؤ كالعالم والمتكلم قالوا: لو وضعت لاختل المقصود من الوضع قلنا يعرف بالقرائن وإن سلم فالتعريف الإجمالى مقصود كالأجناس).
أقول: قد اطرد اصطلاح المصنف فى أنه يعبر بقوله لنا عن دليل المذهب المختار الذى يرتضيه وبقوله: استدل عن دليل المختار الذى يزيفه وبقوله قالوا عن دليل المخالف وإن كان المذكور واحدًا نظرًا إليه وإلى أتباعه هذا إذا كان المذهب المخالف
متعينًا وإلا عبر عنه بذكر ذى المذهب باسمه أو بالنسبة إلى المذهب أو بذكر المذهب فيقول مثلًا: القاضى الإمام، أو المبيح المحرم، أو الإباحة التحريم، وعن الأجوبة بأجيب أو الجواب، أو رد ونحوه، وعن السؤال بقيل أو اعترض أو أورد وأمثاله، ونحن نجرى على أثره رومًا للاختصار مع الوضوح. هل اللفظ المشترك واقع فى اللغة فيه خلاف والأصح وقوعه لنا إطباق أهل اللغة على أن القرء للطهر والحيض معًا على البدل من غير ترجيح وهو معنى الاشتراك وقولنا معًا احتراز عن المنفرد لأنه لواحد بعينه وإن كان قد يقع فيه شك.
وقولنا: على البدل عن المتواطئ لأنه للقدر المشترك وعن الموضوع للجميع وقولنا من غير ترجيح عن الحقيقة والمجاز استدل لو لم يكن المشترك واقعًا لخلت أكثر المسميات عن الاسم واللازم باطل فالملزوم مثله أما الملازمة فلأن المسميات غير متناهية وهو ظاهر والألفاظ متناهية لتركبها من الحروف المتناهية بضم بعضها إلى بعض مرات متناهية وإذا وضع كل لفظ من الألفاظ وهى متناهية لمعنى واحد كان الموضوع له متناهيًا وتخلو المعانى الباقية وهى الأكثر بل لا نسبة لها إلى ما وضع له لعدم تناهيها وأما بطلان اللازم فلأنه يخلّ بغرض الوضع وهو تفهيم المعانى.
الجواب: أن المسميات بالألفاظ هى المعانى المختلفة والمتضادة ولا نسلم أن
[ ١ / ٤٧٥ ]
المعانى المختلفة والمتضادة غير متناهية نعم غيرهما وهى المتماثلة غير متناهية وأنها ليست بمسميات ولا يجب الوضع لها بخصوصياتها بل باعتبار الحقيقة التى اتفقت هى فيها إذ يعلم أن كل فرس وكل بياض ونحوهما لا اسم له بخصوصه سلمناه لكن لا يحتاج إلى التعبير إلا عما نعقله من المعانى وذلك متناه لامتناع تعقل ما لا يتناهى سلمناه لكن لا نسلم لزوم الخلو قولكم الألفاظ مركبة من الحروف المتناهية قلنا نعم ولكن لا نسلم أن المركب من المتناهى متناه وأسند المنع بأسماء العدد لعدم تناهيها مع تركبها من اثنى عشر اسمًا سلمناه لكن لا نسلم الثانية وهو بطلان اللازم إذ من المعانى المختلفة ما لا يوضع له اسم ويعبر عنه بالألفاظ المجازية بل قال ابن متويه: أكثر اللغة مجاز وكأنواع الروائح ولا يختل مقصود الوضع إذ يمكن التعبير عنها بالإضافة إلى المحل وغيرها وكذلك كثير من الصفات واستدل أيضًا لو لم يكن المشترك واقعًا لكان الموجود فى القديم والحادث متواطئًا واللازم باطل أما الملازمة فلإطلاقه عليهما حقيقة فلو لم يكن باعتبار وضعه لخصوصهما لكان باعتبار وضعه لأمر عام مشترك بينهما وهو معنى التواطؤ، وأما الثانية فلأن المسمى بالموجود إن كان هو الذات فليس أمرًا واحدًا فيهما وإن كان صفة فهو واجب فى القديم ممكن فى الحادث فلا يكون أمرًا واحدًا فيهما وإلا لكان الواحد بالحقيقة واجبًا لذاته ممكنًا وأنه محال.
الجواب: أن الاختلاف فى الوجوب والإمكان لا يمنع التواطؤ كالعالم والمتكلم فإنهما فى القديم واجبان وفى الحادث ممكنان مع أنهما مشتركان فى معنى قطعًا.
فإن قلت: لِمَ ألزم من الاشتراك معنى التواطؤ والتشكيك محتمل.
قلت: إما لأنه لا يرى التشكيك فإنه قال فى المنتهى: واعترض أن ذلك إن كان مأخوذًا فى الماهية فلا اشتراك وإلا فلا تفاوت ولم يجب عنه.
والجواب: أنه مأخوذ فى ماهية ما صدق عليه ذلك دون ماهيته وإما لأنه توسع فى تسمية الشئ بأحد قسميه.
قالوا: لو وضعت الألفاظ المشتركة لاختل المفصود من الوضع واللازم باطل بيان الملازمة أن الفهم لا يحصل مع الاشتراك لخفاء القرائن، قيل: وما يظن به ذلك فإما مجاز أو متواطئ.
الجواب: لا نسلم أن الفهم التفصيلى لا يحصل مع الاشتراك لأن المقصود
[ ١ / ٤٧٦ ]
يعرف بالقرائن مفصلًا كما ترى سلمناه لكن ليس المقصود التفاهم التفصيلى فى كل اللغة تدليل أسماء الأجناس بل قد يقصد التعريف الإجمالى كما يقصد التفصيلى.
قوله: (وإلا عبر عنه) يعنى إن كان المخالف متعينًا بأن كان القولان على طرفى نقيض أى الحكم كذا أو ليس كذا من غير تصور واسطة يكتفى بقوله: قالوا لتعيين القائل وإن لم يتعين بأن يكون فى المسألة ثلاثة أقوال أو أكثر يعبر عن دليل المخالف بذكر اسم مثل: القاضى الإمام أو بالوصف الحاصل من مذهبه مثل: المبيح المحرم أو بنفس مذهبه مثل: الإباحة التحريم.
قوله: (وقولنا معًا احتراز عن المنفرد) لا خفاء فى ذلك وإنما الكلام فى أنه هل يفتقر إلى هذا الاحتراز بعد قولنا القرء للطهر والحيض فإنا نقطع بأن المنفرد ليس لمعنيين ولهذا ذهب الشارح العلامة إلى أنه احتراز عن المشترك معنى كالمتواطئ والمشكك وقولنا: على سبيل البدل عن الموضوع للجميع من حيث هو.
قوله: (بل لا نسبة إلى ما وضع له) فيه بحث لأن عدم التناهى لا ينافى نسبة الأكثرية لأن معناها زيادة عدده كما يقال: ما فوق العشرة أكثر مما دونه نعم لو أضيف الأكثر إلى غير المتناهى مثل أكثر المسميات على ما هو عبارة المتن لم يصح لأن معناه ما فوق النصف ولا نصف لغير المتناهى.
قوله: (المختلفة والمتضادة) سيجئ أن المفهومين إن اشتركا فى الصفات النفسية فتماثلان وإلا فإن كانا معنيين يمتنع اجتماعهما فى محل واحد من جهة واحدة فمتضادان وإلا متخالفان.
قوله: (من اثنى عشر اسمًا) هى الواحد إلى العشرة والمائة والألف والباقى تركيب مثل أحد عشر أو عطف مثل أحلى وعشرون أو تثنية أو جمع مثل مائتان وآلاف أو شبه جمع مثل عشرون وثلاثون إلى تسعين.
قوله: (بالإضافة إلى المحل) مثل: رائحة المسك والزعفران أو غير الإضافة كالوصف مثل: رائحة طيبة أو الإضافة إلى وصف المحل مثل: رائحة الحلاوة.
قوله: (وكذلك كثير من الصفات) كالحركات وأنواع الحرارات.
قوله: (فهو واجب فى القديم) أى لا يجوز زواله لكونه مقتضى الذات (ممكن
[ ١ / ٤٧٧ ]
فى الحادث) أى يجوز زواله نظرًا إلى الذات إذ لا تقتضى الوجود فقوله: وإلا لكان الواحد بالحقيقة واجبًا لذاته ممكنًا ليس على ما ينبغى بل اللازم كون الواحد بالحقيقة واجبًا لذات ممكنًا لذات أخرى، وتحقيق الجواب أنه إن أريد بالواحد بالحقيقة الماهية النوعية الواحدة فالملازمة ممنوعة إذ الاشتراك فى المفهوم لا يقتضى ذلك وإن أريد الواحد بالمفهوم فبطلان التالى ممنوع إذ لا امتناع فى كون بعض أفراد المفهوم الواحد مختلفًا للبعض فى اللوازم، وإن كان المفهوم ذاتيًا لها كأنواع الحيوان فكيف إذا كان عارضًا.
قوله: (مع أنهما) أى العالم فى القديم والعالم فى الحادث مشتركان فى مفهوم العلم، وكذا المتكلم فى القديم والمتكلم فى الحادث مشتركان فى الكلام النفسى.
قوله: (فإن قلت لِمَ ألزم) أى المصنف (من الاشتراك المعنوى التواطؤ) أى كون اللفظ الموجود متواطئًا حيث علل لزوم التواطؤ بكونه حقيقة فى القديم والحادث فإن معناه أنه على تقدير عدم الاشتراك اللفظى لما كان حقيقة فيهما كان متواطئا، فقوله: معنى تمييز والتواطؤ مفعول منصوب ألزم وقد يصحف معنى التواطؤ على الإضافة فيعترض بأنه لم يلزم معنى التواطؤ من الاشتراك بل من نفى الاشتراك.
قوله: (واعترض) أى على التشكيك بأن ذلك الأمر الزائد الذى به التفاوت إن كان مأخوذًا فى مفهوم المشكك فلا اشتراك فيه للأفراد؛ لأنه يوجد فى الأشد دون الأضعف وإن لم يكن مأخوذًا فيه فلا تفاوت بين الأفراد فى ذلك المفهوم، مثلًا إن كان مفهوم البياض هو اللون المفرق للبصر مع الخصوصية التى توجد فى الثلج فلا اشتراك للعاج فيه وإن كان مجرد اللون المفرق فالكل فيه على السواء، والجواب أنه مأخوذ فى ماهية الفرض الذى يصدق عليه المشكك كبياض الثلج لا فى نفس مفهوم المشكك كالمطلق البياض؛ فالأفراد متفاوتة الماهيات فى ذلك المفهوم والمفهوم مشترك بين الكل.
قوله: (وإما لأنه توسع فى تسمية الشئ) الذى هو المشترك المعنوى بأحد قسميه الذى هو المتواطئ فذكر المتواطئ وأراد المشترك معنى.
قوله: (قيل وما يظن) دفع من جانب مانع الاشتراك لما يتمسك به المثبتون من المشتركات.
[ ١ / ٤٧٨ ]
قوله: (واستدل عن دليل المختار الذى يزيفه) قد خالف هذا الاصطلاح فى مباحث النسخ حيث قال: واستدل بأن إبراهيم أمر بالذبح فإنه قد أورد عليه الاعتراض وأجاب عنه فبقى أصل الدليل سالمًا.
قوله: (هذا إذا كان المذهب المخالف متعينًا) وذلك بأن يقتسم المذهبان النفى والإثبات (وإلا) أى: وإن لم يكن الذهب الخالف متعينًا بأن لا يقتسما النفى والإثبات بل يكون هناك احتمالات كل واحد منها أو بعضها مذهب لطائفة (عبر عنه) أى: عن المذهب المخالف (بذكر ذى المذهب) إما (باسمه) لقبًا كان أو غيره (أو بنسبته إلى المذهب أو) عبر عنه (بذكر) نفس (المذهب) وقد مثل للثلاثة على الترتيب.
قوله: (وعن الأجوبة) يعبر عنها سواء كانت أجوبة عن الأدلة المزيفة على المختار أو عن أدلة الخصم.
قوله: (ونحوه) مثل عورض وقلنا.
قوله: (وأمثاله) أى أمثال ما ذكر من نحو لا يقال وإن قيل.
قوله: (هل اللفظ المشترك واقع فى اللغة) قد بقال: المشترك إما أن يجب وقوعه أو يمتنع أو يمكن؛ وحينئذ إما أن يكون واقعًا أو لا فانحصرت الاحتمالات العقلية فى أربعة وقد ذهب إلى كل منها طائفة إلا أن مرجعها إلى اثنين إذ لا يتصور ههنا وجوب ولا امتناع بالذات بل بالغير فهما راجعان إلى الإمكان، فالواجب هو المكن الواقع والممتنع هو المكن غير الواقع فلذلك لم يتعرض المصنف إلا للوقوع وعدمه.
قوله: (على أن القرء) هو بفتح القاف فى اللغة الفصيحة وقد يضم وقوله: (وهو معنى الاشتراك) أى كون اللفظ الواحد موضوعًا لمعنيين معًا على سبيل البدل من غير ترجيح معنى الاشتراك.
قوله: (وقولنا: معًا) حاصله أن اللفظ المفرد وهو الموضوع لمعنى واحد إذا وقع فى معناه شك بحيث يتردد بين معنييه صدق عليه أنه للمعنيين معًا من غير ترجيح وليس بمشترك فى نفس الأمر ولا عند المشكك فاحترز عنه بقوله: معًا إذ لا يصدق عليه أنه لهما معًا فلئن قلت كون اللفظ لمعنيين إما أن يراد به كونه موضوعًا لهما
[ ١ / ٤٧٩ ]
فاللام على حالها، أو مستعملًا لهما فاللام بمعنى "فى" أو على حالها لوجود معنى الاختصاص هناك وعلى التقديرين لا يندرج فى التعريف المنفرد المشكوك فيه، إذ ليس موضوعًا ولا مستعملًا للمعنيين فلا حاجة إلى الاحتراز عنه قلت: لما دار وضعه واستعماله بين المعنيين عند التشكك جاز انتسابه إليهما فى الوضع والاستعمال بحسب الظاهر عنده فاحترز عنه زيادة احتياط.
قوله: (وقولنا: على البدل عن المتواطئ) أى احتراز عنه لأنه للقدر المشترك بين أفراده لا لها وقد يقال: فلا حاجة إلى الاحتراز عنه إذ ليس موضوعًا لأكثر من معنى واحد فهو خارج عن التعريف وكذلك إن قدر الاستعمال فإنه يستعمل فى القدر المشترك حقيقة فقط، وأما استعماله فى خصوصيات الأفراد فبالمجاز، والجواب: أن ذلك بحسب الظاهر أيضًا فإن المتواطئ يحصل على أفراده بطريق الحقيقة فيظن أنه موضوع لها أو يستعمل فيها حقيقة وليس كذلك بل هو موضوع للمشترك ومستعمل فيه وقد حمل هو على الأفراد فلذلك احترز عنه بقوله: على البدل، فإنه وإن كان موضوعًا للأفراد أو مستعملًا لها بحسب الظاهر لكن ذلك الوضع أو الاستعمال ليس على البدل بل باعتبار القدر المشترك.
قوله: (وعن الموضوع للجميع) أى: احتراز عن الموضوع لمجموع معنيين أو أكثر من حيث المجموع.
قوله: (وقولنا: من غير ترجيح عن الحقيقة والمجاز) يعنى أنه احتراز عن اللفظ بالقياس إلى معنييه الحقيقى والمجازى فإنه بهذا الاعتبار لا يسمى مشتركًا، وهذا الاحتراز إنما يحتاج إليه على تقدير اعتبار الوضع إذا قيل بكون المجاز موضوعًا وإلا فهو خارج به، وأما على اعتبار الاستعمال فالاحتياج إليه واضح لكنه يتوجه عليه شيئان أحدهما: أن اللفظ الموضوع لمعنيين على السوية لا يوصف بالاشتراك إلا بعد الاستعمال وقد يلزم كما فى الحقيقة والمجاز وثانيهما: أن اللفظ المنفرد إذا كان له مجازان متساويان قد استعمل فيهما يلزم أن يكون مشتركًا فالحق اعتبار الوضع كما ينبئ عنه قوله: وعن الموضوع للجميع حيث لم يقل: وعن المستعمل له، وأيضًا كون اللام صلة للوضع أظهر من كونها صلة للاستعمال.
قوله: (لخلت أكثر المسميات) يريد المعانى، وإنما أطلق عليها المسميات تنبيهًا على استحقاقها التسمية بالألفاظ (عن الاسم) أى اللفظ الدال عليها اسمًا كان أو
[ ١ / ٤٨٠ ]
فعلًا أو حرفًا فإن الاسم بحسب اللغة يتناولها.
قوله: (وهو ظاهر) لأن من المعانى مراتب الأعداد التى لا تتناهى.
قوله: (لتركبها من الحروف التناهية) أى فى اللغة المفروضة؛ فإن حروف لغة العرب بل أية لغة فرضت متناهية قطعًا بل لو ادعى ذلك فى حروف جميع اللغات لم يبعد.
قوله: (مرات متناهية) إنما قال ذلك؛ ليلزم تناهى الألفاظ إذ لو كان الضم مرات غير متناهية كان الحاصل غير متناه.
قوله: (كان الموضوع له متناهيًا) لمساواته المتناهى الذى هو الألفاظ.
قوله: (وهى الأكثر) يعنى: أن المعانى الباقية هى أكثر المسميات فاللام فى الأكثر للعهد الخارجى ولذلك لم يؤنثه بل لا نسبة للباقية إلى ما وضع اللفظ له لعدم تناهى الباقية مع كونه منها هكذا قيل وقد يقلب الدليل فيقال: لو وقع المشترك فى اللغة على ما زعمتموه من اشتراك اللفظ بين معان متناهية لخلت أكثر المسميات إذ لو فرض اشتراك كل لفظ من الألفاظ المتناهية بين معانٍ كثيرة متناهية كان الموضوع له متناهيًا ضرورة أن المركب من أمور متناهية العدة كل واحد منها عدة متناهية يكون متناهيًا فى العدة فيخلو أكثر المعانى عن الاسم ويظهر منه أن المستلزم للخلو ليس عدم الاشتراك المدعى.
قوله: (ولا نسلم أن المعانى المختلفة والمتضادة غير متناهية) المعانى منحصرة فى ثلاثة أقسام: المتماثلة والمتضادة والمتخالفة لما سيأتى من أنها إما أن تتساوى فى صفات النفس وهى ما لا يحتاج الوصف به إلى تعقل أمر زائد؛ كالإنسانية للإنسان والحقيقة والوجود، والشيئية له فهى المتماثلة كأفراد الفرس مثلًا أو لا، فإما أن تتنافى بأنفسها أى يمتنع اجتماعها فى محل واحد بالننطر إلى ذواتها فهى المتضادة كأنواع الألوان أو لا فهى المتخالفة كالسواد والحركة والحلاوة إذا تمهد هذا فنقول: لا نسلم أن المختلفة والمتضادة غير متناهية، وأما المتماثلة فإنها وإن كانت غير متناهية لكن لا يجب الوضع لها ولا يحتاج إليه بحسب خصوصياتها غير المتناهية بل باعتبار الحقيقة الواحدة التى اتفقت هى فيها.
قوله: (سلمناه) أى كون المختلفة والمتضادة غير متناهية أو وجوب الوضع والاحتياج إليه لخصوصيات المتماثلة.
[ ١ / ٤٨١ ]
قوله: (سلمناه لكن لا نسلم لزوم الخلو) يريد سلمنا الاحتياج إلى الوضع لجميع المعانى غير المتناهية لكن لا نسلم لزوم خلو بعض المعانى عن الألفاظ لولا الاشتراك فإن تركب الألفاظ من الحروف المتناهية لا يستلزم تناهيها لجواز تناهى الصور الحالة فى تلك الحروف بضم بعضها إلى بعض على وجوه مختلفة من الحركات والسكنات والعدة مرات غير متناهية أوَلا ترى أن مراتب الأعداد غير متناهية ويمكن التعبير عن جميعها بالتصرف فى اثنى عشر اسمًا فالمركب منها غير متناه لاختلاف وجوه التأليف فما ذكرناه أولى.
قوله: (إذ يمكن التعبير عنها بالإضافة إلى المحل) كأن يقال: رائحة المسك أو العنبر (وغيرها) كالموافقة والمخالفة للطبع فيقال: رائحة طيبة أو كريهة وفى بعض النسخ (لكن لا نسلم الثانية وهو بطلان اللازم إذ من المسميات المختلفة ما لا يوضع له اسم ويعبر عنه بالألفاظ المجازية بل قال ابن متويه: أكثر اللغة مجاز وكأنواع الروائح ولا يختل مقصود الوضع. . . إلخ) فقوله: وكأنواع الروائح عطف على قوله: المجازية، والتقدير: ويعبر عنه بالألفاظ المجازية وبالحقيقة كأنواع الروائح فإن التعبير عنها بالإضافة إلى المحل وغيرها على سبيل الحقيقة.
قوله: (وكذلك كثير من الصفات) فإن مراتب الشدة والضعف فى الحركة والحلاوة لم يوضع لخصوصياتها ألفاظ مع التمكن عن التعبير إما بالألفاظ المجازية أو الحقيقة.
قوله: (فلإطلاقه عليهما حقيقية) إما للاتفاق على ذلك كما ذكره الآمدى فى منتهاه وإما لعدم صحة سلب الوجود عن شئ منهما فى نفس الأمر.
قوله: (لكان) أى إطلاقه عليهما حقيقة باعتبار وضعه لمعنى عام مشترك بين القديم والحادث ضرورة انحصار إطلاق اللفظ حقيقة على معنيين فى الاشتراك اللفظى والمعنوى فإنه إذا لم يكن موضوعًا لخصوصية كل منهما والأمر مشترك بينهما، فإما أن لا يكون موضوعًا لخصوصية شئ منهما فلا يكون حقيقة فى واحد منهما، وإما أن يكون موضوعًا لخصوصية أحدهما فقط فهو فيه حقيقة وفى الآخر مجاز فإن قلت: المنقول حقيقة فى معنييه وليس من المشترك لفظًا ولا معنى قلت: إن لم يكن النقل لمناسبة فهو من المشترك اللفظى إذ هو موضوع لهما على السوية، وإن كان لمناسبة فهو حقيقة فى المعنى الأول مجاز فى الثانى بحسب
[ ١ / ٤٨٢ ]
اللغة، وحقيقة فيه ومجاز فى الأول بحسب العرف ولاندراجه تحتهما لم يتعرض له المصنف فى التقسيم السابق لا يقال: على تقدير وضعه لأمر مشترك بينهما لا يكون حقيقة فى شئ منهما؛ لأن إطلاق العام على الخاص على تقدير الجواز من أقسام المجاز؛ لأنا نقول: إذا أطلق العام وأريد الخاص من حيث خصوصه كان مجازًا، وأما إن أطلق عليه باعتبار عمومه أى باعتبار ما فيه من معنى العام وتستفاد الخصوصية من القرائن حالية أو مقالية فهو حقيقة لم يطلق إلا على معناه، وكذلك إذا حمل العام على الخاص بحسب معناه كان حقيقة أيضًا كقولك: الإنسان حيوان.
قوله: (وهو) أى كونه موضوعًا لأمر عام مشترك بينهما (معنى التواطؤ) يعنى الاشتراك المعنوى كما سيأتى.
قوله: (وأما الثانية) أى المقدمة الثانية وهى بطلان اللازم.
قوله: (فليس أمرًا واحدًا فيهما) لأن ذات الواجب تعالى مخالفة لسائر الذوات بالحقيقة وإن كان المسمى صفة فهو واجب فى القديم تعالى ممكن فى الحوادث.
قوله: (وأنه محال) لأن الوجوب بالذات والإمكان من لوازم الماهيات وهما متنافيان وتنافى اللزوم ملزوم لتنافى الملزومات فيلزم منافاة الشئ لنفسه، والجواب: إن أريد بوجوب الصفة فى القديم أن تلك الصفة واجبة بذاتها فهو ممنوع كيف والوجوب الذاتى ينافى الصفة لاحتياجها إلى الموصوف؟ وإن أريد أن تلك الصفة واجبة لذات القديم سبحانه بمعنى: أن ذاته تقتضيها اقتضاء تامًا فهو صحيح، وعلى هذا فإمكانها فى الحادث أن ذاته لا تقتضيها كذلك ولا استحالة فى كون الصفة الممكنة فى نفسها الواحدة بالحقيقة ثابتة لذاتين تقتضيها إحدهما دون الأخرى، فظهر أن الاختلاف فى الوجوب والإمكان لا يمنع التواطؤ أى الاشتراك المعنوى لا حققناه من أن الوجوب والإمكان راجعان إلى ذاتى القديم والحادث فاللازم حينئذ اختلاف الذاتين لا الصفة والقول بأن رجوعهما إلى الصفة يستلزم كون إحدى الصفتين مخالفة للأخرى فى الحقيقة ولا يمنع ذلك من اشتراكهما فى أمر عام بوضع اللفظ بإزائه كالسواد والبياض المشتركين فى معنى اللون باطل لأنا ننقل الكلام إلى ذلك الأمر العام المسمى بالوجود فإنه واجب فى القديم ممكن فى الحادث.
[ ١ / ٤٨٣ ]
قوله: (كالعالم والمتكلم فإنهما فى القديم واجبان) لاقتضاء ذاته إياهما (وفى الحادث ممكنان) لعدم اقتضاء ذاته لهما (مع أنهما) أى العالم فى القديم والعالم فى الحادث مشتركان فى معنى قطعًا وإن كانا ممتازين بحسب الخصوصيات، ولفظ العالم إنما هو موضوع بإزاء ذلك المعنى وكذا الحال فى المتكلم، أو مع أن القديم والحادث مشتركان فى معنى باعتبار العلم والتكلم هو الذى وضع بإزائه العالم والمتكلم، وإنما أورد المثالين توضيحًا للمنع بناء على أن الاشتراك المعنوى فيهما أظهر كما أشار إليه الشارح بقوله قطعًا.
قوله: (فإن قلت: لِمَ ألزم) يعنى أن اللازم من انتفاء الاشتراك اللفظى هو الاشتراك المعنوى المنقسم إلى التواطؤ والتشكيك فلا يستلزم شيئًا منهما فلِمَ ألزم المصنف من الاشتراك المعنوى اللازم لانتفاء الاشتراك اللفظى (التواطؤ والتشكيك محتمل) فقوله: معنًى منون: تمييز للاشتراك والتواطؤ منصوب على أنه مفعول ألزم، ولحتمل احتمالًا بعيدًا أن يضاف معنى إلى التواطؤ ويقدر الكلام هكذا: لم ألزم من عدم الاشتراك أى لفظًا فإنه المتجادر عند الإطلاق معنى التواطؤ.
قوله: (واعترض أن ذلك) التفاوت الذى بين أفراد المشكك (إن كان مأخوذًا فى الماهية) يعنى فى معنى المشكك (فلا اشتراك) معنويًا هناك ضرورة أن البياض المأخوذ مع خصوصية الشدة مثلًا معنى، والمأخوذ مع خصوصية الضعف معنى آخر، والفرض أن تلك الخصوصيات داخلة فى مسمى لفظ البياض فيكون مشتركًا لفظيًا لا معنويًا، وإن لم يكن التفاوت مأخوذًا فى مسمى المشكك بل يكون مسماه مثلًا مطلق البياض المشترك بين أفراده فلا تفاوت فى مسمى المشكك لتساويه فيها فيكون متواطئًا فلا تشكيك أصلًا، والجواب: أن التفاوت مأخوذ فى ماهية ما صدق عليه ذلك أى مسمى المشكك من أفراده دون ماهية مسماه فلا يلزم التواطؤ لاعتبار التفاوت فى الأفراد ولا الاشتراك لعدم اعتباره فى ماهية المسمى، والحاصل أن التفاوت إنما هو فى الإيراد لا مطلقًا بل باعتبار حصوله فيها وصدقه عليها فالمعنى الواحد إذا كان حاصلًا فى أفراد صادقًا عليها فإما أن تختلف تلك الأفراد فى حصوله فيها وصدقه عليها أو لا فالأول هو المشكك والثانى هو المتواطئ، وعلى هذا فقوله: إذا لم يكن التفاوت مأخوذًا فى المسمى فلا تفاوت إن أراد به أن لا تفاوت فى المسمى من حيث هو فمسلم لكن لا يستلزم ذلك التواطؤ لجواز
[ ١ / ٤٨٤ ]
الاختلاف والتفاوت فيه بالقياس إلى الأفراد، وإن أراد أنه لا تفاوت أصلًا فممنوع لجواز التفاوت باعتبار الصدق عليها وبهذا القدر يتم الكلام، وأما إن المراد بما صدق عليه هل هو الحصص التى هى أفراد اعتبارية له أو الأفراد الحقيقية وأن مسمى المشكك هل يجوز أن يكون ذاتيًا لماهية الأفراد الحقيقية أو لا؟ وأن وجوه التفاوت داخلة فى ماهية الأفراد أو الحصص أو فى هوية إحداهما وأن التشكيك ينحصر بالاستقراء فى ثلاثة أقسام فما لا يتوقف عليه المرام مع احتياجه إلى تعمق فى الأنظار وتطويل فى الكلام.
قوله: (وإما لأنه توسع فى تسمية الشئ) أى: الاشتراك المعنوى بأحد قسميه الذى هو التواطؤ إطلاقًا للخاص على العام وأيًا كان فالمراد بالتواطؤ الاشتراك معنى.
قوله: (وما يظن به ذلك) أى الاشتراك لفظًا فإما حقيقة ومجاز بأن يكون موضوعًا لأحدهما واستعمل فى الآخر للمناسبة وكثر ذلك فيهما فاشتبه المعنى الحقيقى بالمجازى فظن أنه مشترك بينهما، وإما متواطئ لكونه موضوعًا للقدر المشترك فاستعمل فيهما باعتباره فظن الاشتراك بينهما.
قوله: (كما ترى) أى فى الألفاظ المشتركة المستعملة مع القرائن الحالية أو المقالية التى يفهم منها المقصود تفصيلًا.
قوله: (بدليل أسماء الأجناس) فإنها لا تدل على تفاصيل ما تحتها ولا يقصد بأنفسها ذلك بل يفهم أمر مجمل سواء قيل: إنها موضوعة للحقائق بقيد الوحدة أو لها من حيث هى لكنها تطلق على فرد منها باعتبار اشتماله عليها.
قوله: (بل قد يقصد التعريف الإجمالى) إما لأن العلم قد تعلق بمجمل، وإما لأن التفصيل يلزمه محذور.
قوله: (بحسب الظاهر عنده) يعنى أن اللفظ الموضوع على البدل للمفسر من غير توضيح يصدق على اللفظ باعتبار المعنيين اللذين وقع الترديد بينهما بالنسبة إلى الوضع بأن يقال: اللفظ إما أن يكون موضوعًا لهذا أو لذاك وكذا الاستعمال فإن الحاصل من هذا الترديد أن اللفظ إن لم يكن موضوعًا لهذا كان موضوعًا لذاك وإن لم يكن موضوعًا لذاك كان موضوعًا لهذا فوقع كل واحد منهما بدلًا عن
[ ١ / ٤٨٥ ]
الآخر فصدق على هذا اللفظ أنه موضوع لهذين المعنيين على البدل أى إذا اندفع نسبة الوضع إلى أحدهما وجد نسبته إلى الآخر وهذا الحكم بالنظر إلى الظاهر هو الترديد الكائن عند المشكك وإذا قطع النظر عن هذا الظاهر ولوحظ حال اللفظ بحسب نفس الأمر لم يكن ذلك اللفظ موضوعًا إلا لأحدهما.
قوله: (يلزم أن يكون مشتركًا) بحسب الاتفاق على امتناع اجتماع الانفراد والاشتراك فى لفظ واحد بالاعتبارين وإلا يجوز التزام ما ذكره فإن اللفظ المنفرد إن اعتبر فيه اتحاد ما وضع له فاللفظ منفرد باعتبار مشترك وإن اعتبر فيه اتحاد ما استعمل فيه فلا يرد شئ.
قوله: (هى أكثر المسميات) لا يرد على هذه الإضافة أى إضافة الأكثر إلى المسميات ما ذكره الفاضل التفتازانى حيث قال: لو أضيف الأكثر إلى غير المتناهى قيل أكثر المسميات على ما هو عبارة المتن لم يصح لأن معناه ما فوق النصف ولا نصف لغير المتناهى وذلك لأن لفظ الأكثر الذى هو اسم مأخوذ من الكثرة التى هى الفرد ليس معناه إلا الزيادة بحسب الكثرة والعدد ولا يعتبر فيه أمر زائد هو الزيادة على النصف وما الدليل على ذلك واستلزم الزيادة بحسب العدد لكون الأكثر ما فوق النصف فى بعض الصور لا يوجب اعتباره فى الكل وإذا لم يعتبر النصف فى الأكثر تصير الإضافة صحيحة فمعنى قوله: المعانى الباقية أكثر المسميات أن البعض الذى هو المعانى الباقية عددها زائد على البعض الآخر ولا فساد.
قوله: (لعدم تناهى الباقية) فلا تثبت مناسبة عددية يحصل بها الضبط والتعيين مثل النصفية والثلثية وغير ذلك وانتفاء النسبة على هذا الوجه يستلزم عدم التناهى فقوله: بل لا نسبة لها يكون واقعًا موقعه.
قوله: (لكن لا يحتاج إلى التعبير إلا عما نعقله) بناء على أن المعانى المعقولة مضبوطة للواضع معلومة له فإذا وضع بإزائها الألفاظ حصل الاستغناء عن الألفاظ الواقعة بإزاء المعانى الآخر.
قوله: (ضرورة انحصار إطلاق اللفظ حقيقة على معنيين فى الاشتراك اللفظى والمعنوى) يرد عليه الألفاظ التى ليس لها أوضاع شخصية مثل الضمائر وأسماء الإشارة فإن لفظة "هذا" مثلًا تطلق على معانٍ كثيرة بطريق الحقيقة موضوعة لخصوصية كل واحد من المشار إليه وليس فيه اشتراك معنوى إذ ليس هذا اللفظ
[ ١ / ٤٨٦ ]
موضوعًا بإزاء مفهوم كلى صادق على أفراد ما يشار إليه وليس فيه اشتراك لفظى أيضًا إذ ليس له أوضاع متعددة قيل لا يشترط فى الاشتراك اللفظى تعدد الوضع بل شرط فيه تعدد الموضوع له ولا يتعدد ذلك من تعريفهم المشترك.
قوله: (مخالفة لسائر الذوات بالحقيقة) يعنى أن الشارح أراد بقوله: فلأن الوجود إن كان هذا الذات أنه إن كان موضوعًا للذات والحقيقة المشتركة بين الفردين المستقلين القائمين بنفسهما لا الذات الموجود الخارجى وكذا فى جانب الصفة أى وإن كان حقيقة مشتركة بين الفردين الحالين فى القديم والحادث لزم أن تكون تلك الحقيقة واجبة بالذات وممكنة لأن الوجوب بالذات والإمكان من لوازم الماهيات.
قوله: (يعنى أنه يقتضيها اقتضاء تامًا) يمكن أن يقال: إن أريد بالاقتضاء التام أن وجود ما يقتضى المقتضى لا يتوقف على شئ مغاير لذات المقتضى فهو ممنوع فى الصفة المندرجة تحت المسمى بالوجود فى جانب الواجب تعالى لتوقف تلك الصفة على الإمكان الذاتى فيها وعلى الإيجاد من جانب الفاعل وإن أريد أن الصفة يستوعبها الموصوف بحيث يستحيل الانفكاك فهو لا يجب أن لا يكون بالنسبة إلى الصفة القائمة بالحادث وذلك ظاهر فلا يصح قول المعلل وإن كان صفة فهو واجب فى القديم ممكن فى الحادث فالأولى أن يفسر الواجب بما يفسره غيره وهو ما يجوز زواله فصار قول المعلل صحيحًا من هذا الوجه.
قوله: (لأنا ننقل الكلام إلى ذلك الأمر العام) فيه بحث لأن الوجوب والإمكان إذا كانا راجعين إلى الصفة ويستلزم أن يكون فردان من الصفة متخالفين فى الماهية لا يمتنع أن يكون هنا لفظ الموجود موضوعًا بإزاء مفهوم عام عارض لهذين الفردين إذ لا فساد فى أن ذلك الأمر العام واجب فى القديم ممكن فى الحادث ولما لم يكن الأمر الواحد الذى وضع لفظ الموجود بإزائه ذاتيًا لهذين الفردين لم يلزم من كون ذلك المعنى واحدًا مشتركًا بين هذين الفردين أن يجتمع الوجوب والإمكان فى شئ واحد حتى يلزم منافاة الشئ لنفسه.
قوله: (وأيًا ما كان فالمراد بالتواطؤ الاشتراك) بمعنى إذا كان هناك نسبة الشئ بأحد قسميه فإرادة الاشتراك معنى من التواطئ ظاهر وإذا قيل: كل ما هو مشترك معنى فهو من المتواطئ لانتفاء التشكيك لا يظهر ذلك التواطؤ وإرادة مفهوم الاشتراك معنى.
[ ١ / ٤٨٧ ]
الشارح: (وهو معنى الاشتراك) وما قيل فى دفعه جاز كونه لمعنى واحد مشترك بين الحيض والطهر أو كونه حقيقة فى أحدهما مجازًا فى الآخر وكذا كل ما ظن أنه من المشترك اللفظى ويترجح الأول لأن الحقيقة أولى من المجاز مدفوع بأنه لا قدر مشترك بين الحيض والطهر وما قيل: هو الجمع لأنه من قرأت الماء فى الحوض إذا جمعته فيه والدم يجتمع فى زمن الحيض الرحم وفى زمن الطهر فى الجسد لا يخفى ما فيه وكذا كونه الشئ أو الموجود بعيد جدًا ويقتضى أن نحو الإنسان والفرس والقعود وما لا يحصى من أفراد القرء وهو باطل قطعًا وكونه حقيقة فى أحدهما مجازًا فى الآخر واشتهر المجاز بحيث يساوى الحقيقة فى التبادر نادر لا نسبة له بقابله فأظهر الاحتمالات كونه موضوعًا لكل من الحيض والطهر على البدل.
الشارح: (احتراز عن المنفرد) أى بجميع أحواله سواء كان مقطوعًا بمعناه أو مشكوكًا فيه وأما كون اللفظ للمعنيين فلا يخرجه بجميع أحواله فلذا جعل إخراجه بقوله معًا.
الشارح: (بضم بعضها إلى بعض) متعلق بقوله لتركبها.
الشارح: (هى المعانى المختلفة والمتضادة ولا نسلم. . . إلخ) يرد عليه أن مراتب الأعداد أنواع متخالفة وهى غير متناهية إلا أن يقال إن ما وجد منها متناه وإن كانت لا تقف عند حد.
الشارح: (إن كان هو الذات) أى بناء على رأى الشيخ الأشعرى من أن وجود الشئ عينه وعليه يكون لفظ الوجود مشتركًا اشتراكًا لفظيًا.
التفتازانى: (لتعين القائل) أى بكونه القائل بالنفى أو الإثبات كما فى مسألة المشترك التى نحن فيها فإن القولين فيها الوقوع وعدمه فلذا قال: قالوا: لو وضعت. . . إلخ.
التفتازانى: (إلى أنه احتراز عن المشترك معنى) أى فإنه باعتبار حمله على أفراده بطريق الحقيقة يصدق عليه أنه موضوع لأكثر من معنى واحد لكن ليس لذلك معًا باعتبار القدر المشترك.
التفتازانى: (لأن عدم التناهى لا ينافى نسبة الأكثرية. . . إلخ) أى وحينئذ فقول
[ ١ / ٤٨٨ ]
الشارح: بل لا نسبة. . . إلخ. غير صحيح ورده السيد بأن أل للعهد والمعهود هو أكثر المسميات وعلى مقتضى ما ذكره السعد من أن ذلك يفيد أن الأكثر ما فوق النصف يكون الإضراب صحيحًا.
التفتازانى: (لأن معناه ما فوق النصف. . . إلخ) رد ذلك الهروى بأن الأكثر معناه الزيادة بحسب الكثرة والعدد ولا يعتبر فيه أمر زائد هو الزيادة على النصف ولا دليل على ذلك وإن كان يستعمل فى بعض الصور لما فوق النصف.
التفتازانى: (ليس على ما ينبغى) درج على أن ضمير لذاته راجع للواحد الحقيقى الذى هو الصفة وإنما كان ذلك على ما لا ينبغى لأن الصفة ليست واجبة لذاتها، وقوله: إن أريد الواحد بالحقيقة أى ولو جعلنا الضمير فى لذاته ليس راجعًا للواحد الحقيقى بل لوصوفه وهو الذات.
التفتازانى: (فالملازمة ممنوعة) سلم السيد الملازمة ومنع بطلان التالى حيث قال: ولا استحالة فى كون الصفة الممكنة. . . إلخ. عند إرادة ذات الموصوف لا ذات الواحد الحقيقى سواء كان المراد بالواحد الحقيقى النوع والحقيقة الواحدة أو المفهوم الصادق بالعارض والذاتى الذى ليس تمام الحقيقة خلافًا للسعد فإنه يبطل الملازمة عند إرادة النوع الحقيقى مع إرادة ذات الموصوف ويبطل اللازم إذا أريد المفهوم الصادق.
قوله: (كون اللفظ لمعنيين) أى المأخوذ من قوله على أن القرء للطهر والحيض.
قوله: (قلت لما دار وضعه. . . إلخ) دفع بذلك ما ذكره السعد من أنه لا افتقار إليه فى الاحتراز ومحصل الدفع أن الاحتراز به احتياطى.
قوله: (كما فى الحقيقة والمجاز) أى فإن الاستعمال شرط فى تحقق الحقيقة والمجاز.
قوله: (يلزم أن يكون مشتركًا) أى وليس كذلك للاتفاق على امتناع اجتماع الانفراد والاشتراك فى لفظ واحد بالاعتبارين.
قوله: (يريد المعانى. . . إلخ) أول بذلك لأنه لا معنى لكونها مسميات عند فرض خلوها عن الأسماء.
قوله: (بل لو ادعى ذلك فى جميع اللغات لم يبعد) لا معنى لهذا الإضراب بعد قوله بل أية لغة فرضت متناهية قطعًا إلا إذا كان المراد مجموع اللغات ومع ذلك لا
[ ١ / ٤٨٩ ]
حاجة إليه.
قوله: (ولذلك لم يؤنثه) إذ لولا ذلك لوجبت المطابقة قال ابن مالك: وتلو ال طبق، وقوله: هكذا قيل يحتمل التبرى إشارة إلى أنه ليس بلازم أن يراد بالأكثر عند إضافته إلى المسميات التى لا تتناهى ما فوق النصف بل العدد الزائد وحينئذ فقول الشارح بل لا نسبة غير صحيح والتحقيق أنه إذا أريد النسبة العددية فالإضراب صحيح لأنها لا تكون فيما لا يعلم، وقوله: من اشتراك اللفظ بين معان متناهية إنما قيد بالمتناهية لضرورة أنه لا يتأتى الوضع لغير المتعقل وهو لا يكون إلا متناهيًا، وقوله: إن المركب من أمور متناهية العدة هى المعانى.
قوله: (كالإنسانية للإنسان) أى لأفراده.
قوله: (لجواز عدم تناهى الصور. . . إلخ) رده صاحب التحرير بأن الإخراج للصوت بضغط فى محال متناهية على أنحاء متناهية قال شارحه: أى الإخراج للصوت على وجه يحصل الحروف التى هى مادة الألفاظ يكون بضغط أى زحمة وشدة للصوت فى محال من الصدر والحلق وغيرهما متناهية على أنحاء أى أنواع من الكيفيات له متناهية فكيف لا تكون الألفاظ المركبة منها متناهية وهى هى.
قوله: (وأما لعدم صحة سلب الوجود عن شئ منهما) أى وهو علامة الحقيقة.
قوله: (ضرورة انحصار إطلاق اللفظ على معنيين فى الاشتراك اللفظى والمعنوى) اعترض بما وضع لأمور كثيرة وضعًا عامًا لموضوع له خاص كأسماء الإشارة والضمائر فإن لفظ هذا مثلًا يطلق على معان كثيرة بطريق الحقيقة وليس فيه اشتراك معنوى إذ ليس موضوعًا بإزاء مفهوم كلى ولا اشتراك لفظى لعدم تعدد الوضع إلا أن يقال المراد انحصار إطلاق اللفظ الذى لم يوضع وضعًا عامًا لموضوع له خاص.
قوله: (كما سيأتى) أى من أنه توسع فى تسمية الشئ باسم أحد قسميه أو أنه مبنى على نفى المشكك.
قوله: (بمعنى أن ذاته تقتضيها اقتضاءً تامًا) هذا التفسير مذكور فى المواقف ولا مانع من أن يراد به أنه لا يتأتى زواله فيكون موافقًا لما فسر به السعد الوجوب حيث قال أى لا يجوز زواله.
[ ١ / ٤٩٠ ]
قوله: (والقول بأن رجوعهما. . . إلخ) أى كما يؤخذ من السعد، وقوله: لأنا نقول. . . إلخ. يرد بأن اتصاف المفهوم بالوجوب والإمكان باعتبار أفراده المختلفة الحقائق المندرجة تحته.
قوله: (فى ماهية ما صدق عليه) أى فى الأنواع الداخلة تحته فكل نوع ماهية أخذ فيها ذلك التفاوت والجميع أفراد للمشكك الذى هو الجنس الذى وضع اللفظ بإزائه.
قوله: (بل باعتبار حصوله فيها وصدقه عليها) ولذا فرق القرافى بين المتواطئ والمشكك بأن التفاوت إن كان بأمور من جنس المسمى فمشكك وإلا فتواطئ الأول كالبياض فإن أفراده تفاوتت باعتبار حصوله فيها وصدقه عليها والثانى كالإنسان فإن أفراده تفاوتت بالذكورة والأنوثة وهى ليست من جنس المسمى.
قوله: (وكثر ذلك فأشبه. . . إلخ) تقدم أن ذلك نادر بعيد لا يلتفت إليه.
قوله: (وأما متواطئ لكونه موضوعًا للقدر المشترك. . . إلخ) تقدم أنه لا يظهر فى مثل القرء للطهر والحيض.
[ ١ / ٤٩١ ]