قال: (والعلم قيل لا يحد فقال الإمام: لعسره، وقيل: لأنه ضرورى من وجهين أحدهما أن غير العلم لا يعلم إلا بالعلم فلو علم العلم بغيره كان دورًا، وأجيب بأن توقف تصور غير العلم على حصول العلم بغيره لا على تصوره فلا دور، وثانيهما أن كل أحد يعلم وجوده ضرورة وأجيب بأنه لا يلزم من حصول أمر تصوّره أو تقدّم تصوّره).
أقول: قد اختلفوا فى تحديد العلم فقيل لا يحد وقيل يحد؛ أما القائلون بأنه لا يحد فافترقوا فرقتين فقال الإمام والغزالى: ذلك لعسر تحديده. وإنما يعرف بالقسمة أو المثال واستبعد لأنهما إن أفادا تميزًا فيعرّف بهما وإلا فلا يعرف بهما وليس ببعيد إذ الشئ قد يعلم بتقسيم يخرجه فيجعل له اسم ويتميز عن غيره فى مثال جزئى ولا يعرف له لازم بين الثبوت لأفراده بين الانتفاء عن جميع ما عداها. ولا يصلح للتعريف لازم إلا إذا كان كذلك والعلم من هذا القبيل فإنا نعرفه باعتبار الجزم والمطابقة والموجب ونعلم أن اعتقادنا بأن الواحد نصف الاثنين كذلك ولكن لا نعلم المطابق وغيره بضابط ضرورة وإلا لم يحصل الجهل لأحد وقيل لأنه ضرورى لوجهين:
الأول: أن غير العلم لا يعلم إلا بالعلم فلو علم العلم بغيره لزم الدور لكنه معلوم فيكون لا بالغير وهو الضرورى.
والجواب: بعد تسليم كونه معلومًا أن توقف تصور غير العلم إنما هو على حصول العلم بغيره أعنى علمًا جزئيًا متعلقًا بذلك الغير لا على تصور حقيقة العلم والذى يراد حصوله بالغير إنما هو تصوّر حقيقة العلم لا حصول جزئى منه فلا دور للاختلاف.
والثانى: أن علم كل أحد بأنه موجود ضرورى أى معلوم بالضرورة وهذا علم خاص وهو مسبوق بالعلم المطلق والسابق على الضرورى ضرورى فالعلم المطلق ضرورى.
والجواب: أن الضرورى حصول العلم له وهو غير تصوّر العلم الذى هو المتنازع فيه وذلك أنه لا يلزم من حصول أمر تصوّره حتى يتبع تصوّره حصوله ولا تقدم تصوّره حتى يكون تصوّره شرطًا لحصوله وإذا كان كذلك جاز الانفكاك مطلقًا، فيتغايران فلا يلزم من كون أحدهما ضروريًا كون الآخر كذلك وسيجئ فى الخبر ما إذا عطفته إلى هذا الموضوع ينفعك.
[ ١ / ١٦١ ]
قوله: (واستبعد) قال حجة الإسلام وربما يعسر تحديد العلم على الوجه الحقيقى بعبارة محررة جامعة للجنس والفصل؛ لأن ذلك متعسر فى أكثر الأشياء بل فى أكثر المدركات الحسية كرائحة المسك فكيف فى الإدراكات؟ لكنا نقدر على شرح معنى العلم بتقسيم ومثال أما التقسيم فهو أن نميزه عما يلبس من الإدراكات فيتميز عن الظن والشك بالجزم وعن الجهل بالمطابقة وعن اعتقاد المقلد بأن الاعتقاد يبقى مع تغير المعتقد ويصير جهلًا بخلاف العلم وبعد هذا التقسيم والتمييز يكاد يرتسم العلم فى النفس بحقيقته ومعناه، وأما المثال فهو أن إدراك البصيرة شبيه بإدراك الباصرة فكما أنه لا معنى للإبصار إلا انطباع صورة المبصر أى مثاله المطابق فى القوة الباصرة كانطباع الصورة فى المرآة كذلك العلم عبارة عن انطباع صور المعقولات فى العقل فالنفس بمنزلة حديد المرآة وغريزتها التى بها تتهيأ لقبول الصور أعنى العقل بمنزلة صفاء المرآة واستنارتها وحصول الصورة فى مرآة العقل هو العلم فالتقسيم المذكور يقطع العلم عن مظان الاشتباه، وهذا المثال يفهمك حقيقة العلم، هذا ملخص كلامه فى المستصفى وبه يتبين أن مراده عسر تحديده بالحد الحقيقى لا بما يفيد امتيازه وأن ليس مراده بالمثال جزئيًا من جزئياته كما فى اعتقادنا أن الواحد نصف الاثنين على ما فهمه الشارح.
قوله: (يخرجه) أى يخرج التقسيم ذلك الشئ كما يقال الاعتقاد إما أن يكون مطابقًا أو لا والمطابق إما أن يكون جازمًا أو لا والجازم إما أن يكون ثابتًا أو لا، فهذا التقسيم قد أخرج لنا اعتقادًا جازمًا مطابقًا ثابتًا فسميناه العلم.
قوله: (ولا يصلح للتعريف) فيه بحث لأن المعتبر فى الرسم هو كون اللازم مختصًا بالماهية شاملًا لأفرادها منتفيًا عما عداها، وأما كون اللازم كذلك بينا فلا إذ لا يشترط العلم بالاختصاص فضلًا عن كونه بينًا، وما يقال إن التعريف لا يكون إلا باللازم البين فمعناه أن يكون بحيث يحصل منه الانتقال إلى الملزوم البتة.
قوله: (وإلا لم يحصل الجهل لأحد) يعنى لو كنا نعلم بضابط كلى يفيد أن أى اعتقاد مطابق وأيه غير مطابق لم يكن شئ من اعتقاداتنا جهلًا، لعلمنا حينئذ بأنه هل هو مطابق أم لا باعتبار ذلك الضابط.
قوله: (الأول) حاصله أن تصور العلم لو كان كسبيًا لتوقف تصور حقيقة العلم
[ ١ / ١٦٢ ]
على تصور الغير لكن تصور الغير موقوف على العلم فيدور والجواب منع لزوم الدور، وإنما يلزم لو توقف تصور الغير على تصور حقيقة العلم وليس كذلك بل على حصول فرد من أفراد العلم متعلق بذلك الغير، وعلى العبارة مؤاخذة وإن كان كلامًا على السند وهو أن تصور الغير ليس نفس حصول العلم به فكيف يتوقف عليه، وغاية ما تكلف الشارح العلامة أن تصور الشئ أخص من العلم به ضرورة تقيده بعدم الحكم فيتوقف عليه ولا يخفى ضعفه.
قوله: (أى معلوم بالضرورة) هذا التفسير للضرورى إنما يكون حيث يقع صفة لمتعلق العلم، وأما إذا وقع صفة للعلم فلا يفهم منه سوى أنه حاصل بغير نظر واكتساب سلمنا لكنه لا يطابق المتن وهو أن كل أحد يعلم وجوده ضرورة إلا إذا حمل على أنه يعلم العلم بوجوده ولا يخفى بعده سلمنا، لكن هذا التفسير يدفع الجواب على الوجه المذكور بيان ذلك أنهم استدلوا بأن علم كل أحد بوجوده ضرورى أى حاصل بلا نظر وهو علم خاص فيكون المطلق ضروريًا وأجيب بأن الضرورى هو علمه بوجوده لا تصور علمه وحصول العلم بالشئ ضرورة لا يوجب تصور العلم فضلًا عن بداهته فدفع بأن كونه عالمًا بوجوده ضرورى أى معلوم بالضرورة بمعنى أن تصديقه بأنه عالم بوجوده ضرورى والعلم أحد تصورات هذا التصديق فيكون تصوره ضروريًا، وأجيب بأن التصديق الضرورى هو الذى لا يتوقف بعد تصورات الأجزاء على نظر وكسب فهو لا يستلزم بداهة الأجزاء فدفع بأن هذا التصديق ضرورى بجميع أجزائه بمعنى أنه لا يتوقف على كسب ونظر أصلًا لا فى نفس الحكم ولا فى أطرافه ضرورة حصوله لمن لا يتأتى منه النظر والاستدلال، فعلى هذا لا يتوجه فى الجواب أن تصور العلم ليس بضرورى بل إن التصديق إنما يتوقف على تصورات الأطراف بوجه والكلام فى تصور حقيقة العلم.
قوله: (الضرورى حصول العلم له) فإن قيل الضرورى والمكتسب من صفات العلم خاصة فما معنى كون العلم ضروريًا قلنا المراد أن تصور وجوده أو تصديقه بأنه موجود ضرورى.
قوله: (وهو غير تصور العلم) فإن قيل العلم من صفات النفس فحصوله فى النفس تصوره قلنا تصور الشئ وجوده فى النفس وجودًا غير متأصل، بمعنى أن
[ ١ / ١٦٣ ]
يرتسم فى النفس مثال مطابق له وحصول العلم بالشئ فى النفس وجوده فيها وجودًا متأصلًا كالكرم والبخل والإيمان والكفر وهذا يوجب الاتصاف لا التصور والأول بالعكس فالكافر يتصور الإيمان ولا يتصف به ويتصف بالكفر ولا يتصوره.
قوله: (وذلك أنه لا يلزم) آثر فى تقرير هذا الجواب بعض التطويل ليبين فائدة قوله أو تقدم تصوره بصيغة المصدر عطفًا على تصوره فأثبت التغاير بين حصول العلم وتصوره بمعنى جواز الانفكاك مطلقًا أى من الجانبين؛ لأن هذا غاية التغاير إذ قد يفسر بأن المفهوم من هذا ليس هو المفهوم من الآخر وقد يفسر بجواز الانفكاك فقيل يكفى من جانب وقيل بل من الجانبين ومبناه على أن تصور الشئ بدون حصوله نفسه ظاهر فالحاصل أن تصور العلم بعدما أنه ليس نفس حصول العلم ليس لازمًا له لاحقًا ولا شرطًا له سابقًا فلا يلزم من بداهته بداهته، والعجب أنه جعل تقدم التصور على حصوله فى بحث الخبر دليل الانفكاك والتغاير حيث قال: لا يلزم من حصول أمر تصوره إذ قد يحصل ولا يتصور وقد يتقدم تصور حصوله فيتصور وهو غير حاصل؛ وذلك لأنه قال فى المتن يجوز أن يحصل ضرورة ولا يتصوره أو يتقدم تصوره بصيغة المضارع وفى بعض النسخ أو تقدم تصوره بصيغة الماضى وههنا أيضًا كذلك فى كثير من النسخ عطفًا على: لا يلزم أى يقدم تصوّره على حصوله فينفك عنه فيغايره، والحاصل أن تقدم التصور قد يوجد مع الانقضاء فيكون دليل الانفكاك وقد يوجد مع البقاء فيكون دليل عدم الانفكاك قيل: وإنما عدل ههنا عن صيغة الماضى لأنه لو تقدم تصور العلم على حصوله يلزم بداهة تصور العلم لأن حصول العلم لكل أحد بوجوده ضرورى بمعنى أنه لا يتوقف على كسب أصلًا؛ إذ لا يخلو عنه البله والصبيان والسابق على البديهى أولى أن يكون بديهيًا والجواب أن المراد جواز التقدم فى الجملة لا لزومه على أن مثله فى الخبر آت أيضًا.
قوله: (وسيجئ فى الخبر) يجوز أن يكون إشارة إلى احتمال أن يكون تقدم تصوره بلفظ الماضى وأن يكون إشارة إلى ما ورد من أن البداهة تنافى الاستدلال وأجاب بأن العلم البديهى بالشئ مغاير للعلم بأن ذلك العلم بديهى ولا يلزم من بداهة الأول بداهة الثانى. واعلم أن لهذا الدليل تقريرًا آخر وهو أنه لو كان مطلق
[ ١ / ١٦٤ ]
العلم كسبيًا لكان كل علم كسبيًا ضرورة أن كسبية الجزء تستلزم كسبية الكل، واللازم باطل ضرورة كثرة التصورات والتصديقات البديهية وتقرير الجواب أن كسبية مطلق العلم لا تستلزم إلا كسبية تصور كل علم وهو لا ينافى حصول بعض العلوم من التصورات والتصديقات بلا كسب كما أن حصول الشئ ليس نفس تصوره ولا مشروطًا بتصوره.
قوله: (وإنما يعرف) أى: العلم على صيغة المجهول من المعرفة وكذلك قوله: وإلا فلا يعرف وأما قوله: فيعرف بهما، فمن التعريف والمذكور فى المستصفى أنه ربما يعسر تحديده على الوجه الحقيقى بعبارة محررة جامعة للجنس والفصل الذاتيين فإن ذلك عسير فى أكثر الأشياء بل فى أكثر المدركات الحسية كرائحة المسك وطعم العسل، وإذا عجزنا عن حد المدركات فنحن عن تحديد الإدراكات أعجز ولكنا نقدر على شرح معنى العلم بتقسيم ومثال، فقد صرح بأن المتعسر هو الحد الحقيقى لا الرسمى وأنه ليس مختصًا به لصعوبة الامتياز بين الذاتيات والعرضيات وعلى هذا فاستبعاد الآمدى فى غاية السقوط لأن ثبوت الحد الرسمى وسهولته لا ينافى عسر الحد الحقيقى ذكر فى الأحكام أنهما قالا: لا سبيل إلى تحديده، وطريق تعريفه إنما هو القسمة والمثال وهو غير سديد فإن القسمة إن لم تكن مفيدة لتميزه عما سواه فليست بمعرفة له وإن كانت مميزة له عما سواه فلا معنى للتحديد بالرسم سوى هذا وحاصله أنهما نفيا عنه التحديد وأثبتا له التعريف بوجه مخصوص، فاعترض بأن ذلك الوجه إن لم يفد تميزًا لم يكن تعريفًا، وإن أفاده صار رسميًا والشارح بنى الكلام على أنهما نفيا عنه التعريف مطلقًا وأثبتا له طريق معرفته ووجه اعتراضه بأن الطريق المذكور إن أفاد تميزًا كان تعريفًا وإلا لم يكن طريقًا إلى معرفته وأجاب عنه بأن إفادته للتميز لا تستلزم كونه صالحًا للتعريف، فإن الشئ قد يعلم بتقسيم يخرجه بأن يؤخذ مقسم شامل له ذاتيًا أو عرضيًا ويميز بعضه عن بعض بأمور متمايزة ويكون أحد أقسامه ذلك الشئ فيعرف باعتبار الشامل والمميز ويجعل له اسم وقد يتميز أيضا عن غيره فى مثال جزئى، ولا يعرف لذلك الشئ على تقديرى إخراجه بالقسمة وامتيازه بالمثال لازم بين الثبوت له فى جميع أفراده وبين الانتفاء عما عداها (ولا يصلح للتعريف لازم إلا إذا كان كذلك) فقد جاز أن
[ ١ / ١٦٥ ]
يكون شئ طريقًا إلى معرفة شئ آخر، ولا يكون معرفًا له لانتفاء شرائطه، وهذا الجواب يخالف ما هو المشهور من أن القسمة الحقيقية لانطوائها على المشترك وما به تمايز أقسامه تشتمل على تعريفاتها، وأن المثال مآله إلى تعريف رسمى وأن المعتبر فى اللازم اختصاصه وشموله لا العلم بذلك نعم لا بد من كونه بحيث ينتقل الذهن منه إلى الملزوم وإن لم يكن معرفًا له ولا طريقًا إلى معرفته إلا أن الانتقال إذ لم يكن على وجه الاكتساب كان موصلًا إلى معرفته ولم يكن معرفًا له كما فى الانتقال عن تصورات الماهيات إلى لوازمها البينة لكنه خلاف ظاهر الحال فى القسمة والمثال.
قوله: (والعلم من هذا القبيل) أى مما يعلم بتقسيم يخرجه ويميزه عن غيره فى مثال جزئى ولم يعرف له لازم كذلك؛ لأن التباسه إنما هو بالإدراكات لا بغيرها من الصفات النفسية، ونحن نعرفه باعتبار الجزم الذى به يمتاز عن الشك والظن وبالمطابقة التى بها يتميز عن الجهل المركب، وبالموجب الذى يميزه عن تقليد المصيب فإذا قسمنا الاعتقاد المرادف للتصديق بملاحظة هذه الصفات خرج العلم بالمعنى الأخص (و) كذلك (نعلم أن اعتقادنا أن الواحد نصف الاثنين كذلك) أى مستجمع لهذه الأوصاف وعلم وليس غيره فقد تميز لنا بذلك المعنى فى هذا المثال ولا نعلم له فى شئ من الحالين لازمًا صالحًا لتعريفه به؛ إذ ليس مجموع هذه الأمور لازمًا بينًا كما ذكر (لأنا لا نعلم المطابق وغيره) من الصفات أو غير المطابق (بضابط ضرورة) أى: علمًا ضروريًا إذ لو علم الكل على هذا الوجه لم يحصل الجهل لأحد من العقلاء لتميزه بذلك الضابط المطابق عن غيره تميزًا ضروريًا، فلا يحصل له اعتقاد غير مطابق إذ لا يتمكن فيه، وإنما اعتبر الضابط لظهور أن المطابقة مثلًا ليست بينة بدون مراجعة إلى ضابط، واعتبر كون العلم ضروريًا حاصلًا من الضابط على وجه التنبيه؛ إذ لو كان مكتسبًا لم يكن اللزوم بينًا ولا يخفى جريانه فى كثير من الرسومات والأمثلة. واعلم أن الغزالى أورد فى المثال تشبيه إدراك البصيرة بإدراك البصر، والأمر فى ذلك سهل.
قوله: (الأول) أقول: لو لم يكن العلم ضروريًا لكان كسبيًا، إذ لا واسطة بينهما فيتوقف على العلم بغيره مع توقفه عليه فيكون دورًا، وإنما قال: لكنه معلوم دفعًا لما يقال من كون امتناع اكتسابه لا يستلزم كونه ضروريًا لجواز امتناع
[ ١ / ١٦٦ ]
حصوله، والجواب: أنا لا نسلم كونه معلومًا بكنهه والنزاع إنما وقع فيه ولئن سلمنا فلا نسلم لزوم دور لأنه إذا كان كسبيًا كان تصوره موقوفًا على تصور غيره، وتصور غيره لا يتوقف على تصوره، فإن أكثر الناس يتصورون أشياء كثيرة ولا يتصورون حقيقة العلم وبهذا القدر انكشف الحال واندفع الإشكال وإنما زيد فى الجواب بيان ما يتوقف عليه تصور غير العلم تنبيهًا على منشأ توهم الدور فإنه يتوقف على حصول علم جزئى يتعلق بذلك الغير وعلى حصول ماهية العلم فى ضمنه، فكأنه لم يفرق بين حصوله وتصوره فإن قلت: توقف تصور غيره على حصول ماهيته أمر معقول إذ لا امتناع فى توقف حصول الخاص على حصول العام، وأما توقفه على حصول علم جزئى متعلق بذلك الغير فلا لأن توقفه من حيث الحصول فيكون حصوله متوقفًا على حصوله، لأن العلم المتعلق به هو ذلك التصور بعينه قلت: يمكن أن يحمل تصور الغير على كونه متصورًا معلومًا، ولا استحالة فى توقف كون الشئ معلومًا على حصول العلم به وقيل: العلم الجزئى المتعلق بذلك الغير أعم مفهومًا من تصوره فيرجع إلى توقف حصول الخاص على حصول العام مع أنه كلام على ما يتعلق بإيضاح المنع.
قوله: (والثانى أن علم كل أحد) الضرورى يقع صفة للعلم: بمعنى: أن حصوله لا يحتاج إلى نظر وكسب ويقع صفة للمعلوم: بمعنى أن حصول العلم به كذلك، ولما قال: إن علم كل أحد بأنه موجود ضرورى، احتمل أن يكون من القبيل الثانى أى: العلم بذلك العلم حاصل بلا اكتساب فلا يطابقه الجواب، ويخالف تقرير السؤال على ما ذكر فى متن الكتاب فلذلك فسره بقوله: أى معلوم بالضرورة يعنى: أن كونه موجودًا معلوم له بالضرورة لا أن علمه به معلوم بالضرورة على ما ظن، فالضرورى صفة للعلم فى نفسه لا باعتبار تعلق علم آخر به، وإنما حمل عليه أولًا صريحًا ثم فسره بما هو مقتضى عبارة المصنف، ثانيًا تنبيهًا على أن الضرورة هناك كذلك.
قوله: (والجواب أن الضرورى) أقول: أى المستغنى عن تجشم الاكتساب هو حصول ماهية العلم له فى ضمن هذا الجزئى الحاصل له ضرورة وهو غير تصور ماهيته الذى هو المتنازع فيه، وبيان التغاير (أنه لا يلزم من حصول أمر تصوره حتى يتبع تصوره حصوله) فإن كثيرًا من الملكات حاصلة للنفس، وليس يتبع تصورها
[ ١ / ١٦٧ ]
حصولها (ولا نقدم تصوره) أى ولا يلزم من حصول أمر تقدم تصوره (حتى يكون تصوره شرطًا لحصوله) وإذا لم يكن تصور الشئ تابعًا لحصوله لا حقًا ولا شرطًا له سابقًا (جاز الانفكاك مطلقًا) أى من الجانبين لأن عدم استلزام التصور للحصول فى غاية الظهور، أو جاز انفكاك الحصول عن التصور أى: لا يستلزمه مطلقًا لا تابعًا ولا متقدمًا (فيتغايران) قطعًا (فلا يلزم من كون أحدهما ضروريًا) غير محتاج إلى نظر (كون الآخر كذلك) فإن قيل: كل أحد يعلم بالضرورة، أنه عالم بوجوده والعلم أحد تصورات هذا التصديق البديهى مطلقًا فيكون ضروريًا، أجيب بأن اللازم من ذلك أن يكون تصور العلم بوجه ما ضروريًا وليس بمطلوب.
قوله: (وسيجئ فى الخبر ما إذا عطفته إلى هذا الموضع ينفعك) هو أنه قال المصنف: هناك فى مثل هذا الاستدلال، ورد بأنه يجوز أن يحصل ضرورى ولا نتصوره أو يتقدم تصوره أى يتصور، ولا يكون حاصلًا فبين جواز انفكاك كل من الحصول والتصور عن الآخر وعلى هذا فالمناسب هنا أن يجعل قوله: أو تقدم فعلًا ماضيًا معطوفًا على قوله: لا يلزم؛ ليظهر الانفكاك من الجانبين، لا مصدرًا معطوفًا على قوله: تصوره كما قرر أولًا ولذلك صرح فيه بـ "لا" مع الواو تنبيها على انتفاء الأمرين معا فيكون تفصيلًا لعدم استلزام الحصول للتصور إذ فيه تعسف أما أولًا فلحمل اللزوم على معنى مآله التبعية ليصح جعل المقدم قسيما للتقدم وأما ثانيا فلأن كل واحد من التبعية والتقدم يقتضى التغاير فلا يجامع الاتحاد وهذا التوجيه يوهم خلافه قيل: وما يتوهم من أن الحمل على صيغة الماضى ههنا يستلزم تقدم تصور العلم على حصوله البديهى ويلزمه أن يكون أولى بالبداهة، فجوابه: أن المراد جواز تقدم التصور على الحصول فيه وفى غيره بيانا للتغاير لا وقوع ذلك التقدم فيه على أن مثله آت فيما ذكره فى الخبر.
قوله: (والشارح بنى الكلام) يعنى أن الشارح قد وقع فى الغلط من وجهين الأول أنه حمل كلام الإمامين على غير مرادهما بأن حمل التحديد على مطلق التعريف والثانى أنه حمل كلام الآمدى على غير مراده لأن مراده فى الاعتراض أنها إذا كانت مميزة فهذا التعريف هو التحديد وهو يزعم أن الإمام سلم كونه تعريفًا ومنع كونه تحديدًا وعلى ما ذكره الشارح يكون مراده فى الاعتراض أنها إذا كانت
[ ١ / ١٦٨ ]
مميزة فهذا الطريق إلى المعرفة يكون تعريفًا فهو يزعم أن الإمام سلم كونه طريقًا إلى المعرفة ومنع كونه تعريفًا.
قوله: (فإذا قسمنا الاعتقاد) يعنى أن العلم بعد ما لم يكن التباسه إلا بإدراكات وحصل لنا العلم ببعض اعتباراته على وجه يتميز بكل اعتبار نوع من أنواع الإدراكات، ولم يكن عندنا شئ يتميز به عن كل واحد منها قسمناه بملاحظة تلك الاعتبارات فحصل لنا العلم بما هو مركب منها وحصل تميزه عن كل واحد منها وكذا الحال فى المثال إلا أن الاعتبارات المذكورة تعتبر عند التقسيم فى العلم وعند التمثيل فى المثال الذى هو الاعتقاد بأن الواحد نصف الاثنين؛ فإن قيل: ما الفائدة فى قوله وليس غيره بعد أن قال إن الاعتقاد بأن الواحد نصف الاثنين مستجمع لهذه الأوصاف وعلم؟ قلنا: لما كان المقصود من التقسيم والتمثيل فى هذا المقام هو التميز لماهية العلم عن غيرها ذكر الاعتبارات المذكورة وفي العلم والاعتقاد بها وذكر التميز فى جانب المثال وقع بقوله: وليس غيره.
قوله: (إذ لا امتناع فى توقف حصول الخاص على حصول العام) يعنى أن تصور الغير خاص وماهية العلم عام وتوقف حصول الأول على الثانى أمر معقول أى لا يأباه العقل فى بادئ الرأى إذ لا امتناع فى توقف حصول الخاص على حصول العام أى لا امتناع فى هذا الجنس من التوقف فإن هذا الحكم فى بعض أفراده صحيح وهذا القدر كاف فى هذا التقرير فلا يصح أن يقال: قد يكون العام خارجًا عن الخاص عارضًا له وقد يكون حصول الخاص عين حصول العام وماهية العلم بالنسبة إلى فرده يجوز أن تكون من قبيل أحدهما.
قوله: (على أن الضرورة هناك كذلك) لا يخفى أن عبارة المتن فيها خفاء يحتاج رفعه إلى التصريح ثم التفسير لأجل التنبيه بعبارة هى أخفى مما قصد توضيحه بها؛ فإن قوله: أى معلوم بالضرورة تفسير مذكور بعد لفظ ضرورى واقع على خبر المبتدأ هو علم كل واحد ويتبادر الذهن من ذلك إلى أن قوله ضرورى وقوله معلوم بالضرورة يكون المبتدأ فيهما واحدًا فلزم أن يكون العلم معلومًا، وما فعله من تقدير مبتدأ آخر هو كونه موجودًا وجعل التفسير تفسيرًا لمجموع الكلام خلاف الظاهر والظاهر ما ذكره غيره.
قوله: (أى المستغنى عن تجشم الاكتساب) إنما فسر بذلك لأنه قد تقرر أن
[ ١ / ١٦٩ ]
الضرورى إذا كان صفة للمعلوم معناه أن العلم به لا يحتاج إلى كسب وحصول العلم معلوم ولا يصح إرادة هذا المعنى هنا ففسر بما هو المناسب.
قوله: (جاز الانفكاك مطلقًا) أى من الجانبين فإن قلت إثبات أن التصور لا يكون تابعًا للحصول ولا متقدمًا عليه بأن يكون شرطًا له لا يقتضى جواز الانفكاك بينهما؛ لأن الاستلزام وامتناع الانفكاك بين الشيئين لا يقتضى التقدم والتأخر بينهما كالمتضايفين فامتناع التقدم والتأخر لا يحصل الانفكاك وجوازه، قلت: هذا كلام على السند الذى لا ينفع فيه المناقشة على أنه يجوز أن يقال هنا مقدمة ظاهرة تركها المجيب وهى أن التصوّر لا يستلزم الحصول وهذا الاستلزام أعم متناول للأقسام الثلاثة التى هى التقدم والتأخر والمعية وإذا انتفى استلزام التصوّر للحصول على وجه المعية يلزم انتفاء استلزام الحصول للتصوّر على ذلك الوجه قطعًا فهذه المقدمة الظاهرة المتروكة مع المقدمة المذكورة تفيد جواز الانفكاك من الجانبين.
قوله: (لأن عدم استلزام التصوّر للحصول فى غاية الظهور) لا يقال هذا القول لا يصح سالبة كلية لأن تصوّر ماهية العلم وتصور كل مفهوم كلى يستلزم حصوله فى الذهن ورفع الإيجاب الكلى لا ينفع هنا؛ لأنا نقول: حصول الماهية الذى كلامنا فيه حصول ليس مثل حصول المفهومات الكلية فى الذهن حين تصورها كيف وهذا الجنس من الحصول يستلزم التصور والتصور يستلزمه ويلزم من كون أحدهما ضروريًا كون الآخر كذلك، ويبطل الجواب بتمامه ولأجل ذلك قال المحشى الحصول قد يكون بدون التصور مثل حصول الملكات النفسانية فإن حصول ماهية العلم فى ضمن فردها من جنس هذا الحصول فإذا تصورنا الشجاعة مثلًا فلها حصول ظلى لا ينفك عن التصور ولها حصول آخر من غير نظر إلى التصور متحقق حين عدمه وحصول ماهية العلم فى ضمن فرده من قبيل الثانى لا من قبيل الأول.
الشارح: (ويتميز عن غيره) عطف على قوله: يعلم بتقسيم بيان للعلم بالمثال.
الشارح: (بعد تسليم كونه معلومًا) أى بالكنه وفيه إشارة إلى الجواب بالمنع وهو ما قاله السيد وحاصل جواب الشارح: أنا لا نسلم كونه معلومًا بكنهه والنزاع إنما وقع فيه وهذا الجواب هو الموافق لما قاله الغزالى من أن التحديد الحقيقى هو
[ ١ / ١٧٠ ]
الممتنع دون غيره، ومحصل الجواب بالمنع: أنا لا نسلم كونه معلومًا بحقيقته فلا يلزم من امتناع كونه مكتسبًا لئلا يلزم الدور كونه ضروريًا لجواز أن يكون تصوره بكنهه ممتنعًا.
الشارح: (إنما هو على حصول العلم بغيره) أى ويلزمه التوقف على حصول العلم فقوله: غير العلم إنما يعرف بالعلم ليس معناه إنما يتصور بتصور العلم، بل معناه إنما يتصور بحصول العلم وقوله: والذى يراد حصوله بالغير. . . إلخ. أى فالجهة منفكة.
التفتازانى: (وإن كان كلامًا على السند) هو قوله: بل على حصول فرد من أفراد العلم متعلق بذلك الغير، وقوله: يتوقف عليه أى توقت الخاص على العام.
التفتازانى: (ولا يخفى ضعفه) أى لأنه ليس المراد من العلم المتعلق بالغير الأمر الكلى الشامل للتصور والتصديق وإن كان مفهومه فى ذاته عامًا.
التفتازانى: (وأما إذا وقع صفة للعلم) أى كما هنا يعنى فلا يصح هذا التفسير وقوله: سلمنا أى أنه تفسير للعلم لكنه لا يطابق المتن، وقوله: ولا يخفى بعده أى لأن المتبادر أن نفس العلم بأنه موجود ضرورى لا العلم بالعلم بذلك، وقوله: لكن هذا التفسير يدفع الجواب على الوجه المذكور أى لأن حاصل الجواب أن الضرورى حصول علمه بأنه موجود لا تصور علمه بذلك وقد اعتبر على هذا التفسير العلم بالعلم فيكون الجواب مدفوعًا على هذا التفسير فلا يكون جوابًا على هذا التفسير وإنما يكون الجواب بأن التصديق إنما يتوقف على تصورات الأطراف بوجه والكلام فى تصور حقيقة العلم.
التفتازانى: (قلنا: المراد. . . إلخ) أى فليس المراد حصوله ضرورى فالظاهر غير مراد.
التفتازانى: (ومبناه) أى مبنى إثبات جواز الانفكاك من الجانبين على أن تصور الشئ. . . إلخ أى فلم يبين هذا لظهوره فلا يقال: إن انفكاك الحصول عن التصور لا يقتضى جواز الانفكاك من الجانبين.
التفتازانى: (ليس لازمًا. . . إلخ) أى فالغرض من قوله: لا يلزم من حصول أمر تصوره. . . إلخ. بيان المغايرة الكاملة.
التفتازانى: (والعجب أنه جعل. . . إلخ) أى فقد خالف هنا ما سيأتى، وقوله:
[ ١ / ١٧١ ]
لأنه قال فى المتن. . . إلخ، عبارته فى مبحث الخبر والخبر قول مخصوص للصيغة والمعنى فقيل لا يحد لعسره وقيل: لأنه ضرورى من وجهين: الأول أن كل واحد يعلم أنه موجود ضرورة فالمطلق أولى والاستدلال على أن العلم ضرورى لا ينافى كونه ضروريًا بخلاف الاستدلال على حصوله ضرورة ورد بأنه يحصل ضرورة ولا يتصور أو يتقدم تصوره وكتب الشارح على هذا الموضع ما نصه. لا يلزم من حصول أمر تصوره إذ قد يحصل ولا يتصور وقد يتقدم تصوره فيتصور وهو غير حاصل. اهـ. فقوله: ولا يتصور بالواو دون الفاء إشارة إلى أن اللزوم بمعنى عدم الانفاك، وقوله: وقد يتقدم بالواو دون "أو" إشارة إلى أن "أو" فى عبارة المصنف بمعنى الواو حتى يناسب اعتبار جواز الانفكاك من الجانبين.
التفتازانى: (وأن يكون إشارة إلى ما ورد أن البداهة تنافى الاستدلال) قال المصنف فى بحث الخبر والاستدلال على أن العلم ضرورة لا ينافى كونه ضروريًا بخلاف الاستدلال على حصوله ضرورة. اهـ. قال الشارح فى هذا الموضع: وربما يقال الاستدلال على كونه ضروريًا ينافى كونه ضروريًا لأن الضرورى لا يقبل الاستدلال ويجاب عنه بأن كون العلم ضروريًا كيفية لحصوله وأنه يقبل الاستدلال عليه والذى لا يقبله هو نفس الحصول الذى هو معروض الضرورة فإنه يمتنع أن يكون حاصلًا بالضرورة وبالاستدلال لتنافيهما.
التفتازانى: (واعلم أن لهذا الدليل تقريرًا آخر) أى فقوله: إن كل أحد يعلم وجوده ضرورة يدل على أنه ليس كسبيًا لأنه لو كان مطلق العلم كسبيًا لكان كل علم كسبيًا واللازم باطل لأن كل أحد يعلم أنه موجود ضرورة ومثله غيره من البدبهيات التصديقية والتصورات البديهية الكثيرة.
قوله: (الذاتيين) قيد بذلك احترازًا عن استعمال الجنس فى المشترك مطلقًا والفصل فى المميز مطلقًا.
قوله: (إلى تحديده وطريق تعريفه إنما هو القسمة والمثال) إن كان المراد بالتحديد مطلق التعريف الاصطلاحى الصادق بالحد والرسم وكان المراد بالتعريف فى قوله وطريق تعريفه التعريف الاصطلاحى الرسمى كان فى كلامهما تناقض والاعتراض يكون به ولا يحسن الترديد الواقع فى كلام الآمدى وإن كان المراد بالتحديد فى كلامهما التحديد الحقيقى والمراد بالتعريف التعريف الرسمى كان الاعتراض فى
[ ١ / ١٧٢ ]
غاية السقوط وإن كان المراد بالتحديد مطلق التعريف الاصطلاحى والمراد بالتعريف فى قولهما: وطريق تعريفه التعريف اللغوى وفهما أن التعريف اللغوى أعم ومعنا طريق معرفته كان هو الذى اختاره الشارح فلا معنى لقول المحشى: والشارح بنى كلامه إلخ لأنه لا فرق بينهما.
قوله: (وحاصله أنهما نفيا عنه التحديد وأثبتا له التعريف) أى ففى كلامهما تناقض بناء على أن التحديد هو التعريف الاصطلاحى مطلقًا وأن التعريف فى قوله: وطريق تعريفه المراد منه التعريف الاصطلاحى الرسمى وقوله: فاعترض أى الآمدى.
قوله: (وأثبتا له طريق معرفته) أى وهو عام يشمل التعريف الرسمى وغيره مما ليس بتعريف.
قوله: (وأجاب عنه. . . إلخ) هذا خلاف ما اختاره فى المواقف فإنه استبعد قولهما كما استبعده الآمدى غير أنه ذكر فى عبارتهما طريق معرفته لا طريق تعريفه.
قوله: (وهذا الجواب يخالف ما اشتهر. . . إلخ) أجاب عن ذلك بعضهم بأن الذى اشتهر اشتمال القسمة على تعريفات الأقسام وهو غير كون القسمة نفسها تعريفًا وفيه تأمل.
قوله: (وإن المثال مآله إلى التعريف الرسمى) أجاب بعضهم أيضًا بأن التعريف يجب أن يكون مطردًا منعكسًا ولا يحصل ذلك إلا بالخاصة المساوية للمعرف ورجوع المثال إلى التعريف الرسمى إنما هو لكونه منبأ عن الخاصة للمثل لا لخصوصه فلا ينافى ما أجاب به الشارح تأمل.
قوله: (وإن المعتبر فى اللازم. . . إلخ) أجاب بعضهم أيضًا بأن العلم بالاختصاص والشمول إجمالًا واجب حتى يكون عالمًا بالطرد والعكس الواجبين فى التعريف والمراد باللازم البين فى كلامه ليس البين باصطلاح المناطقة بل المراد به الظاهر الثبوت لجميع أفراد المحدود الظاهر الانتفاء عن غيرها كاستواء القامة وعرض الأظفار للإنسان.
قوله: (لكنه خلاف ظاهر الحال فى القسمة والمثال) أى لأن الظاهر فيهما أن الانتقال يكون على وجه الاكتساب.
[ ١ / ١٧٣ ]
قوله: (لا بغيرها من الصفات النفسية) كالعلم والقدرة لظهور تميزه عن ذلك.
قوله: (المرادف للتصديق) ولذلك صح شموله للظن والشك الخارجين بالجزم لكن شموله للشك فيه تأمل.
قوله: (أى مستجمع لهذه الأوصاف وعلم) لأنه يحصل فى ذهننا من إيراد هذا المثال الموصوف بتلك الصفات صورة علم فقد تميز العلم بالمعنى الأخص فى هذا المثال عن غيره.
قوله: (وغير المطابق) يعنى أن قول الشارح وغيره يحتمل أمرين أحدهما: أن يكون المراد وغيره من الصفات وهو الجزم والموجب، وثانيهما: أن المراد به غير المطابق من الجهل المركب.
قوله: (إذ لتمكن فيه) إنما ذكر ذلك لأن معنى كون العلم بالضابط ضروريًا أنه لو حصل لحصل بالضرورة فلا يتمكن الجهل.
قوله: (ولا يخفى جريانه فى كثير من الرسومات والأمثلة) أى فإنها تعريفات وليس فيها ضابط بيّن معلوم بالضرورة.
قوله: (والأمر فى ذلك سهل) نقل عنه -قدس سره- أن وجه السهولة أنه لم يحصر التعريف بالمثال فيما أورده الغزالى بل هو جار فى غيره وأجاب عما ورد عليه من أن المخالفة لا بد لها من نكتة بأن التعريف بالمثال عندهم أعم من التعريف بالجزئى ومن التعريف بالتشبيه واختار الشارح الأول لأنه إذا لم يكن تمثيل الكلى موجبًا لحصول المعرف فبالأولى أن لا يكون التنظير بالنسبة إليه كذلك.
قوله: (فإن أكثر الناس يتصورن. . . إلخ) أى وإنكار ذلك مكابرة.
قوله: (وبهذا القدر) وهو أن تصور الغير لا يتوقف على تصور العلم فلو توقف تصور العلم على تصور غيره لم يلزم الدور.
قوله: (بيان ما يتوقف عليه تصور الغير) وهو قوله: توقف تصور الغير إنما هو على حصول العلم بغيره.
قوله: (فكأنه لم يفرق بين حصوله وتصوره) أى فتخيل أن تصور غير العلم إذا توقف على حصول علم جزئى متعلق بالغير ولا شك أنه يتوقف على حصول ماهيته فى ضمنه فى ذهنه وهو معنى تصورها فقد توقف كل منهما على الآخر مع أن بينهما فرقًا لأن ارتسام ماهية العلم فى النفس على وجهين أحدهما: أن ترسم
[ ١ / ١٧٤ ]
فيها بنفسها فى ضمن جزئياتها وذلك حصولها وليس نفس تصورها ولا مستلزمًا له على قياس حصول الشجاعة للنفس الموجب لاتصافها بها من غير أن تتصورها، والثانى أن ترسم فيها بمثالها وصورتها وهذا هو تصورها لا حصولها على قياس تصور الشجاعة الذى لا يوجب اتصاف النفس بها وهو المطلوب بتعريفها. اهـ من شرح السيد على المواقف.
قوله: (فإن قلت. . . إلخ) كتب المحشى فى حاشية الحاشية أن الجواب المحرر الذى لا يرد عليه هذا السؤال أن يقال: تصور العلم موقوف على تصور الغير وهو علم جزئى متعلق به فيتوقف حصوله على حصول ماهية العلم فيلزم من ذلك توقف تصور العلم على حصول ماهيته فى ضمن ذلك الجزئى المتعلق بالغير وفى هذا الجزئى المتعلق به أيضًا فمن هنا تركب شبهة على امتناع تعقله فإن قلت إنما يلزم لو كان ذاتيًا وهو ممنوع قلنا وعلى تقدير كونه لازمًا يتقدم حصول ماهيته على تصورها. اهـ. وقوله: شبهة على امتناع تعقله هى تقدم الشئ على نفسه بناء على اتحاد التصور والحصول وقوله: فإن قلت إنما يلزم لو كان ذاتيًا أى إنما يلزم توقف العلم الجزئى المتعلق بالغير على حصول ماهيته فى ضمنه لو كان العلم ذاتيًا لهذا العلم المتعلق بالغير وهو ممنوع فعلى تقدير عدم الفرق بين التصور والحصول لا يلزم من كون تصور العلم مكتسبًا من تصور الغير دور وقوله: قلنا على تقدير كونه لازمًا يتقدم حصول ماهيته على تصورها يعنى لو لم يكن العلم ذاتيًا للعلم الجزئى المتعلق بالغير لكان عرضًا لازمًا ضرورة امتناع انفكاك الأعم المطلق عن الأخص المطلق ولما كان اكتساب تصور ماهية العلم من هذا الجزئى المتعلق بالغير موجبًا لتقدم حصوله على حصول تصورها بالزمان لأن كون تصورها مكتسبًا حاصلًا منه لا يتأتى إلا بالحركة المقتضية للزمان كان موجبًا لتقدم لوازمه على تصورها بالزمان أيضًا، لأن المتقدم بالزمان على المتقدم على الشئ بالزمان يكون متقدمًا على ذلك الشئ بالزمان وتقدم حصول العلم على تصوره تقدم للشئ على نفسه لأن المفروض كونهما متحدين. اهـ. خلخالى.
قوله: (من القبيل الثانى) أى بأن يكون ضرورى صفة العلم باعتبار أنه معلوم يتعلق به علم آخر وإنما قلنا يتعلق به علم آخر لأن الضرورى صفة للعلم قطعًا.
قوله: (فلا يطابقه الجواب) أى لأنه مبنى على عدم الفرق بين حصول ماهية
[ ١ / ١٧٥ ]
العلم وتصورها وتسليم كون حصولها ضروريًا دون تصورها وتقرير السؤال على هذا الوجه يستلزم كون تصورها ضروريًا لأن العلم المتعلق بالعلم إذا كان ضروريًا كان ماهية العلم الحاصلة فى ضمنه ضرورية فيكون تصور ماهية العلم ضروريًا فلا يطابقه الجواب المذكور وقوله: ويخالف تقرير السؤال على ما ذكره فى متن الكتاب أى لأن الضرورة التى فى متن الكتاب وقعت صفة لقوله: إنه موجود أى كونه موجودًا معلوم بالضرورة لا لقوله: يعلم حتى يكون المعنى علم كل أحدى بأنه موجود معلوم بالضرورة.
قوله: (وإنما حمله عليه أولًا صريحًا) أى حيث قال: إن علم كل أحد بأنه موجود ضرورى.
قوله: (ثم فسره بما هو مقتضى عبارة المصنف) أى من أن الضرورة وقعت فيها صفة للمعلوم الذى هو أنه موجود وقوله تنبيهًا على أن الضرورة هنا كذلك أى أنها فى عبارة المصنف تقع صفة للعلم باعتبار نفسه وكونه علمًا لا باعتبار تعلق علم آخر به وكونه معلومًا هذا ولا يخفى أن الظاهر من التفسير الذى ذكره أن العلم معلوم بالضرورة؛ لأن قوله: أى معلوم تفسير لقوله: ضرورى الواقع صفة للعلم فيكون واقعًا على العلم فيفيد أن العلم معلوم بالضرورة وأن المتبادر من قولهم علم كل أحد بوجوده ضرورى إنما هو أن حصول العلم نفسه ضرورى لا العلم بالعلم فالحق فى التوجيه أن يقال: إنما ذكر هذا التفسير تنبيهًا على محل غلط المستدل وهو أنه لما نظر إلى أن تعلق العلم بالوجود ضرورى ظن ذلك ضرورية تصور العلم ظنًا منه أن تعلقه هو نفس تصوره ونبه أيضًا على أن الضرورى وقع فى كلام المستدل صفة للعلم والموصوف بالضرورية إنما يراد به معلوميتها فيكون العلم معلومًا وحينئذ فحاصل الجواب: أن الضرورى حصول العلم لا تصوره وأيضًا الضرورى حصول العلم بالعلم لا تصور العلم إذ ليس الحصول نفس التصور والكلام فيه وذلك أنه لا يلزم من حصول أمر تصوره حتى يتبع تصوره حصوله ولا تقدم تصوره حتى يكون شرطًا لحصوله وإذا كان كذلك فهما متغايران فلا يلزم من ضرورية أحدهما ضرورية الآخر وهذا هو الموافق لما فى المواقف حيث قال: والعلم بالجزء سابق على الكل ولم يقل: والجزء سابق على الكل ولما كان هذا بناء على عدم الفرق بين التصور والحصول على زعم المستدل كان الجواب
[ ١ / ١٧٦ ]
بالفرق بينهما مطابقًا واندفع بأن تفسير الضرورى بما ذكر إنما يكون حيث وقع صفة لمتعلق العلم وأما إذا وقع صفة للعلم فلا واندفع أنه لا يطابق المتن وهو أن كل أحد يعلم وجوده ضرورة إلا إذا حمل على أنه يعلم العلم بوجوده ولا يخفى بعده فاندفع ما قاله التفتازانى من قوله هذا التفسير للضرورى إنما يكون إلى قوله: ولا يخفى بعده.
قوله: (أى المستغنى عن تجشم الاكتساب هو حصوله ماهية العلم. . . إلخ) قال فى حاشية الحاشية: الضرورى إذا وقع صفة للعلم كان معناه أن حصوله لا يحتاج إلى كسب فجاز جعله صفة لحصوله بمعنى أنه مستغن عن الاكتساب. اهـ. وهو إشارة إلى رد ما قاله السعد من أن الضرورى والمكتسب من صفات العلم خاصة فما معنى كون الحصول ضروريًا؟ ! . اهـ. ووجه الرد أن كون العلم ضروريًا بالمعنى المذكور مصحح لجعل الضرورة صفة لحصوله بمعنى كونه مستغنيًا عن الاكتساب لا بمعنى أن حصول الحصول مستغن عن الاكتساب.
قوله: (وبيان التغاير) أى الكامل وإلا فمجرد الغيرية فى المفهوم كاف فى عدم الاتحاد وإن كانا متلازمين.
قوله: (لأن عدم استلزام التصور. . . إلخ) جواب عما يقال: إن كون التصور ليس تابعًا للحصول ولا شرطًا سابقًا إنما يقتضى انفكاك الحصول عن التصور ويجوز أن التصور لا ينفك عن الحصول فلا يأتى الانفكاك من الجانبين.
قوله: (أو جاز انفكاك الحصول. . . إلخ) أى فالمراد الانفكاك من جانب الحصول لا من الجانبين.
قوله: (والعلم أحد تصورات هذا التصديق) أى لوقوعه محمولًا فيه.
قوله: (البديهى مطلقًا) أى بجميع أجزائه أو شروطه لحصوله للبله والصبيان ممن لا يكتسب.
قوله: (وليس بمطلوب) أى لأن المطلوب تصوره بالكنه.
قوله: (لا مصدرًا معطوفًا. . . إلخ) أى فيكون المجموع بيانًا لانفكاك الحصول عن التصور فقط لا بيان للانفكاك من الجانبين.
قوله: (تفصيلًا لعدم استلزام الحصول للتصور) أى عدم امتناع انفكاكه عنه، وحاصل التفصيل أن التصور ليس تابعًا للحصول ولا شرطًا سابقًا.
[ ١ / ١٧٧ ]
قوله: (إذ فيه تعسف) أى فى جعله مصدرًا معطوفًا على قوله: تصوره تعسف.
قوله: (فلحمل اللزوم على معنى مآله التبعية) فمعنى لا يلزم من حصول أمر تصوره لا ينشأ منه تصوره فيكون التصور تابعًا فالتبعية فى اللازم.
قوله: (ليصح جعل المقدم) وهو قوله تصوره وقوله قسيمًا للتقدم أى الذى هو قوله أو تقدمه يعنى ولولا ذلك الاعتبار لم يصح جعل قوله تصوره قسيمًا لقوله أو تقدمه لأنا لو أردنا باللزوم امتناع الانفكاك وكان المعنى لا يمتنع انفكاك التصور عن الحصول كان ذلك شاملًا لأن التصور لا يكون تابعًا ولا شرطًا متقدمًا.
قوله أيضًا: (ليصح جعل المقدم. . . إلخ) ولا بد أيضًا على ذلك من تقدير فى قوله: ولا تقدمه بأن يقال ولا يلزم تقدمه لأنه لا يصح عطفه على التصور عطف مفردات لئن يلزم المسلطة على التصور بمعنى ينشأ ويستتبع وهو بهذا المعنى لا يسلط على التقدم بل هو باعتباره بمعنى عدم الانفكاك.
قوله: (وهذا التوجيه يقتضى خلافه) لأنه قد نفى التقدم والتبعية اللذين يقتضيان التغاير فيتوهم الاتحاد عند ثبوتهما وهو باطل ويدفع بأن المقصود نفى الاتحاد وكمال التغاير بين الحصول والتصور بمعنى جواز الانفكاك من الجانبين، وهذا يقتضى بيان نفى التبعية والتقدم وكل واحد منهما لا يقتضى التغاير بذلك المعنى ولا يمكن هنا أن يقال: الاتحاد يستلزم امتناع الانفكاك فنفى الاتحاد بنفى لازمه لأن نفى التبعية والتقدم إنما يستلزم امتناع الانفكاك على وجه التبعية والتقدم واللازم للاتحاد امتناع الانفكاك مطلقًا لا على وجه التبعية والتقدم هذا وقيل: إن هذا الثانى لا يرد لأن المراد من قوله لا يلزم من حصول أمر تصوره يعنى فضلًا عن الاتحاد فالكلام خارج مخرج المبالغة فى نفى الاتحاد ونفى شبهة الاتحاد لكنه تكلف.
قوله: (فجوابه: أن المراد جواز التقدم. . . إلخ) أى المراد من التقدم فى قولنا: أو تقدم تصوره التقدم جوازًا لا وجوبًا والمتقدم على البديهى إنما يكون بديهيًا إذا كان واجب التقدم لا جائزه كذا فى حاشية الحاشية وفيه أن التصديق البديهى يجب تقدم تصور أطرافه عليه مع أنها قد تكون كسبية ولو قيل: إن واجب التقدم على البديهى إنما يكون بديهيًا إذا كان المتأخر حاصلًا لمن لا يتأتى منه الكسب كالبله والصبيان لكان كلامًا آخر كذا قال بعض الحواشى وقال بعض: إن مراده أن المقدم
[ ١ / ١٧٨ ]
على البديهى إنما يكون بديهيًا إذا كان واجب التقدم بخصوصه لا جائزه وتصورات التصديق البديهى وإن كان تقدمها واجبًا لكن لا بخصوصها بل لكونها من جملة أفراد تصورات أطراف التصديق الواجب تقدمها.
قوله: (فيه وفى غيره) أى فى التصديق البديهى وفى غيره.
قوله: (لا وقوع ذلك التقدم فيه) أى لا وقوعه بالفعل فى التصديق البديهى.
قوله: (على أن مثله آت فيما ذكره فى الخبر) أى فلا وجه لقوله ههنا وتخصيصه إتيانه بما ذكر فى العلم.
[ ١ / ١٧٩ ]
قال: (ثم نقول لو كان ضروريًا لكان بسيطًا إذ هو معناه ويلزم منه أن يكون كل معنًى علمًا).
أقول: استدل على أن العلم ليس ضروريًا بأنه لو كان ضروريًا لكان بسيطًا ويلزم منه أن يكون كل معنًى علمًا واللازم منتفٍ أما الأولى فلأنه لا معنى للضرورى إلا البسيط عقلًا كما سنبينه وأما الثانية فلأن حصول المعنى ذاتى للعلم إذ لو رفع عن الذهن لارتفع ماهية العلم عنه ضرورة والمفروض أنه لا ذاتى له غيره لبساطته فيكون ذلك تمام حقيقته فيلزم من تحققه تحققه وأما بطلان اللازم فلأن حصول المعنى قد يكون ظنًا وجهلًا وتقليدًا وغيرها.
قوله: (ثم نقول) معارضة مبنية على ما ذكره المصنف من أن التصور الضرورى ما لا يتقدمه تصور يتوقف عليه لانتفاء التركيب فى متعلقه كالوجود والشئ وهذا معنى قوله لأنه أى البسيط معناه أى معنى الضرورى وليس المراد أن الضرورى والبسيط اسمان لمعنًى واحد بحسب الاصطلاح من المصنف وتقرير المعارضة من قياس اقترانى من متصلتين ثم استثنائى فقوله: أما الأولى إشارة إلى الملازمة الأولى التى هى صغرى الاقترانى وأما الثانية أى التى هى كبراه وبينها الشارحون بأن العلم معنًى فلو لم يكن كل معنًى علمًا لزم تركب العلم من المعنى ومن الخصوصية التى بها يمتاز عن سائر المعانى، واعترض بأنه إنما يلزم لو كان المعنى ذاتيًا له فعدل الشارح إلى ما لا يرد عليه هذا المنع وهو أنه يلزم أن يكون كل حصول معنًى علمًا لأنه ذاتى للعمل لا تعقل ماهيته بدونه وترتفع بارتفاعه، ويلزم أن يكون تمام ماهيته بساطتها وأما بطلان التالى فلأن حصول المعنى فى العقل قد لا يقارن الجزم والمطابقة والثبات فلا يكون علمًا لما سيجئ من تفسيره، وقد يقال لا نسلم أن كل ما لو رفع عن الذهن ارتفع ماهيته عنه يكون ذاتيًا له لجواز أن يكون لازمًا للياهية إلا أن يراد أنها ترتفع بارتفاعه وحينئذٍ لا شك أن حصول المعنى كذلك.
قوله: (استدل) لا أبطل أدلة القائلين بكونه ضروريًا ولا يلزم من بطلان الدليل فساد المدلول عقبه بالاستدلال على بطلانه ليثبت كونه كسبيًا فيصح تحديده بما
[ ١ / ١٨٠ ]
سيورده، وتقريره أن العلم لو كان ضروريًا لكان بسيطًا، ولو كان بسيطًا لكان كل معنًى علمًا ينتج لو كان ضروريًا لكان كل معنًى علما ثم يستثنى نقيض تالى النتيجة ليثبت المطلوب بيان الملازمة، الأولى أن معنى الضرورى على اصطلاح المصنف هو البسيط عقلًا أى: هما متلازمان متساويان كما سنبينه، وبيان الملازمة الثانية أن حصول المعنى بل المعنى الحاصل ذاتى للعلم إذ لو رفع مفهوم المعنى عن الذهن لارتفع ماهية العلم عنه لا على معنى: أن هناك رفعين يوجب أحدهما الآخر أو يستلزمه فإن شيئًا منهما لا يدل على كونه ذاتيًا بل على أن الرفع الأول هو الثانى بعينه كما سيأتى فى تعريف الذاتى فيكون ذاتيًا له أى غير خارج عنه بل تمام حقيقته (وأما بطلان اللازم) أى تالى النتيجة (فلأن المعنى الحاصل قد يكون ظنًا وجهلًا) مركبًا (وتقليدًا وغيرها) أى شكًا ووهمًا هذا إن فسر المعنى بأمر حاصل للقوة المدركة، وإن أريد به ما يقوم بالنفس يتناول الشجاعة وسائر صفتها، وإن جعل مرادفًا للعرض كما هو المشهور دخل فيه مثل السواد والبياض أيضًا، وعلى التقادير يرد أنا لا نسلم أن ارتفاع المعنى عين ارتفاع ماهية العلم أو موجب له، غايته أنه يستلزمه وسيأتيك أيضًا ما يرد على اصطلاح المصنف.
قوله: (أو موجب له) فإن قيل قد سبق أن شيئًا من الإيجاب والاستلزام لا يدل على كونه ذاتيًا فما هو مقدمة الدليل هو كون رفع المعنى عين ارتفاع ماهية العلم وليس فى الدليل أن رفع المعنى يوجب رفع ماهية العلم والمنع يتوجه إلى ما فى الدليل لا إلى ما ليس فيه قلنا قد منع كونه موجبًا له تأكيدًا لانتفاء الذاتية ويوسعه للمنع؛ فإن المقدمة التى هى قوله ارتفاع المعنى عين ارتفاع العلم مذكورة فى الدليل لإثبات كون المعنى ذاتيًا للعلم أعم من أن يكون المعنى عينه أو جزءًا بناءً على أن عدم الذاتى هو عين عدم الماهية ولما لم تكن تلك المقدمة مسلمة بل قيل عدم الجزء ليس عين عدم الكل بل يوجبه زاد السائل قوله أو موجب له.
التفتازانى: (معارضة. . . إلخ) أى إقامة دليل يعارض دليل الخصم وقوله: وهذا معنى قوله. . . إلخ. أن المراد من أن البسيط معنى الضرورى أن متعلق الضرورى أى ما تعلق به العلم الضرورى هو البسيط وقوله: من قياس اقترانى من متصلتين
[ ١ / ١٨١ ]
نظمه هكذا لو كان العلم ضروريًا لكان بسيطًا ولو كان بسيطًا لكان كل سعنًى علمًا ينتج لو كان العلم بسيطًا لكان كل معنًى علمًا والتالى فى هذه النتيجة باطل فملزومه وهو كون العلم بسيطًا باطل فملزومه وهو كون العلم ضروريًا باطل، وقوله: وبينها الشارحون بأن العلم معنى. . . إلخ. أى يصدق عليه أنه معنًى، وقوله: واعترض بأنه إنما يلزم. . . إلخ، أى ومجرد صدق المعنى على العلم لا يوجب كونه ذاتيًا لجواز أن يكون هذا الصدق صدقًا عرضيًا أى صدق العرضى على ما هو عرض له وقوله إلى ما لا يرد عليه المنع أى إلى الاستدلال الدافع لهذا المنع وهو قوله لأنه ذاتى للعلم لا تعقل ماهيته بدونه وترتفع بارتفاعه وليس المراد أنه عدل إلى اعتبار الحصول حيث قال: فلأن حصول المعنى ذاتى لأن المراد فلأن المعنى الحاصل ذاتى وقوله: إلا أن يراد أنها ترتفع بارتفاعه أى بأن يكون ارتفاعه ارتفاعها أو موجبًا لارتفاعها لكن الثانى لا يقضى الذاتية.
قوله: (كما سنبينه حكاية عن الشارح) أى عند تقسيم العلم إلى الضرورى والنظرى.
قوله: (بل المعنى الحاصل) نقل عن المحشى أن هذا رد على من توهم أنه أراد أن حصول المعنى ذاتى له لا نفس المعنى. . . إلخ. اهـ. يريد بذلك المتوهم التفتازانى لكن علمت أن التفتازانى لم يرد أن العدول الذى سلكه الشارح ليس إلى تقدير الحصول بل إلى الاستدلال على الذاتية والتفتازانى يريد بحصول المعنى المعنى الحاصل أيضًا والتسامح فى ذلك مشهور.
قوله: (فإن شيئًا منهما لا يدل على كونه ذاتيًا) نقل عنه أنه توهم بعضهم أن إيجاب رفعه رفعه يدل على ذلك أى الذاتية وهو فاسد لأن رفع العلة الفاعلية يوجب رفع المعلول وليست العلة ذاتية للمعلول ويمكن دفعه بحمل الرفع على الذهنى وبأن رفع العلة يوجب رفع وجود المعلول لا رفع ماهيته فإن السواد مثلًا سواد فى نفسه وجد الفاعل أم لا بخلاف اللون مثلًا فإن رفعه يوجب رفع السواد فكأن ما ذكره مبنى على كون الماهيات مجعولة كذا فى حاشية الخلخالى ثم إن قوله فإن شيئًا منهما لا يدل على كونه ذاتيًا فيه رد على التفتازانى فإنه جعل الأول دالًا على كونه ذاتيًا.
قوله: (أو موجب له) قد تقدم له قريبًا أن الإيجاب لا يدل على الذاتية فمراده
[ ١ / ١٨٢ ]
أنه على تقدير أن الإيجاب يدل على كونه ذاتيًا كما هو رأى بعضهم فليس هنا إيجاب.
قوله: (وسيأتيك أيضًا ما يرد على المصنف) أى عند تقسيم العلم إلى ضرورى ونظرى لأنه لما عرف التصور الضرورى بما لا يتقدمه تصور وهو الذى يكون متعلقه مفردًا كالوجود والشئ والنظرى؛ بخلافه والتصديق الضرورى ما لا يتقدمه تصديق يتوقف عليه والنظرى بخلافه قال بعد ذلك: واعلم أنه لا يلزم من توقف التصور على تصور مفرداته أن تطلب بل قد تكون حاصلة من غير سبق طلب ولا نظر يعنى فيكون تعريف التصور الضرورى غير جامع وتعريف التصور النظرى غير مانع.
[ ١ / ١٨٣ ]
قال: (وأصح الحدود صفة توجب تمييزا لا يحتمل النقيض فيدخل إدراك الحواس كالأشعرى وإلا زيد فى الأمور المعنوية واعترض بالعلوم العادية فإنها تستلزم جواز النقيض عقلًا، وأجيب بأن الجبل إذا علم بالعادة أنه حجر استحال أن يكون حينئذٍ ذهبًا ضرورة وهو المراد ومعنى التجويز العقلى أنه لو قدّر لم يلزم منه محال لنفسه لا أنه محتمل).
أقول: وأما القائلون بأنه يحد فقد ذكروا له محدودًا، وأصحها أنه صفة توجب لمحلها تمييزًا لا يحتمل النقيض بوجه وهذا يتناول التصور إذ لا نقيض له، والتصديق اليقينى إذ له نقيض ولا يحتمله. ثم من كان يرى رأى الأشعرى يقتصر على هذا فيدخل فيه إدراك الحواس كالسمع والبصر وإلا زاد فى الحد قيدًا فقال: تمييزًا فى الأمور المعنوية فيخرج لأن تمييزها فى الأمور العينية الخارجية وقد اعترض على هذا الحد بالعلم بالأمور العادية ككون الجبل حجرًا فإنه علم ويحتمل النقيض لجواز انقلاب الجبل ذهبًا مثلًا لتجانس الجواهر واستوائها فى قبول الصفات مع ثبوت القادر المختار وهما يوجبان جواز ذلك. وأجاب بالمنع وأسند بأن الشئ يمتنع أن يكون فى الزمن الواحد حجرًا وذهبًا بالضرورة فإذا علم بالعادة كونه حجرًا فى وقت استحال أن يكون فى ذلك الوقت ذهبًا وإذا علم كونه حجرًا دائمًا استحال أن يكون ذهبًا فى شئ من الأوقات ونفى احتمال النقيض فى نفس الأمر فى جميع العلوم ضرورى نعم إنه يحتمل النقيض بمعنى أنه لو قدّر بدله نقيضه لم يلزم منه محال لنفسه وذلك لا يوجب الاحتمال كما فى حصول الجسم فى حيزه واختصاصه بحركته أو سكونه إذا علم بالحس فإنه لو قدر نقيضه فى ذلك الوقت لم يلزم منه محال مع أن نقيضه فى ذلك الوقت غير محتمل. ولتحقيق أن احتمال متعلقه لنقيض الحكم الثابت فيه لا يستلزم أن لا يجزم بأن الواقع أحدهما بعينه جزمًا مطابقًا لأمر يوجبه من حس وغيره.
قوله: (تمييزًا لا يحتمل النقيض) الظاهر من مثل هذه العبارة أنه لا يحتمل نقيض ذلك التمييز وفى بعض الشروح أن المراد يوجب التمييز إيجابًا لا يحتمل النقيض وفى قول الشارح وهذا يتناول التصور إذ لا نقيض له إشعار بأن المراد نقيض تلك الصفة لأنها العلم الذى هو التصور والتصديق، وفى آخر كلامه ما
[ ١ / ١٨٤ ]
يدل على أن المراد احتمال متعلق التمييز لنقيضه حتى إنه يعتبر فى التصديق نقيض الحكم الثابت فى متعلق التمييز وكأنه هو التحقيق وأما حمل متعلق التمييز على طرفى الحكم كما حمل الشارح متعلق الحكم النفسى عليه فبعيد، ومعنى قوله: لا نقيض للتصور أنه لا نقيض لمتعلقه لأن نقيض الشئ رفعه وسلبه ففيه شائبة الحكم والتصديق لكن هذا يبطل كثيرًا من قواعد المنطق ويوجب شمول التعريف لجميع التصورات غير المطابقة كما إذا تعقل الإنسان حيوانًا صهالًا اللهم إلا أن يقال: إنه ليس بتمييز وفى اعتبار النقيض للتصور وأخذ التصور للعلم مشروطًا بالمطابقة وعدم احتمال النقيض أيضًا إشكال.
قوله: (رأى الأشعرى) هو أن الإحساس ليس إلا علمًا بالمدركات الحسية.
قوله: (فى الأمور المعنوية) أى الصور الذهنية كليات كانت أو جزئيات لتقابل الأمور العينية وتقييدها بالكليات ليس بمستقيم لما ذكره فى المواقف من أنه يخل بطرد الحد أى انعكاسه؛ لأنه طرد للحد فى جميع أفراد الحدود على ما هو المعنى اللغوى إذ يخرج العلم بالجزئيات وفى بعض الشروح أن المعنى ههنا فى مقابلة اللفظ لأنه محسوس وفساده بين إذ لا يخرج جميع الإحساسات.
قوله: (لتجانس الجواهر) أى الجواهر الفردة التى هى أصول الأجسام والظاهر أنه لا حاجة إلى ذلك فى بيان المقصود بل مجرد الإمكان مع ثبوت القادر المختار كافٍ فله أن يعدم الجبل ويوجد الذهب مكانه فلا يكون حجرًا، وهو معنى النقيض سواء كان على وجه الانقلاب أو لم يكن.
قوله: (والتحقيق) حاصل كلامه أن المراد بعدم احتمال النقيض جزم العقل بأن ليس النقيض واقعًا فى نفس الأمر البتة وإن كان ممكنًا فى ذاته، ويتميز عن الجهل بالمطابقة وعن اعتقاد المقلد بوجود الموجب وفى كلامه إشعار بأن امتناع النقيض عند العقل امتناع ذاتى؛ لأنه لما اعتقده حجرًا دائمًا يمتنع أن لا يكون حجرًا فى شئ من الأوقات لامتناع اجتماع النقيضين بالذات وهو موافق لما ذكره القاضى البيضاوى من أن الجواب بوجهين: الأول: أن الإمكان فى نفسه لا ينافى الجزم المطابق لموجب وهو معنى عدم احتمال النقيض، الثانى: أن الجبل فى حال كونه حجرًا لا يمكن أن يكون ذهبًا أى لا حجرًا لاستلزامه اجتماع النقيضين وهذا مما يناقش فيه لما فيه من جعل الإمكان نقيض الضرورة بشرط المحمول وكذا قول
[ ١ / ١٨٥ ]
الشارح المحقق إذا علم كونه حجرًا دائمًا استحال كونه ذهبًا فى شئ من الأوقات إذ دوام الإيجاب لا ينافى إمكان السلب وفى بعض الشروح أن المراد أن النقيض ممكن فى نفسه لكنه ممتنع بالغير؛ لأن النفس قد اكتسبت بالعادة أن النقيض ممتنع فى الخارج وفى بعضها أن المراد بالتجويز العقلى الإمكان الخارجى وبالاحتمال الإمكان الذهنى ونفى الثانى لا ينافى ثبوت الأول، وأنت خبير بأنه يجب فى العلم عدم احتمال النقيض بوجه من الوجوه فالصواب ما أشار إليه الشارح من أن معنى عدم احتماله النقيض هو أن العقل لا يجوّز بوجه من الوجوه كون الواقع فى نفس الأمر نقيض ذلك الحكم، وإن كان من الأمور الممكنة كما إذا شاهد حركة زيد وبياض جسم فإنه لا يجوّز البتة فى ذلك الوقت كون زيد ساكنًا والجسم أسود بل يقطع بأن الواقع هو هذه النسبة لا غير، والعلوم العادية من هذا القبيل بخلاف ما إذا اعتقده اعتقادًا جازمًا لا بموجب فإنه لا يمتنع أن يظهر الأمر على خلاف معتقده.
قوله: (فقد ذكروا له حدودًا) ذكروها فى الكتب الكلامية وبينوا صحتها وفسادها وأصحها ما اختاره المصنف ههنا، وإنما كان أصح إما نظرًا إلى صحة تعريفه بالاعتقاد الجازم المطابق لموجب غير أنه لا يشمل التصور مع إطلاقه عليه إذ قد يقال: علمت معنى المثلث كما صرح بذلك فى المواقف فيكون هذا أصح منه لشموله كلا نوعيه، وإما نظرًا إلى صحة الحد المستفاد من التقسيم الذى سيأتى، لأن ذلك على القول بأنه إضافة وهذا على القول بأنه صفة ذات إضافة ولما ترجح الثانى كان الأول أصح، وأما قوله: ويسمى تصديقًا وعلمًا فليس من المقصود فى شئ.
قوله: (صفة) هى ما يقوم بغيره يتناول العلم وغيره وبقوله: توجب لمحلها تمييزًا أى: توجب لمحلها الذى هو النفس تمييزه لشئ يخرج الصفات التى توجب لمحلها التميز عن غيره فقط وهى ما سوى الإدراكات فإن القدرة مثلًا توجب امتياز محلها عن العاجز لا تمييزه لشئ بخلاف العلم فإنه يوجب تميز المحل وتمييزه معًا وبقوله: لا يحتمل النقيض أى لا يحتمل متعلق التمييز نقيضه بوجه من الوجوه يخرج الصفات الإدراكية التى توجب لمحلها تميزًا يحتمل متعلقه نقيضه كالظن وأخواته،
[ ١ / ١٨٦ ]
وحاصله أن العلم صفة قائمة بمحل متعلقة بشئ توجب كون المحل مميزًا للمتعلق تمييزًا لا يحتمل ذلك المتعلق نقيض ذلك التمييز، فلا بد من اعتبار المحل الذى هو العالم؛ لأن التمييز المتفرع على الصفة إنما هو له لا للصفة ولا شك أن تمييزه إنما هو لشئ تتعلق به الصفة، والتمييز وهو الذى لا يحتمل النقيض كما صرح به فيما بعد وإسناده إلى التمييز مجاز ثم الظاهر أن المراد نقيض التمييز كما ذكرناه لا نقيض الصفة أو المتعلق.
قوله: (وهذا) أى هذا الحد (يتناول التصور إذ لا نقيض له) لأن النقبضين هما المفهومان المتمانعان لذاتهما ولا تمانع بين التصورات فإن مفهومى الإنسان واللا إنسان مثلًا لا يتمانعان إلا إذا اعتبر ثبوتهما لشئ فيحصل حينئذٍ قضيتان متنافيتان صدقًا وإن جعل السلب راجعًا إلى نسبة الإنسان كانتا متناقضتين، وكذلك قولنا: حيوان ناطق حيوان ليس بناطق على التقييد لا يتدافعان إلا بملاحظة وقوع تلك النسبة إيجابًا وارتفاعها سلبًا أعنى التصديقين اللذين أشير بهما إليهما أو بالاعتبار المذكور فى المفردين، وكذا قولنا: اضرب ولا تضرب لا مدافعة بينهما إلا بنحو من أحد التأويلين فلا تناقض بين التصورات أنفسها وما ذكره المنطقيون من نقائض أطراف القضايا فعلى وجهين، أحدهما أن يعتبر نسبة الأطراف إلى الذات تقييدًا إيجابيًا أو سلبيًا ويسمون هذا نقيضًا بمعنى السلب، وثانيهما أن يلاحظ مفهوماتها من حيث هى هى ويجعل معنى حرف السلب مضمونًا إليها صائرًا معها شيئًا واحدًا ويسمونه نقيضًا بمعنى العدول وكلاهما مجاز على التأويل اللهم إلا أن يقال المتناقضان هما المفهومان المتنافيان لذاتيهما والتنافى إما فى التحقق والانتفاء كما فى القضايا وإما فى المفهوم بأنه إذا قيس أحدهما إلى الآخر كان أشد بعدًا مما سواه فيوجد فى التصورات أيضًا كما فى مفهومى الفرس واللا فرس وبهذا المعنى قيل رفع كل شئ نقيضه سواء رفعه فى نفسه أو رفعه عن شئ وإذا لم يكن للتصور نقيض صدق أن متعلقه لا يحتمل النقيض بوجه فإذا تصورنا ماهية الإنسان وحصل فى ذهننا صورة مطابقة لها فالتمييز ههنا هو تلك الصورة إذ بها تمتاز وتنكشف الماهية الإنسانية عند النفس ومتعلق التمييز هو تلك الماهية ولا يحتمل نقيض ذلك التمييز إذ لا نقيض له وعلى هذا فالعلم بالإنسان ليس تلك الصورة بل صفة توجبها، فإن قلت ما ذكرته يقتضى أن تكون التصورات بأسرها علوما
[ ١ / ١٨٧ ]
وهو باطل فإن بعضًا منها غير مطابق أجيب بأن التصور لا يوصف بعدم المطابقة أصلًا فإنا إذا رأينا شبحًا من بعيد وهو فرس وحصل منه فى أذهاننا صورة إنسان فتلك الصورة صورة الإنسان وإدراك له والخطأ إنما هو فى حكم العقل بأن هذه الصورة للشبح المرئى فالصور التصورية مطابقة لذوى الصور سواء كانت موجودة أو معدومة وعدم المطابقة فى أحكام العقل المقارنة لها.
قوله: (والتصديق اليقينى) التمييز فى التصديق اليقينى هو الإثبات والنفى وكل واحد منهما نقيض الآخر ومتعلقه الطرفان وهو لا يحتمل نقيض التمييز أصلًا لا بحسب نفس الأمر لأن الواقع فيه هو ذلك التمييز ولا عند ذلك المميز فى الحال لجزمه ولا فى المآل لاستناده إلى موجب ويلزم من ذلك أن لا يكون الإثبات والنفى علمًا بل ما يوجبهما.
قوله: (ثم من كان يرى رأى الشيخ أبى الحسن الأشعرى) أن إدراك الحواس قسم من العلم فمن يرى ذلك يقتصر فى حد العلم على ما ذكر فيدخل فيه الإحساسات (كالسمع) أى إدراك المسموعات بالقوة السامعة (والبصر) أى إدراك المبصرات بالقوة الباصرة إذ بكل واحد من الحواس ترتسم فى الذهن صورة بها يمتاز وينكشف المحسوس للنفس وليس لها نقيض فالصفة الموجبة لتلك الصورة تندرج فى الحد ومن لا يرى رأيه فزاد فيه قيدًا فقال: تمييزا فى الأمور المعنوية وأراد بها ما يقابل الأمور العينية أى الخارجية التى هى المحسوسة بالحواس الظاهرة فيتناول الكليات المعقولة والجزئيات الموهومة ومن قال فى الأمور المعنوية الكلية فقد أخل بانعكاس الحد.
قوله: (واعترض) أى الحد بأنه غير جامع لعدم صدقه على العلوم العادية التى هى من أفراد المحدود، وقوله: بالعلم بالأمور العادية أراد الأمور التى موجب العلم بها هو العادة كالعلم بكون الجبل حجرًا.
قوله: (لتجانس الجواهر واستوائها) يعنى تماثل الجواهر الفردة التى تتركب منها الأجسام وتساويها فى قبول الصفات المقابلة كالذهبية والحجرية فقد تحقق محل قابل مع ثبوت القادر المختار وهما يوجبان جواز الانقلاب.
واعلم أن ثبوت المختار مما أجمع عليه أهل الملل وقد برهن عليه فى الكلام وأما تجانس الجواهر الفردة بمعنى تماثلها فعند بعض المتكلمين فإن كانت متجانسة وهى
[ ١ / ١٨٨ ]
قابلة للصفات المتنافية فالجبل عبارة عن مجموع جواهر فردة مخصوصة موصوفة بالحجرية وذلك المجموع بعينه قابل للذهبية المستلزمة لنقيض الحجرية فالحكم بكونه حجرًا محتمل لنقيضه وإن كانت متخالفة الحقائق وما يتركب منه الجبل لا يجوز أن يتركب منه الذهب فليس هناك موضوع معين يصح أن يتوارد عليه هذان الوصفان المتنافيان فليس الحكم على الجبل بأحدهما محتملًا لنقيضه، نعم يمكن أن يعدم الجبل ويوجد الذهب مكانه فيختلف الموضوع فلا تنافى بين الحكمين فلا احتمال للنقيض اللهم إلا أن يؤخذ الموضوع ما هو قدر مشترك بينهما كالشاغل للمكان الفلانى مثلًا فلا يكون الحكم واردًا على خصوصية الجبل كما ذكره المصنف وحيث أراد الشارح توجيه كلامه تعرض لحديث التجانس فبطل ما توهم من أنه لا حاجة إلى ذلك فى بيان المقصود بل يكفيه مجرد الإمكان مع القادر المختار.
قوله: (وأجاب بالمنع) نقض الحد بخروج بعض أفراد المحدود مبنى على مقدمتين، الأولى أن ذلك من أفراده، والثانية أنه خارج منه ولما كانت المقدمة الأولى ههنا مسلمة والثانية مبرهنة باحتمال العلوم العادية نقائضها منع احتمالها للنقيض وأسنده بأن الشئ الواحد كالجبل مثلًا يمتنع أن يكون فى الوقت الواحد حجرًا وذهبًا لامتناع اجتماع الشئ مع ما هو أخص من نقيضه عقلًا فذلك معلوم ضرورة فإذا علم بالعادة كونه حجرًا فى وقت استحال أن يكون هو بعينه فى ذلك الوقت ذهبًا وإلا لأمكن اجتماع النقيضين وإذا علم بالعادة أيضًا كونه حجرًا دائمًا استحال أن يكون ذهبًا فى شئ من الأوقات وما ذكر من الاستحالة هو المراد بعدم الاحتمال فالعلم العادى بكونه حجرًا سواء كان مؤقتًا بوقت معين أو دائمًا لا يحتمل النقيض قطعًا ونفى احتمال النقيض فى نفس الأمر بالمعنى الذى ذكرناه ضرورى فى جميع العلوم عادية كانت أو غيرها نعم إن العلم العادى يحتمل نقيضه تجويزًا عقليًا بمعنى أنه لو فرض بدله نقيضه لم يلزم من النقيض محال لنفسه وذلك لا يوجب الاحتمال الذى نفيناه لاستلزامه محالًا نظرًا إلى ما هو واقع فى نفس الأمر أو لا يرى أن هذا التجويز جاز فى جميع الممكنات الواقعة ولا اختصاص له بالأمور العادية مع أن ما علم منها بالحس كحصول الجسم فى حيزه مثلًا لا يحتمل النقيض اتفاقًا فلا فرق بين أن يعلم كون الجبل حجرًا مشاهدة وبين
[ ١ / ١٨٩ ]
أن يعلم ذلك عادة فى التجويز العقلى ونفى الاحتمال بحسب نفس الأمر.
مقدمة: إذا وقع أحد طرفى الممكن فى وقت فإذا قيس طرفه الآخر إلى ذاته من حيث هو كان ممكنًا له فى ذلك الوقت قطعًا وإن قيس إلى ذاته من حيث هو متصف بذلك الطرف كان ممتنعًا لا بحسب الذات بل بحسب تقييده بما ينافيه فهو امتناع بالغير فإن قلت: الذات مأخوذًا مع أحدهما يمتنع له الآخر امتناعًا ذاتيًا نظرًا إلى المجموع وكيف لا واجتماع النقيضين محال لذاته ولا ينافى ذلك إمكانه للذات وحده قلت: الطرفان هناك مقيسان إلى الذات لا إلى المجموع المركب منه ومن أحدهما ولا امتناع هناك إلا بالغير واجتماع النقيضين وإن كان مستحيلًا لذاته لكن صدق أحدهما فى زمن صدق الآخر ممتنع لا لذاته بل لصدق الآخر ولولاه لم يستلزم اجتماع النقيضين وعلى هذا فالممكن المطابق للواقع يمكن نقيضه بالذات وهو معنى التجويز العقلى ويستحيل بالغير وهو معنى نفى الاحتمال فالإمكان الذاتى يقابل الامتناع الذاتى والاحتمال فى نفس الأمر يقابل الامتناع مطلقًا وهو المراد بالاستحالة فى قوله: استحال أن يكون ذهبًا فى شئ من الأوقات فإن صدق المطلقة الوقتية يستحيل لصدق الدائمة فبطل ما قيل من أن دوام الإيجاب لا ينافى إمكان السلب فلا يصح الحكم بالاستحالة هناك.
قوله: (والتحقيق) قد حقق أن التجويز العقلى لا ينافى عدم احتمال النقيض فى الواقع فأخذ يحقق أنه لا ينافيه مطلقًا وبيانه أن احتمال متعلق العلم لنقيض الحكم الثابت فيه بدله بل احتماله لكل واحد من النقيضين على البدل وهو معنى التجويز العقلى لا يستلزم أن لا يجزم بأن الواقع أحدهما بعينه جزمًا مطابقًا لأمر يوجب ذلك الجزم من حس وغيره من ضرورة أو عادة أو برهان فباعتبار حصول الجزم لا يكون له احتمال النقيض الآخر عند العالم فى الحال وبواسطة الموجب لا يحتمله عنده فى المآل ولأجل مطابقته لا يحتمل فى نفس الأمر فلا احتمال بوجه وأنت خبير بأن نفى الاحتمال عند العالم على الوجهين إنما هو لإمكان الاحتمال عنده كما فى الظن والتقليد وأما نفيه بحسب الواقع فمآله إلى المطابقة وعدم وقوع النقيض فيه إذ لا يتصور له احتمال فى الواقع أما على تقدير عدمه فلما حققناه وأما على تقدير وجوده فلأن هناك وقوعًا لا احتمال وقوع وسنشير إليه فيما بعد فالظاهر أنه قصد ذلك فى تحقيقه.
[ ١ / ١٩٠ ]
قوله: (كالظن وأخواته) وهى الجهل المركب والتقليد والوهم والشك هنا سؤال مشهور وهو أن الشك والوهم من قبيل التصور ولا نقيض له فلا يكون فيهما احتمال النقيض، والجواب أن المراد بالتصور فى قوله: والتصور ولا نقيض له إدراك ما عدا الوقوع واللاوقوع يدل على ذلك بالنظر إلى ظاهر اللفظ والعبارة قوله فيما بعد التصوّر علم بمفرداته والتصديق علم بوقوع النسبة ولا وقوعها، وأريد بالمفرد ما عدا حصولها ولا حصولها هذا كلامه ويفهم منه أن إدراك الوقوع واللا وقوع مجردًا عن الإذعان والقبول لا يكون تصوّرًا إذ ليس هذا الإدراك علمًا بمفرد بالمعنى المذكور ولو أريد دخوله فى التصوّر لوجب أن يقال التصديق علم بحصول النسبة ولا حصولها والتصور علم هو غير العلم بحصولها ولا حصولها لا العلم بما عدا الحصول واللاحصول؛ لأن ما ذكر فى تفسير التصديق من العلم بالحصول واللا حصول مقيد بكونه على طريق الإذعان والقبول إذ العلم بالحصول واللا حصول يجوز أن يكون تصوّرًا فإن التصوّر يتعلق بكل شئ، فإذا قيل التصوّر علم هو غير العلم المذكور دخل العلم بالحصول واللا حصول الواقع فى الشك فى التصوّر والإشكال فى الشك ليس إلا باعتبار إدراك الوقوع واللا وقوع فإذا خرج هذا الإدراك من التصوّر صح قوله لا نقيض لتصوّر وإن الشك يحتمل النقيض.
واعلم أن احتمال النقيض فى الشك لا على تفصيل الإثبات والنفى الذى يلاحظ فيه بأن يقال الشك باعتبار الإثبات يناقض الشك باعتبار النفى وقد وقع فيه كلام يناسب ذلك فى قوله فيما بعد؛ أجيب عن الأول بأن النسبة من حيث هى تصوّر لا نقيض لها من حيث هذه الحيثية؛ لكن يتعلق بها الإثبات أو النفى وكل واحد نقيض الآخر فهى من حيث يتعلق بها الإثبات تناقض من حيث يتعلق بها النفى، ولا نشك أن النسبة الإيجابية لا تخلو عن ملاحظة أحدهما إما معينًا أو غير معين فإن الشاك يلاحظ معها كل واحد منهما على سبيل التجويز هذا كلامه.
قوله: (كون المحل مميزًا) يدل على أن التمييز يراد به المعنى المصدرى وسيجئ أن التمييز هو الصورة الإدراكية فإنه قال فيما بعد فالتمييز ههنا هو تلك الصورة وقال أيضًا التمييز فى التصديق اليقينى هو الإثبات والنفى.
[ ١ / ١٩١ ]
قوله: (وهذا الذى لا يحتمل النقيض) يعنى أن الضمير الفاعل فى قوله لا يحتمل النقيض يجب أن يرجع إلى متعلق التمييز، ولا يجوز أن يرجع إلى التمييز أو إلى الصفة لأن التمييز فى التصديقات هو الإثبات والنفى كما سيجئ ولا معنى لاحتمال الإثبات نقيضه الذى هو النفى إذ لا يصح أن يقال الإثبات يحتمل النفى فلا معنى لاحتمال التمييز نقيضه وكذا الصفة فإنه لا يصح أن يقال الصفة الموجبة للتمييز الذى هو الإثبات يحتمل ذلك نقيض التمييز أى النفى إذ على تقدير النفى تتبدّل الصفة المتعلقة بالإثبات لا احتمال للصفة كالتمييز، وأما متعلق التمييز فكونه محتملًا لنقيض التمييز أمر معقول لأن متعلق التمييز فى التصديقات الطرفان كما سيجئ وللطرفين المتعلق بهما الإثبات احتمال نقيض الإثبات الذى هو النفى إذ يجوز وقوع النقيضين بينهما على سبيل البدل، وأما ما أضيف إليه النقيض فى قوله لا يحتمل النقيض فالظاهر أنه التمييز لا الصفة ولا المتعلق لأن المتعلق لا نقيض له إذ هو من الأمور التصورية والظاهر أن الصفة أمر غير النفى والإثبات كما سيجئ فلا نقيض له أيضًا وظاهر العبارة أيضًا يناسبه.
قوله: (إلا إذا اعتبر ثبوتهما لشئ) فإن قلت إن أريد باعتبار ثبوتهما لشئ فلا يصح قوله لا يتمانعان إلا إذا اعتبر ثبوتهما لشئ إذ قد يتمانعان باعتبار ثبوتهما لشئ من غير حكم بأن يقال: زيد إنسان زيد لا إنسان على وجه الشك والتردد فإن التناقض واحتمال النقيض متحقق فى الشك قطعًا وإن أريد ما هو أعم من ذلك فلا يصح قوله فيحصل حينئذٍ قضيتان إذ القضية بجب فيها الحكم قلت: المراد هو الثانى وإطلاق القضية على التسامح الشائع.
قوله: (أو بالاعتبار المذكور فى المفردين) أى اعتبار ثبوتهما لشئ بأن يقال مثلًا: زيد حيوان ناطق زيد حيوان ليس بناطق فحصل ههنا قضيتان متناقضتان صدقًا وهذا القدر كافٍ فى كون المفهومين متدافعين ولا مجال ههنا لجعل السلب الواقع داخل المركب التقييدى راجعًا إلى نسبة هذا المركب التقييدى إلى شئ على وجه يحصل قضيتان متناقضتان إذ السلب داخل فى هذا المركب لا يصلح لرجوعه إلى النسبة الواقعة بين هذا الشئ وبين هذا المركب التقييدى ولو أريد تحصيل القضيتين المتناقضتين وجب اعتبار السلب خارجًا عن المركب التقييدى بأن يقال زيد ليس بحيوان ناطق.
[ ١ / ١٩٢ ]
قوله: (إلا بنحو من أحد التأويلين) فى عبارته الإشعار باختلاف التأويل الواقع فى المركب الإنشائى بالنسبة إلى ما سبق حيث لم يقل إلا بأحد التأويلين والتأويلان أحدهما قى قولنا: اضرب إشارة إلى قضية هى قولنا أطلب منك الضرب والآخر أن يقال: زيد مقول فى حقه اضرب زيد مقول فى حقه لا تضرب وإن أريد تحصيل القضيتين المتناقضتين قيل زيد مقول فى حقه اضرب زيد لا يقال فى حقه اضرب ولا يمكن اعتبار ثبوتهما لشئ باقيين على حالهما وقد حصل قضيتان متناقضتان كما فى المركب التقييدى والحق أن المراد بالتأويل الثانى اعتبار ثبوتهما لشئ من غير التناقض.
قوله: (فالتمييز ههنا هو تلك الصورة) يمكن أن يقال: يجوز أن يجعل التعريف على وجه يصير العلم الإنسانى تلك الصورة بأن يقال المراد بالتمييز هو المعنى المصدرى وقوله لا يحتمل النقيض جملة مرتبطة بالصفة ومعناه لا يحتمل متعلق تلك الصفة نقيضها وعلى هذا فالعلم بالإنسان هو نفس تلك الصورة، إذ يصدق على تلك الكيفية النفسانية أنها صفة توجب تمييزًا أى كون المحل مميزًا إذ بتلك الصورة يمتاز وينكشف ماهية الإنسان ويصدق أيضًا أن متعلقها لا يحتمل نقيضها، ومثل ذلك يقال فى صدقه على الإثبات والنفى فى التصديقات.
قوله: (فالصور التصورية مطابقة لذوى الصور) يعنى أن المطابقة وعدمها يعتبران فى التصورات بالنسبة إلى ذى الصورة لا بالنسبة إلى ما يؤخذ منه تلك الصورة لأن تلك الصورة التصورية فيها حكاية عن المتصور، وأما التصديق فالمطابقة وعدمها يعتبران بالنسبة إلى ما فى نفس الأمر لا بالنسبة إلى ذى الصورة لأن التصديق فيه حكاية عما فى نفس الأمر فلا يرد عليه ما قد قيل من أن المطابقة وعدمها إذا كانتا باعتبار ذى الصورة فلا حكم من العقل إلا وهو صادق مطابق لذى صورته.
قوله: (ومتعلقه الطرفان) قيل عليه إنه قد بين أن المتعلق فى التصور هو المتصور وفى الإثبات والنفى الطرفان ولا يفهم مما ذكر فى التعريف هذا التفصيل بل للمتعلق مفهوم كلى صادق على ما ذكر من المتصور والطرفين، وكما يصدق مفهوم المتعلق فى جانب التصور على ذى الصورة كذلك يصدق هذا المفهوم فى جانب الإثبات والنفى على ذى الصورة وهو الوقوع واللاوقوع وقد ظهر من
[ ١ / ١٩٣ ]
توضيح تعريف العلم أن المحتمل للنقيض لا يكون إلا الطرفين ولا يتصور ذلك الاحتمال بين النفى والإثبات أو بين الوقوع واللاوقوع فلا معنى لأن يقال الإثبات أو الوقوع يحتمل النفى أو اللاوقوع بل يجب أن يقال الطرفان لهما احتمال النقيض فمفهوم المتعلق يصدق على شيئين فى جانب التصديق وهما ذو الصورة والطرفان فيصدق على الظن وأخواته بسبب المتعلق الذى هو ذو الصورة أن متعلقه لا يحتمل النقيض فدخل فى التعريف وقد يجاب بأن المراد لا يحتمل شئ له من متعلقه النقيض فخرج من التعريف.
قوله: (لاستناده إلى موجب) لقائل أن يقول إن ذلك مبنى على عدم جواز انتفاء الموجب وهو خلاف الواقع؛ فإن بعضًا من القضايا الحاصلة لنا بالبرهان فى وقت قد يصير منسيًا فى وقت آخر مع ما يوجبه بحيث إذا توجهنا إليه تردّدنا فيه، وقد يظهر دليل على خلاف ما كان وحصل اعتقاد مخالف.
قوله: (ترتسم فى الذهن صورة) إذا ارتسم فى الذهن الصورة المتعلقة بالجزئيات فلها فى النفس صورة وصفة موجبة لها هى العلم، وإن ارتسم تلك الصورة فى القوى البدنية فلا يصدق التعريف على ما فى تلك القوى إذ يجب أن يكون محل مميزًا بسبب العلم وليس القوّة البدنية مميزة؛ بل المميز هو النفس فلو تحقق فرد من العلم حين الإحساس بإحدى الحواس لكان هذا الفرد حاصلًا فى النفس وموجبًا لصورة حاصلة فى تلك القوى.
قوله: (موصوفة بالحجرية) التحقيق ذكره مبنى على أن الجبل عبارة عن الجواهر الفردة المعروضة لعرض هو يميز له صورة نوعية الجوهرية عند الحكماء؛ فإن من قال بالجواهر الفردة يتميز أنواع الجواهر عنده بأعراض متنوعات لها وهذا العرض المتنوع الجبلية يكون على وجه يجوز اجتماعه مع الصورة النوعية الحجرية ومع الصورة النوعية الذهنية أيضًا، وأما كونه عبارة عن الجواهر الأفراد فقط من غير اعتبار شئ آخر معها فالواقع بخلافه وإذا كان كذلك فالحكم على الجبل بأنه حجر حكم عليه بأنه ذهب من غير تغيير فى الوضوع الذى هو الجبل فحصل اتحاد الموضوع فى القضيتين، وتوجيهه إيراد حديث تجانس الجواهر الأفراد وعلى هذا يجب على الشارح أن يقول لجواز انقلاب الحجر ذهبًا إذ لا معنى لقوله انقلاب الجبل ذهبًا؛ لأن الجبل حين ذهبيته موجود بحاله وعلى المحشى أن يقول فالجبل
[ ١ / ١٩٤ ]
عبارة عن مجموع جواهر مخصوصة وذلك المجموع بعينه قابل للذهبية وأن يترك قوله: موصوفة بالحجرية إذ الجواهر الموصوفة بالحجرية لا تحتمل الذهبية، وأما القول بانقلاب الجبل ذهبًا فهو يوجب اختلاف الموضوع فى القضيتين سواء كانت الجواهر متجانسة أو لا فلا فائدة فى إيراد حديث التجانس.
قوله: (والاحتمال فى نفس الأمر يقابل الامتناع مطلقًا) فإذا قلنا: إن قولنا زيد قائم يحتمل الوقوع يكون معناه أن ثبوت القيام لزيد لا يكون ممتنعًا لذاته ولا يكون ممتنعًا بالغير أى بسبب تحقق عدم القيام، فالاحتمال بهذا المعنى يستلزم الوقوع إذ لو لم يقع القيام لكان الواقع عدم القيام فكان وقوع القيام ممتنعًا بالغير لاستحالة وقوع القيام لزيد بشرط عدم القيام، فالاحتمال بالمعنى المذكور لا بجامع الامتناع المطلق وهو المراد بالاستحالة أى والامتناع المطلق الذى هو أعم من أن يكون بالذات أو بالغير هو المراد بالاستحالة فى قوله استحال أن يكون ذهبًا فى شئ من الأوقات، وهذه الاستحالة بمعنى الامتناع المطلق لازم لكون حجرية الجبل دائمًا لأنه لو لم يكن لازمًا لجاز دوام حجرية الجبل مع عدم الاستحالة المذكورة فلزم جواز صدق المطلقة الوقتية مع صدق الدائمة مختلفتين إيجابًا وسلبًا بيان ذلك أنه لما كانت تلك الاستحالة بمعنى الامتناع المطلق الذى يكفى فى صدقه تحقق أحد فرديه أعنى الامتناع الذاتى والامتناع بالغير كان عدم تلك الاستحالة مستلزمًا لعدم كل واحد من فردية فلزم الإمكان الذاتى والوقوع فى نفس الأمر فلزم كون الجبل ذهبًا فى وقت من الأوقات، وهو المطلقة الوقتية حين تحقق دوام الحجرية للجبل وهو الدائمة فبطل ما قيل من أن دوام الإيجاب الذى هو دوام حجرية الجبل لا ينافى إمكان السلب الذى هو لازم لذهبية الجبل يعنى أن دوام الحجرية يجوز اجتماعه مع إمكان الذهبية فلا يصح الحكم للزومه الاستحالة.
قوله: (بل احتماله لكل واحد من النقيضين) يعنى أن المناسب بقوله أن لا يجزم بأن الواقع أحدهما هو أن يقال احتمال متعلق الحكم لكل واحد من النقيضين ولما ذكر احتمال متعلقه لنقيض الحكم الثابت فيه ناسب أن يذكر هكذا لا يستلزم أن لا يجزم بأن الواقع هو الثابت فيه.
التفتازانى: (الظاهر من مثل هذه العبارة. . . إلخ) وجه كونه ظاهرًا منها أنه
[ ١ / ١٩٥ ]
المذكور صريحًا وهو الموافق لقولهم: اعتقاد الشئ كذا مع اعتقاد أنه لا يكون إلا كذا علم ومع احتمال أنه يكون كذا احتمالًا مرجوحًا ظن وهناك وجهان مرجوحان أحدهما: أن يراد نقيض المتعلق ويكون المراد بالتمييز المعنى المصدرى أعنى الكشف والإيضاح فالمعنى صفة توجب لمحلها الكشف والإيضاح لمتعلقها بحيث لا يحتمل ذلك المتعلق نقيضه وحينئذٍ تكون الصفة المعبر عن العلم بها عبارة عن الصورة بالنسبة للتصور وعن الإثبات والنفى بالنسبة إلى التصديق لا ما يوجبهما ويصح أيضًا أن يكون المراد بالتمييز ما به التمييز وهو الصورة والإثبات والنفى وحينئذٍ فتكون الصفة المعبر بها عن العلم ما يوجب تلك الصورة والإثبات والنفى وإنما كان ذلك الوجه أعنى أن يراد من النقيض نقيض المتعلق مرجوحًا لأن الشئ لا يكون محتملًا لنقيضه أصلًا؛ لأن الواقع ليس إلا أحدهما واحتمال الشئ لنقيضه يقتضى اتصافه به وهو باطل إلا أن يقال: إن المراد باحتماله لنقيضه احتماله عند المدرك احتمالًا بدليًا أى احتمال حصول أحدهما بدلًا عن الآخر والمراد بالمتعلق على هذا وقوع النسبة أو لا وقوعها لا الطرفان إذ لا معنى لاحتمالهما نقيض أنفسهما فكل واحد من التصور والتصديق صفة توجب كشفًا وأيضًا حالًا يحتمل متعلقه نقيضه عند المدرك، أما فى التصور فلانتفاء النقيض، وأما فى التصديق فلأن متعلقه أعنى الوقوع للنسبة مثلًا له نقيض فى نفس الأمر هو الوقوع فيه فإن لم يكن التصديق أعنى إدراك الوقوع أو للوقوع جازمًا مطالقًا مأخوذًا من حس أو بداهة أو عادة أو برهان احتمل متعلقه أعنى الوقوع مثلًا لنقيضه وهو اللاوقوع وإذا كان التصديق جازمًا مطابقًا مستندًا لما ذكر لم يكن متعلقه محتملًا لنقيضه لا فى الحال ولا فى المآل، وثانيهما: أن يراد نقيض الصفة وضمير لا يحتمل على كل حال راجع للمتعلق والمعنى صفة توجب تمييزًا لا يحتمل متعلقه نقيض تلك الصفة فالتصور والتصديق على هذا نفس الصفة لا توجبه، والمراد بها صورة الماهية فى التصور والإثبات والنفى فى التصديق والمتعلق فى التصور الماهية المتصورة وفى التصديق الطرفان أو النسبة وعدم احتمال المتعلق الذى هو الشئ المتصور لنقيض الصفة التى هى الصورة الذهنية فى التصور لعدم النقيض لتلك الصفة، وعدم احتمال المتعلق فى التصديق إذا كان جازمًا مطابقًا لموجب لنقيض الصفة لأنه إذا كان كذلك فلا يحتمل النقيض وإن كان له نقيض فى ذاته وإنما كان
[ ١ / ١٩٦ ]
هذا الوجه الثانى مرجوحًا أيضًا لأنه خلاف ظاهر العبارة ومخالف لتعريف العلم بناءً على أنه إضافة حيث قالوا: إنه تمييز لا يحتمل النقيض فإنه لا يمكن أن يراد فيه نقيض الصفة.
التفتازانى: (إيجابًا لا يحتمل النقيض) أى: فجعل قوله فى التعريف لا يحتمل النقيض صفة للإيجاب المأخوذ من قوله توجب ثم إن المعنى أيضًا لا يحتمل ذلك الإيجاب باعتبار متعلق تلك الصفة نقيض ذلك التمييز بمعنى ما به التمييز وهو الصورة والإثبات والنفى.
التفتازانى: (إشعار بأن المراد نقيض تلك الصفة) تقدم أنه احتمال مرجوح فيؤول قوله إذ لا نقيض له بأن المراد لا نقيض لتمييزه الذى هو الصورة فى التصور والإثبات والنفى فى التصديق.
التفتازانى: (على أن المراد احتمال متعلق التمييز لنقيضه) إن كان الضمير فى قوله لنقيضه راجعًا للتعلق ويكون إشارة إلى الوجه الثانى المرجوح لم يظهر قوله حتى إنه يعتبر فى التصديق نقيض الحكم الثابت فى متعلق التمييز فإنه صريح فى أن النقيض هو الحكم الذى هو الإثبات أو النفى المعبر عنه بالتمييز بل كأن يقول حتى إنه يعتبر فى التصديق نقيض متعلق التمييز ويكون قوله: وأما حمل متعلق التمييز على طرفى الحكم جوابًا عن إيراد على جعل النقيض للمتعلق حاصله أن التعلق الطرفان ولا معنى لاحتمالهما نقيضهما وحاصل الجواب أن المتعلق على هذا ليس هو الطرفان بل الوقوع أو اللاوقوع والاحتمال حاصل على سبيل البدل وإن كان الضمير عائدًا على التمييز كان قوله حتى أنه يعتبر فى التصديق. . . إلخ تفريعًا ظاهرًا وكان هو الموافق لما قاله الشارح آخرًا ويكون قوله وأما حمل متعلق التمييز. . . إلخ ليس جوابًا عن إيراد بل المقصود بيان أن هذا الوجه الذى فى آخر كلامه هو التحقيق وحمل المتعلق فيه على النسبة أولى من حمله على الطرفين.
التفتازانى: (لأن نقيض الشئ رفعه) فهم أن المراد رفعه فى نفسه باعتبار التحقق فيكون بين النقيضين تمانع وتدافع فى التحقق فيكون التناقض قاصرًا على التصديق وأما لو أريد الرفع سواء كان باعتبار التحقق أو البعد فى المفهوم بمعنى أنه إذا قيس أحد الأمرين إلى الآخر كان أشد بعدًا مما سواه كالإنسان واللاإنسان كان للتصور نقيض أيضًا.
[ ١ / ١٩٧ ]
التفتازانى: (يبطل كثيرًا من قواعد المنطق) أى كقولهم نقيضا المتساويين متساويان لا كقولهم عكس النقيض جعل نقيض الموضوع محمولًا فإن ذلك ليس قاعدة بل تصوير وتعريف.
التفتازانى: (ويوجب شمول التعريف لجميع التصورات غير المطابقة) أى فتكون كلها علمًا مع أنهم اشترطوا فى العلم المطابقة.
التفتازانى: (اللهم إلا أن يقال: إنه ليس بتميز) هو غير ظاهر والإشكال الذى قاله بعد الذى هو قوله: وفى اعتبار. . . إلخ. يرد هذا ويفيد أن جميع التصورات مطابقة.
التفتازانى: (أيضًا إشكال) أى لأنا لو تصورنا الحجر من بعد بصورة الإنسان لم يكن ذلك غير مطابق بل هو مطابق لأن الصورة المتصورة هى صورة الإنسان قطعًا وإنما الخطأ فى الحكم بأنها لذلك الحجر فلا نقيض حتى فى تلك الصورة.
التفتازانى: (لأنه طرد للحد. . . إلخ) أى: الانعكاس جريان للحد فى جميع أفراد الحدود وشموله لها، وقوله: على ما هو المعنى اللغوى أى للطرد فليس المراد به المعنى الاصطلاحى لأن التقييد بالكليات لا يخل به.
التفتازانى: (المراد بعدم احتمال النقيض جزم العقل. . . إلخ) أى: فمعنى عدم احتمال النقيض الذى أخذ فى تعريف العلم جزم العقل بما فى الواقع لموجب.
التفتازانى: (امتناع ذاتى) أى لاعتبار الاتصاف بأحد الطرفين فى نفس الأمر وقد علمت من كلام السيد أن ذلك امتناع بالغير.
التفتازانى: (الأول أن الإمكان فى نفسه. . . إلخ) هو التحقيق الذى ذكره الشارح آخرًا بقوله: والتحقيق كما يؤخذ من قوله أولًا حاصل كلامه أن المراد. . . إلخ. وقوله الثانى: إن الجبل. . . إلخ. هو ما قبل التحقيق على ما فهمه.
التفتازانى: (لما فيه من جعل الإمكان نقيض الضرورة بشرط المحمول) أى حيث نفى الإمكان يعنى مع أنه ليس نقيضها لأن الإمكان إنما يقابل الضرورة الذاتية ورد بأن المراد بعدم الإمكان الامتناع بالغير وهو يناقض الضرورة بشرط المحمول.
التفتازانى: (وكذا قول الشارح. . . إلخ) أى فيه مناقشة وقد علمت مما قاله السيد ردها.
التفتازانى: (لأن النفس قد اكتسبت. . . إلخ) أى فلا يقال: إن العادة تمنع
[ ١ / ١٩٨ ]
احتمال النقيض فى الذهن أما فى الخارج فلا إذ غاية حكم العادة الجزم ولا يلزم أن يكون مطابقًا.
التفتازانى: (بوجه من الوجوه) أى فى الخارج أو فى العقل ولا بتشكيك مشكك. قوله: (وأصحها ما اختاره المصنف هنا) هذا لا ينافى ما قاله المحشى فى شرح المواقف من أن أصح الحدود أن يقال: صفة يتجلى بها المذكور لمن قامت به لأنه بصدد بيان مختار المصنف لا بيان ما هو أحسن عنده.
قوله: (وإنما كان أصح. . . إلخ) يعنى أنه أصح من بينها فلا يقتضى أن يكون كل ما عدا هذا التعريف صحيحًا.
قوله: (غير أنه لا يشمل التصور) يقال هو حينئذ غير صحيح فلا يظهر أن الذى ذكره المصنف أصح بالنسبة له ويجاب بأنه حد لما هو المشهور من قسمى العلم لكن تعريف مطلق العلم أحسن وأضبط فكان أصح كذا نقل عن المحشى.
قوله: (المستفاد من التقسيم) أى فى قوله الآتى وما عنه الذكر الحكمى أما أن يحتمل. . . إلخ لكن لا باعتبار القسم الذى هو الطرفان أو النسبة لأن ذلك يختص بالتصديق ولا يشمل التصور بل يقال: تمييز لا يحتمل متعلقه النقيض بوجه وحينئذ يكون العلم إضافة إذ المراد بالتمييز فيه الكشف والإيضاح.
قوله: (وهذا على القول بأنه صفة ذات إضافة) المشار إليه بهذا هو التعريف بصفة توجب تمييز. . . إلخ.
قوله: (ولما ترجح الثانى) هو الحد المستفاد من التقسيم وقوله ترجح الأول أى الذى هو صفة توجب تمييز. . . إلخ. فالمراد بالأول والثانى ليس الأول والثانى فى قوله لأن ذلك على القول بأنه إضافة وهذا على القول بأنه صفة بل الأول بالنسبة لقوله وأما نظرًا إلى صحة الحد المستفاد من التقسيم فإن ذلك ثان بالنسبة للأول المذكور فى المتن.
قوله: (وأما قوله ويسمى تصديقًا وعلمًا) أى قوله فيما يأتى والعلم ضربان علم بمفرد ويسمى تصورًا وعلم بنسبة ويسمى تصديقًا وعلمًا وقوله فليس من المقصود فى شئ أى لأنه لم يقصد به تعريف العلم حتى يعتبر حدًا له وتعتبر النسبة بين هذا الحد الذى هو أصح الحدود وبينه.
قوله: (توجب لمحلها تمييزًا) أى توجب إيجابًا عاديًا كون المحل وهو النفس
[ ١ / ١٩٩ ]
بحيث يلاحظ ذلك التعلق مميزًا عما عداه فالمعنى أن العلم صفة قائمة بالنفس يخلقها اللَّه تعالى عقب تعلقها بالشئ توجب تلك الصفة بطريق جرى العادة أن تكون النفس بحيث تلاحظ هذا الشئ مميزًا عن جميع ما عداه تمييزًا لا يحتمل النقيض.
قوله: (كالظن وإخوانه) قال بعض الفضلاء: إخراج الشك والوهم من تعريف العلم لا وجه له لأن كلًا منهما تصور ولا نقيض للتصور وأجاب عبد الحكيم على حاشية الخيالى بأن الشك والوهم من حيث إنهما تصور للنسبة من حيث هى هى لا نقيض لهما وهما بهذا الاعتبار داخلان فى العلم وأما باعتبار أنه يلاحظ فى كل منهما النسبة مع كل واحد من النفى والإثبات على سبيل التجويز المساوى أو المرجوح ولذا يحصل التردد والاضطراب فلكل منهما نقيض فإن النسبة من حيث يتعلق بها الإثبات تناقض النسبة من حيث يتعلق بها النفى وهما بهذا الاعتبار خارجان من الحد. اهـ. فقوله: وإخوانه اندرج فيه الشك والوهم على الاعتبار الثانى.
قوله: (وهو الذى لا يحتمل النقيض كما صرح به) أى الشارح آخرًا حيث قال: والتحقيق أن احتمال متعلقه لنقيض الحكم الثابت فيه.
قوله: (مجاز) من وصف المتعلق بالكسر بوصف المتعلق بالفتح.
قوله: (ثم الظاهر أن المراد نقيض التمييز. . . إلخ) قد عرفت وجه ظهوره فيما كتب على السعد وأن الاحتمالات فى النقيض ثلاثة والمحتمل المتعلق على كل حال.
قوله: (المتمانعان لذاتهما) أى اللذان يتدافعان لذاتهما فى التحقق بحيث يقتضى تحقق أحدهما لذاته نفى تحقق الآخر وبالعكس كالإيجاب والسلب.
قوله: (ولا تمانع بين التصورات) أى لأنه لا يلزم من تحقق صورة انتفاء الأخرى فإن صورة الإنسان واللاإنسان كلتاهما حاصلتان لا تدافع بينهما إلا إذا اعتبر نسبتهما لشئ فيحصل حينئذ قضيتان متنافيتان صدقًا فقط إن لم يجعل السلب راجعًا إلى نسبة الإنسان إلى شئ بل اعتبر جزءًا منه وأما إن جعل السلب راجعًا إليها كانتا متنافيتين صدقًا وكذبًا معًا وحاصله أنه لو اعتبر الإنسان ثابتًا لشئ واللاإنسان ثابتًا لذلك الشئ كانتا قضيتين موجبتين إحداهما معدولة المحمول فلا
[ ١ / ٢٠٠ ]
يصح اجتماعهما وصدقهما للتنافى بينهما ويجوز أن يرتفعا إذا كان الموضوع معدومًا وتكذب القضيتان لأن الموجبة لابد فيها من وجود الموضوع وإن اعتبر الإنسان مثلًا ثابتًا لشئ واللاإنسان اعتبر سلب الإنسان عنه فيكون قضيتان إحداهما موجبة والأخرى سالبة المحمول فلا يصدقان ولا يكذبان فيتناقضان.
قوله: (على التقييد) أى على أن هذين القولين مركبان تركيبًا تقييديًا بأن تكون النسبة بينهما تقييدية وليست خبرية.
قوله: (أعنى التصديقين اللذين أشير بهما إليهما) وهما وقوع الحيوان ناطق، الحيوان ليس بناطق على أن المراد كل حيوان.
قوله: (أو بالاعتبار المذكور فى المفردين) أى بأن يجعل حيوان ناطق ثابتًا لشئ وحيوان ليس بناطق ثابتًا لذلك الشئ.
قوله: (إلا بنحو من أحد التأويلين) بأن يلاحظ وقوع الضرب وعدم وقوعه فكأنه قال: يقع منك الضرب لا يقع منك الضرب، أو أطلب منك الضرب أطلب منك ترك الضرب.
قوله: (أن يعتبر نسبة الأطراف. . . إلخ) أى فحيث يقولون: كل إنسان ناطق، كل لا إنسان ناطق أن طرفيهما متناقضان يكون معنى كل إنسان كل الأفراد التى هى إنسان ومعنى كل إنسان كل الأفراد التى هى لا إنسان.
قوله: (ويجعل معنى السلب مضمومًا إليها) أى فيكون معنى كل لا إنسان كل غير الإنسان.
قوله: (وكلاهما مجاز على التأويل) أى كلا القسمين المذكورين مجاز لأن التناقض فيما ليس تناقضًا اصطلاحيًا وإطلاق التناقض فيهما مجاز مبنى على التأويل إذ لو لم يكن أحد هذين التأويلين لم يكن إطلاق التناقض على تخالف أطراف القضايا صحيحًا.
قوله: (سواء رفعه فى نفسه أو رفعه عن شئ) والأول فى التصور والثانى فى التصديق هكذا فى سعد العقائد النسفية وقال عبد الحكيم على الخيالى على قوله ومن ههنا قيل. . . إلخ. ذكر السيد الشريف قدس اللَّه سره فى حاشية المطالع: أن المفهوم المفرد إذا اعتبر فى نفسه لم يتصور له نقيض إلا بأن ينضم إليه كلمة النفى فيحصل مفهوم آخر فى غاية البعد عنه ويسمى رفع المفهوم فى نفسه وإذا اعتبر
[ ١ / ٢٠١ ]
صدق المفهوم على شئ فنقيض ذلك المفهوم بهذا الاعتبار سلبه أى سلب صدقه ورفعه عما اعتبر صدقه عليه والأول نقيض بمعنى العدول والثانى نقيض بمعنى السلب انتهى كلامه فعلم منه أن النقيض فى التصورات متحقق بقسميه أعنى رفعه فى نفسه ورفعه عن شئ بالاعتبارين، وأما فى التصديقات فلا يتحقق فيها إلا القسم الأول إذ لا يمكن صدقها وحملها على شئ وأن معنى قوله: نقيض كل شئ رفعه فى نفسه أو رفعه عن شئ أنه إذا اعتبر ذلك الشئ فى نفسه كان نقيضه رفعه فى نفسه وإن اعتبر صدقه على شئ كان نقيضه رفعه عن ذلك الشئ. اهـ.
قوله: (صدق أن متعلقه لا يحتمله النقيض بوجه) أى لصدقه على عدم النقيض.
قوله: (إذ بها تمتاز. . . إلخ) أى فإطلاق التمييز على ما به التمييز مجاز من إطلاق السبب على المسبب.
قوله: (وعلى هذا فالعلم. . . إلخ) أورد فى هذا المقام اعتراضات خمسة: الأول أن العلم على هذا ليس نفس الصورة والإثبات والنفى بل ما يوجبهما مع أن العلم نفس الصورة والإثبات والنفى وأجيب عن ذلك بأن المعرفين للعلم بهذا التعريف يلتزمون أن العلم ليس نفس الصورة والإثبات والنفى بل ما يوجبهما فهم يقولون: إنه صفة حقيقية ذات إضافة يخلقها اللَّه تعالى بعد استعمال العقل والحواس أو الخبر الصادق تستتبع انكشاف الأشياء إذا تعلقت بها، الثاني: أنه يلزم أن لا يكون التصور والتصديق قسمى العلم لأن التصور على ما قالوه: هو الصورة الحاصلة والتصديق هو الإثبات والنفى وجوابه إن أردتم أن لا يكون التصور والتصديق قسمى العلم بالذات فمسلم إذ لا ضرر فى ذلك وإن أردتم نفى القسمة أصلًا فممنوع فإن العلم باعتبار إيجابه الإثبات والنفى تصديق وباعتبار إيجاب الصورة الحاصلة تصور وأما أن التصور والتصديق ليس إلا نفس الصورة والإثبات والنفى فذلك اصطلاح الفلاسفة، الثالث: أن القول بالصورة فرع الوجود الذهنى وأهل هذا التعريف ينكرونه وجوابه أن المراد بالصورة الشبح والمثال وليس هذا هو المراد من الوجود الذهنى الذى أنكروه فإن المراد به أمر يشارك الوجود الخارجى فى تمام الماهية ويماثله، الرابع: إن إرادة الصورة والإثبات والنفى من التمييز خلاف
[ ١ / ٢٠٢ ]
الظاهر وجوابه أن ذلك مبنى على المسامحة اعتمادًا على فهم السامع للقطع بأن النقيض الذى يحتمله المتعلق ليس هو التمييز بمعنى الكشف والإيضاح إذ لا نقيض له بل بمعنى الصورة والإثبات والنفى، الخامس: أن الإثبات والنفى ليسا نقضين لارتفاعهما عند الشك وجوابه: أن المراد بهما ليس الإدراكين بل المعنى اللغوى ولذا جعلوا متعلقهما الطرفين. اهـ من عبد الحكيم على الخيالى بتصرف.
قوله: (فى أحكام العقل المقارنة لها) فإن الحكم بأن الصورة الناشئة من شئ صورة له قد صار ملكة للنفس كذا فى حاشية شرح المطالع ثم الحكم وإن كان ملكة لها إلا أنها قد لا تحكم فلا يقال: إنه يلزم من تصور شئ واحد تصورات وتصديقات غير متناهية مرارًا غير متناهية إذ كل تصديق لا بد فيه من تلك التصورات كذا فى بعض الحواشى وقال عبد الحكيم فى حاشيته على الخيالى إنما يلزم التسلسل لو كان الحكم الحاصل بواسطة تلك الملكة حكمًا صريحًا ملتفتًا إليه بالذات يفصل فيه جميع ما اعتبر فيه من التصورات والوجدان يكذبه. اهـ. ثم أعلم أن كون الخطأ إنما هو فى حكم العقل بأن هذه الصورة للشبح المرئى هو ما قاله الجمهور واعترضه الخيالى على شرح العقائد النسفية بأن هناك فرقًا بين العلم بالوجه والعلم بالشئ من ذلك الوجه والمتصور فى المثال المذكور هو الشيخ والصورة الذهنية آلة لملاحظته وقال عبد الحكيم فى حاشيته: عليه نقل عنه توضيحه إنا إذا رأينا شبحًا من بعيد وهو فى الواقع حجر فحصل منه فى أذهاننا صورة الإنسان فاعتقدنا أنه إنسان فربما نتوجه إلى ذلك الشبح بوصف أنه إنسان ونجعله عنوانًا بناء على ذلك الاعتقاد ونحكم على ذلك بأنه قابل للعلم والفهم مثلًا فالمحكوم عليه فى هذا الحكم الوارد على المأخوذ بهذا العنوان معلوم لنا بهذا الوصف بلا شبهة وصورة الإنسان آلة الملاحظة المحكوم عليه أعنى الشبح، ووجه لذلك الشبح والشبح معلوم لنا من حيث ذلك الوجه وقد تقرر الفرق بين العلم بالوجه وهو هنا العلم بمفهوم الإنسان الذي هو آلة لملاحظة الشبح وبين العلم بالشئ من ذلك الوجه وهو هنا العلم بالشبح من حيث إنه مفهوم الإنسان ولا شك أن العلم بالشبح الذى هو الحجر فى الواقع بوصف الإنسانية غير مطابق ثم قال: وحاصله أنه بعد حصول صورة الإنسان من الشبح واعتقاد أنه إنسان نحكم عليه قابل للعلم مثلًا والمحكوم عليه لا بد أن يكون معلومًا لأن الحكم على الشئ
[ ١ / ٢٠٣ ]
فرع من تصوره وليس معلومًا إلا بوصف الإنسانية فثبت أن الحجر متصور بوصف الإنسانية وهو علم غير مطابق لمعلومه ولا يمكن أن يقال: إن المعلوم هو الحجر من حيث إنه إنسان لأنه حينئذ يكون العلوم هو الإنسان فلا يكون فرق بين العلم بالشبح بالوجه الذى هو الإنسان ههنا وبين العلم بذلك الوجه، وعلى هذا ظهر أن المعلوم هو الشبح من حيث إنه حجر لا من حيث إنه إنسان واندفع الجواب المذكور فإنه مبنى على عدم الفرق والجواب: أنا إذا سلمنا أنه بعد حصول صورة الإنسان من الشبح واعتقاد أنه إنسان لأجل اشتباه الحال على الحس بواسطة المشاكلة بين الإنسان والحجر نجعل الوصف المذكور عنوانًا ونحكم عليه لكن المعتبر فى اتصاف أفراد الموضوع بالوصف العنوانى هو الاتصاف بالفعل بحسب الاعتقاد على ما هو التحقيق والشبح المذكور وإن كان حجرًا فى نفس الأمر لكنه إنسان بحسب الاعتقاد فيجوز أن تكون الصورة الإنسانية آلة لملاحظة الإنسان الذى هو حجر فى الواقع ويكون معنى الحكم عليه أن الأمر الذى اعتقد أنه متصف بالإنسانية موصوف بكونه قابلًا للعلم مثلًا فيكون التصور مطابقًا لمتصوره الذى هو الإنسان المفروض ومع ذلك يكون المحكوم عليه هو الحجر لأنه حجر فى نفس الأمر والخطأ إنما هو فى الاعتقاد بأن ذلك الحجر إنسان الذى هو ناشئ من عدم تمييز الحس بين الأمور المتشاكلة. اهـ.
قوله: (ترتسم فى الذهن صورة. . . إلخ) الظاهر أن الذى يقول بأن الإحساس علم يقول بأنه يرتسم فى القوة الحاسة صورة المحسوس وبها يتميز ذلك الحسوس وليس هناك صفة فى النفس أوجبت صفة أخرى بها التمييز.
قوله: (الجزئيات الموهومة) أراد بها ما يشمل المتخيلة فالمراد بها ما يدرك بالحس الباطن بدون اشتراط حضور المادة.
قوله: (كالعلم يكون الجبل حجرًا) أى حال غيبته عنه.
قوله: (لجواز انقلاب الجبل ذهبًا) الأولى لجواز انقلاب الحجر ذهبًا حتى يتحد الموضوع فيأتى التناقض.
قوله: (موصوفة بالحجرية) الجبل عبارة عن مجموع جواهر فردة مخصوصة وذلك المجموع قابل للذهبية والحجرية والجواهر الموصوفة بالحجر لا تحتمل الذهبية فالأولى حذف قوله: موصوفة بالحجرية، واعلم أن من قال بأن الجسم مركب من
[ ١ / ٢٠٤ ]
الجواهر الفردة المتماثلة فى الحقيقة كالأشاعرة وأكثر المعتزلة لا بد أن يعترف بجعل الأعراض داخلة فى حقيقة الجسم فيكون الجسم حينئذ جوهرًا مع جملة أعراض منضمة إلى ذلك الجوهر وإلا كانت الأجسام كلها متماثلة الحقيقة وهو ظاهر البطلان هكذا فى المواقف وشرحه وهو ينافى ما هنا من أن الأجسام كلها متماثلة الحقيقة والاختلاف بالعوارض.
قوله: (ما هو قدر مشترك بينهما) فيه أن الشاغل للمكان العين لا يكون إلا جسمًا معينًا فلا يتوارد عليه الذهبية والحجرية وإنما يتأتى إذهاب ذلك الشاغل المعين وإيجاد بدله.
قوله: (كما ذكره المصنف) حيث قال: إن الجبل إذا علم بالعادة أنه حجر استحال أن يكون حينئذ ذهبًا ضرورة فإنه صريح فى كون المراد خصوصية الجبل وأن مورد الحجرية والذهبية واحد.
قوله: (وهو المراد بعدم الاحتمال) يعنى: أن المراد بعدم الاحتمال للنقيض المذكور فى حد العلم هو عدم الاحتمال للنقيض بحسب الواقع ونفس الأمر لا ما توهمه العترض من عدم التجويز العقلى الذى ينظر فيه إلى ذات الشئ حتى يعترض بخروج العلوم العادية.
قوله: (أو لا يرى أن هذا التجويز العقلى جار فى جميع الممكنات) أى فإن العقل لو قدر بدلها لم يلزم منه محال فلو كان المراد بالاحتمال الذى اعتبر نفيه فى حد العلم هو ذلك التجويز لكان المعلوم من الممكنات بالحس كحصول الجسم فى حيزه بالمشاهدة محال للنقيض مع أنهم اتفقوا على عدم احتماله للنقيض أصلًا.
قوله: (فلا فرق بين أن يعلم. . . إلخ) أى: فيكون القول بكون الأمور العادية محتملة للنقيض دون الأمور المحسوسة تحكم بحت.
قوله: (من حيث هو متصف) أى: لا على أن الاتصاف مأخوذ معه وإلا كان ممتنعًا بالذات.
قوله: (فإن قلت الذات مأخوذًا مع أحدهما. . . إلخ) منشأ الإشكال المذكور اعتبار الاتصاف ملاحظًا مع الذات.
قوله: (وكيف لا واجتماع النقيضين محال لذاته) أى وهذا منه.
قوله: (للذات وحده) أى بقطع النظر عن الاتصاف بالطرف الواقع.
[ ١ / ٢٠٥ ]
قوله: (الطرفان هناك) أى: فيما إذا قيس إلى ذاته من حيث هو متصف بذلك الطرف وقوله: مقيسان إلى الذات أى المقيدة بالوصف لا على أن الوصف ملاحظ مع الذات كما تقدم.
قوله: (واجتماع النقيضين. . . إلخ) أى الذى تمسك به المستشكل جاعلًا مسألة ما إذا قيس إلى ذاته من حيث هو متصف من اجتماع النقيضين وهو محال لذاته.
قوله: (لكن صدق أحدهما) أى النقيضين فى زمن صدق الآخر أى ومسألة القياس إلى ذاته من حيث الاتصاف هى صدق أحد النقيضين فى زمان صدق الآخر.
قوله: (ولولاه لم يستلزم اجتماع النقيضين) أى لو لم يكن صدق الآخر واقعًا لم يستلزم صدق أحدهما فى زمان صدق الآخر اجتماع النقيضين إذ صدق أحدهما فى زمان صدق الآخر لا يكون إلا بدلًا عن الآخر.
قوله: (وعلى هذا فالممكن. . . إلخ) هذا هو القصود من المقدمة التى ذكرها تمهيدًا له.
قوله: (وهو معنى نفى الاحتمال) أى الاستحالة بالغير معنى نفى الاحتمال فبالنظر لما فى الواقع انتفى الاحتمال، وإن كان بالنظر إلى ذات الممكن بقطع النظر عن الواقع الاحتمال العقلى حاصلًا.
قوله: (والإمكان الذاتى يقابل الامتناع الذاتى) أى: ولا يقابل الامتناع بالغير فجاز أن يكون أحد طرفى الممكن ممتنعًا نظرًا لحصول الطرف الآخر فى الواقع مع كونه ممكنًا نظرًا لذاته.
قوله: (والاحتمال فى نفس الأمر) أى: احتمال النقيض فيه يقابل الامتناع مطلقًا أى سواء كان امتناعًا بالغير أو امتناعًا بالذات فلا يتحقق الاحتمال فى نفس الأمر إلا إذا لم يكن النقيض ممتنعًا أصلًا.
قوله: (وهو المراد بالاستحالة) أى: الامتناع مطلقًا سواء كان بالغير أو بالذات هو المراد بالاستحالة فى قول الشارح استحال أن يكون ذهبًا فى شئ من الأوقات، قال الهروى: فإذا قلنا إن قولنا زيد قائم يحتمل الوقوع يكون معناه أن ثبوت القيام لزيد لا يكون ممتنعًا لذاته ولا يكون ممتنعًا بالغير أى بسبب تحقق عدم القيام فالاحتمال بهذا المعنى يستلزم الوقوع إذ لو لم يقع لكان الواقع عدم القيام
[ ١ / ٢٠٦ ]
فكان وقوع القيام ممتنعًا بالغير لاستحالة وقوع القيام لزيد بشرط عدم القيام فالاحتمال بالمعنى المذكور لا يجامع الامتناع الطلق الأعم من الامتناع بالذات والامتناع بالغير وذلك الامتناع هو المراد بالاستحالة فى قوله: استحال أن يكون ذهبًا فى وقت من الأوقات وهى لازمة لكون حجرية الجبل دائمًا لأنه لو لم تكن لازمة له كان دوام حجرية الجبل مع عدم الاستحالة المذكورة فلزم جواز صدق المطلقة مع صدق الدائمة مختلفين إيجابًا وسلبًا، بيان ذلك أنه لما كانت تلك الاستحالة بمعنى الامتناع الطلق الذى يكفي فى صدقه تحقق أحد فرديه أعنى الامتناع الذاتى والامتناع بالغير كان عدم تلك الاستحالة مستلزمًا لعدم كل واحد من الامتناعين فلزم الإمكان الذاتى والوقوع فى نفس الأمر فلزم كون الجبل ذهبًا فى وقت من الأوقات وهو المطلقة الوقتية حين تحقق دوام حجرية الجبل وهو الدائم فبطل ما قيل من أن دوام الإيجاب الذى هو دوام حجرية الجبل لا ينافى إمكان السلب الذى هو لازم لذهبية الجبل يعنى أن دوام الحجرية يجوز اجتماعه مع إمكان الذهبية فلا يصح الحكم بالاستحالة هناك. اهـ. ولو قال المحشى بعد قوله والاحتمال فى نفس الأمر يقابل الامتناع مطلقًا وعدم الاحتمال فى نفس الأمر يتحقق بالامتناع بالغير وهو المراد بالاستحالة وليس المراد بها الامتناع الذاتى حتى يرد ما قيل من أن دوام الإيجاب لا ينافى إمكان السلب لكان ظاهرًا قال المحشى فى حاشية الحاشية: قيل فى قول الشارح المحقق إذا علم كونه حجرًا دائمًا استحال كونه ذهبًا فى وقت من الأوقات مناقشة لأن دوام الإيجاب لا ينافى إمكان السلب وقد أجاب بعضهم عن هذا بأنه إنما يرد إذا نسب الضدان إلى ذات القابل، وأما إذا نسب أحدهما إلى ذاته والآخر إلى ذاته مع اتصافه بالضد الآخر فلا يرد لأنه يكون ممتنع الثبوت له لامتناع اجتماع الضدين وهذا هو المراد فإن أراد الامتناع بالغير فهو ما حققناه وإن أراد الامتناع بالذات فأنت خبير بفساده. اهـ. أقول: مراد المجيب هو الامتناع بالغير لمكان قوله ممتنع الثبوت له أى للذات وقوله لامتناع اجتماع الضدين معناه أنه يكون ممتنع الثبوت له لاستلزامه اجتماع الضدين وهو ممتنع فيكون ما يستلزمه ممتنعًا. اهـ من بعض الحواشى. ويظهر أن المراد بالامتناع الذاتى فى قول الهروى وقول ذلك البعض المجيب هو الامتناع الذى نظر فيه لاتصاف الذات بأحد الطرفين على أن الاتصاف جزء وأن المعتبر المجموع
[ ١ / ٢٠٧ ]
والاستحالة فى قول الشارح: استحال أن يكون ذهبًا فى وقت من الأوقات هى الامتناع سواء كان بالغير أو بالذات أعنى الامتناع الذى ذكرناه وهو لا ينافى الإمكان الذاتى نظرًا للذات فى نفسها وإذا عرفت أن استحالة الذهبية هى استحالة بالغير أعنى بالنظر لاتصاف الذات بالحجرية عرفت أن معنى قول المصنف استحال أن يكون ذهبًا حينئذ استحالة الذهبية حين اتصافه بالحجرية لا حين علم كونه حجرًا كما فهم ابن السبكى فى شرحه لهذا المحل هو الجبل.
قوله: (فبطل ما قيل. . . إلخ) القائل السعد وقوله فى بيان القصود، أى: مقصود المصنف وقوله: بل يكفيه. . . إلخ، يكفي مجرد إمكان كون الجبل ذهبًا وعدم إبائه الذهبية مع ثبوت الفاعل المختار ولا حاجة إلى اعتبار تجانس الجواهر فى بيان المقصود.
قوله: (بل احتماله لكل واحد. . . إلخ) أضرب إلى ذلك ليشير إلى أن المناسب لقول الشارح آخرًا لا يستلزم أن لا يجزم بأن الواقع أحدهما بعينه أن يقول والتحقيق أن احتمال متعلق العلم لكل واحد من النقيضين لا أن يقول لنقيض الحكم الثابت فيه وإلا لكان يقول لا يستلزم أن لا يجزم بأن الواقع هو الثابت فيه.
قوله: (من ضرورة أو عادة) أراد بالضرورة اقتضاء العلة التامة لمعلولها مثلًا فالمراد بالضرورة اللزوم لا المقابل للكسب فحسن مقابلته بالعادة والحس وقيل: إن المراد بالضرورة الضرورة المقابلة للكسب وتقيد بالناشئة عن غير الحس ويكون تخصيص العادة بالذكر مع دخولها فيها لكون الكلام فيها.
قوله: (وأنت خبير. . . إلخ) أى أننا إذا حملنا التحقيق على ذلك يرد عليه أنه لا يتصور احتمال بالنسبة للواقع حتى ينفى.
قوله: (على الوجهين) أى الحال والمآل.
قوله: (أما على تقدير عدمه) أى عدم النقيض فلما حققناه أى فى المقدمة إلى قوله: فالإمكان الذاتى.
قولي: (وأما على تقدير وقوعه. . . إلخ) يعنى أن كون نقيض شئ محتملًا لوقوعه يستلزم كون ذلك الشئ محتمل الوقوع أيضًا وهذا لا يتصور هناك فإن هناك وقوعًا لا احتمال وقوع.
قوله: (وسيشير إليه فيما بعد) أى عند قول الشارح فإن قلت: الاعتقاد لا
[ ١ / ٢٠٨ ]
يحتمل النقيض عند الذاكر حيث قال: لأن الواقع فى نفس الأمر أما الاعتقاد فلا احتمال له وأما نقيضه فلا معنى لاحتماله.
قوله: (فالظاهر أنه قصد ذلك فى تحقيقه) أى أنه قصد بقوله: والتحقيق. . . إلخ. أنه لا معنى لنفى احتمال النقيض فى الواقع كما أفاده ما قبل التحقيق؛ لأن نفى الشئ فرع تصوره وهو غير متصور بالنسبة للواقع، وإنما المراد بنفى احتمال النقيض الذى اعتبر قيدًا فى العلم الجزم المطابق لموجب والتجويز العقلى فى المتعلق لا يستلزم نفيه ولم يقصد فى التحقيق المذكور نفى الاحتمال عند العالم فى الحال والمآل ونفيه فى الواقع كما ذكره المحشى أولًا وإلا لقال: لا يستلزم أن لا يحتمل فى الواقع ولا عند العالم حالًا أو مآلًا.
[ ١ / ٢٠٩ ]
قال: (واعلم أن ما عنه الذكر الحكمى إما أن يحتمل متعلقه النقيض بوجه أو لا الثانى العلم والأوّل إما أن يحتمل النقيض عند الذاكر لو قدّره أو لا والثانى الاعتقاد فإن طابق فصحيح وإلا ففاسد والأول إما أن يحتمل النقيض وهو راجح أو لا فالراجح الظن والمرجوح الوهم والمساوى الشك وقد علم بذلك حدودها).
أقول: إذا قلت: زيد قائم أو ليس بقائم، فقد ذكرت حكمًا وهو الذكر الحكمى وهو ينبئ عن أمر فى نفسك من إثبات أو نفى. وهو ما عنه الذكر الحكمى وربما يسمى الذكر النفسى وله نقيض فللإثبات النفى وللنفى الإثبات. ولذلك متعلق هو طرفاه. فنقول ما عنه الذكر الحكمى سواء صدر عنه الذكر الحكمى أو لا إما أن يحتمل متعلقه النقيض أى نقيض ما عنه الذكر الحكمى بوجه من الوجوه أو لا والثانى العلم والأول إما أن يكون بحيث لو قدر الذاكر النقيض لكان محتملًا عنده أو لا والثانى هو الاعتقاد وهو إن كان مطابقًا للواقع فاعتقاد صحيح وإلا فاعتقاد فاسد والأول إما أن يحتمل النقيض وهو راجح أو لا بل مرجوح أو مساو فالراجح الظن والمرجوح الوهم والمساوى الشك وإنما جعل المورد بها عنه الذكر الحكمى دون الاعتقاد أو الحكم ليتناول الشك والوهم مما لا اعتقاد ولا حكم للذهن فيه وأشار بقوله: لو قدره. إلى أن الظن اعتقاد بسيط وقد لا يخطر نقيضه بالبال ولكن ينبغى أن يكون بحيث لو أخطر نقيضه بالبال لجوّز ولا يكون تمييزه فى القوة بحد لو قدّر نقيضه لمنعه.
فإن قلت: الاعتقاد لا يحتمل النقيض عند الذاكر ولا فى الواقع إذ الواقع أحدهما قطعًا ولم يعتبر الجواز العقلى كما فى العاديات فما معنى احتماله للنقيض.
قلت: ذلك احتمال متعلقه فى نفس الأمر بالنسبة إلى الحاكم أن يحكم فيه بالنقيض وذلك بأن يكون الواقع فيه نقيضه أو هو ولا يكون ثمة موجب من حس أو ضرورة أو عادة توجب الحكم فإن الاعتقاد عن تقليد أو شبهة لا يمتنع أن لا يحصل فيه الجزم الذى اتفق لا لموجب بل يحصل اعتقاد نقيضه ثم ذكر أنه قد علم بهذا التقسيم حدودها أن حد كل واحد من الظن والعلم وقسيماتهما بأن يقال: العلم ما عنه الذكر الحكمى الذى لا يحتمل متعلقه النقيض بوجه، والظن: ما عنه الذكر الحكمى الذى يحتمل متعلقه النقيض عند الذاكر لو قدّره إذا كان راجحًا وعليه فقس.
[ ١ / ٢١٠ ]
واعلم أنه قد اشتهر من كلام الإمام الرازى ومن تبعه تقسيم التصديق إلى العلم والظن والاعتقاد والشك والوهم، ولما كان جعل الشك والوهم من أقسام التصديق مخالف للتحقيق زعم الشارح المحقق أن ما عنه الذكر الحكمى أعم من الحكم والتصديق فيعم الشك والوهم، وزعم الشارح العلامة أنه يتناول من التصورات ما يشتمل على نسبة كالمركب التقييدى وأنت خبير بأن هذا معنى ثالث للعلم غير ما ينقسم إلى التصور والتصديق وغير ما هو من أقسام التصديق لم يعرف به اصطلاح، وجمهور الشارحين على أن الذكر الحكمى هو الكلام اللفظى المشتمل على إفادة بالنسبة وما عنه الذكر الحكمى هو الذكر النفسى ويسمى بالكلام النفسى، ومتعلقه بالنسبة التى بين طرفى الذكر النفسى أعنى النسبة القائمة بالذهن لا النسبة الخارجية على ما فى بعض الشروح إذ لا معنى لاحتمالها النقيض، والشارح المحقق فسر الذكر الحكمى بالحكم المذكور وما عنه الذكر الحكمى بالحكم المعقول إذ هو الذى ينبئ عنه المذكور لفظًا فتعين أن يكون متعلقه الطرفين إذ لم يبق سوى النسبة الخارجية وهى لا تتصف باحتمال النقيض ولا معنى لوصفها باحتمال نقيض النسبة المعقولة بخلاف الطرفين، فإنه إذا تعقل بينهما نسبة فقد يحتملان نقيضها وقد لا يحتملان والحاصل أن الذكر النفسى إما عين النسبة المعقولة أو مجموع ما جعل فى العقل من الطرفين والنسبة، وعلى كل تقدير لا معنى لجعل متعلقه النسبة؛ لأن متعلق الشئ خارج عنه لا محالة وعلى التقدير الأول وهو الحق يصح جعل متعلقه الطرفين وههنا بحث وهو أن المفهوم من الإثبات والنفى إما إيقاع النسبة وانتزاعها بمعنى إدراك أن النسبة واقعة أو ليست بواقعة والإذعان والقبول لذلك على ما هو حقيقة التصديق والحكم، ومعلوم أنه لا يتناول الشك والوهم وإما وقوع النسبة ولا وقوعها ومعلوم أنه على تقدير تحققه فى الشك والوهم لا ينقسم إلى العلم والظن ونحوهما بل إلى المعلوم والمظنون لا يقال المراد حضور النسبة التى هى مورد الإيجاب والسلب، لأنا نقول هذا على تقدير أن يصدق عليه الإثبات والنفى وينبئ عنه الذكر الحكمى لا ينحصر فيما ذكر بل قد يكون مجرد تصور وبالجملة لا يفهم من الإثبات والنفى معنى يتناول الشك والوهم ويصدق على العلم وسائر الأقسام وينحصر فيها وغاية ما يمكن من
[ ١ / ٢١١ ]
التكلف أنه أراد حضور النسبة لا من حيث مفهومها بل من حيث وقوعها ولا وقوعها على الجزم أو الرجحان أو التساوى أو المرجوحية، وعلى هذا فتفسير المتعلق بالنسبة المعقولة فى غاية الوضوح لأنها متعلق الحضور والإدراك المنقسم إلى الأقسام ولأن المفهوم من احتمال متعلق الشئ للنقيض احتماله لنقيض ذلك الشئ على ما اضطر إليه الشارح؛ ولأنه أشار فى مواضع من هذا الشرح إلى أن المتعلق فى مثل هذا المقام هو ما تعلق به العلم والتمييز.
قوله: (سواء صدر عنه) إشارة إلى أنه لا ينبغى أن يفهم مما عنه الذكر الحكمى أن يكون قد عبر عنه بالكلام اللفظى البتة بل ما من شأنه ذلك، وفيه تنبيه على أن متعلق عن كما يجوز أن يكون فعل الإنباء يجوز أن يكون فعل الصدور لكن لا صدور الفعل عن الفاعل حتى ينتقض بمثل القوة العاقلة، بل بمعنى أن يكون باعثًا عليه وسببًا فيه فى الجملة.
قوله: (دون الاعتقاد) إشارة إلى أن الاعتقاد كما يطلق على ما يقابل العلم والظن يطلق على ما يشملهما.
قوله: (اعتقاد بسيط) دفع لما قد سبق إلى بعض إلى الأذهان من أن فى الظن اعتقادين اعتقاد أن النسبة واقعة وأن لا وقوعها يحتمل احتمالًا موجودًا.
قوله: (فإن قلت) يعنى أنه جعل الاعتقاد مما يحتمل النقيض فى الجملة وليس ذلك المعتقد؛ لأنه جازم ولا فى نفس الأمر لأن بها فى نفس الأمر لا يكون إلا الثبوت على القطع أو الانتفاء على القطع ولا هو أيضًا بمعنى الجواز العقلى من حيث كون الحكم من الأمور الممكنة فيكون نقيضه أيضًا ممكنًا نظرًا إلى ذاته، لأن ذلك لا يقدح فى كون الحكم لا يحتمل النقيض بوجه كما فى العاديات فإنها علوم لا اعتقادات، بل معناه أن طرفى الحكم المعتقد مما يجوز فى نفس الأمر للحاكم أن يحكم بينهما بنقيض ما اعتقده إما لأن اعتقاده باطل والواقع فى نفس الأمر نقيض حكمه؛ وإما لأن اعتقاده صحيح والواقع فى نفس الأمر هو حكمه ولكنه لا يستند إلى موجب بل اتفق بسبب تقليد أو شبهة لم يمتنع أن ينتفى ذلك الجزم والاعتقاد، ويحصل اعتقاد نقيضه كما يتفق من الاعتقادات فقوله (وذلك) أى الاحتمال المذكور (بأن يكون الواقع فيه) أى فى نفس الأمر (نقيضه) أى نقيض الحكم الذى اعتقده (أو هو) أى نفس حكمه وكان الصواب أو إياه؛ لأنه عطف
[ ١ / ٢١٢ ]
على خبر كان إلا أن الضمائر قد يقع بعضها موقع بعض وأما رفع نقيضه على أنه اسم كان والواقع خبره فليس بسديد.
قوله: (وقد علم) قال القاضى البيضاوى: هذا إنما يلزم إذا كان المورد أعم من الأقسام مطلقًا والمميز شاملًا لأفراد كل قسم، وههنا الحكم أعم من العلم مطلقًا ولا المطابقة والجزم شاملين لجميع أفراد العلم فإن منه تصورات ساذجه لا يصدق ذلك عليه (^١) تقسيم العلم.
قوله: (إذا قلت: زيد قائم أو ليس بقائم) لما فرغ من تحديد العلم أشار إلى تقسيم يعرف منه الظن وأخواته.
قوله: (فقد ذكرت حكمًا) هو هذا اللفظ وإنما سمى به لدلالته عليه أو فقد ذكرت بهذا اللفظ حكمًا وعلى هذا فتسمية اللفظ بالذكر الحكمى ظاهرة لكونه ذكرًا منسوبًا إلى الحكم من حيث دلالته عليه والضمير فى قوله (وهو الذكر الحكمى) راجع إلى القول لا إلى الحكم وأما على الأول فلانتسابه إلى مدلوله أيضًا أو إلى الحكم الذى هو اللفظ فيكون نسبة لإفراده إليه والضمير المذكور عائد إلى الحكم (وهو) أى الذكر الحكمى (ينبئ عن أمر فى نفسك من) مورد (إثبات أو نفى) سواء تعلق به أحدهما على التعيين أو لا وإنما فسرناه بذلك ليتناول الشك والوهم كما صرح به ولو أجرى على ظاهره لكان راجعًا إلى الحكم فلا يتناولهما لا يقال: الذكر الحكمى ينبئ عن الإثبات أو النفى لا عن النسبة التى هى موردهما لأنا نقول: الإنباء عنهما يستلزم الإنباء عنها قطعًا وإنما سميت النسبة المتصورة بين بين الصالحة فى نفسها لورودهما بما عنه الذكر الحكمى إذ من شأنها أن يصدر عنها بل بواسطتها الذكر الحكمى فإن القائل: زيد قائم قاصدًا به معناه لا بد له أن يتصور الطرفين والنسبة ولا يجب فى ذلك أن يكون فى نفسه إيقاعها أو انتزاعها بل قد يكون شاكًا فيها ويذكر ما يدل على أحدهما أو جازمًا بأحدهما ويذكر ما يدل على الآخر لجواز تخلف مدلولات الألفاظ عنها فالذى يحتاج إليه فى الذكر الحكمى وينشأ هو منه مورد الإثبات والنفى (وربما يسمى) ما عنه الذكر الحكمى (بالذكر
_________________
(١) قوله: لا يصدق ذلك عليه. هكذا فى الأصل ولتحرر العبارة. كتبه مصحح طبعة بولاق.
[ ١ / ٢١٣ ]
النفسى) ولذلك جعله مقسمًا فى المنتهى فإن قيل النسبة مجردة عن اعتبار حصولها أو لا حصولها بعينه معها تصور كما سيأتى ولا نقيض له بها سلف فلا يصح على ما ذكرتم، قوله: وله نقيض وأيضًا هى لا تنحصر فى هذه الأقسام إذ قد تكون مجرد تصوره أجيب عن الأول: بأن النسبة من حيث هى هى تصور ولا نقيض لها من هذه الحيثية لكن يتعلق بها الإثبات والنفى وكل واحد منهما نقيض للآخر فهى من حيث يتعلق بها الإثبات تناقضها من حيث يتعلق بها النفى ولا شك أن النسبة الإيجابية لا تخلو عن ملاحظة أحدهما إما معينًا أو غير معين فإن الشاك يلاحظ معها كل واحد منهما على سبيل التجويز فكأنه قيل: وله باعتبار ما يتعلق به نقيض فلا إشكال، وعن الثانى بأن المقسم هو النسبة لا مطلقًا بل من حيث هى متصورة بين بين وصالحة لأن يصدر عنها الذكر الحكمى وانحصارها فى الأقسام المذكورة مما لا شبهة فيه.
قوله: (ولذلك) أى ولما عنه الذكر الحكمى (متعلق هو طرفاه) فإن النسبة المتصورة بينهما القائمة بالنفس متعلقة بهما إذا تمهد هذا فنقول: (ما عنه الذكر الحكمى سواء صدر عنه الذكر الحكمى) الدال على تعيين أحد طرفيه (أولًا إما أن يحتمل طرفاه نقيضه) يعنى إذا اعتبر ما عنه الذكر الحكمى من حيث يلاحظ معه الإثبات أو النفى بدلًا أو بعينه فلا يخلو إما أن يحتمل طرفاه ما هو نقيض له من هذه الحيثية بل نقيض لما لوحظ معه بوجه من الوجوه أو لا قيل إنما قال أولًا: وهو ينبئ، وثانيًا: سواء صدر عنه إيماء إلى أن الجار فى ما عنه إما أن يتعلق بفعل الإنباء أو الصدور.
قوله: (بحيث لو قدر الذاكر النقيض) يتناول ما هو من تلقاء نفسه أو من غيره.
قوله: (فاعتقاد صحيح) بل هو تقليد المصيب والاعتقاد الفاسد يشمل تقليد المخطئ وما ينشأ عن شبهة وكلاهما جهل مركب.
قوله: (وإنما جعل المورد) المشهور فى هذا المقام أن يجعل المقسم الاعتقاد المرادف للتصديق أو الحكم وبعد الشك والوهم من أقسامه وليس بصحيح إذ لا اعتقاد ولا حكم فيهما أما فى الشك فلأن طرفى النفى والإثبات متساويان فيه فإن كان هناك حكم واعتقاد فإما بهما وفساده ظاهر أو بأحدهما فيلزم التحكم والكلام
[ ١ / ٢١٤ ]
فى المعنى القائم بالنفس سواء عبر عنه بالألفاظ أو لا فلا يتوجه أن الشاك قد يتلفظ بما يدل على أحد الطرفين كما مر وأما فى الوهم فلأن المرجوح أدنى من المساوى وأيضًا فى الراجح حكم فيلزم اعتقاد النقيضين معًا وبالجملة لا بد فى الحكم والاعتقاد من رجحان ولا رجحان فيهما فلذلك عدل المصنف إلى ما يشملهما.
قوله: (وأشار) المذكور فى عبارة القوم أن الظن هو الحكم بأحد النقيضين مع تجويز الآخر ويتبادر منه أنه مركب من اعتقادين فأشار إلى أنه بسيط وأن خطور النقيض الآخر لا يجب أن يكون بالفعل ولعل مرادهم هو هذا لكن التصريح به أولى.
قوله: (فإن قلت الاعتقاد لا يحتمل النقيض عند الذاكر) لكونه قسيمًا لما يحتمله عنده، (ولا فى الواقع) لأن الواقع فى نفس الأمر إما الاعتقاد فلا احتمال له كما فى العلوم العادية وإما نقيضه فلا معنى لاحتماله وبالجملة ما فى نفس الأمر أحدهما قطعًا والاحتمال ينافيه والجواز العقلى الشامل لجميع الممكنات غير معتبر كما فى العاديات وحيث جعله مقابلًا للعلم فلا بد فيه من احتماله النقيض بوجه وقد انتفت الوجوه بأسرها فما معنى احتماله له والجواب أن معنى احتماله للنقيض هو احتمال متعلقه فى نفس الأمر بالنسبة إلى الحاكم أن يحكم فيه بالنقيض لا فى الحال لوجود الجزم المانع منه وهو الذى نفيناه من قبل بل فى المآل لجواز زواله فيه، (وذلك بأن يكون الواقع فى نفس الأمر نقيضه) كما فى الجهل المركب فيطلع عليه فيما بعد، (أو) يكون الواقع فيه (هو) أى الاعتقاد، (ولا يكون ثمة ما يوجبه من حس أو بداهة أو عادة) أو برهان كما فى تقليد المصيب فيزول، (فإن الاعتقاد) الناشئ (عن تقليد أو شبهة) فى صواب أو خطأ لا يمتنع أن يزول بتقليد آخر أو اطلاع على الواقع أو فساد الشبهة.
واعلم أن لفظ الواقع: منصوب خبرًا لكان، ونقيضه: مرفوع اسمًا لها والضمير المرفوع عطف عليه ويحتمل أن يقتدر ضمير الشأن فيكون عطفًا على خبر المبتدأ.
قوله: (بأن يقال العلم) العلم الخارج من التقسيم قسم من العلم وهو التصديق اليقينى وقد علم منه حده وأما سائر الأقسام فقد خرجت تامة ولا بأس فى ذلك إذ قد تقدم ما هو أصح حدوده والمقصود معرفة ما عداه وأيضًا يمكن تعميمه بأدنى
[ ١ / ٢١٥ ]
تصرف فإن قيل ما عنه الذكر الحكمى إن كان هو النفى والإثبات فهو التمييز الذى له نقيض وإن كان هو النسبة فكذلك فإنها باعتبار أحد الواردين عليها نقيض لها باعتبار الوارد الآخر كما سلف فالمعلوم من القسمة أن العلم تميز مخصوص لا يحتمل متعلقه النقيض وقد سبق أنه صفة توجبه أجيب بأن هذا على مذهب القائلين بالإضافة وذلك على ما هو الحق من أنه صفة حقيقية ذات إضافة أو نقول إنما اكتفى ههنا بالتمييز لأنه منشأ هذه الأقسام والصفة مرادة لتقدمها إلا أنه يلزم إرادتها فى الأقسام بأسرها.
قوله: (وهو الذكر الحكمى) قيل يجوز أن يرجع ذلك الضمير إلى الذكر المذكور فى قوله فقد ذكرت والحكم عبارة عن المقول؛ وحينئذ حمل الذكر الحكمى على هذا الضمير فى قوله وهو الذكر الحكمى ونسبة الذكر إلى الحكم فى غاية الظهور وأما قوله وهو ينبئ فباعتبار المذكور.
قوله: (فلانتسابه إلى مدلوله أيضًا) أى كما أن القسمة على الوجه الثانى لذلك الانتساب ولا خفاء فى أن مقصود الشارح من قوله: إذا قلت زيد قائم فقد ذكرت حكمًا توجبه تلك القسمة وإيراد ما يلحقه ياء النسبة، وعلى تقدير ما ذكره المحشى من قوله فلانتسابه إلى مدلوله أيضًا لا يدخل ياء النسبة على الحكم الذى ذكره الشارح بل يدخل على الحكم الذى هو مدلول لذلك الحكم فلا فائدة فى إيراد الحكم من حيث الإطلاق على ذلك اللفظ بل يجب إيراده من حيث كونه مدلولًا وأن يقال فقد ذكرت ما يدل على الحكم.
قوله: (فلا يتناولها) توضيح الكلام أن ما صدر عن النسبة التى هى مورد الإيجاب والسلب جملة خبرية دالة على الحكم أى الإثبات أو النفى سواء تحقق الحكم من المتكلم أو لا، وكل جملة خبرية مقترنة بالحكم والشك والوهم داخل فى الذكر الحكمى لإثباتها عن الحكم، وإن لم يكن هناك حكم، وكما ينبئ عن الحكم ينبئ عن النسبة الحكمية أيضًا إلا أنه لو قسم بها عنه الذكر الحكمى باعتبار الحكم لم يجز أن يجعل الشك والوهم من أقسامه وإن صح جعل الجملة الخبرية المقارنة للشك أو الوهم من أقسام الذكر الحكمى المنبئ عن الحكم ولو قسم ما عنه الذكر الحكمى باعتبار النسبة الحكمية صح جعلهما من أقسامه ومعلوم أن كل ما
[ ١ / ٢١٦ ]
يدخل عليه لفظة عن فى قوله وهو ينبئ عن كذا يصير مقسمًا لتلك الأقسام وهو ما عنه الذكر الحكمى؛ فيجب أن يقال والذكر الحكمى ينبئ عن أمر فى نفسك من مورد إثبات أو نفى كما فعله لا من إثبات أو نفى كما فعله الشارح.
قوله: (ويذكر مما يدل على الآخر) يعنى أن قول هذا القائل زيد قائم ذكر حكمى على أى تقدير من التقادير المذكورة ويجب فيه تصوّر النسبة ولا يجب الإيقاع أو الانتزاع فالذكر الحكمى سببه النسبة الحكمية لا الإيقاع والانتزاع، ويجب أن يكون هذا القول على التقدير الأخير ذكرًا حكميًا وإلا لم يجز ذكر هنا، وليس فى تفسير الذكر الحكمى ولا تفسير ما عنه الذكر الحكمى شئ يخرج عن هذا القول فنقول حصر ما عنه الذكر الحكمى فى الأقسام المذكورة ليس بصحيح لأن من قال زيد قائم وهو جازم باللاوقوع فهذا القول ذكر حكمى وهو ينبئ عن مورد الإيجاب من حيث هو مورد له فهذا المورد من حيث يتعلق به الإثبات وإن كان على سبيل التصور له نقيض كما يكون للوهم والتصديق اليقينى ولا يكون علمًا ولا ظنًا ولا وهمًا ولا تقليدًا ولا جهلًا؛ فيجب لدفع هذا الإشكال ترك قوله أو جازمًا بأحدهما ويذكر ما يدل على الآخر وتقييد مورد الإيجاب والسلب فى تفسير ما عنه الذكر الحكمى بقولنا: من حيث يتعلق به الإثبات أو النفى تعلقًا تجويزيًا.
قوله: (هو النسبة لا مطلقًا) يعنى أن المقسم هنا ليس مفهوم النسبة بل النسبة من حيث هو متصورة بين بين أى فرد منها وليس المقسم فردًا منها مجردة عن الوقوع واللاوقوع بل من حيث يتعلق بها أحدهما بالنسبة الواقعة فى الشك، وإذا أدركت من حيث يتعلق بها الإثبات تصير صالحة لأن يصدر عنها الذكر الحكمى الإيجابى وإذا أدركتما من حيث يتعلق بها النفى تصير صاحة لأن يصدر عنها الذكر الحكمى السلبى واحتمال النقيض أيضًا فى الشك على هذا التفصيلى.
قوله: (متعلقة بهما) إشارة إلى أن إطلاق لفظ المتعلق على الطرفين بحذف حرف الجر.
قوله: (مركب من اعتقادين) بناء على أن التجويز هو الحكم بالجواز فحصل فى الظن حكمان، وإنما قال يتبادر منه أنه مركب من اعتقادين لجواز أن يراد بهذه العبارة أن الظن هو الحكم بأحد النقيضين بشرط أن يجتمع معه تجويز النقيض
[ ١ / ٢١٧ ]
الآخر والشارح قد أبطل التركيب والاشتراط أيضًا.
قوله: (أن يحكم فيه بالنقيض لا فى الحال) فيه نظر لأن المراد باحتمال متعلقه أن يحكم فيه بالنقيض إما الإمكان الذاتى فيلزم أن يكون الاعتقاد محتمل متعلقه أن يحكم فيه بالنقيض فى الحال ولا يمنعه وجود الجزم نجواز عدمه فى هذا الزمان والحكم بنقيضه وإما إمكان متعلقه المقيد بوقوع الجزم وقد سبق نحو من ذلك فى العلوم العادية وفي قوله مقدمة إذا وقع أحد طرفى الممكن. . . إلخ. فيلزم أن لا يحتمل متعلق الاعتقاد الدائم الصحيح أن يحكم فيه بالنقيض فى المآل أيضًا ولا يظهر قسم آخر، فإن قلت إذا قلنا الاعتقاد يحتمل متعلقه النقيض عند الذاكر أردنا بالاحتمال جواز النقيض فى ذهنه على وجه لو توجه إلى الحكم بالجواز يحكم به وذلك لا يتصور فى الاعتقاد إلا بحسب المآل، قلت: قولهم الاعتقاد يحتمل متعلقه النقيض إما أن يكون معناه أن ذلك فى وقت من الأوقات وأنه بالإمكان فعلى الأول يشكل بالاعتقاد الدائم وعلى الثانى عاد الكلام فيه بلا فرق وقوله فيما بعد لا يمتنع أن يزول متعلق آخر بالقسم الآخر.
قوله: (أدنى تصرف) قال بعض الأذكياء: الذكر الحكمى عندهم هو مثل قولنا زيد قائم وهذا المركب يدل على النسبة وعلى وقوعها وعلى كل واحد من الطرفين إذ المركب يدل على كل واحد من أجزائه بالتضمن فهذا القول كما ينبئ عن النسبة ينبئ عن أطرافها أيضًا وكل فرد من أفراد التصور يمكن أن يجعل جزءًا من قضية، فإذا قلنا ما عنه الذكر الحكمى وأردنا ما من شأنه أن ينبئ عنه الذكر الحكمى مع التعميم فى الأنباء من غير تخصيص بالنسبة دخل التصورات أيضًا فى العلم.
الشارح: (وربما يسمى الذكر النفسى) يريد الشارح بذلك التنبيه على منشأ غلط الشارحين الذين جعلوا ما عنه الذكر الحكمى الكلام النفسى الشامل للنسبة والطرفين وذلك المنشأ هو التعبير عنه بالذكر النفسى مع أن المراد منه النسبة التى هى مورد الإثبات والنفى.
الشارح: (لا يمتنع أن يحصل فيه الجزم) الأوضح حذف فيه الجزم. . . إلخ. بل يقول لا يمتنع أن لا يحصل بل يحصل نقيضه كما هو ظاهر وأشار إليه المحشى فى بيانه.
[ ١ / ٢١٨ ]
التفتازانى: (زعم الشارح المحقق أن ما عنه الذكر الحكمى أعم) أى حيث قال وإنما جعل المورد ما عنه الذكر الحكمى دون الاعتقاد أو الحكم ليتناول الشك والوهم مما لا اعتقاد فيه ولا حكم.
التفتازانى: (وزعم الشارح العلامة) أى الشيرازى وقوله: ما يشتمل على نسبة كالمركب التقيدى فيه أنه لا يدخل فيما عنه الذكر الحكمى؛ لأن الذكر الحكمى عبارة عن الكلام المشتمل على النسبة التامة فكأن السعد يشير إلى رده بالتعبير عنه بالزعم.
التفتازانى: (بأن هذا معنى ثالث للعلم) أى ما عنه الذكر الحكمى المنقسم إلى الأقسام الخمسة فإنه إدراك وكل إدراك علم وقد أطلق على ما هو من أقسام التصديق وبعض أقسام التصور وهو الشك والوهم وقوله: غير ما ينقسم إلى التصور والتصديق أى وإن الذى ينقسم إليهما أعم منه إذ يشمل إدراك ما ليس بنسبة أصلًا وإدراك النسبة لا من حيث ملاحظة الإثبات والنفى أصلًا ثم المراد بالتصديق الذى جعل قسيمًا للتصور، أما التصديق اليقينى كما هو المأخوذ من تعريف العلم بصفة توجب تمييزًا لا يحتمل النقيض وأما التصديق المطلق الشامل للظن والتقليد لأن العلم ينقسم إلى التصور والتصديق بهذا المعنى أيضًا.
التفتازانى: (بالحكم المذكور) أى الذى هو قولنا: زيد قائم مثلًا، وقوله: بالحكم المعقول أى الذى هو النسبة القائمة بالذهن باعتبار إثباتها أو انتفائها.
التفتازانى: (وهى لا تتصف باحتمال النقيض) أى نقيضها على ما هو ظاهر العبارة وإن كان خلاف التحقيق وقوله ولا معنى لوصفها باحتمال نقيض النسبة أى على ما هو التحقيق من أن المحتمل يتوارد عليه الأمران مع ثبوته.
التفتازانى: (على ما هو التصديق والحكم) عطف الحكم عليه عطف مرادف إذا كان التصديق بسيطًا فإن كان مركبًا فعطف الجزء على الكل.
التفتازانى: (فإن منه تصورات ساذجة لا يصدق ذلك عليه تقسيم العلم) هكذا وقع فى نسخ الطبع وهو تحريف، وصوابه لا يصدق عليها وأما قوله: تقسيم العلم فعبارة زائدة وقعت من الناسخ.
قوله: (أشار إلى تعريف يعرف منه الظن وأخواته) يشير إلى أن ذلك هو الغرض من هذا التقسيم لا معرفة العلم الذى هو التصور والتصدق اليقينى لأنها
[ ١ / ٢١٩ ]
قد تقدمت بتعريف العلم بأنه صفة توجب تمييزًا. . . إلخ.
قوله: (أو فقد ذكرت بهذا اللفظ حكمًا) أى كأنك ذكرت حكمًا لذكرك ما دل عليه.
قوله: (فلانتسابه إلى مدلوله أيضًا) فيه أن الحكم فى الأول عبارة عن اللفظ مثل زيد قائم يعتبر مدلولًا بخلاف الثانى فإن قوله: فقد ذكرت حكمًا على معنى أنك ذكرت حكمًا لذكرك ما دل عليه فياء النسبة على الأول داخلة على الحكم الذى ذكره الشارح وهو اللفظ فتكون النسبة نسبة الأفراد للمطلق لا نسبة الدال إلى المدلول.
قوله: (من مورد إثبات أو نفى) دفع بذلك إيراد السعد.
قوله: (وإنما فسرناه بذلك. . . إلخ) أى فسرنا الأمر الذى فى النفس بمورد الإثبات والنفى وذلك بتقدير المضاف كما هو ظاهر من قوله: من مورد إثبات أو نفى أو بذكر المتعلق بالكسر وهو الإثبات والنفى واردة المتعلق بالفتح وهو النسبة، ثم المراد: النسبة باعتبار قيامها بالذهن وملاحظة الإثبات والنفى كما سيذكره فيرجع إلى تقسيم الإدراك والعلم بالمعنى العام للشك والوهم.
قوله: (بل بواسطتها) أضرب إليه ليشير إلى أن النسبة فى ذاتها ليست فاعلة للصدور بل هى وسيلة للصدور من القوة العاقلة.
قوله: (بل قد يكون شاكًا فيها) وذلك لا ينافى أن الجملة ذكر حكمى ينبئ عن الحكم لأن الأنباء متحقق وإن لم يكن الحكم حاصلًا عند المخبر.
قوله: (وأيضًا هى لا تنحصر فى هذه الأقسام) أى لأن منها النسبة التقييدية والإنشائية والنسبة الخبرية قبل إيقاعها أو انتزاعها.
قوله: (من تلقاء نفسه) أى كما فى الشك والظن وقوله: أو من غيره أى كما فى الاعتقاد الصحيح والفاسد وذلك بالتشكيك أو بزوال الشبهة.
قوله: (بل هو تقليد المصيب) اعترض هذا الحبر بأن الاعتقاد الطابق إذا استند إلى دليل فاسد يحتمل متعلقه النقيض عند العالم مآلًا لاحتمال أن يطلع على فساده وليس ذلك بعلم فلا بد أن يندرج فى الاعتقاد الصحيح.
قوله: (مركب من اعتقادين) أحدهما اعتقاد أن الشئ كذا، والآخر اعتقاد أنه يجوز أن لا يكون كذا جوازًا مرجوحًا.
[ ١ / ٢٢٠ ]
قوله: (فأشار إلى أنه بسيط) أى: وأن معنى التجويز فى عبارة القوم عدم الوصول فى الظن إلى مرتبة الجزم بل يكون بحيث لو قدر الذاكر النقيض كان محتملًا عنده وجائزًا بناء على ذلك.
قوله: (فلا معنى لاحتماله) لأن معنى الاحتمال التردد بين أن يكون وأن لا يكون وإذا كان النقيض واقعًا فلا معنى لهذا الترديد وهذا لا ينافى ما سبق للمحشى من أن الاحتمال يقابل الامتناع مطلقًا؛ لأن مقابلته له لكون الامتناع مجامعًا للقطع لا لكون الامتناع امتناعًا.
قوله: (واعلم أن لفظ الواقع. . . إلخ) رد على التفتازانى وأن قوله: ليس بسديد، ليس بسديد.
قوله: (وهو التصديق اليقينى) أى الخارج هو التصديق اليقينى وقوله وقد علم حده أى حد ذلك القسم الخارج يعنى ولم يخرج حد العلم الشامل للتصور والتصديق اليقينى.
قوله: (ولا بأس فى ذلك) رد على ما قاله البيضاوى اعتراضًا على المصنف فى قوله وقد علم بذلك حدودها حيث قال كما فى السعد: هذا إنما يلزم إذا كان المورد أعم من الأقسام مطلقًا والمميز شاملًا لأفراد كل قسم وههنا الحكم يعنى الذى هو المورد ليس أعم من العلم مطلقًا؛ أى لأن العلم يتحقق بدون تحقق الحكم الذى هو المورد وذلك فى التصور ولا المطابقة والجزم أى المميزين للعلم شاملين لجميع أفراد العلم فإن منه تصورات ساذجة لا يصدق ذلك عليها، وحاصل الرد أنه ليس المقصود إلا معرفة الظن وأخواته وأما حد العلم الشامل للتصور والتصديق اليقينى فقد تقدم فى قوله: وأصح الحدود صفة. . . إلخ.
قوله: (بأدنى تصرف) بأن يراد بما عنه الذكر الحكمى ما يشمل النسبة والأطراف.
[ ١ / ٢٢١ ]