قال: (قالوا: يعرف المجاز بوجوه بصحة النفى كقولك للبليد ليس بحمار عكس الحقيقة لامتناع ليس بإنسان وهو دور وبأن يتبادر غيره لولا القرينة عكس الحقيقة وأورد المشترك فإن أجيب بأنه يتبادر غير معين لزم أن يكون المعين مجازًا وبعدم اطراده ولا عكس وأورد السخى والفاضل لغير اللَّه والقارورة للزجاجة فإن أجيب بالمانع فدور وبجمعه على خلاف جمع الحقيقة كأمور جمع أمر للفعل وامتناع أوامر ولا عكس وبالتزام تقييده نحو جناح الذل ونارًا للحرب وبتوقفه على المسمى الآخر مثل ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٥٤]).
أقول: قال الأصوليون: يعرف المجاز بالضرورة بأن يصرح أهل اللغة باسمه أو بحدّه أو بخاصته وبالنظر بوجوه منها صحة النفى فى نفس الأمر كقولك للبليد ليس بحمار وإنما قلت: فى نفس الأمر ليندفع ما أنت بإنسان لصحته لغة وهذا بعكس الحقيقة فإن عدم صحة النفى علامة لها ولذلك لا يصح أن تقول للبليد: إنه ليس بإنسان الاعتراض عليه المراد بصحة سلبه سلب كل ما هو معناه حقيقة لأن معناه مجازًا لا يمكن سلبه وسلب بعض المعانى الحقيقية لا يفيد لجواز سلب بعض المعانى الحقيقية دون بعض فإذًا لا يعرف صحة سلبه إلا إذا علم كونه ليس شيئًا من المعانى الحقيقية وهو إنما يتحقق إذا علم أنه فيما استعمل فيه مجاز فإثبات كونه مجازًا به دور ووروده فى الحقيقة أظهر.
وقد يجاب بأن سلب بعض المعانى الحقيقية كاف فيعلم أنه مجاز فيه وإلا لزم الاشتراك وأيضًا فما ذكرت حق إذا أطلق اللفظ لمعنى لم يدر أحقيقة فيه أم مجاز أما إذا علم معناه الحقيقى والمجازى ولم يعلم أيهما المراد أمكن أن يعلم بصحة نفى المعنى الحقيقى عن المورد أن المراد هو المعنى المجازى فيعلم أنه مجاز.
ومنها: أن يتبادر غيره إلى الفهم لولا القرينة عكس الحقيقة فإنها تعرف بأن لا يتبادر غيره لولا القرينة الاعتراض يرد عليه المشترك إذا استعمل فى معناه المجازى إذ لا يتبادر غيره للتردد بين معانيه وعدم تبادر شئ منها وأنه علامة الحقيقة وليس بحقيقة فإن أجيب بأنا لا نسلم أنه لا يتبادر غيره بل يتبادر أحد معنييه لا على التعيين وهو غيره قلنا: لو صح ذلك لصدق على العين أنه يتبادر غيره إذ غير المعين غير المعنى وذلك علامة المجاز فليكن مجازًا فى المعين فلا يكون مشتركًا بل متواطئًا وقد يجاب بأنه إنما صح ذلك لو تبادر أحدهما لا بعينه على أنه المراد
[ ١ / ٥٣٠ ]
واللفظ موضوع للقدر المشترك مستعمل فيه وأما إذا علم أن المراد أحدهما بعينه إذ اللفظ يصلح لهما وهو مستعمل فى أحدهما ولا نعلمه فذلك كاف فى كون المتبادر غير المجاز فلا يلزم كونه للمعين مجازًا.
ومنها: عدم اطراده بأن يستعمل لوجود معنى فى محل ولا يجوز استعماله فى محل آخر مع وجود ذلك المعنى فيه كما تقول ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢]، لأنه سؤال لأهلها ولا تقول: اسأل البساط وإن وجد فيه ذلك وهذا لا ينعكس أى ليس الاطراد دليل الحقيقة فإن المجاز قد يطرد كالأسد للشجاع الاعتراض السخى يطلق على غير اللَّه للجود واللَّه جواد ولا يقال له سخى وكذا الفاضل يطلق عليه للعلم واللَّه عالم ولا يقال له فاضل والقارورة تطلق على الزجاجة لاستقرار الشئ فيها والدن والكوز مما يستقر فيه الشئ ولا يسمى قارورة فإن أجيب عنه بأن المراد أنه يعرف بأن لا يطرد من غير مانع لغة أو شرعًا ولم يتحقق فيما ذكرتم من الأمثلة فإن الشرع منع السخى والفاضل للَّه واللغة منعت القارورة لغير الزجاجة قلنا: هذا دور فيجب أن لا تحصل المعرفة بهذا الطريق بيانه عدم اطراده إنما يعلم بسببه لأنه ممكن وهو إما عدم المقتضى أو وجود المانع وقد فرض أن لا مانع فهو لعدم المقتضى ولا مقتضى لصحة الإرادة إلا الوضع فينبغى أن يعلم وضعه لمقيد بقيد يختص بذلك المحل لا يتعداه إلى آخر ليعلم عدم جواز إرادة ذلك الآخر منه فإذًا يعلم عدم الاطراد بعدم الوضع وعدم الوضع بعدم الاطراد وهو الدور.
وقد يجاب بأن السخى لما دار بين كونه للجواد والجواد ممن شأنه أن يبخل ثم وجدناه لا يطلق على اللَّه تعالى مع جوده علمنا أنه ليس للجواد المطلق بل للجواد المقيد وهذا هو المراد وأنه واضح ولا يلزم الدور ولا النقض وكذا الآخران.
ومنها: جمعه على صيغة مخالفة لصيغة جمعه لمسمى آخر هو فيه حقيقة.
ووجه دلالته أنه لا يكون متواطئًا فيهما فإما مشترك أو حقيقة ومجاز وستعلم أن المجاز أولى مثاله أمور جمعًا للأمر بمعنى الفعل. ويمتنع أوامر الذى هو جمع الأمر بمعنى القول الذى هو حقيقة فيه باتفاق وهذا لا ينعكس إذ المجاز قد لا يجمع بخلاف جمع الحقيقة كالخمر والأسد.
ومنها: التزام تقييده فلا يستعمل فى ذلك المعنى عند الإطلاق نحو نار الحرب وجناح الذل.
[ ١ / ٥٣١ ]
ومنها: أن يكون إطلاقه لأحد مسمييه متوقفًا على تعلقه بالآخر نحو ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٥٤]، ولا يقال: مكر اللَّه ابتداء.
قوله: (بأن يصرح أهل اللغة باسمه) بأن تقول هذا مجاز أو بعده بأن تقول هذا مستعمل فى غير وضع أول، أو بخاصته مثل أن تقول هذا مشروط بالقرينة أو يصح نفيه أو نحو ذلك من الخواص والعلاقات التى ينتقل الذهن منها إلى كونها مجازًا من غير طلب وكسب.
قوله: (منها صحة النفى فى نفس الأمر) بمعنى أن صحة نفى المعنى الحقيقى للفظ عند العقل وفى نفس الأمر عن المعنى المستعمل فيه علامة كون اللفظ مجازًا وعدم صحته علامة كونه حقيقة، وقيد بنفس الأمر لأنه ربما يصح النفى لغة واللفظ حقيقة كما فى قولنا: زيد ليس بإنسان ويشكل بالمجاز المستعمل فى الجزء أو اللازم المحمول كالإنسان بمعنى الناطق أو الكاتب على ما يقال: ما زيد بإنسان ويراد نفى خواص الإنسانية؛ فإن عدم صحة النفى متحقق ولا حقيقة.
قوله: (وهو) أى العلم بأنه ليس شيئًا من المعانى الحقيقية يتحقق إذا علم أن اللفظ فيما استعمل فيه مجاز وإذ لو لم يعلم ذلك لجاز أن يكون أيضًا من المعانى الحقيقية؛ فلا يحصل العلم بأنه ليس شيئًا منها وفيه بحث؛ لأن غايته الاستلزام دون التوقف للقطع بأنه يصح العلم بأن الإنسان ليس شيئًا من المعانى الحقيقية للأسد وأن يعلم استعماله فيه فضلًا عن أن يكون مجازًا.
قوله: (ووروده) أى ورود هذا الاعتراض على الحقيقة أظهر لكون الدور بمرتبة فإن عدم صحة النفى فى نفس الأمر إنما يعلم إذا علم أن اللفظ فيه حقيقة وأنه بعض معانيه بخلاف المجاز فإن العلم بصحة النفى يتوقف على العلم بكونه ليس شيئًا من معانيه وهو بكونه مجازًا فيه.
قوله: (وقد يجاب) عن هذا الاعتراض بوجهين: أحدهما لا نسلم أن المراد صحة سلب كل ما هو معناه حقيقة وأن سلب بعض المعانى الحقيقية غير مفيد بل هو كاف مفيد للمطلوب لأنا إذا وجدنا اللفظ مستعملًا فى شئ ليس من أفراد معنى حقيقى لذلك اللفظ علمنا أن ذلك اللفظ مجاز فيه إذ لو كان حقيقة لكان لذلك اللفظ معنى آخر وهو من أفراده فيلزم الاشتراك وهو خلاف الأصل ولا
[ ١ / ٥٣٢ ]
يلزم الدور؛ لأن العلم بأنه ليس بعض المعانى الحقيقية لا يتوقف على العلم يكون اللفظ مجازًا فيه لجواز أن يكون بعضًا آخر بخلاف سلب كل المعانى فإنه لا يمكن بدون العلم بأن اللفظ ليس بموضوع له أصلًا، وثانيهما أن ما ذكرت من لزوم الدور على تقدير تمامه إنما يصح فيما إذا أطلق لفظ على معنى ولم يعلم أنه حقيقة فيه أو مجاز أما إذا علم للفظ المستعمل معنى حقيقى ومعنى مجازى ولم يعلم أيهما المراد فى هذا المقام لخفاء القرينة فصحة نفى المعنى الحقيقى عن المورد أى الحل الذى ورد فيه الكلام يدل على أن المراد هو المعنى المجازى فيعلم بذلك أن اللفظ مجاز وليس المراد بالمورد هو المعنى المجازى ليرد الاعتراض بأنا إذا لم نعرف المراد فكيف يمكننا سلب المعنى الحقيقى عنه أو إثباته له مثلًا إذا قيل:
طلع البدر علينا من ثنيات الوداع
وقد صح فى هذا المقام أن يقال: الطالع ليس هو القمر علم أن المراد إنسان كالقمر فى الحسن والبهاء ولا يخفى أن هذا بالقرائن أشبه منه بالعلامات.
قوله: (بأن لا يتبادر) أى فعلامة الحقيقة أن لا يتبادر غير المعنى المستعمل فيه لولا القرينة الدالة على أن المراد غيره يعنى أن هذه علامة مطردة منعكسة إذ تبادر الغير علامة المجاز وعدمه علامة الحقيقة.
قوله: (الاعتراض) تقريره على ما ذكره الآمدى فى الأحكام وتبعه الشارحون أن هذه العلامة [هى التبادر] (*) تنتقض بالمشترك فإنه حقيقة فى مدلولاته مع عدم تبادر شئ منها عند الإطلاق وأجاب الآمدى بأنه إن كان لجميع المدلولات على العموم فلا إشكال، وإن كان على سبيل البدل فهو حقيقة فيه لا فى المعين فالمعنى الحقيقى أعنى الأحد الدائر متبادر وغير التبادر أعنى العين ليس بمعنى حقيقى فلا إشكال واعترض عليه المصنف بأنه حينئذ يكون متواطئًا أى مشتركًا معنويًا؛ لأن له مفهومًا واحدًا لمعنيين فلا يكون مشتركًا لفظيًا ولما كان أصل الاعتراض فاسد إما على علامة المجاز فظاهر، وإما على علامة الحقيقة فلأن العلامة لا يجب انعكاسها عدل الشارح المحقق عن هذا التقرير إلى أن المراد الاعتراض بالمشترك المستعمل فى معناه المجازى كالعين فيما يشبه الهمس فإنه تحقق علامة الحقيقة أعنى عدم تبادر
_________________
(١) (*) أى فإنه علاقة الحقيقة على هذا التقدير، وقوله: (فلا إشكال): أى لأن الجميع يتبادر منه، وقوله: (فهو حقيقة) أى فى الأحد الدائر.
[ ١ / ٥٣٣ ]
الغير ولا حقيقة وحين توجه الجواب بمنع عدم تبادر الغير عند الإطلاق بل يتبادر الأحد الدائر دفعه المصنف بأنه لو تبادر ذلك عند الإطلاق لصدق علامة المجاز على المشترك المستعمل فى أحد معنييه على التعيين لأنه يتبادر غيره الذى هو الأحد الدائر أعنى أحد المعنيين لا على التعيين وحينئذ يلزم أن يكون مجازًا فى المعين حقيقة فى غير المعين ويصير متواطئًا أى مشتركًا معنويًا لا لفظيًا، وأجاب الشارح عن هذا الدفع بأن المراد تبادر الغير على أنه مراد واللفظ مستعمل فيه لا على معنى مجرد الخطور، وحينئذ لا يلزم كون المشترك مجازًا فى المعين وإنما يلزم لو كان تبادر الأحد الدائر على أنه مراد واللفظ موضوع له مستعمل فيه وليس كذلك بل معلوم عند الإطلاق أن المراد أحدهما بعينه واللفظ مستعمل فيه وإن لم يعلم بالتعيين لأن اللفظ صالح لهذا بالانفراد ولذلك بالانفراد فالعلم بأن المراد بالمشترك أحد المعنيين بعينه كاف فى كون المبادر على لفظ اسم المفعول أى المعنى الذى تبادر غيره الذى هو أحد المعنيين لا على التعيين عند الإطلاق غير المجاز؛ لأن غير المعين لم يبادره على وجه كونه مرادًا بل على وجه الخطور فقط وإذ قد صدق على المعين أنه لا يبادره غيره على وجه الإرادة كان حقيقة لا مجازًا لا يقال فحينئذ يندفع نفس جواب الاعتراض؛ لأن أحد المعنيين لا على التعيين لا يتبادر على الوجه الذى يصلح أن يكون علامة لكون المشترك فى لازم أحد المعنيين مثلًا مجازًا لأنا نقول: لولا القرينة لتبادر غيره الذى هو أحد المعنيين بعينة على أنه مراد وإن لم يعلم بالتعيين ففى هذا التحقيق إرشاد إلى إصلاح الجواب، فقوله: فى كون المبادر هو على لفظ اسم المفعول من بادرته سابقته فهو مبادر أى مسبوق.
قوله: (ومنها عدم اطراده) ظاهر هذه العبارة أن عدم الاطراد هو أن يستعمل اللفظ المجازى فى محل لوجود علاقة ثم لا يجوز استعماله فى محل آخر مع وجود تلك العلاقة كالنخلة تطلق على الإنسان لطوله ولا تطلق على طويل آخر غير الإنسان، فعلى هذا لا وجه لقوله تقول: اسأل القرية ولا تقول: اسأل البساط إلا أن يريد أن المجاز فى الهيئة التركيبية أعنى إيقاع السؤال على القرية بناء على أنه سؤال لأهلها مع أنه لا يصح إيقاعه على البساط بأن تقول: اسأل البساط إذا أمرته بسؤال أهله، وبهذا تشعر عبارة الشارح أو يريد بعدم الاطراد أن يستعمل لفظ لمعنى لعلاقة ولا يستعمل ذلك اللفظ أو لفظ آخر فى معنى مع وجود تلك العلاقة،
[ ١ / ٥٣٤ ]
كالقرية تستعمل لأهلها للمحلية ولا يستعمل البساط لأهله مع وجود المحلية والراوية تستعمل فى المزادة للمجاورة ولا تستعمل الشبكة للصيد مع المجاورة.
قوله: (ولا عكس) قد توهم بعض الشارحين أن هذا اعتراض على هذه العلامة بأنها غير منعكسة وليس بشئ؛ لأن من شرط العلامة الاطراد وأما الانعكاس فقد يكون كما فى الأولين وقد لا يكون كهذه وبعضهم أن المعنى ليس المجاز عكس الحقيقة أى خلافها فى هذه العلامة حتى يكون الاطراد دليل الحقيقة ثم قال: والأظهر أن المراد لا عكس كليًا كقولنا: كل غير مطرد مجاز أى ليس كل مجاز غير مطرد فأشار الشارح المحقق إلى أنه لا حاجة إلى هذه التكلفات بل معناه أنه لا عكس لهذه العلامة وأنها ليست بحيث إذا انتفت انتفى المجاز ولزمت الحقيقة إذ من المجاز ما لا يوجد فيه عدم الاطراد.
قوله: (الاعتراض) تقريره أن عدم الاطراد لا يصلح علامة للمجاز لتحققه فى بعض الحقائق كالسخى للإنسان الجواد والفاضل للإنسان العالم والقارورة للزجاجة التى تستقر فيها المائعات، فإن أجيب بأن علامة المجاز هو عدم الاطراد من غير مانع وهو غير متحقق فى هذه الأمثلة لوجود المانع قلنا: فيلزم الدور وبيانه على ما فى بعض الشروح أن العلم بأن عدم اطراده ليس لمانع لا يعلم إلا بالعلم بأنه مجاز فلو علم مجازيته بذلك كان دورًا وعلى ما ذكره العلامة أن عدم الاطراد لا يكون إلا لمانع من الاطراد؛ لأن موجب الاطراد وهو العلامة متحقق والمانع ليس هو العقل وهو ظاهر ولا الشرع أو اللغة لأن التقدير كذلك فتعين أن يكون هو العلم بكونه مجازًا وبعبارة أخصر موجب عدم الاطراد ليس هو الشرع ولا اللغة ولا العقل بل العلم بكونه مجازًا فيدور، ولما لم يكن فى هذه البيانات دليل على توقف العلم بعدم الاطراد على العلم بكونه مجازًا ذهب الشارح المحقق إلى أن عدم الاطراد لا بد أن يكون لوجود المانع عن الاطراد أو لعدم مقتضى الاطراد، وإذا فرض عدم المانع تعين أن يكون لعدم المقتضى ومقتضى صحة الإرادة على الاطراد حينئذ هو الوضع لا غير لما أن المقتضى فى الواقع إما الوضع أو العلاقة ولا حكم بعدم اطراد المجاز من غير مانع لزم إخراج العلاقة من اقتضاء الصحة؛ لأن من ضرورة المقتضى للشئ ترتبه عليه عند عدم المانع وإذا تقرر أن المقتضى هو الوضع لا غير لزم أن يعلم أن اللفظ موضوع للمعنى مع اعتبار قيد لا يوجد فى محل آخر ليعلم أنه لا تصح إرادة ذلك الآخر على الاطراد فعدم الاطراد إنما يعلم
[ ١ / ٥٣٥ ]
بعدم الوضع للمعنى المستعمل فيه، فلو علم عدم الوضع له بعدم الاطراد لكان دورًا ولا يلزم ذلك عند ترك التقييد بعدم المانع لجواز أن يعلم عدم الاطراد بالعلم بالمانع، ومبنى هذا التحقيق على ما تقرر فى العلوم الحكمية من أن ذا السبب إنما يعلم بسببه وإلا فيجوز أن يعلم عدم الاطراد ولا يعلم سببه فلذا قال: وقد يجاب بأن السخى يعنى أن المراد يكون عدم الاطراد علامة المجاز أنه إذا استعمل لفظ فى شئ بناء على معنى وترددنا فى أنه حقيقة أو مجاز ثم وجدناه لا يستعمل فى شئ آخر مع وجود ذلك المعنى علمنا أنه فى ذلك الشئ مجاز وأنه ليس بموضوع لذلك المعنى وإلا لصح استعماله فى فرده الآخر ولا يلزم الدور؛ لأن عدم الاطراد قد يعلم بالنقل أو الاستقراء أو نحو ذلك ولا يرد النقض بالصور المذكورة لأنا لما وجدناهم لا يطلقون السخى والفاضل على اللَّه تعالى علمنا أن السخى ليس للجواد مطلقًا، والفاضل ليس للعالم مطلقًا بل مع خصوصية قيد لا يوجد فى اللَّه تعالى كجواز البخل والجهل مثلًا وككون الفاضل لمن زاد علمه على فرد من بين نوعه وكذا القارورة ليست لمقرّ المائعات مطلقًا بل مع خصوصية كونه من الزجاج.
قوله: (ووجه دلالته) إشارة إلى دفع اعتراض الشارح العلامة بأن الاختلاف فى الجمع لا يدل على التجوز لجواز أن يكون لاختلاف المسمى كالعيدان لعود الخشب والأعواد لعود اللهو، وذلك أن اختلاف الجمع يدل على أن اللفظ ليس متواطئًا فى المعنيين وهو ظاهر وقد علم كونه حقيقة فى أحد المعنيين اتفاقًا فلو لم يكن فى الآخر مجازًا لزم الاشتراك وهو خلاف الأصل فإن قيل فلا أثر لاختلاف الجمع بل كل لفظ علم كونه حقيقة فى معنى إذا استعمل فى معنى آخر يحمل على المجاز دفعًا للاشتراك قلنا: هذا يصلح دليلًا على المجازية وأما العلامة فهى الجمع على خلاف الجمع إذ به يعرف أنه ليس بمتواطئ ولا يخفى ما فيه.
قوله: (ويمتنع) أى لا يصح فى جمع الأمر بمعنى الفعل لفظ أوامر الذى هو جمع الأمر بمعنى القول الذى لفظ الأمر حقيقة فيه بالاتفاق.
قوله: (نحو نار الحرب) الظاهر أن مثله من قبيل الاستعارة التخييلية كأظفار المنية ويد الشمال والمحققون على أنه مستعمل فى معناه الموضوع له وإنما التجوز والاستعارة فى إثباته لما ليس له؛ خلافًا لصاحب المفتاح حيث جعله مجازًا مستعملًا فى الصورة الوهمية الشبيهة بمعناه الأصلى.
قوله: (ومنها أن يكون إطلاقه لأحد مسمييه) فيه إشارة إلى أن المشاكلة من قبيل
[ ١ / ٥٣٦ ]
المجاز وأن المعنى المجازى أيضًا مسمى اللفظ نظرًا إلى الوضع النوعى وتحقيق العلاقة فى مجاز المشاكلة مشكل إذ لا يظهر بين الطبخ والخياطة علاقة تصحح استعماله فيها فى قوله:
قالوا اقترح شيئًا نجد لك طبخه قلت اطبخوا لى جبة وقميصًا
وامتناع أن يقال: مكر اللَّه ابتداء يشعر بأن ليس مبناه على التشبيه، وكأنهم جعلوا المصاحبة فى الذكر علاقة.
قوله: (بأن يصرح أهل اللغة باسمه) كقولهم: هذا اللفظ (^١) مستعمل فى غير وضع أول على وجه يصح أو بخاصته كقولهم: استعماله فى هذا المعنى متوقف على علاقة.
قوله: (لصحته) أى لصحة سلب الإنسان لغة وعرفًا عن الفاقد بعض الصفات الإنسانية المعتد بها كالبليد وغيره بناء على اعتبارات خطابية.
قوله: (وهذا) أى وهذا الوجه من علامة المجاز ملتبس بكونه عكس علامة الحقيقة إذ عدم صحة النفى فى نفس الأمر علامة لها ولو قيل: وهذا عكس الحقيقة لكان أظهر وتنبيهًا على إعراب لفظ "عكس" فى المتن بالرفع خبرًا لمبتدأ محذوف.
قوله: (الاعتراض) توجيهه أن يقال: ليس المراد بصحة السلب صحة سلب اللفظ من حيث هو عن المعنى لصحة سلب الألفاظ من حيث هى الألفاظ عن معانيها الحقيقية فى نفس الأمر كأن يقال للأسد: إنه ليس بأسد أى ليس بهذا اللفظ بل صحة سلبه بحسب معناه ولا يراد سلب جميع المعانى (لأن معناه مجازًا لا يمكن سلبه) قطعًا لأدائه إلى سلب الشئ عن نفسه بل سلب ما هو معناه حقيقة ولا يراد سلب بعض المعانى الحقيقية فإنه لا يفيد كما فى المشترك بل سلب جميعها ولا تعرف صحة سلب جميع ما هو معناه حقيقة عن المعنى المفروض إلا إذا علم أنه ليس شيئًا من المعانى الحقيقية، وهو أى: العلم بكونه ليس منها إنما يتحقق إذا علم أن اللفظ فيما استعمل فيه أى المعنى الفروض مجاز، فإثبات كونه مجازًا بعرفان صحة السلب يستلزم دورًا مضمرًا بواسطتين وورود هذا الاعتراض
_________________
(١) كقولهم: هذا اللفظ. . . إلخ. هكذا فى النسخة التى بأيدينا ولعل هنا نقصًا يعلم بتصفح عبارة السعد. كتبه مصحح طبعة بولاق.
[ ١ / ٥٣٧ ]
على الحقيقة أظهر؛ لأن العلم بعدم صحة سلب جميع المعانى الحقيقية عن المعنى المستعمل فيه يتوقف على العلم بكونه من المعانى الحقيقية، فإثبات كونه حقيقة فيه بعدم الصحة يستلزم دورًا صريحًا بمرتبة واحدة.
قوله: (وقد يجاب) والغالب من طريقته فى هذا الكتاب أنه يعبر عن سوانحه بـ "قد يقال" أو بـ "قد يجاب" فإن قلت: لو كفى سلب بعض المعانى الحقيقية لزم كون المشترك مجازًا فى كل واحد من معانيه قلت: ذلك إنما هو فيما لم يعلم أنه حقيقة فيه أو مجاز أما إذا علم كونه حقيقة فيه كما فى المشترك المعلوم اشتراكه بالنقل أو العلاقة فلا وأنت تعلم أن هذا الجواب إنما يجرى فى المجاز دون الحقيقة لأن العلم بعدم صحة سلب بعض المعانى الحقيقية عن المعنى المفروض إنما يتحقق إذا علم أنه بعض منها وإلا لصح سلب جميعها عنه؛ وكذا الجواب الثانى إذ حاصله أن معرفة كون اللفظ حقيقة أو مجازًا فى معنى مفروض بهذه العلاقة تستلزم الدور؛ أما إذا علم معناه الحقيقى والمجازى ثم استعمل اللفظ فى مورد ولم يعلم أى المعنيين هو المراد؛ أمكن أن يعلم بصحة نفى جميع المعانى الحقيقية عن المورد أن المراد هو المعنى المجازى، فيعلم أن هذا اللفظ فى هذا المحل مجاز وليس يمكن أن يعلم بعدم صحة سلب جميعها عنه أن المراد هو المعنى الحقيقى فيعلم أنه ههنا حقيقة؛ لأن اللفظ الموضوع للعام إذا استعمل فى الخاص كان مجازًا مع امتناع سلب المعنى الحقيقى عن المورد ولذلك تراه قد تعرّض فى الجوابين للمجاز دون الحقيقة.
قوله: (فإنها تعرف بأن لا يتبادر غبره لولا القرينة) فسر العكس بعدم تبادر الغير لولا القرينة وهو أعم من أن يتبادر هو أولا وجعل المشترك اعتراضًا على طرد علامة الحقيقة فإنها قد وجدت فى المشترك المستعمل فى معناه المجازى مع انتفاء الحقيقة وأما غيره فقد فسر العكس بتبادره إلى الفهم لولا القرينة وأورد المشترك على عكس علامة الحقيقة، وإنما اختار ذلك التفسير لوجهين؛ أحدهما: أن علامة الشئ خاصة له وقد تكون مفارقة غير منعكسة فإذا قيل: علامة المعنى الحقيقى أن يتبادر هو إلى الفهم لولا القرينة لم يتجه أن يقال: المشترك حقيقة فى كل واحد من معانيه ولا يتبادر شئ منها؛ إذ حاصله أنه وجد ههنا الحقيقة ولم توجد خاصتها ولا محذور فيه، وأما على توجيه الشارح فاللازم وجود خاصة الشئ
[ ١ / ٥٣٨ ]
بدونه ولا خفاء فى استحالته، وثانيهما: إن سلم اتجاهه حينئذ فلا معنى للجواب بتبادر غير المعين بل الجواب إن أمكن بمنع عدم تبادره أو بمنع كونه حقيقة فيه، وأما على تفسيره فلا غبار عليه وتفصيل المقام أن يقال: علامة المجاز تبادر الغير مع انتفاء القرينة اتفاقًا ولا يرد المشترك على ذلك طردًا بالقياس إلى معناه الحقيقى وهو ظاهر بل عكسًا باعتبار معناه المجازى ويمكن حمل كلام المتن عليه لكن السؤال بعدم انعكاس العلامة ما عرفت حالة، وعلامة الحقيقة إما التبادر على ما ذكره الشارحون فلا يرد المشترك عليها طردًا بالنسبة إلى معناه مجازًا، وهو أيضًا ظاهر بل عكسًا بالإضافة إلى معناه حقيقة، وإما عدم تبادر الغير كما هو فى الشرح فلا ورود للمشترك على ذلك عكسًا باعتبار معناه الحقيقى، بل طردًا بالقياس إلى معناه المجازى.
قوله: (وهو غيره) أى أحد معنييه لا على التعيين غير المعنى المجازى.
قوله: (لصدق على العين) أى على كل معنى من معنيى المشترك أنه يتبادر غيره إذ غير المعين، أعنى أحدهما مطلقًا الذى هو المتبادر غير كل معنى من المعنيين ضرورة أن الكلى مغاير لكل واحد من جزئياته، ولصدق أيضًا على غير المعين أنه لا يتبادر غيره وذلك علامة الحقيقة فليكن حقيقة فيه فلا يكون مشتركًا اشتراكًا لفظيًا بل متواطئًا لكونه موضوعًا للقدر المشترك وتحرير الجواب: أنه إنما يصح ما ذكرتم من لزوم كونه مجازًا فى المعين وحقيقة فى غير المعين حتى لا يكون مشتركًا بل متواطئًا أن لو تبادر إلى الفهم مفهوم أحدهما لا بعينه على أنه المراد واللفظ موضوع للقدر المشترك الذى هو هذا المفهوم ومستعمل فيه وليس كذلك، فإنا نعلم أن المراد أحدهما بعينه إذ اللفظ يصلح بحسب الوضع لكل واحد من المعنيين بخصوصه وهو مستعمل فى خصوص أحدهما لكنا لا نعلمه، بل نجزم أن المراد إما هذا المعنى وإما ذاك المعنى وهذا هو المراد من تبادر غير المعين وكل واحد منهما مغاير للمعنى المجازى فنحن نجزم بإرادة معنى مغاير للمعنى المجازى، وإن لم نعلمه بخصوصه فيصدق عليه أنه يتبادر غيره وإن كان تبادره على الإجمال فانتفى عنه علامة الحقيقة بل وجدت له علامة المجاز ولا يصدق على شئ من المعنيين أنه يتبادر غيره بل هناك تردد بينه وبين غيره فانتفى عنه علامة المجاز بل وجدت له علامة الحقيقة.
قوله: (كما تقول: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢] لأنه) أى السؤال (سؤال لأهلها)
[ ١ / ٥٣٩ ]
يعنى: أن لفظة اسأل استعملت فى محل هو نسبة السؤال إلى القرية؛ بسبب تعلق السؤال بأهلها ولم تستعمل فى محل آخر هو نسبة السؤال إلى البساط (وإن وجد فيه ذلك) أى تعلق السؤال بالأهل وهذا مبنى على ما سيأتى من مذهب المصنف فى مثل قولنا: أنبت الربيع البقل فإن قلت: لعله أراد أن القرية أطلقت على أهلها لعلاقة الحلول وقد وجد ذلك فى البساط ولم يطلق على أهله قلت: فحينئذ كان يقول: لأنها محل لأهلها بدل قوله: لأنه سؤال لأهلها، وأيضًا عدم الاطراد أن يستعمل لفظ فى محل لوجود معنى ولا يستعمل ذلك اللفظ فى محل آخر مع وجود ذلك المعنى فيه لا أن يستعمل نظيره فيه وما ذكرتم من هذا القبيل.
قوله: (الاعتراض) يريد أن علامة المجاز أعنى عدم الاطراد وجدت فى هذه الألفاظ مع أنها حقائق فى هذه المعانى؛ فبطلت العلامة طردًا، وما قيل من أن كون السخى والفاضل حقيقتين فى غير اللَّه سبحانه مبنى على المشهور من أن إطلاق المشترك المعنوى على أفراده بطريق الحقيقة وهو موضع نظر لأنه من إطلاق العام على الخاص أو الجزء على الكل أو اللازم على الملزوم أو السبب على المسبب لاختلاف الاعتبارات مع أن الكل مجازات فيندفع بما حققناه سالفًا.
قوله: (فإن أجيب) هذا ما أجاب به الآمدى فى الأحكام، وأما انحصار المانع فى القسمين فقيل: لا دليل عليه، وأجيب بأن المانع إما شرعى أو لغوى أو عقلى اتفاقًا ولا مانع عقليًا من إطلاق الألفاظ على المعانى قطعًا فانحصر فيهما.
قوله: (هذا دور) أى كون عدم الاطراد بلا مانع علامة للمجاز دور بل مستلزم له، وبيانه أن عدم اطراد اللفظ فى معنى إنما يعلم بسببه؛ لأن عدم الاطراد أمر ممكن غير محسوس بذاته ولا بحسب آثاره وصفاته وكل ما هو كذلك لا يعلم إلا بسببه كما حقق فى موضعه وسبب عدم الاطراد إما عدم المقتضى للاطراد، وإما وجود المانع عنه إذ علة عدم الشئ عدم علة وجوده وقد فرض أن لا مانع، فعدم الاطراد إنما هو لعدم مقتضى الاطراد ولا مقتضى لصحة إرادة المعنى من اللفظ على الاطراد إلا الوضع فلا بد فى العلم بعدم اطراد لفظ فى معنى من العلم بعدم وضعه له، والفرض أنه قد أطلق اللفظ فى محل باعتباره ظاهرًا فينبغى أن يعلم وضعه لذلك المعنى مقيدًا بقيد مخصوص بذلك المحل المستعمل فيه لا يتعداه إلى محل آخر ليعلم عدم وضعه له مطلقًا فيعلم عدم جواز إرادة ذلك الآخر منه فإذن
[ ١ / ٥٤٠ ]
يعلم عدم الاطراد بعدم الوضع لما ذكرنا وعدم الوضع بعدم الاطراد، لأنه جعل علامة لكونه مجازًا فإن قيل: إن أراد بالوضع فى قوله: ولا مقتضى لصحة الإرادة إلا الوضع ما يتناول المجاز أيضًا فعلى هذا مقتضى الاطراد، أعنى: الوضع موجود فى كل مجاز فلا يكون عدم الاطراد فى بعضه إلا لمانع عنه قطعًا والمقدّر خلافه: وأيضًا لا يناسبه قوله: وعدم الوضع لعدم الاطراد لدلالته على أن المجاز ليس بموضوع وإن أراد به ما لا يتناوله بطل الانحصار ضرورة صحة الإرادة على الاطراد فى بعض المجازات فهناك مقتضى الاطراد قطعًا ولا وضع بالمعنى المذكور، أجيب: بأنا نختار الثانى ونقول: لا مقتضى لصحة الإرادة على الاطراد إلا الوضع أو العلاقة المقتضية لذلك استقراء ففى العلم بعدم المقتضى لا بد من العلم بعدم الوضع وعدم العلاقة المصححة للاطراد، ويرجع حاصله إلى العلم بكونه مجازًا غير مطرد فيلزم أن يعلم كونه مجازًا بكونه مجازًا غير مطرد وهذا المحذور أظهر بطلانًا مما لزم هناك ولعله اقتصر على الوضع لذلك.
قوله: (وقد يجاب) عن أصل الاعتراض بأن هذه الألفاظ مطردة فى معانيها، فإن السخى دائر بين معنيى الجواد المطلق والجواد الذى من شأنه البخل وكذا الفاضل دائر بين العالم مطلقًا والعالم الذى من شأنه الجهل، ولما وجدناهما لا يطلقان على اللَّه تعالى مع جوده الشامل وعلمه الكامل علمنا أنهما موضوعان للمقيدين، وكذا القارورة دائرة بين المستقر مطلقًا والمستقر مع كونه زجاجًا فبعدم الاستعمال فى غيره علمنا أنها للثانى.
قوله: (وهذا) أى الجواد المقيد (هو المراد) من لفظ السخى إذا أطلق على غير اللَّه سبحانه (وأنه) أى ما ذكرناه (واضح ولا يلزم) حينئذ (الدور) إذ منشؤه اعتبار المانع (ولا النقض) لاطراد هذه الألفاظ فى معانيها.
قوله: (وكذا الآخران) أى الفاضل والقارورة وقد بيناهما ولا يمكن أن يجعل هذا جوابًا عما أورد على اعتبار عدم المانع إذ لو قيل: المانع الشرعى فى الفاضل والسخى عن الاطراد فى مطلق العالم، والجواد هو أنه لما لم يطلقا على اللَّه تعالى شرعًا علم كونهما للمقيد فامتنع الاطراد فى المطلق وهذا هو المراد من المانع فلا دور ولا نقض، أجيب بأن هذا المعنى جار فى قولنا ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢]، وأمثاله ولا يتصور عدم الاطراد بلا مانع.
[ ١ / ٥٤١ ]
قوله: (ووجه دلالته أنه لا يكون متواطئًا فيها) أى: مشتركًا معنويًا وإلا لما اختلف جمعهما ضرورة أن هناك لفظًا واحدًا لمعنى واحد (فإما مشترك) لفظى (أو حقيقة ومجاز) لكن الثانى أولى لما سيأتى وبهذا التوجيه اندفع ما يقال: جاز أن يكون اختلاف الجمع بسبب اختلاف المسمى وإن كان حقيقة فيهما كما فى جمع عودى الخشب واللهو بل الأولى الاختلاف دفعًا لمحذور زيادة الاشتراك.
قوله: (ومنها التزام تقييده) إذ قد ألف من أهل اللغة أنهم إذا استعملوا لفظًا فى مسماه أطلقوا إطلاقًا وإذا استعملوه بإزاء غيره قرنوا به قرينة؛ لأن الغرض من وضع اللفظ للمعنى أن يكتفى به فى الدلالة عليه والأصل أن يكون ذلك فى الحقيقة دون المجاز لكونها أغلب فى الاستعمال هكذا فى الأحكام، فإذا وجدناهم لا يستعملون اللفظ فى معنى إلا مقيدًا بقيد هو قرينة دالة عليه علمنا أنه مجاز فيه نحو: نار الحرب وجناح الذل فإن لفظى النار والجناح لا يستعملان فيما أريدا به ههنا إلا مقيدين بما أضيفا إليه ولا عكس إذ قد يستعمل المجاز غير مقيد اعتمادًا على القرائن الحالية أو المقالية غير التقييد وإنما اعتبر فيه الالتزام احترازًا عن المشترك إذ ربما يقيد لكن لا يلتزم فيه ذلك.
قوله: (لأحد مسمييه) قيل: إطلاق المسمى على المدلول المجازى يشعر بالوضع فى المجاز.
قوله: (على تعلقه) أى اللفظ بالمسمى الآخر، يعنى: على إطلاقه عليه فإن إطلاق المكر على ما يتصور من اللَّه سبحانه يتوقف على إطلاقه على ما يتصور من الناس بدون العكس فالمتوقف مجاز، ويحتمل أن يراد على تعلق أحد مسمييه بالآخر من حيث الذكر معه والمآل واحد ولا عكس هنا أيضًا.
قوله: (لأدائه إلى سلب الشئ عن نفسه) قيل: إن كان المراد بصحة النفى صحة نفى شئ عن شئ آخر باعتبار العينية أى ليس الشئ الثانى عينًا للأول كما يشعر به قوله: كأن يقال للأسد: إنه ليس بأسد أى ليس ببليد فلا يصح أن يقال: علامة الحقيقة عدم صحة السلب إذ يصح سلب الإنسان عن البليد فإن لفظ الإنسان مفهوم كلى لا يكون ذلك المفهوم عين البليد وكذا قولنا لما هو فرد من مفهوم الشئ: إنه ليس بشئ فإن هذا السلب بالنظر إلى نفس مفهوم الكلام
[ ١ / ٥٤٢ ]
مجردًا عن الاعتبارات الخطابية لا يصح كما لا يصح أن يقال للبليد: إنه ليس بإنسان وإذا كان المراد من السلب ما ذكر صح السلب وإن كان المراد صحة النفى بحسب الصدق فالمعانى الحقيقية التى صح سلبها عن نفسها بحسب الصدق كثيرة مثل أن يقال: مفهوم الكاتب ليس بكاتب ومفهوم الضاحك ليس بضاحك وزيد ليس بزيد وغير ذلك ولا فساد فى سلب الشئ عن نفسه بحسب الصدق والشق الأخير أثبت بقوله فيما بعد لأن اللفظ الموضوع العام إذا استعمل فى الخاص كان مجازًا مع امتناع سلب المعنى الحقيقى عن الموارد.
قوله: (فلا يكون مشتركًا اشتراكًا لفظيًا) وذلك لأنه إذا كان اللفظ حقيقة فى مفهوم أحد المعانى ومع ذلك يكون مشتركًا اشتراكًا لفظيًا بأن يكون موضوعًا أيضًا لجزئيات هذا المفهوم فصار ذلك المفهوم من جملة معانيه فيجب أن يوجد مفهوم أحد تلك المعانى الذى اعتبر أوّلًا من جملتها فينقل الكلام إلى مفهوم أحد المعانى الذى اعتبر ثانيًا وعلى هذا القياس فإذا كان اللفظ حقيقة فى المفهوم المفروض يجب أن لا يوضع اللفظ بإزاء معنى آخر.
قوله: (فيندفع بما حققناه سابقًا) بأن يقال: ليس المراد من قولنا السخى يطلق على غير اللَّه تعالى باعتبار خصوص ذلك الغير حتى يكون لفظ السخى مجازًا بل المراد أن لفظ السخى يطلق على مفهوم كلى فى غير اللَّه تعالى من غير نظر إلى خصوص الفرد فى ذلك اللفظ بل الخصوص مستفاد من القرينة ومراد منها وحينئذ يكون لفظ السخى حقبقة وعدم الاطراد بناء على أنه لا يطلق على هذا المفهوم فى ضمن ذات اللَّه تعالى والخصوص مستفاد من القرينة ومراد منها كما فى الغير وهذا القدر كاف فى المقصود.
قوله: (وسبب عدم الاطراد إما عدم المقتضى) لا يتوفر العلم بعدم الاطراد بعد العلم بسببه من حيث هو سببه من غير نظر إلى خصوصه ولو سلم فلِمَ لا يجوز أن يعلم بعد العلم بخصوص السبب الذى هو عدم العلة التامة للاطراد من حيث هو نظرًا إلى ذلك العدم بعدم أى جزء من أجزائها ولو سلم والمجاز (^١) لا يكون عدم الوضع بل يعتبر ذلك فى المجاز مع غيره وتوقف العلم بالكلى على شئ لا
_________________
(١) قوله: ولو سلم والمجاز. . . إلخ. كذا فى الأصل وهو نسخة سقيمة جدًا فارجع إلى أصل صحيح وحرر. كتبه مصحح طبعة بولاق.
[ ١ / ٥٤٣ ]
يستلزم توقف العلم بالجزئى على ذلك الشئ ويجب بيان الآخر بأن يقال: نحن علمنا لفظًا مستعملًا فى شئ باعتبار معنى وأردنا أن نعلم أن ذلك اللفظ حقيقة أو مجاز إذ ليس لنا فى تلك الحالة شئ مجهول سوى الوضع وعدمه فالعلم الذى يحصل بالعلم بعدم الاطراد هو العلم بعدم الوضع وقد تقرر أن العلم بعدم الاطراد يحصل من العلم بعدم الوضع فيلزم الدور وظهر معنى قوله: وعدم الوضع بعدم الاطراد لأنه جعل علامة لكونه مجازًا.
قوله: (فلا بد فى العلم بعدم اطراد لفظ فى معنى) أى باعتبار معنى فإن العلامة للمجاز عدم اطراده باعتبار العلاقة، وإذا علم أن اللفظ لم يوضع بإزاء معنى معتبر فى استعماله علم أنه مجاز.
قوله: (يعلم دونه مجازًا بكونه مجازًا غير مطرد) وذلك لأنا فرضنا أنا وجدنا لفظًا مستعملًا فى معنى وأردنا العلم بأنه حقيقة أو مجاز فنعلم بعدم الاطراد أنه مجاز إذا صار العلم بعدم المقتضى هو العلم بعدم الوضع وعدم العلاقة؛ فقد وقع العلم بكون ذلك اللفظ مجازًا من العلم بكونه غير موضوع لذلك المعنى، وبأن العلاقة مفقودة بين معناه الحقيقى وهذا المعنى المستعمل فيه إذ لو تحقق أحدهما يحصل الاطراد والعلم بكونه غير موضوع لذلك المعنى يرجع إلى العلم بكونه مجازًا فيلزم أن يحصل العلم بكونه مجازًا من العلم بكونه مجازًا غير مطرد أى مع عدم الوضع لعلاقة.
قوله: (ولا يتصور عدم الاطراد بلا مانع) يمكن الجواب عن هذا الاعتراض بأن يقال: حاصل الجواب على هذا التقدير أن لفظ السخى حسن إطلاقه باعتبار الجود المطلق أو باعتبار الجود عما من شأنه أن يكون بخيلًا، ولما وجدناه لا يطلق على اللَّه تعالى شرعًا مع جوده الشامل علمنا أنه للمقيد فلا يكون الاطراد (^١) فى المطلق بناء على وجود المانع وهو عدم إطلاق المريد؛ لأن ذوات كون اللفظ مستعملًا باعتبار معنى وبين كونه مستعملًا باعتبار معنى آخر المقيد يكون استعمال اللفظ
_________________
(١) قوله: فلا يكون الاطراد، كذا فى النسخة ولعل الصواب: فلا يكون عدم الاطراد، كما هو ظاهر وقوله بعد: لأن ذوات. . . إلخ. انظر هذه العبارة وما فيها من الركة والتحريف البين وحررها وغيرها مما سبق ويأتى من التحريف إذا عثرت على أصل صحيح فإن الأصل الذى بيدنا محرف سقيم. كتبه مصحح طبعة بولاق.
[ ١ / ٥٤٤ ]
متعينًا لأن يكون باعتبار أحدهما بعينه فإن عدم إطلاق الشارع يجعله متعينًا لأحد المعنيين فليس له المعنى الأخير فلا يكون الاطراد فيه، وإذا كان المراد من المانع المخصوص يجوز أن يكون عدم الاطراد فى الألفاظ المجازية لوجود المانع عنه مع عدم المانع المذكور؛ إذ انتفاء الخاص لا يوجب انتفاء العام فعلامة المجاز عدم الاطراد مع عدم ذلك المانع وهذا المانع متحقق فى الصور المذكورة فلا نقض بها ولما جاز تحقق عدم الاطراد مع وجود المانع لم يلزم الدور وتصور عدم الاطراد بلا مانع فى لفظ مستعمل باعتبار معنى يجزم بأن ذلك الاستعمال باعتبار هذا المعنى جزمًا حاصلًا من شئ هو عين عدم الإطلاق، ومع ذلك يتحقق هذا المعنى فى شئ لا يطلق اللفظ على ذلك الشئ باعتباره إذ لا يلزم من تأثير عدم الإطلاق حين التردد تأثيره مطلقًا، وليس المراد من المانع عدم الإطلاق مطلقًا حتى لا يتصور عدم الاطراد بلا مانع لما اختلف جمعهما أى لا يجوز أن يجمع لفظ واحد لمعنى واحد مستعمل باعتبار ذلك المعنى فى فرد على صيغة مخالفة لصيغة جمعه إذا استعمل باعتبار ذلك المعنى فى فرد آخر على وجه لا يجوز الموافقة فلو جمع لفظ واحد باعتبار معنى واحد على صيغتين مستعملتين فى طائفتين من أفراد ذلك المعنى لا يكون ذلك الاختلاف مما نحن فيه إذ ليس شئ من الصيغتين متعينًا لواحد من الطائفتين.
قوله: (لكن الثانى أولى) يعنى: أن ينضم إلى اختلاف الجمع مقدمة أخرى وهى أنه إذا وقع للفظ معنيان ولا يعلم الوضع لكل منهما والحمل على الحقيقة والمجاز أولى وهذا الاختلاف بعيد جدًا إذا كان تعدد المعنى معلومًا، فذلك الاختلاف يدل على تعدد المعنى والمقدمة المذكورة تدل على كون اللفظ مجازًا ولو علم تعدد المعنى من شئ آخر لكان لهذا الاختلاف مدخل.
الشارح: (لأن معناه مجازًا لا يمكن سلبه) أى اعلم أن المراد بصحة النفى فى علامة المجاز صحية نفى حمل المعنى على المستعمل فيه اللفظ حملًا متعارفًا على معنى نفى ثبوته له لا حملًا حقيقيًا على معنى نفى أنه هو لئلا يرد رأيت حيوانًا وقد رأيت زيدًا فإنه ليس بمجاز مع أنه يصح نفى حمل الحيوان على زيد حملًا حقيقيًا لأن زيدًا ليس نفس الحيوان لكنه يشكل بالمجاز المستعمل فى الجزء المساوى
[ ١ / ٥٤٥ ]
أو اللازم كذلك كما تقدم.
الشارح: (بأن يستعمل لوجود معنى. . . إلخ) اعترض بأن عدم الاطراد للمجاز إنما يتمشى على اشتراط سماع الأحاد وهو قول مرجوح أما على أنه لا يشترط وإنما المشترط سماع نوع العلاقة فلم لا يطرد والمعنى قائم فعدم الاطراد دليل القول باشتراط سماع الآحاد وأجيب بأن كل حقيقة جرت عادة البلغاء فى التجوز على الانتقال منها إلى معنى دائمًا فالانتقال إلى غيره وإن كان لعلاقة مصححة غير مقبول لا لأنه غير منقول بل لأن تعارفهم على خلافه يمنع الأذهان عن الالتفات لغير هذا الانتقال فيما بينهم فاعتبر الشائع فى حقهم مانعًا مطلقًا لكن القرافى لم يمنع: أسأل السباط وما ماثله فلا يجعل عدم الاطراد علامة المجاز.
الشارح: (أن يعلم وضعه لمقيد) أى فيكون اللفظ حقيقة فى ذلك المحل لا غير.
الشارح: (ليعلم عدم جواز إرادة ذلك الآخر منه) أى على وجه الاطراد وإن أريد منه العلاقة فى بعض المحال.
الشارح: (ووجه دلالته أنه لا يكون متواطئًا فيهما) أى فباختلاف الجمع علم تعدد المعنى وحيث كان أحد المعنيين معلومًا أنه حقيقة وهذا المعنى الذى علم باختلاف الجمع دار بين الحقيقة والمجاز والحمل على المجاز أولى علم أن اللفظ فى هذا المعنى مجاز فاختلاف الجمع له دخل فى معرفة أنه مجاز لا علم تعدد المعنى فاندفع ما قيل: إنه لا دخل لاختلاف الجمع بل كل لفظ علم كونه حقيقة فى معنى إذا استعمل فى معنى آخر يحمل على المجاز دفعًا للاشتراك.
الشارح: (ويمتنع أوامر الذى هو جمع الأمر بمعنى القول) فى البحر المحيط للزركشى: أن أوامر ليس جمعًا قياسيًا إلا لآمره لا لأمر.
الشارح: (نحو نار الحرب وجناح الذل) ظاهره أن التجوز فى نار وفى جناح فالنار مستعملة فى الشدة والجناح مستعمل فى لين الجانب ومعنى اخفض حصل وصار التقدير حصل لهما لين جانبك الحاصل من الذل لهما.
التفتازانى: (كالإنسان بمعنى الناطق أو الكاتب) أى فإنه لا يصح نفى المعنى الحقيقى وهو الإنسان بمعنى الحيوان الناطق عنه إذ لا يصح أن نقول فى قول القائل: زيد إنسان أى ناطق أو كاتب زيد ليس بإنسان على معنى ليس بحيوان
[ ١ / ٥٤٦ ]
ناطق فعدم صحة النفى متحقق ولا حقيقة وقوله على ما يقال: زيد ليس بإنسان ويراد نفى خواصه تحريف زيادة من الكاتب ولعل قوله: ويراد نفى خواص الإنسانية أى كالعلم والكرم مؤخر من تقديم وحقه بعد قوله: واللفظ حقيقة كما يقال زيد ليس بإنسان ثم إنه هل يرد ذلك على أمارة المجاز والصحيح أنه يرد لأنه قد جعل انتفاء الصحة علامة على الحقيقة والصحة علامة للمجاز فتكون علامة المجاز مطردة منعكسة ولم توجد الصحة فى المستعمل فى الجزء أو اللازم فلا يكون مجازًا مع أنه مجاز وفى مسلم الثبوت قيل: لا إشكال فإن سلب المعنى عن المستعمل فيه وإن لم يصح باعتبار المعنى المتعارف لكن يصح باعتبار العمل الحقيقى أقول: بل فيه إشكال فإن هذا عكس المجاز ولا يمكن أخذ النفى هناك باعتبار حمل الشئ على نفسه وإلا يلزم أن يكون قولك لزيد حيوان مجازًا فتأمل. اهـ.
التفتازانى: (لأن غايته الاستلزام) قال شارح مسلم الثبوت: الكلام فى اللفظ المستعمل استعمالًا صحيحًا فاندفع ما أورده التفتازانى بأنه يصح سلب المعانى الحقيقية للأسد عن الإنسان ولا يعلم استعماله فيه فضلًا عن المجازية. اهـ باختصار.
التفتازانى: (فلا إشكال) أى وإن الأحد الدائر متبادر منه وهو المعنى الحقيقى.
التفتازانى: (فظاهر) أى لأن علامة المجاز تبادر غيره منه ولا يتبادر من المشترك المستعمل فى أحد المعانى غيره حتى يكون مجازًا فى الأحد وقوله: إرشاد إلى اصطلاح الجواب أى فحاصل الجواب بأنه يتبادر غير معين أنه يتبادر كل من المعنيين بعينه إجمالًا وإن كان غير معين على التفصيل فالمراد معين وإن كان لا يعلم شخصه على التعيين.
التفتازانى: (إن المجاز فى الهيئة التركيبية) أراد بذلك المجاز العقلى فى النسبة الإيقاعية وعلى هذا فعدم الاطراد علامة للمجاز مطلقًا لا المجاز فى الطرف مع أنه الموضوع والمصنف لا يقول بالمجاز العقلى بل يرجع ما يتوهم فيه ذلك إلى المجاز اللغوى.
التفتازانى: (بهذا تشعر عبارة الشارح) أى حيث قال: لأنه سؤال أهلها ولم يقل: لأن القرية محل لأهلها.
التفتازانى: (ولا يخفى ما فيه) أى من أنه لا معنى لجعل اختلاف الجمع علامة
[ ١ / ٥٤٧ ]
حيث كان المدار على دفع الاشتراك فى العمل على المجاز، وقد علمت أن اختلاف الجمع له مدخل فى معرفة كون اللفظ مجازًا لأنه يعرف تعدد المعنى.
التفتازانى: (فيه إشارة إلى أن المشاكله من قبيل المجاز) قال السعد فى شرح المفتاح: هو مشكل لعدم العلاقة وقال عبد الحكيم: القول بأنها مجاز ينافى كونها من المحسنات البديعية وأنه لا بد فى المجاز من اللزوم بين المعنيين فى الجملة وليس حقيقة وهو ظاهر فتعين أن تكون واسطة فيكون فى الاستعمال الصحيح قسم ثالث والسر فيه أن فى المشاكلة نقل المعنى من لباس إلى لباس فإن اللفظ بمنزلة اللباس ففيه إراءة المعنى بصورة عجيبة فيكنيه الوقوع فى الصحبة فيكون محسنًا معنويًا وفى المجاز نقل اللفظ من معنى إلى معنى فلا بد من العلاقة المصححة للانتقال والتغليب أيضًا من هذا القسم إذ فيه أيضًا نقل من لباس إلى لباس آخر لنكتة ولذا كان وظيفة المعانى فالحقيقة والمجاز والكناية أقسام للكلمة إذا كان المقصود استعمال الكلمة فى المعنى، وأما إذا كان المقصود نقل المعنى من لفظ إلى آخر فليس شيئًا منها. اهـ.
التفتازانى: (وتحقيق العلاقة فى مجاز المشاكلة مشكل) فى مسلم الثبوت: قيل فى دفع الإشكال كأنهم جعلوا المصاحبة فى الذكر علاقة واعترض عليه بأن المصاحبة فى الذكر تمكن فى كل لفظين فيجوز استعمال أحدهما فى معنى الآخر واعترض أيضًا بأن هذه المصاحبة ليست معدودة فى تعداد أنواع العلاقات، وأجيب عن ذلك بأنها نحو من المجاورة واعترض أيضًا بأن المشاكلة بعد الاستعمال والعلاقة يجب تحققها قبله، وأجيب عن ذلك بأن العلاقة قصد المشاكلة وهو قبل وقيل المجاورة فى الخيال هى العلاقة لا المصاحبة فى الذكر وفيه أيضًا بعد فإن المجاورة الاتفاقية غير كافية أقول: بل العلاقة التشبيه الادعائى فإنه لما اشتدت حاجته إلى الجبة شبهها بالطعام الذى به قوام بدن الإنسان وشبه خياطته بطبخه لكن لما لم يعرف هذا التشبيه من قبل لم يجز المجاز ابتداء بل بعد ذكر الحقيقة ولهذا لا يجوز مكر اللَّه ولا اطبخوا لى جبة ابتداء. اهـ. وبما ذكره آخرًا يرد على السعد قوله: وامتناع أن يقال مكر اللَّه ابتداء يشعر بأن ليس مبناه على التشبيه.
قوله: (كقولهم هذا اللفظ مستعمل. . . إلخ) لعل هنا سقطًا والأصل: كقولهم هذا اللفظ مجاز وقوله أو بعده كقولهم هذا اللفظ مستعمل. . . إلخ.
[ ١ / ٥٤٨ ]
قوله: (ولو قيل وهذا عكس الحقيقة لكان أظهر) والكلام على حذف مضاف أى عكس علامة الحقيقة وكذا يقال فى الوجه غير الأظهر.
قوله: (لأدائه إلى سلب الشئ عن نفسه) ليس مراده نفى العمل الحقيقى أعنى العمل باعتبار العينية كما يتبادر بل نفى العمل المتعارف.
قوله: (فإثبات كونه مجازًا. . . إلخ) أى أن الكلام فى الإثبات دون الثبوت فاندفع ما قيل: إن غايته الاستلزام دون التوقف.
قوله: (وهذا هو المراد من تبادر غير المعين) أى الذى وقع فى الجواب.
قوله: (استعملت فى محل. . . إلخ) أى فاسأل موضوع لحدث وزمان ونسبة لمن يصح سؤاله فاستعملت فى حدث وزمان ونسبة للقرية لأنه سؤال أهلها مجازًا لغويًا ولم تستعمل مجازًا أيضًا فى نسبة السؤال إلى البساط لأنه سؤال أهله.
قوله: (فيندفع بما حققناه سابقًا) أى من أن استعمال الكلى فى الجزئى لا من حيث خصوصه حقيقة فالمراد أن لفظ السخى يطلق على مفهوم كلى متحقق فى غير اللَّه تعالى من غير نظر إلى خصوص الفرد فى ذلك اللفظ بل الخصوص مستفاد من القرينة ومراد منها ولا يطلق على مفهوم على متحقق فى ذات اللَّه تعالى فليس مطردًا.
قوله: (لا يعلم إلا بسببه كما حقق فى موضعه) رد بأن توقف العلم بذى السبب على العلم بسببه إنما هو فى اليقينى الكلى الدائم لا فى اليقينى الجزئى غير الدائم ولا فى الظنون ومباحث اللغة مظنونة.
قوله: (إذ علة عدم الشئ عدم علة وجوده وقد فرض. . . إلخ) هكذا فى النسخ التى بأيدينا ولعل هنا سقطًا والأصل: إد علة عدم الشئ عدم وجوده أو عدم عدم المانع الذى هو وجود الشائع وقد فرض. . . إلخ.
قوله: (والفرض أنه قد أطلق اللفظ) أى إطلاقًا حقيقيًا وإنما اعتبر هذا الفرض لأن الكلام فى لفظ علمت له حقيقة واستعمل فى معنى لم يعلم أهو حقيقة فيه أم مجاز فمعرفة مجازيته بعدم وضعه مبنية على علم وضعه.
قوله: (عدم وضعه لهم مطلقًا) أى عدم وضعه للمحل مطلقًا بل باعتبار قيد لا يوجد فى الآخر.
قوله: (عدم جواز إرادة ذلك الآخر منه) أى على وجه الاطراد وإن جازت
[ ١ / ٥٤٩ ]
إرادته منه بالعلاقة فى بعض المحال.
قوله: (أظهر بطلانًا) إذ فيه توقف الشئ على نوع منه.
قوله: (ولا يمكن أن يجعل هذا جوابًا. . . إلخ) أى لا يمكن أن يجعل قوله: وقد يجاب بأن السخى. . . إلخ. أى فالمراد بالمانع عدم الإطلاق على المطلق فعدم الاطراد فى السخى وما معه لمانع هو عدم الإطلاق بخلاف عدم الاطراد فى المجاز فلغير هذا المانع.
وقوله: (أجيب بأن هذا المعنى) أعنى: أن المانع وهو عدم الإطلاق على ما وجد فيه العلاقة جار فى قولنا: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢]، وأمثاله ولا يتصور عدم الاطراد لغير مانع ورد ذلك الهروى بأن المراد بالمانع فى السخى ونحوه أن اللفظ له معنيان وعدم إطلاق الشارح السخى على اللَّه يجعله متعينًا لأحد المعنيين، وإذا كان المراد من المانع هذا المعنى المخصوص يجوز أن يكون عدم الاطراد فى الألفاظ المجازية لوجود المانع منه مع انتفاء المانع المذكور إذ انتفاء الخاص لا يوجب انتفاء العام فعلامة المجاز عدم الاطراد مع عدم ذلك المانع، وهذا المانع متحقق فى الصور المذكورة فلا نقض بها ولما جاز تحقق عدم الاطراد مع وجود المانع أعنى مانعًا آخر غير الذى فى الصور المذكورة لم يلزم الدور وليس المراد من المانع عدم الإطلاق مطلقًا حتى لا يتصور عدم الاطراد بلا مانع. هذا ملخص ما ذكره الهروى ويظهر أن قول السيد: ولا يتصور عدم الاطراد بلا مانع مبنى على أن المانع ليس عدم الإطلاق وهو موجود، فى نحو ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢]، وحاصل رد الهروى أن عدم الإطلاق الذى جعل مانعًا فى الصور المذكورة عدم إطلاق مخصوص لا عدم الإطلاق مطلقًا فلا ينافى أن فى نحو ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ مانعًا هو غير عدم الإطلاق الذى فى الصور المذكورة وحاصل المقام أنه قد جعل من علامات المجاز عدم الاطراد فورد على طرد هذه العلامة السخى وما معه فإنه لم يطرد مع أنه حقيقة، فأجيب بأن عدم اطراد ذلك لمانع شرعى أو لغوى والذى جعل علامة للمجاز هو عدم الاطراد بلا مانع فورد عليه أن عدم الاطراد بلا مانع يكون لعدم مقتضى الاطراد ومقتضى الاطراد هو الوضع فإذا وضع لفظ لمعنى كان مطردًا فى جميع أفراده ولا يستعمل فى غيره مطردًا فمقتضى عدم الاطراد هو عدم الوضع فلا يعرف عدم الاطراد إلا بمعرفة عدم الوضع وهو لا يعرف إلا بعدم
[ ١ / ٥٥٠ ]
الاطراد فجاء الدور فأجاب الشارح عن أصل الاعتراض على الصور المذكورة بأنها مطردة فى المعنى المقيد والمراد منها ذلك فصح جعل علامة المجاز عدم الاطراد ويعلم عدم الاطراد بالنقل ونحوه ولا يصح أن يجعل جواب الشارح جوابًا عن الدور والالتزام أن علامة المجاز عدم الطرد لغير مانع لأن المراد لغير مانع هو غير عدم الإطلاق وأن كان لمانع آخر، وأما الصور المذكورة فالمانع فيها عدم الإطلاق لأن المانع هو عدم الإطلاق فى المجاز أيضًا وهو جارٍ فى نحو ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢]، ولا يتصور فى المجاز عدم الطرد لغير مانع هو عدم الإطلاق وصحح الهروى أن يكون جوابًا عن الدور على ما علمته سابقًا.
قوله: (لما اختلف جمعهما) أى لما جاز أن يجمع لفظ واحد لمعنى واحد مستعمل باعتبار ذلك المعنى فى فرد على صيغة مخالفة لصيغة جمعه إذا استعمل باعتبار ذلك المعنى فى فرد آخر.
قوله: (وبهذا التوجيه) أى الذى دل على أن الكلام فى معنى علم أنه حقيقة والآخر غير معلوم أنه حقيقة.
قوله: (دفعًا لمحذور زيادة الاشتراك) أى لأن الاشتراك لولا الاختلاف يكون فى المفرد والجمع.
قوله: (فيما أريد به) الأولى فيما أريد بها.
قوله: (إذ ربما يقيد لكن لا يلتزم قيد ذلك) أى فيقال: العين الجارية تارة وتارة يحذف لفظ "الجارية" بخلاف المجاز فإنه متى وقع فيه التقييد لا يترك منه.
[ ١ / ٥٥١ ]
قال: (واللفظ قبل الاستعمال ليس بحقيقة ولا مجاز وفى استلزام المجاز الحقيقة خلاف بخلاف العكس الملزم لو لم يستلزم لعرى الوضع عن الفائدة النافى لو استلزم لكان لنحو قامت الحرب على ساق، وشابت لمة الليل حقيقة وهو مشترك الإلزام للزوم الوضع والحق أن المجاز فى المفرد ولا مجاز فى المركب وقول عبد القاهر فى نحو أحيانى اكتحالى بطلعتك أن المجاز فى الإسناد بعيد لاتحاد جهته ولو قيل لو استلزم لكان للفظ الرحمن حقيقة ولنحو عسى كان قويًا).
أقول: اللفظ بعد الوضع وقبل الاستعمال لا يتصف بكونه حقيقة ولا مجازًا لخروجه عن حدهما إذ لا يتناوله جنسهما وهو المستعمل ثم إن الحقيقة لا تستلزم المجاز إذ قد يستعمل اللفظ فى مسماه ولا يستعمل فى غيره ويعلم بالضرورة أن هذا غير ممتنع فهذا متفق عليه وأما عكسه وهو أن المجاز هل يستلزم الحقيقة أم لا بل يجوز أن يستعمل اللفظ فى غير ما وضع له ولا يستعمل فيما وضع له أصلًا فقد اختلف فيه احتج القائل بلزوم الحقيقة للمجاز لو لم يستلزم المجاز الحقيقة لعرى الوضع عن الفائدة وأنه غير جائز بيانه أن فائدة وضع اللفظ لمعنى إنما هو إفادة المعانى المركبة فإذا لم يستعمل لم يقع فى التركيب فانتفت فائدته وقد يجاب بأن الفائدة لا تنحصر فيما ذكرتم فإن صحة التجوز لما يناسبه فائدة، ثم نلتزم اللازم إذ لا كل ما يقصد به فائدة تترتب عليه واحتج النافى لاستلزامه لها بأنه لو استلزمها لكان لنحو: قامت الحرب على ساق وشابت لمة الليل من المركبات حقيقة واللازم منتف قطعًا وقد أجيب عنه بأنه مشترك الإلزام إذ الوضع لمعنى لازم للمجاز قطعًا فيجب أن تكون هذه المركبات موضوعة لمعنى متحقق وليس كذلك وهذا إلزامى.
والجواب المحقق: أن المجاز إنما هو فى المفردات واستعمالها متحقق ولا مجاز فى المركب حتى يلزم أن يكون له معنى فيلزم الاستعمال أو الوضع فيه فإن قلت فقد قال عبد القاهر فى نحو أحيانى اكتحالى بطلعتك: إن المجاز فى الإسناد فإن موجد السرور هو اللَّه تعالى قلنا هذا بعيد لاتحاد جهة الإسناد فإنه لا فرق فى اللغة بين قولك: سرنى رؤيتك ومات زيد وضرب عمرو فإن جهة الإسناد واحدة فى الكل لا يخطر بالبال عند الاستعمال غيرها والذى يزيل الوهم بالكلية أن يجعل الفعل مجازًا فى التسبب العادى ثم ذكر المصنف أن ههنا دليلًا من قبل النافى لو قيل به لكان قويًا وذلك أنه لو استلزم المجاز الحقيقة لكان للفظ الرحمن حقيقة
[ ١ / ٥٥٢ ]
وهو ذو الرحمة مطلقًا حتى جاز إطلاقه لغير اللَّه وقولهم: رحمان اليمامة تعنت مردود وكذا لنحو عسى وحبذا من الأفعال التى لم تستعمل لزمان معين فإن قيل الجائز لغة قد يهجر شرعًا أو عرفًا قلنا: المراد العدم فى الجملة وقد ثبت، واعلم أنهم قد اختلفوا فى نحو: أنبت الربيع البقل لعدم كون الربيع هو الفاعل حقيقة فلا بد من تأويل فى اللفظ أو فى المعنى وإلا لكان كذبًا والتأويل فى اللفظ إما فى الإنبات أو فى الربيع أو فى التركيب فهذه احتمالات أربعة:
الأول: التأويل فى المعنى وهو أنه أورده ليتصوّر فينتقل الذهن منه إلى إنبات اللَّه فيه فيصدّق به وهو قول الإمام فخر الدين الرازى إن المجاز عقلى لا لغوى.
الثانى: أن التأويل فى أنبت وهو للتسبب العادى وإن كان وضعه للتسبب الحقيقى وهو قول المصنف.
الثالث: أن التأويل فى الربيع فإنه يتصور بصورة فاعل حقيقى فأسند إليه ما أسند إلى الفاعل الحقيقى مثل قولهم فى:
* صبحنا الخزرجية مرهفات *
حيث جعلوا المرهفات شرابًا وهو قول صاحب الفتاح إنه من الاستعارة والتخييلية.
الرابع: أن التأويل فى التركيب وهو أن كل هيئة تركيبية وضعت بإزاء تأليف معنوى وهذه وضعتا لملابسة الفاعلية فإذا استعملت لملابسة الظرفية أو نحوها كانت مجازًا نحو: صام نهاره وقام ليله وهذا مختار عبد القاهر والحق أنها تصرفات عقلية ولا حجر فيها فالكل ممكن والنظر إلى قصد المتكلم.
قوله: (وهو المستعمل) أى جنسهما هو اللفظ المستعمل كالجسم النامى وإلا فمجرد المستعمل فى موقع الفصل.
قوله: (المعانى المركبة) إشارة إلى ما ذهبوا إليه من أن وضع الألفاظ لإفادة المعانى التركيبية لا لإفادة مسمياتها للزوم الدور، وإن كان الدور مدفوعًا بأن فهم المعنى من اللفظ يتوقف على العلم بالوضع وهو إنما يتوقف على فهمه فى الجملة.
قوله: (ثم نلتزم) أى بعد منع الملازمة بناء على عدم انحصار الفائدة فى إفادة المعانى المركبة نمنع انتفاء اللازم بناء على أن العراء عن الفائدة لا يستلزم العبث فى
[ ١ / ٥٥٣ ]
الوضع لجواز أن يوضع لغرض ولا يترتب عليه ذلك الغرض.
قوله: (لمعنى متحقق) فيه بحث.
قوله: (وهذا إلزامى) يعنى أن الجواب الأول: جدلي بمعنى أن هذا لا يتم حجة علينا لأنه مشترك الإلزام فما هو جوابكم فهو جوابنا والثانى: تحقيقى وهو منع كون أمثال هذه الصور من قبيل المجاز إلا باعتبار المفردات وهذا حق فى مثل: شابت لمة الليل لأن اللمة مجاز عن سواد آخر الليل والشيب عن حدوث البياض فيه بخلاف: قامت الحرب على ساق فإنه تمثيل لحال الحرب بحال من يقوم على ساقه لا يغفل ولا مجاز فى شئ من مفرداته وكذا قولهم للمتردد فى أمر: أراك تقدّم رجلًا وتؤخر أخرى وبالجملة المركبات موضوعة بإزاء معانيها التركيبية وضعًا نوعيًا بحيث يدل عليها بلا قرينة فإن استعملت فيها فحقائق وإلا فمجازات وهذا غير الإسناد المجازى الذى يقول به عبد القاهر ومن تبعه من المحققين فإنه ليس فى شئ من استعمال اللفظ فى غير ما وضع له، بل معناه أن حق الفعل بحكم العقل أن يسند إلى ما هو له فإسناده إلى غير ما هو له من الملابسات مجاز عقلى واتحاد جهة الإسناد بحسب الوضع واللغة لا ينافى ذلك وإنما ينافيه اتحاد جهته بحسب العقل وليس كذلك فإن إسناد الفعل إلى ما هو متصف به محلًا له فى المبنى للفاعل ومتعلقًا له فى المبنى للمفعول مما يقتضيه العقل ويرتضيه وإلى غير ذلك مما يأباه إلا بتأويل، فلذا قال الشارح المحقق: والذى يزيل الوهم بالكلية أن يجعل الفعل مجازًا وضعيًا عما يصح عند العقل إسناده إلى الفاعل المذكور ويتصف هو به وهو التسبب العادى فيكون أثبت مجازًا عن تسبب فى الإثبات وصام عن تسبب فى الصوم إلى غير ذلك وهذا مشكل فيما إذا أسند إلى المصدر مثل جدّ جدّه وبالجملة كلام المصنف فى هذا المقام يدل على قصر باعه فى علم البيان.
قوله: (وهو ذو الرحمة) أى رقة القلب وهذا فى حق اللَّه محال فيكون مجازًا ولم يستعمل فيما يصح عليه رقة القلب ليكون حقيقة، وظاهر كلام الشارح أن الرحمن حقيقة فى ذى الرحمة قديمًا كان أو حادثًا وقد استعمل فى القديم بخصوصه مجازًا مع عدم الاستعمال فى المطلق الذى هو معناه الحقيقى وما يقال من مجازيته بناء على أن الصيغة للمذكر وهم.
[ ١ / ٥٥٤ ]
قوله: (وقولهم رحمان اليمامة) لا يقال الاستعمال فى الجملة وقد وجد وإن خالف الشرع والعرف؛ لأنا نقول هو كما إذا أطلق كافر لفظ اللَّه على مخلوق فلا يكون استعمالًا صحيحًا على أنك إذا تأملت عليت أن هذا الاستعمال ليس حقيقيًا لأنهم لم يريدوا رقة القلب.
قوله: (وكذا لنحو عسى) لا يقال لا نسلم أن هذه مجازات بل لم توضع إلا لمعانيها التى استعملت فيها ولو سلم، فلا نسلم عدم الاستعمال غايته عدم الوجدان وهو لا يدل على عدم الوجود لأنا نقول الكلام مع من اعترف بكونها أفعالًا مع الإطباق على أن كل فعل موضوع لحدث وزمان معين من الأزمنة الثلاثة ولا نعنى بعدم الاستعمال إلا عدم الوجدان بعد الاستقراء، على أن عدم جواز استعمال هذه الأفعال فى المعانى الزمانية معلوم من اللغة إلا أن الشارح أشار إلى أنه على تقدير الجواز لغة فالمراد عدم الاستعمال وقد ثبت باستقراء موارد الاستعمال.
قوله: (واعلم) لا خفاء فى أن مدلول إسناد الفعل إلى الشئ هو قيامه به وثبوته له بحيث يتصف به، وهذا لا يصح ظاهرًا فيما يسند إلى غير ما هو له من المصدر والزمان والمكان وغيرها نحو جدّ جده وأنبت الربيع البقل وجرى النهر ونحو ذلك فلا بد من صرفه عن ظاهره بتأويل إما فى المعنى أو فى اللفظ، واللفظ إما المسند أو السند إليه أو الهيئة التركيبية الدالة على الإسناد:
الأول: أن لا مجاز فيه بحسب الوضع؛ بل بحسب العقل حيث أسند الفعل إلى غير ما يقتضى العقل إسناده إليه، وهو قول الشيخ عبد القاهر والإمام الرازى وجميع علماء البيان.
الثانى: أن المسند مجاز عن المعنى الذى يصح إسناده إلى المسند إليه المذكور وهو قول المصنف.
الثالث: أن المسند إليه استعارة بالكناية عما يصح الإسناد إليه حقيقة وإسناد الإثبات قرينة لهذه الاستعارة وهو قول السكاكى.
الرابع: أنه لا مجاز فى شئ من المفردات بل شبه التلبس غير الفاعلى بالتلبس الفاعلى فاستعمل فيه اللفظ الموضوع لإفادة التلبس الفاعلى فيكون استعارة تمثيلية كما فى: أراك تقدم رجلًا وتؤخر أخرى وهذا ليس قولًا لعبد القاهر ولا لغيره من
[ ١ / ٥٥٥ ]
علماء البيان لكنه ليس ببعيد، وأما ما ذكره الشارح المحقق فى تقرير الوجوه ففيه أبحاث:
الأول: أن قوله ليتصور معناه إن أراد به التصور المقابل للتصديق على ما هو الظاهر فهو ليس مدلول الجملة الخبرية فلا بد وأن يكون مجازًا لغويًا وإن أراد أنه أطلق ليعلم الحكم الذى هو مدلوله لكن لا ليكون مرجع الإفادة ومناط الصدق والكذب بل لينتقل منه إلى حكم آخر فيصدق به يكون هذا كناية، ولم يقل به الإمام الرازى ولا غيره ولم يطابق القواعد البيانية.
الثانى: إن جعل المسند موضوعًا للتسبب الحقيقى مجازًا عن التسبب العادى مع أنه لا يصح فيما أسند إلى المصدر مثل جدّ جده مخالف لما اتفق عليه علماء البيان من أن الفعل لا يدل إلا على الحدث والزمان من غير دلالة بحسب الوضع على أن فاعله يلزم أن يكون قادرًا أو غير قادر سببًا حقيقيًا أو غير حقيقى، وقد أقام الشيخ عبد القاهر على ذلك أدلة كثيرة وتبعه الإمام الرازى والسكاكى على أن التسبب الحقيقى لو أجرى على ظاهره لزم أن يكون فى الأفعال المسندة إلى غير الخالق مجاز باعتبار المسند أو الإسناد على ما افترى بعض الشارحين على الشيخ عبد القاهر من أنه ذهب إلى أن الإسناد فى: طلعت الشمس ومرض زيد مجازى.
الثالث: التأويل فى الربيع إن كان يجعله مجازًا عن القادر المختار على ما فهمه بعض القاصرين من كلام السكاكى فليس بمستقيم للقطع بأن المراد بالنية فى قولهم: أظفار المنية هو حقيقة الموت لا السبع ولتصريح السكاكى بأن المراد بها السبع بادعاء السبعية لها وإن أراد أنه شبه بالقادر المختار وتصوّر بصورته فأسند إلى القادر المختار على ما يشعر به كلام السكاكى لم يكن هذا مغنيًا عن القول بكون الإسناد مجازيًا لأن حق الإثبات مثلًا أن يسند إلى القادر دون الزمان المشبه بالقادر المتصور بصورته، وكذا إن جعل الاستعارة بالكناية هو اسم المشبه به المذكور بطريق الكناية وإيراد اللوازم دون التصريح حتى يكون قولنا: أظفار المنية بمنزلة أظفار السبع مجازًا عن السبع لأن الإسناد حينئذ يكون إلى الربيع فيفتقر إلى التأويل.
الرابع: أن قوله: وهو قول صاحب المفتاح إنه من الاستعارة التخييلية ينبغى أن يكون من سهو القلم، والصواب الاستعارة بالكناية وحملها على المعنى اللغوى
[ ١ / ٥٥٦ ]
بمعنى أن ذلك تخييل لا تحقيق غلط لأنها اسم لنوع مخصوص من الاستعارة لا يفهم منه عند الإطلاق سواه ومع ذلك فليس قول صاحب المفتاح إنه استعارة تخييلية بل استعارة بالكناية ولو كانت هذه الاستعارة بالكناية مع التخييلية كما فى: أظفار المنية لكان أهون لكن صاحب المفتاح قد صرح بأنه لا تخييلية هنا وأن الإثبات أمر محقق لا مخيل وأما تمثيله بقوله:
* صبحنا الخزرجية مرهفات *
فمبنى على أن السكاكى لما رد الاستعارة التبعية إلى الأصلية لم يجعل "صبحنا" استعارة ولزمه جعل المرهفات استعارة بالكناية عن المشروبات وإيقاع "صبحنا" عليه قرينة على ما صنع به فى قوله: نقريهم لهذميات، فإن قيل كيف يتصور التأويل فى المسند إليه أو المسند فيما إذا كان أحدهما أو كلاهما مجازًا مثل: أحيا الأرض شباب الزمان ومعلوم أن ليس الإحياء مجازًا عن لفظ أنبت ليجعل مجازًا فى التسبب العادى ولا الشباب مجازًا عن لفظ الربيع ليجعل استعارة بالكناية عن القادر المختار، قلنا: وجهه أن يجعل الإحياء مجازًا عن التسبب العادى فى الإنبات والشباب استعارة بالكناية عن القادر المختار بتأويل جعله مرادفًا للفظ الربيع هذا، ومن نظر فى كلام الشيخ عبد القاهر والإمام الرازى علم أنه لم يخالف الشيخ أصلًا ولم يزد على تنقيح كلامه وأنهما اتفقا على أن ليس ههنا مجاز وضعى أصلًا لا فى المفرد ولا فى المركب؛ بل عقلى بأن أسند الفعل إلى غير ما يقتضى العقل إسناده إليه تشبيهًا له بالفاعل الحقيقى، ولما كان ذكر التشبيه موهمًا أن يكون هناك مجاز وضعى علاقته المشابهة حاول الشيخ إزالة الوهم فقال: هذا التشبيه ليس هو التشبيه الذى يقال بالكاف وكأنّ ونحوهما بل هى عبارة عن جهة راعوها فى إعطاء الربيع حكم القادر المختار كما قالوا: شبه ما بليس فرفع بها الاسم ونصب الخبر والعجب كل العجب من الشارح مع إحاطته بفن البيان واطلاعه على أقوال العلماء كيف خبط فى هذا المقام وأخطأ فى تقرير أقوال الأئمة العظام.
قوله: (من ضد أو نقيض) ظاهر كلام المصنف أنه يريد أن اللفظ قد يكون مشتركًا بين الضدين كالجون للأبيض والأسود، والقرء للطهر والحيض، أو النقيضين كالأمر للوجوب والإباحة مثلًا فإذا أطلق وأريد أحدهما وفهم الآخر بتخيل قرينة فقد فهم ما هو فى غاية البعد من المراد كما إذا فهم من قوله تعالى:
[ ١ / ٥٥٧ ]
﴿ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨]، الحيض والمراد الأطهار، ومن قوله تعالى: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ [المائدة: ٢] الوجوب والمراد الإباحة أى جواز الفعل على ما ذكر فى التنقيح من أن معنى قولهم الأمر للإباحة أن مدلوله جواز الفعل وإنما جواز الترك بحكم الأصل بخلاف المجاز فإنه على تقدير فهم المراد لا يؤدى إلى مستبعد؛ بل مناسب لما بين المعنيين من العلاقة حتى إن إطلاق اسم الضد على الضد لا يكون إلا بتنزيل التضاد منزلة التناسب لمشاكلة أو تهكم وتمليح، ولما لم يتحقق وضع اللفظ للنقيضين بالتحقيق حتى إن الشارحين إنما فرضوه فى لفظ النقيض إذا جعل لكل من الإيجاب والسلب لا للقدر المشترك قدّر الشارح المحقق تأدية المشترك إلى نقيض المراد بوجه لا يفتقر إلى وضعه للنقيضين وهو أنه قد يقال: لا تطلق فى القرء وأراد الحيض فيحمل على الطهر بتوهم قرينة ويفهم جواز التطليق فى الحيض وهو نقيض المراد أعنى التحريم أو وجوبه وهو ضد المراد ومبناه على ما تقرر فى العربية من أن النفى فى الكلام يرجع إلى القيد ويفيد ثبوت أصل الحكم فى مقابله حتى كأنه قيل لا تطلق فى الطهر بل فى الحيض جوازًا أو وجوبًا، أو فى الأصول من أن النهى عن الشئ يستلزم الأمر بضده لا بأن يؤخذ ضد التطليق على الإطلاق ليكون هو الإمساك والكف عن الطلاق؛ بل بأن يجعل التطليق فى الحيض ضد التطليق فى الطهر نظرًا إلى القيد فكأنه قيل طلق فى الحيض فإن حمل الأمر على الإباحة أى الجواز فنقيض المراد، أو على الإيجاب فضده وهذا القدر كاف فى التمثيل وأما ما يقال من أن المراد أنه يفهم الجواز إذا قيل لا تطلق فى القرء والوجوب إذا قيل طلق فى القرء فليس بمستقيم على ما لا يخفى.
قوله: (احتج القائل بلزوم الحقيقة للمجاز) فيه إشارة إلى أن لفظ الملزم فى المتن مرفوع بأنه فاعل احتج أو أمثاله، لأن قوله: القائل بلزوم الحقيقة للمجاز تفسير له ولك أن تتكلف فى إعرابه بالرفع وجهًا آخر.
قوله: (إفادة المعانى المركبة) إنما قيدها بالتركيب؛ لأن الغالب فى الاستعمال تأدية المعانى المركبة، وأما القصد إلى أدائها مفردة فهو قليل بالقياس إليه لا لما قيل فى المشهور من أن إفادة المعانى تستلزم الدور فإنه فاسد على ما حقق فى موضع آخر على أنه لو ترك التقييد لم يضرّ فى المطلوب أصلًا.
[ ١ / ٥٥٨ ]
قوله: (ثم نلتزم اللازم) يعنى أن لنا بعد منع الملازمة كما مر أن نمنع بطلان اللازم الذى هو عراء الوضع عن الفائدة إذ ليس كل شئ يقصد به فائدة تترتب فائدته عليه.
قوله: (لكان لنحو قامت الحرب على ساق) أى التحمت واشتدت (وشابت لمة الليل) إذا ظهرت فيه تباشير الصبح (حقيقة) أى استعمال فيما وضعت هى له أولًا.
قوله: (وقد أجيب بأنه مشترك الإلزام) أى كما يمكن أن يلزم به الملزم يمكن أن يلزم به النافي؛ إذ الوضع لمعنى لازم للمجاز اتفاقًا وقطعًا، وهذا الدليل ينفيه بأن يقال: لو استلزم المجاز الوضع لوجب أن تكون هذه المركبات موضوعة لمعنى متحقق، وليس كذلك فلا يكون صحيحًا بجميع مقدماته (وهذا) جواب (إلزامى) لم تنحلّ به الشبهة ولم يتبين فسادها مفصلًا (والجواب المحقق أن المجاز إنما هو فى المفردات واستعمالها) فى معانيها الحقيقية فيما ذكر من المركبات (متحقق) فإن كل واحد من القيام والساق والشيب واللمة قد استعمل فيما وضع له أولًا (ولا مجاز فى المركب) من حيث هو مركب حتى يجب أن يكون له معنى فيلزم فيه، أى: فى المركب استعماله فى ذلك المعنى على القول بالاستلزام أو وضعه له على القولين.
قوله: (إن المجاز فى الإسناد فإن موجد السرور هو اللَّه) أريد بالإسناد الهيئة التركيبية التى فى: أحيانى اكتحالى بطلعتك فذلك ما سيأتى ذكره من مختار عبد القاهر فكأنه قيل: هذه الهيئة إنما وضعت للانتساب إلى الفاعل وههنا لم تستعمل فيه فإن فاعل السرور ليس هو الرؤية بل موجده هو اللَّه تعالى فهى مستعملة فى غيره فيكون مجازًا وعلى هذا معنى قوله لاتحاد جهة الإسناد أنه ليس يفهم منه معنيان مختلفان ليكون أحدهما بجهة الحقيقة والآخر بجهة المجاز كما فى لفظ الأسد (فإنه لا فرق فى اللغة بين قولك سرتنى رؤيتك ومات زيد وضرب عمرو فإن جهة الإسناد) باعتبار ما يفهم منه (واحدة فى الكل لا يخطر بالبال عند الاستعمال غير تلك الجهة) ويحتمل أن يراد بالإسناد المعنى أعنى الحكم الإسنادى وأن المجاز فى التركيب باعتبار الإسناد فإنه حقيقة فى الإسناد إلى الفاعل وقد استعمل فى إسناد آخر والجواب أن الإسناد ليس له جهتان ليكون التركيب حقيقة
[ ١ / ٥٥٩ ]
فيه باعتبار جهة ومجازًا باعتبار جهة أخرى إذ لا يفهم فى اللغة من التركيب فى هذه الصور إلا الإسناد بجهة واحدة والذى يزيل توهم المجاز فى التركيب والإسناد بالكلية أن يجعل الفعل نحو سرّ مثلًا مجازًا فى التسبب العادى وحقيقة فى التسبب الحقيقى فيظهر أن المجاز فى المفرد لا فى المركب وإنما أورد ثلاثة أمثلة لأن الفعل إما أن يسند إلى غير فاعله كما فى الأول أو يسند إليه فإما أن يكون عدميًا كما فى الثانى أو وجوديًا كما فى الثالث.
قوله: (لكان للفظ الرحمن حقيقة) أى استعمال فى المعنى الحقيقى وهو ذو الرحمة مطلقًا ولم يستعمل فيه وإلا لجاز إطلاقه لغير اللَّه سبحانه ولم يجز قطعًا وأما قول بنى حنيفة فى مسيلمة: رحمان اليمامة، ومنه قول شاعرهم:
* وأنت غيث الورى لا زلت رحمانًا *
فباب من تعنتهم فى كفرهم ومردود فى عرف أهل اللغة أيضًا فلا يعتدّ به فالرحمن موضوع لمعنى عام ولم يستعمل إلا فى خاص مجازًا وقيل: هو من الصيغ الموضوعة للمذكر فاستعماله فى غيره كالبارئ تعالى مجاز وليس بشئ وقيل: هو مشتق من الرحمة أعنى رقة القلب التى لا تتصور فى حقه سبحانه فهو فيه مجاز وأما نحو: عسى من الأفعال التى لم تستعمل فى زمان معين مع كونه داخلًا فى مفهوم الفعل فمن إطلاق لفظ الكل على الجزء.
قوله: (الأول التأويل فى المعنى) وهو أن القائل أورد هذا المعنى أعنى إسناد الإثبات إلى الربيع لا ليصدّق به بل ليتصور فينتقل الذهن منه إلى إثبات اللَّه تعالى فى الربيع وعلى هذا فالمجاز عقلى لأن موضع هذا الإسناد بحكم العقل هو الفاعل الحقيقى وقد عدل به عنه إلى أمر آخر فقد تصرّف فى أمر يتعلق بالعقل لا لغوى إذ لم يتصرف فى أمر يتعلق بها أصلًا وأما قول المصنف: إنّ أنبت موضوع للتسبب الحقيقى واستعماله فى التسبب العادى مجاز فقد صرح به فى المنتهى وهو مذهب شرذمة من الناس وقد زيفه صاحب المفتاح وغيره.
قوله: (من الاستعارة التخييلية) لو قيل من الاستعارة بالكناية لكان أحسن إذ لا تخييلية فى: أنبت الربيع وإن كانت لازمة للاستعارة بالكناية غالبًا.
قوله: (وهذه وضعت لملابسة الفاعلية فإذا استعملت لملابسة الظرفية أو نحوها كانت مجازًا) بهذا ظهر فساد ما استبعد به المصنف كلام الشيخ من اتحاد الجهة
[ ١ / ٥٦٠ ]
فى الإسناد.
قوله: (وهذا مختار عبد القاهر) ولعل الشارح ﵀ إنما حكم بذلك بناء على نقل المصنف قوله فى هذا المقام إذ لو لم يحمل عليه لم يكن له تعلق بالمجاز الذى نحن بصدده وإن كان كلامه على ما نقل يدل على خلاف هذا إجمالًا وتفصيلًا أما الأول فحيث قال: واعلم أن حد كل واحد من وصفى الحقيقة والمجاز إذا كان الموصوف به المفرد غير حده إذا كان الموصوف به الجملة وأما الثانى فحيث قال المجاز فى أشاب الصغير هو أن الشيب إنما يحصل بفعل اللَّه تعالى ونحن لم نسنده إليه بل أسندناه إلى مر الغداة وإسناده إلى قدرة اللَّه تعالى حكم ثابت له لذاته لا بسبب وضع واضع فإذا أسندناه إلى غيره فقد نقلناه عما يستحقه لذاته فى الأصل فيكون التصرف فى أمر عقلى لا وضعى فلهذا يكون المجاز عقليًا وفى الإسناد لا وضعيًا وفى المفرد وإذا حمل كلامه على هذا كان راجعًا إلى ما ذكره الإمام ولم يكن له تعلق بهذا المقام ولهذا قيل لم يتنبه المصنف لمعنى المجاز فى الإسناد بل توهمه بمعنى المجاز فى المفرد واللَّه سبحانه أعلم بحقيقة الحال.
قوله: (والحق أنها تصرفات عقلية فالكل ممكن والنظر إلى قصد المتكلم) هذا على مذهبى الإمام وصاحب المفتاح ظاهر إذ للمتكلم أن يقصد هذا تارة ويقصد ذاك أخرى وأما مذهب المصنف ومختار عبد القاهر وإن كان كل واحد منهما أمرًا ممكنًا فى نفسه فإنه يتعلق بالوضع واللغة وليس للمتكلم أن يقصد أحدهما جاريًا على قانون اللغة إلا بعد ثبوته فيها وإذا ثبت أحدهما تعين للقصد اللهم إلا أن يقال كل واحد منهما ثابت فيها فله أن يقصد أيهما شاء لكن الكلام فى الثبوت.
قوله: (إذ ليس كل شئ يقصد به فائدته) يعنى: أن الواضع يقصد إلى الفائدة ولا يلزم من تحقق الوضع تحقق الفائدة فجاز تحقق الوضع مع عدم الاستعمال فيما وضع اللفظ بإزائه فلا يكون المجاز مستلزمًا للحقيقة.
المصنف: (وقول عبد القاهر أن المجاز فى الإسناد. . . إلخ) ليس مراده أنه على قول عبد القاهر يكون مثل: أحيانى اكتحالى بطلعتك من المجاز اللغوى الذى لا حقيقة له فيكون مجازًا لا حقيقة له فى الاستعمال بل مراده الإيراد على قوله:
[ ١ / ٥٦١ ]
والحق أن المجاز فى المفرد لأنه مجاز فى الإسناد وإن كان لا علاقة له بكون المجاز يستلزم الحقيقة أولًا لأن ذلك فى المجاز اللغوى فالمصنف يرى أن ما يقال فيه: إنه مجاز عقلى وهو مجاز فى الطرف وليس مجازًا عقليًا كما أنه ليس مجازًا لغويًا فى الهيئة التركيبية حتى يكون مثل: أحيانى اكتحالى بطلعتك مجازًا لغويًا لا حقيقة له.
الشارح: (المراد العدم فى الجملة وقد ثبت) أى فإذا هجر الاستعمال فى معنى شرعًا كان اللفظ غير مستعمل شرعًا فيما هجر فيه فلم يكن للفظ حقيقة شرعًا بل مجاز شرعًا يعنى أن لفظ الرحمن استعمل شرعًا فى اللَّه تعالى مجازًا لغة ولم يستعمل شرعًا بمعناه الأصلى اللغوى فصار مجازًا لا حقيقة له بهذا الاعتبار وكذا يقال فى العرف العام فتأمل.
التفتازانى: (على فهمه فى الجملة) أى فهمه لا من اللفظ.
التفتازانى: (على أن العراء عن الفائدة لا يستلزم العبث) أى فنمنع بطلان اللازم لكن هذا غير ظاهر على أن الواضع هو اللَّه.
التفتازانى: (فيه بحث) هو أن الواجب معلومية المعنى وإن كان موهومًا غير متحقق فى نفس الأمر والمعلومية متحققة أما تحققه فى الواقع فليس بواجب كالكواذب.
التفتازانى: (بخلاف قامت الحرب على ساق) قد يقال: إن قامت مستعار لاشتدت والساق مستعار للهول.
التفتازانى: (وهذا غير الإسناد الذى يقول به عبد القاهر) كأنه فهم أن المصنف يرى أنه هو عنده فلذا قال: وقول عبد القاهر. . . إلخ وقد علمت مراد المصنف به.
التفتازانى: (واتحاد جهة الإسناد) أى الذى تمسك به المصنف فى رد كونه مجازًا عقليًا.
التفتازانى: (هذا مشكل فيما إذا أسند إلى المصدر نحو جد جده) قال فى مسلم الثبوت وشرحه: قد اختلف فى نحو أنبت الربيع البقل على أربعة مذاهب؛ الأول أنه مجاز فى المسند وهو التسبب العادى وإن كان وضعه للتسبب الحقيقى وذلك قول ابن الحاجب وقرر بأن الفعل يدخل فى مفهومه النسبة إلى الفاعل القادر فإذا أسند إلى غير القادر يكون مجازًا ألبتة ورد بما اتفق عليه علماء البيان من أن الفعل لا يدل بحسب الوضع على أن فاعله يلزم أن يكون قادرًا أو غير قادر سببًا حقيقيًا
[ ١ / ٥٦٢ ]
أو غير حقيقى فإن الفعل إنما أخذ فى مفهومه النسبة إلى فاعل ما لا الفاعل القادر وإذا كان الفاعل أعم كان الفاعل المختار وغيره والسبب الحقيقى وغيره فليس هناك تسبب حقيقى هو مدلول الفعل حتى يكون الانتقال إلى التسبب العادى مجازًا ورد أيضًا بأن من الأفعال ما ليس إسناده إلى الفاعل المختار فيلزم حينئذ أن تكون هذه الأفعال مجازات والتزامه بعيد كل البعد، ورد أيضًا بأن الحكم بدخول النسبة إلى الفاعل القادر لوجود بعض الأفعال مسندة إليه ليس أولى من العكس، ثم اعلم أن الخطأ من المترجمين فى تقرير كلامه ومرامه مصون عن هذه الشناعات فإنه لم يرد أن فى مدلول الفعل النسبة إلى القادر بل مراده أنه لما صدر ممن لا يعتقد ظاهره عرف أن فيه تأويلًا فأول هو فى المسند، وحكم بأن المراد منه ما يصلح لأن يسند إلى المذكور وههنا المذكور الإنبات وهو فى اللغة والعرف خلق النبات فتجوز عن التهيؤ والاستعداد له وهو التسبب العادى وعلى هذا القياس يؤول فى كل مثال بما يليق به وعلى هذا لا يرد عليه شئ فافهم وهو الذى اختاره الجونفورى فى تحقيق كلامه فى الفرائد. اهـ.
التفتازانى: (وبالجملة. . . إلخ) لا وجه لما قاله على ما علمت من تقرير كلامه.
التفتازانى: (حقيقة فى ذى الرحمة) أى لا بمعنى الرقة ثم إن هذين الوجهين لا يفيان بالرام لأنه لم يقم دليل على أن الرحمة رقة فى القلب بل يجوز أن تكون موضوعة بإزاء التفضل والإحسان، وإن كان هذا التفضل فى الإنسان لا يكون إلا برقة القلب وانعطافه وعدم إطلاقه على غيره لعدم وجود معناه فإنه اعتبر مبالغة كاملة وإنه ذو تفضل عظيم لسعة المرحوم المتفضل عليه وشموله لكل أحد وسعة المتفضل به من النعماء وهذا لا يوجد فى غيره قطعًا وبعد التنزل إطلاق العام على فرد منه ليس مجازًا لكن يبعد هذا أن الظاهر أن خصوصه مراد من لفظ الرحمن ولم يطلق الرحمن عليه تعالى لكونه فردًا من أفراد الكلى.
التفتازانى: (وما يقال من مجازيته. . . إلخ) وجه الوهم أن المراد بالمذكر ما قابل المؤنث لا ما اتصف بكونه له آلة الذكر.
التفتازانى: (لأنا نقول هو كما إذا أطلق كافر لفظ اللَّه على مخلوق. . . إلخ) فيه أن هناك فرقًا بينهما لأن لفظ اللَّه علم على الذات وأما رحمن فهو وصف والقاعدة اللغوية صحة إطلاقه على من ثبت له مبدأ الاشتقاق فالظاهر أن يقال: إن المختص
[ ١ / ٥٦٣ ]
باللَّه تعالى هو المعرف الذى صار علمًا بالغلبة عليه من غير استعمال فى غيره.
التفتازانى: (إن أراد به. . . إلخ) فيه أنه أراد به التصرف فى المعنى بحسب العقل.
التفتازانى: (فلا بد وأن يكون مجازًا لغويًا) أى فلا يصح قوله وهو قول الإمام الرازى أنه مجاز عقلى وقوله ولم يطابق القواعد البيانية أى لأنه ليس فيه انتقال من اللازم إلى الملزوم على رأى بعض فى الكناية ولا انتقال من الملزوم إلى اللازم كما هو رأى آخر فيها وقد علمت أنه ليس المراد هذا ولا ما ذكره أولًا بل المراد به التأويل فى المعنى بالنظر إلى أن التصرف فى أمر عقلى لا وضعى فيكون مجازًا فى الإسناد.
التفتازانى: (جعل المسند للتسبب الحقيقى مجازًا عن التسبب العادى. . . إلخ) علمت أن مراده أن الفعل لما صدر ممن لا يعتقد ظاهره عرف أن فيه تأويلًا فأول المصنف فى المسند وحكم بأن المراد منه ما يصلح لأن يسند إلى المذكور وهنا أثبت فى اللغة والعرف معناه خلق النبات فتجوز به عن التهيؤ والاستعداد له وهو التسبب العادى ويؤول فى كل شئ بما يناسبه فيؤول جد جده بثبت جده وعلى هذا لا يرد عليه شئ مما ذكره.
التفتازانى: (وكذا إن جعل. . . إلخ) أى كما هو مذهب الجمهور.
التفتازانى: (مجازًا عن السبع) أى مجازًا منقولًا عن السبع الحقيقى فالسبع فى أظفار السبع بمعنى الموت.
التفتازانى: (لكان أهون) أى باعتبار وجود الاستعارة التخيلية معها.
التفتازانى: (وأما تمثيله بقوله صبحنا الخزرجية مرهفات. . . إلخ) جواب عما يقال: إن السكاكى قد قال بالتخيلية فى ذلك وقوله: وإنهما اتفقا. . . إلخ. قد يقال: إنهما وإن اتفقا على أن المجاز عقلى لكن اختلفا فى الموصوف به فعند الإمام الإسناد وعند الشيخ المركب وليس مراد الشارح من كون المجاز فى التركيب أنه المجار اللغوى على وجه الاستعارة التمثيلية حتى يقال: إنه ليس مذهب عبد القاهر ولم يقل به أحد من علماء البيان بل مراده المجاز العقلى وأن الموصوف به المركب لكن هذا على أحد وجهين للشيخ عبد القاهر وإلا فقد نقل عنه أن الموصوف بالمجاز العقلى هو الإسناد كما نقل عنه أنه الجملة.
[ ١ / ٥٦٤ ]
التفتازانى: (كالأمر للوجوب والإباحة) فيه أن الإباحة والوجوب متضادان لا متناقضان.
التفتازانى: (على تقدير فهم المراد) تحريف وصوابه: على تقدير فهم غير المراد.
التفتازانى: (أو فى الأصول) عطف على قوله: فى العربية.
التفتازانى: (فليس بمستقيم على ما لا يخفى) أى لأن الوجوب والجواز مفهومان من كل من لا تطلق فى القرء وطلق فى القرء ولا معنى للتوزيع.
قوله: (أريد بالإسناد الهيئة التركيبية. . . إلخ) أى فالمجاز فى المركب باعتبار الإسناد وقوله: ويحتمل أن يراد. . . إلخ. فقول المصنف: المجاز فى الإسناد على حذف مضاف أى فى مركب الإسناد وعلى كل فالمراد المجاز اللغوى باعتبار الإسناد وهذا على فهم المحشى فى كلام الشارح، وأما على ما تقدم فى حل المصنف فالمجاز عقلى فى المركب باعتبار الإسناد.
قوله: (وهو أن القائل أورد هذا المعنى. . . إلخ) رد على التفتازانى على ما علمت.
قوله: (وهو مذهب شرذمة من الناس) أى لم يتفرد به المصنف.
قوله: (وقد زيفه صاحب المفتاح وغيره) إن كان بما تقدم إيراده ونقلناه عن شرح مسلم الثبوت فقد علمت رده.
قوله: (ولعل الشارح إنما حكم بذلك. . . إلخ) لا حاجة لذلك بل المصنف حيث قال: إن الحق أنه مجاز فى المفرد توهم اعتراضًا بأن الحق أنه مجاز فى الإسناد أى فى الهيئة التركيبية باعتبار الإسناد وأن المجاز مجاز عقلى وليس مراده أن ما قاله عبد القاهر فى المجاز اللغوى الذى نحن بصدده فيكون واردًا على أن المجاز يستلزم الحقيقة فيرد بأنه وإن كان مجازًا لغويًا تمثيليًا لكنه مستبعد كما ذكرناه سابقًا.
قوله: (إذا كان الموصوف به الجملة) ليس المراد على وجه الاستعارة التمثيلية بل على وجه المجاز العقلى.
قوله: (ولهذا قيل. . . إلخ) علمت عدم وروده بناء على ما حملنا عليه كلامه.
قوله: (فإنه يتعلق بالوضع واللغة) أى فإن كان أنبت فى اللغة للتسبب الحقيقى تعين قصد التجوز فى المسند وإن كان المركب موضوعًا للتسبب الفاعلى كان القصد إلى التجوز فى المركب.
[ ١ / ٥٦٥ ]