قال: (الدليل لغة المرشد والمرشد الناصب والذاكر وما به الإرشاد وفى الاصطلاح ما يمكن التوصل بصحيح النظر فيه إلى مطلوب خبرى وقيل إلى العلم به فتخرج الإمارة وقيل قولان فصاعدًا يكون عنه قول آخر وقيل يستلزم لنفسه فتخرج الأمارة).
أقول: لما كان استمداده من المواضع الثلاثة كان مبادئه منهما فشرع فى ذكرها، وهذه هى مبادئ الكلام. والدليل لغة يقال للمرشد وهو الناصب والذاكر ولما به الإرشاد وهذا ما صرح به فى الأحكام ولا يبعد أن يجعل للمرشد وهو للمعانى الثلاثة فإن ما به الإرشاد يقال له المرشد مجازًا. فيقال الدليل على الصانع هو الصانع أو العالِم أو العالَم واصطلاحًا أيضًا عند الأصوليين فما يمكن التوصل بصحيح النظر فيه إلى مطلوب خبرى وذكر الإمكان لأن الدليل لا يخرج عن كونه دليلًا بعدم النظر فيه وقيد النظر بالصحيح لأن الفاسد لا يتوصل به إليه وإن كان قد يفضى إليه اتفاقًا وهذا يتناول الأمارة أى الظنى منه وربما قيل إلى العلم بمطلوب خبرى فلا يتناولها. وأما عند المنطقيين فقولان فصاعدًا يكون عنه قول آخر وهذا يتناول الأمارة لأنه يجمع القياس البرهانى والظنى والشعرى والسفسطى وربما قيل بدل يكون يستلزم لذاته قولًا آخر فتخرج الأمارة إذ يختص بالبرهانى منه فإن غيره لا يستلزم لذاته شيئًا فإنه لا علاقة بين الظن وبين شئ لانتفائه مع بقاء سببه وفيه بحث مذكور فى الكلام.
وأعلم أن الحاصل أن الدليل عندنا على إثبات الصانع هو العالم وعندهم أن العالم حادث وكل حادث فله صانع.
قوله: (لما كان استمداده من المواضع الثلاثة) أى الكلام والعربية والأحكام والآمدى يسميها المبادئ الكلامية والمبادئ اللغوية والمبادئ الفقهية، والشارح المحقق كان يتحاشى عن التصريح بأن الأصول تستمد من الفقه استبعادًا منه لكون مبادئ العلم مبينة فى علم أدنى مع أنه لم يعهد تصورات الأحكام فى علم الفقه ولذا يقول ههنا المواضع الثلاثة دون العلوم الثلاثة ويقول فى بحث الأحكام قد استوفى مبادئ هذا العلم من اللغات وما هى مبادئه من الأحكام، على أنه قد ذكر فيما سبق أن الاستمداد إجمالًا ببيان أنه من أى علم يستمد وبالجملة من دأب
[ ١ / ١٢٤ ]
الشارح فى هذا الكتاب سوق الكلام فى مظان اللبس على وجه الإبهام والاحتراز عن التصريح بالمرام، والحق أن مبادئ العلم قد تبين فى علم أدنى على ما صرح به ابن سينا وأن بيان مفهوم الأحكام وظيفة الفقه لكونها محمولات مسائله، هذا وكلام المصنف بعد مضطرب لأنه زاد فى المبادئ المتعلقة بالأحكام كثيرًا من المسائل التى ليست من الفقه وأورد المباحث المتعلقة بالعربية بعضها فى المبادئ كالحقيقة والمجاز والاشتراك وبعضها فى المقاصد كالعموم والخصوص والمنطوق والمفهوم ولم يورد فى المبادئ الكلامية شيئًا مما يتعلق بمعرفة البارى وصدق المبلغ ودلالة المعجزة؛ لأن ذلك فى نظر الأصولى منزلة البديهى بل اقتصر على ما لا يبعد أن يكون بالنسبة إلى الكلام أيضًا من المبادئ بل المقدمات بل ليس له اختصاص بالكلام كمباحث النظر الذى سائر العلوم فيه متساوية الأقدام نعم لما لم يكن فى العلوم الإسلامية ما يناسب مباحث النظر والاستدلال سوى علم الكلام أضافوها إليه وفى قوله مبادئ الكلام دون المبادئ الكلامية رمز إلى ما ذكرنا.
قوله: (ولا يبعد) بعيد لما فيه من إطلاق المرشد على معناه الحقيقى والمجازى جميعًا إلا أن يؤول بأن الدليل لغة ما يطلق عليه لفظ المرشد ثم ههنا بحث أما أولًا: فلأن الدليل فعيل بمعنى فاعل من الدلالة وهى أعم من الإرشاد والهداية وأما ثانيًا: فلأن قولنا الدليل لغة كذا معناه أن ذلك مفهومه بحسب وضع اللغة فلا يصح فى المعنى المجازى وليس هذا بمصرح فى كلام الآمدى لأنه قال: أما الدليل فقد يطلق فى اللغة بمعنى الدال وهو الناصب للدليل وقيل الذاكر له وقد يطلق على ما فيه دلالة وإرشاد وهو المسمى دليلًا فى عرف الفقهاء سواء أوصل إلى علم أو ظن، والأصوليون يفرقون فيخصون الدليل بما يوصل إلى علم والإمارة بما يوصل إلى ظن فحده عند الفقهاء مما يمكن التوصل بصحيح النظر فيه إلى مطلوب خبرى وعند الأصوليين ما يمكن التوصل به إلى العلم بمطلوب خبرى والأقرب أن اصطلاح الأصول ما ذكره الشارح.
قوله: (الدليل على الصانع هو الصانع) لأنه الذى نصب العالم دليلًا عليه (أو العالم) بكسر اللام لأنه الذى يذكر للمستدلين كون العالم دليلًا على الصانع (أو العالم) بفتح اللام لأنه الذى به الإرشاد.
قوله: (لأن الدليل لا يخرج) يعنى أن الدليل معروض الدلالة وهى كون الشئ
[ ١ / ١٢٥ ]
بحيث يفيد العلم عند النظر فيه، وهذا حاصل نظر فيه أو لم ينظر.
قوله: (وقيد النظر بالصحيح) صحة النظر أن يكون فى وجه الدلالة أعنى ما به ينتقل الذهن كالحدوث للعالم وفساده وبخلافه فلو أطلق النظر لفهم من أن الدليل يجب أن يمكن التوصل به إلى المطلوب الخبرى بأى نظر كان ولا خفاء فى أن العالم دليل الصانع ولا يمكن التوصل إلى المطلوب بالنظر الفاسد إما صورة فظاهر وإما مادة كما فى قولنا العالم بسيط وكل بسيط له صانع فلانتفاء وجه الدلالة إذ ليست البساطة مما ينتقل منه إلى ثبوت الصانع وإن أفضى إليه فى الجملة فإن قيل: الإفضاء إلى المطلوب يستلزم إمكان التوصل إليه لا محالة قلنا ممنوع فإن معنى التوصل يقتضى وجه دلالة بخلاف الإفضاء ثم مبنى كلام الشارح على أن المراد بما أمكن هو الموجود العينى الذى به التوصل كالعالم لا القضايا والتصديقات على أنها لو كانت مرادة يجب أن تعتبر مجردة عن الترتيب، إذ لا معنى للحظر وحركة النفس فى الأمور الحاضرة المرتبة.
قوله: (أى الظنى منه) يعنى من الدليل يعنى أن الأمارة هو الشئ الذى يمكن التوصل بصحيح النظر فيه إلى الظن بمطلوب خبرى كوجود النار لوجود الدخان.
قوله: (فقولان) يعنون بالقوله المركب التام الذى يصح السكوت عليه والأولى أن يزاد قيد احتمال الصدق والكذب.
قوله: (البرهانى) هو القياس المؤلف من المقدمات اليقينية الواجبة القبول والظنى يتناول الخطابى المؤلف من المظنونات أو منها ومن المقبولات، والجدلى المؤلف من المشهورات أو منها ومن المسلمات وأما الشعرى فهو المؤلف من المخيلات والسفسطى هو المؤلف من المشبهات بالقضايا الواجبة القبول فجميع تلك الأقيسة يحصل منها نتيجة وإن لم يكن فى غير البرهانى على سبيل اللزوم.
قوله: (إذ يختص بالبرهانى منه) أى من القياس فإن قيل: قد أطبق جمهور المنطقيين على قيد الاستلزام فى تعريف القياس وجعلوه شاملًا للبرهانى والظنى والشعرى والسفسطى قلنا نعم لكن مع زيادة قيد آخر هو تقدير التسليم وذلك أنهم قالوا: هو مؤلف قضايا متى سلمت لزم عنه لذاته قول آخر فاللزوم فى الكل إنما هو على تقدير التسليم، وأيضًا بدونه فلا يكون فى غير البرهانى وبينه فيما هو أقرب إلى اللزوم كالظنى فإنه لا علاقة بين الظن وبين شئ آخر ما بحيث يمنع
[ ١ / ١٢٦ ]
تخلفه عنه لانتفاء الظن مع بقاء سببه، كالغيم الرطب يكون أمارة للمطر ثم يزول ظن المطر بسبب من الأسباب مع بقاء الغيم بحاله.
قوله: (وفيه بحث) وهو أن الممكنات مستندة إلى اللَّه ابتداء والعلم والظن عقيب الدليل والأمارة بخلق اللَّه تعالى من غير تأثير لهما وإيجاب ومعنى استلزام الدليل العلم استعقابه إياه عادة فلا يبعد أن تستلزم الأمارة الظن بهذا المعنى ويتخلف عنها، بناء على أن اللَّه لا يخلقه عقيبها والجواب أن الاستعقاب العادى يمنع التخلف عادة وإن جاز عقلًا حتى لو وقع كان من خوارق العادة، وتخلف الظن عن الإمارة ليس كذلك بخلاف العلم من الدليل.
قوله: (لما كان استمداده من المواضع الثلاثة) يعنى الكلام والعربية والأحكام قيل: عدل عن العلوم الثلاثة إلى هذه العبارة؛ تحاشيًا عن التصريح باستمداد الأصول من الفقه مع كونه أدنى، ولم يعهد فيه تصور الأحكام وقد سبق أنه أن الاستمداد إجمالًا ببيان أنه من أى علم يستمد، والحق أن مبنى العلم قد تبين فى علم أدنى على ما صرح به ابن سينا وأن بيان مفهومات الأحكام وظيفة الفقه لوقوعها محمولات فى مسائله ولذلك سماها الآمدى بالمبادئ الفقهية وليس بحق فإن المبادئ التصورية لعلم حقها أن تبين فيه لا أن تؤخذ من علم آخر وما صرح به من أن المبادئ تبين دى العلم الأعلى كثيرًا وفى الأدنى قليلًا إنما هو فى المبادئ التصديقية المسماة بالأصول الموضوعة كما لا يخفى على من له دربة بصناعة البرهان كيف لا وتلك التصورات إذا ذكرت فى علم آخر لا تكون مسائل منه بل مبادئ تصورية له أيضًا؟ فلو احتيج فى بيانها إلى غيره لزم الدور أو التسلسل وإلا فليس استمداد أحدهما من الآخر أولى من عكسه، فعلم أن الأصول إنما يستمد من الأحكام أنفسها لكونها أجزاء المحمولات مسائله لا من علم الفقه فلهذا السبب عدل عن العلوم إلى المواضع وقال فيما بعد: قد استوفى فى مبادئ هذا العلم من اللغات وما هى مبادئه من الأحكام، وأما قوله: من أى علم يستمد فمحمول على التغليب وإنما سماها الآمدى فى موضع بالمبادئ الفقهية لاشتهارها بالانتساب إليه لا لكونها مأخوذة منه كما يشعر بذلك عبارته فى صدر الأحكام فإن قلت: كما أنه يستمد من تصورات الأحكام كذلك يستمد من تصورات أخر لموضوعات مسائله
[ ١ / ١٢٧ ]
ومحمولاتها وأجزائهما فما وجه الاقتصار عليها قلت: هى تصورات كثيرة متجانسة لها شيوع فى المسائل فأشار إليها وأفردها بالذكر قبلها، وأما التصورات المتفرقة المخصوصة ببعض المسائل فأخر بيانها إلى أن يشرع فى تلك المسائل كما فعل مثل ذلك فى المباحث المتعلقة بالعربية حيث أورد بعضها فى المبادئ كالحقيقة والمجاز والاشتراك والترادف وبعضها فى المقاصد كالعموم والخصوص والمنطوق والمفهوم لشدة ارتباط لهذا البعض بالمسائل التى أخر ذكره إليها.
قوله: (وهذه هى مبادئ الكلام) جعل قول الدليل لغة إلى قوله: مبادئ اللغة مبادئ كلامية لأصول الفقه لأنه مقتضى عبارته حيث حكم بأن هذا العلم يستمد من أمور ثلاثة وبينه إجمالًا ثم أورد هذه المباحث وعقبها بالمبادئ اللغوية والأحكام، فتوجه أن القواعد المنطقية نسبتها إلى علم الكلام كنسبتها إلى سائر العلوم الكسبية إذ هى آلة لها فكما يتوقف عليها أصول الفقه يتوقف عليها الكلام أيضًا فجعلها مبادئ كلامية للأصول ليس أولى من العكس، وقد صرح بذلك الإمام الغزالى فى المستصفى حيث قال: إن المقدمة المشتملة على هذه المباحث ليست من جملة أصول الفقه ولا من مقدماته الخاصة بل هى مقدمة العلوم كلها، وحاجة جميع العلوم النظرية إلى هذه المقدمة كحاجة أصول الفقه، وقد أجيب بأن المنطق جزء لما عداه من العلوم المدونة لتركيبها فى المشهور من المسائل والمبادئ، ولها مادة تتألف منها، وصورة هى القواعد المنطقية وحيث كان الكلام أعلى العلوم الشرعية وأساسها كان مقدمًا فى الرتبة والاعتبار فنسب تلك القواعد إليه فهى مبادئ كلامية للأصول وغيره وليس بشئ لأن صور الأدلة والمعرفات المخصوصة المذكورة فى العلوم ليست هى من المسائل المنطقية بل هى جزئيات موضوعاتها، والحق أن إثبات مسائل العلوم النظرية محتاج إلى دلائل وتعريفات معينة والعلم بكونها موصلة إلى المقصود لا يحصل إلا من المباحث المنطقية أو يتقوى بها فهى محتاج إليها لتلك العلوم وليست جزءًا منها بل هى علم على حيالها وعلم الكلام لما كان رئيس العلوم الشرعية ومقدمًا عليها انتسب إليه هذه القواعد المحتاج إليها، فعدت مبادئ كلامية للعلوم الشرعية، وقيل: الأولى أنه لما ذكر الدليل فى حدى الأصول والفقه أشار إلى معناه وحيث أخذ فى تعريف النظر المشتمل بيانه على العلم والظن احتاج إلى بيانهما والبحث عما يتعلق بهما فجره ذلك إلى تقسيم
[ ١ / ١٢٨ ]
العلم إلى التصور والتصديق المنقسمين إلى الضرورى والنظرى وبيان الطرق الموصلة إلى النظريات وما يتعلق بها فهذه المباحث كلها من تتمة الحد، ولذلك لم يصدرها بعنوان يدل على أنها مبادئ كلامية كما فعله فى القسمين الآخرين وفيه أن يراد علم فى آخر استطرادًا مما يأباه الطبائع المستقيمة، وأما صاحب الأحكام فاقتصر على تعريف الدليل والنظر والعلم والظن وجعلها مبادئ كلامية.
قوله: (والدليل لغة) الدليل لغة يطلق على المرشد، والمرشد له معنيان: الناصب لما يرشد به، والذاكر له وكذا يطلق الدليل على ما به الإرشاد فله ثلاثة معان وللمرشد معنيان وإنما كرر اللام فى قوله: ولما به الإرشاد تنبيهًا على كونه معطوفًا على المرشد وهذا التوجيه موافق لما صرح به الآمدى فى الأحكام حيث قال: وأما الدليل فقد يطلق فى اللغة بمعنى الدال وهو الناصب للدليل وقيل هو الذاكر له وقد يطلق على ما فيه دلالة وإرشاد. قال الشارح: ولا يبعد أن يجعل ما به الإرشاد فى عبارة الكتاب عطفًا على الناصب فيكون الدليل للمرشد وهو للمعانى الثلاثة وحيث كان إطلاقه على المعنى الثالث مستبعدًا فى بادئ الرأى أزاله بقوله فإن ما به الإرشاد يقال له: المرشد مجازًا؛ لأن الفعل قد يسند إلى الآلة فيقال للسكين: إنه قاطع واعترض بأنه بعيد لما فيه من إطلاق المرشد على معناه حقيقة ومجازًا معًا إلا أن يؤول بأن الدليل لغة ما يطلق عليه لفظ المرشد، وأجيب بأن هذا التأويل لازم على التوجيه الأول أيضًا لئلا يلزم إطلاقه على معنييه الحقيقيين معًا أعنى الناصب والذاكر فكأنه قيل: مدلوله لغة هو مدلول المرشد فيعم الحقيقى والمجازى على أن المصنف جوز استعمال اللفظ فى كل واحد من مدلوليه الحقيقى والمجازى معًا مجازًا كما جوزه فى المعنيين الحقيقيين أيضًا فلا استبعاد على مذهبه، وما قيل من أن الإرشاد هو الهداية فيكون أخص من الدلالة فلا يصح تفسير الدليل بالمرشد وأيضًا قولنا: الدليل لغة كذا معناه أن ذلك مفهومه بحسب وضع اللغة فلا يشمل المعنى المجازى، فجوابه أن المصنف فسر المرشد بما فسر به الآمدى الدال أعنى الناصب والذاكر ولم يعتير فى شئ منهما معنى الإيصال، فالإرشاد والهداية عنده يرادفان الدلالة قال الجوهرى: الهدى الإرشاد والدلالة وهديته الطريق، والبيت هداية أى: عرفته وإن الشارح أشار إلى اعتبار القول والإطلاق دون الوضع.
[ ١ / ١٢٩ ]
قوله: (فيقال) تمثيل لمعانى الدليل الثلاثة أى: (الدليل على الصانع) بالمعنى اللغوى (هو الصانع) لأنه الناصب لما فيه دلالة وإرشاد إليه (أو العالم) بكسر اللام لأنه الذاكر لذلك (أو العالم) بفتحها لأنه الذى به الإرشاد.
قوله: (واصطلاحًا) يعنى أن هناك اصطالاحين، وللدليل بحسب كل منهما معنيان أحدهما أعم من الثانى مطلقًا، وقدم اصطلاح الأصولى لأنه المناسب وأبدأ فيهما بالمعنى الأعم؛ لأنه المعنى المعتبر عند الأكثر كما يفصح عنه عبارته وإنما قيل ما يمكن التوصل دون ما يتوصل تنبيهًا على أن الدليل من حيث هو دليل لا يعتبر فيه التوصل بالفعل بل يكفى إمكانه فلا يخرج عن كونه دليلًا بأن لا ينظر فيه أصلًا ولو اعتبر وجوده لخرج عن التعريف ما لم ينظر منه أحد أبدًا وأريد من النظر فيه ما يتناول النظر فيه نفسه وفى صفاته وأحواله فيشمل المقدمات التى هى بحيث إذا رتبت أن إلى المطلوب الخبرى والمفرد الذى من شأنه إذا نظر فى أحواله أوصل إليه كالعالم، وحيث أريد بالإمكان المعنى العام الجامع للفعل والوجوب اندرج فى الحد المقدمات المرتبة وحدها، وأما إذا أخذت مع الترتيب فيستحيل النظر فيها وقيد النظر بالصحيح وهو المشتمل على شرائطه مادة وصورة؛ لأن الفاسد لا يمكن أن يتوصل به إلى مطلوب خبرى، إذ ليس هو فى نفسه سببًا للتوصل ولا آلة له وإن كان قد يفضى إليه فذلك إفضاء اتفاقى ليس من حيث إنه وسيلة له فلو لم يقيد وأريد العموم خرجت الدلائل بأسرها إذ لا يمكن التوصل بكل نظر فيها، وإن اقتصر على الإطلاق لم يكن هناك تنبيه على افتراق الصحيح والفاسد فى ذلك، والحكم يكون الإفضاء فى الفاسد اتفاقيًا إنما يصح إذا لم يكن بين الكواذب ارتباط عقلى يصير به بعضها وسيلة إلى بعض أو يخص بفاسد الصورة أو بوضع ما ليس بدليل مكانه وتقييد المطلوب بالخبرى لإخراج قول الشارح ولو قيد بالتصورى كان حدًا له، وإن جرد عنهما فللمشترك بينهما أعنى الموصل إلى المجهول وحيث كان التوصل أعم من أن يكون إلى علم أو ظن توليدًا أو إعدادًا لزومًا أو عادة يتناول التعريف القطعى والظنى وصح على المذاهب كلها.
قوله: (فقولان) أى قضيتان معقولتان أو ملفوظتان فإن الدليل كالقول والقضية يطلق على المعقول والمسموع اشتراكًا أو حقيقة ومجازًا وقيل: أى مركبان ويخرج بقوله: يكون عنه قول آخر، قولان فصاعدًا من المركبات التقيدية أو منها ومن
[ ١ / ١٣٠ ]
التامة كما يخرج قولان من التام إذا لم يشركا فى حد أوسط وإنما قال: فصاعدًا؛ ليتناول القياس المركب من أقوال وفى توحيد الضمير وتذكيره فى عنه تنبيه على أن الهيئة لها مدخل فى ذلك قيل: إنما وصف القول بالآخر ليخرج عنه مجموع أى قضيتين اتفقتا فإنه يستلزم إحداهما وهذا لا يصح ههنا إذ لا يكون إحداهما ولا اعتبر حصول القول الآخر سواء كان لازمًا بينًا أو غير بين أو لا يكون لازمًا تناول حد الأمارة وغيرها لأنه يجمع التمثيل والاستقراء، والقياس البرهانى المؤلف من مقدمات قطعية لإفادة اليقين والجدلى المركب من قضايا مشهرة أو مسلمة لإلزام الحكم لحفظ الأوضاع وهدمها، والخطابى المؤلف من قضايا ظنية مقبولة أو غيرها لإقناع من هو قاصر عن درك البرهان وعبر عنهما بالظنى، والشعرى المركب من قضايا مخيلة لإفادة القبض والبسط فى الإحجام والإقدام، والمغالطى الذى يتركب من قضايا مشبهة بالمشهورات وتسمى شغبًا أو بالأوليات وتسمى سفسطة وعبر عنها بالسفسطى إطلاقًا للأخص على الأعم فاستوفى الصناعات بأسرها.
قوله: (إذ يختص بالبرهانى منه) أى من الدليل أو من القياس، إذ لا برهان من غيره إلا إذا كان راجعًا إليه (وأما غير البرهانى فلا يستلزم لذاته شيئًا فإنه لا علاقة عقلية بين الظن وبين شئ) يستنكاد هو منه (لانتفائه مع بقاء سببه) الذى يتوصل منه إليه وفى اكتفائه فى بيان المدعى بحال الظن وسببه إيماء إلى أن ما عدا البرهانى إما ظنى أو فى حكمه فإن قلت: قد أطبق جمهور المنطقيين على اعتبار قيد الاستلزام فى تعريف القياس وجعلوه مع ذلك شاملًا للصناعات الخمس أجيب بأنهم زادوا قيدًا آخر وهو تقدير تسليم مقدماته فالاستلزام فى الكل إنما هو على ذلك التقدير وأما بدونه فلا استلزام إلا فى البرهانى، وهو المراد ههنا فلا منافاة بينهما، وفساده ظاهر؛ لأن التسليم لا مدخل له فى الاستلزام فإن تحقق اللزوم لا يتوقف على تحقق الملزوم ولا اللازم كما لا يخفى أو لا يرى إلى قولنا: إن العالم قديم وكل قديم مستغنٍ عن المؤثر يستلزم قولنا: العالم مستغن عن المؤثر إذ لو تحقق الأول فى نفس الأمر تحقق الثانى قطعًا وهو معنى الاستلزام ولا تحقق لشئ منهما، وإنما صرح بتقدير التسليم إشارة إلى أن القياس من حيث هو قياس لا يجب أن تكون مقدماته مسلمة صادقة ولو اكتفى بما عداه لتوهم أن تلك القضايا متحققة فى الواقع وأن اللازم متحقق فيه أيضًا كما ذكر فى موضعه فالحكم بعدم
[ ١ / ١٣١ ]
الاستلزام فى غير البرهانى إنما يتم بأن يبين تحققه أو جواز تحققه بدون النتيجة كما فى انتفاء الظن مع بقاء سببه لا بأن يبين جواز عدم تحققه فى نفسه.
قوله: (وفيه بحث) أى فى استلزام البرهان النتيجة لذاته بحث (مذكور فى علم الكلام) وهو أن فيضان النتيجة بطريق العادة عند الأشاعرة ولا استلزام ذاتيًا هناك إذ لا مؤثر فى النتيجة إلا اللَّه ﷾ ولا وجوب عنه ولا عليه، وإن أريد بالاستلزام الذاتى امتناع الانفكاك عنه لذاته عقلًا كما هو المتبادر من العبارة صح التعريف الثانى على رأى أصحابه دون الواقع بخلاف الأول فإنه صحيح مطلقًا وإن حمل على الدوام، والامتناع العادى فقد عدل به عن ظاهره هذا وقد قيل: مراده أن الاستعقاب عادة لا يبعد أن يوجد فى الأمارة أيضًا، ورد بأن وجود التخلف فيها يمنع ذلك ولا تخلف فى البرهان أصلًا، وإن أمكن عقلًا ومن قال: هو أن الأمارة المؤلفة من مقدمتين ظنيتين مثلًا تحصل النتيجة منها على تقدير واحد هو صدقهما معًا دون التقادير الثلاثة الأخر ومع جوازها فعدمها إما راجح أو مساوٍ فلا استلزام لها لذاتها، ولما كان البحث عن الدليل وأقسامه من مسائل الكلام قال: مذكور فيه أى فى موضعه اللائق يذكره هو ذاك فقد أبعد عن المرام بما لا فائدة فيه.
قوله: (وأعلم) أقول الدليل عند الأصوليين على إثبات الصانع سواء أخذ بالمعنى الأول أو الثانى هو العالم إذ يمكن التوصل بصحيح النظر فيه بحسب أحواله إلى هذا المطلوب الخبرى بل إلى العلم به وعند المنطقيين هاتان القضيتان مع هيئة الترتيب العارضة لهما، وظاهر كلامه أن الدليل عندنا لا يطلق إلا على المفردات التى من شأنها أن يتوصل بأحوالها إلى المطالب الخبرية فيجب أن يحمل قولنا: بصحيح النظر فيه، على النظر فى أحواله وصفاته ويجوز أن يجرى على عمومه فيتناول الأقسام الثلاثة كما أوضحناه سابقًا وعلى التقديرين فالمعنيان متباينان صدقًا ومن زعم تساويهما فى الوجود بشرط النظر فى المعنى الأصولى لزسه القول بوجوده فى الكواذب.
قوله: (قيل عدل عن العلوم الثلاثة) أراد هذا القائل أن الشارح قد اعتقد أن علم الأصول يستمد من الفقه ولذا قال فيما سبق أن الاستمداد إجمالًا ببيان أنه
[ ١ / ١٣٢ ]
من أى علم يستمد فقد اعترف ههنا أن علم الأصول لا يستمد من علم الأحكام لكنه ترك التصريح هنا بأنه مستمد من الفقه لأن الفقه أدنى ولم يعهد فيه بيان الأحكام وتصورها والحق أن مبادئ العلم قد تبين فى علم أدنى أى لا يتوهم من كون الفقه أدنى عدم جواز استمداد الأصول منه ومن عدم كون بيان الأحكام معهودًا فيه أن لا يكون ذلك البيان وظيفة له فإن الحق ما ذكر.
قوله: (وتلك التصورات إن ذكرت فى علم آخر مسائل منه بل مبادئ تصورية له) لأن المذكور فى علم إما مسائله أو مبادئه إذ ما ليس شيئًا منهما لا يذكر فيه فلو احتيج فى بيان تلك التصورات إلى علم آخر لزم الدور أو التسلسل وإن لم يحتج فالعلم المفروض أولًا أيضًا كذلك إذ المبادئ المفروضة فيهما واحدة وإذا انتفى الاحتياج بينهما انتفى الاستمداد لأن معنى الاستمداد هو الاحتياج ولقائل أن يقول قد ذكر فى أول الكلام أن المبادئ التصورية لعلم حقها أن يتبين فيه لا أن تؤخذ من علم آخر ولا يحصل من المقدمات المذكورة استغناء كل علم فى بيان مبادئه التصورية عن علم آخر ولا يلزم منها وجوب ببان مبادئه التصورية فيه وعدم جواز أخذها من علم آخر فجاز أن يكون علم مقدمًا على علم آخر ويذكر مبادئ العلم المؤخر فى العلم المقدم وتبين فيه ويترك البيان فى العلم المؤخر ويؤمر بالرجوع إلى العلم المقدم إذ لا يلزم من انتفاء الاحتياج عدم الجواز وباعتبار هذا الأمر يقال إن العلم المؤخر مستمد من العلم المقدم لاعتبار الاحتياج ولا يلزم الترجيح من غير مرجح وأيضًا لا يحصل من تلك المقدمات أن المبادئ التصورية لعلم يكون بيانها فى ذلك العلم أولى فإن إبطال الاحتياج لا يقتضى ذلك فإن قيل إذا ذكر المبادئ التصورية فى علم آخر وبين فيه ووقع الأمر بالرجوع فقد ثبت الاستمداد والاحتياج يشعر بذلك قوله وتلك التصورات إن ذكرت فى علم آخر فأصل الذكر فى علم آخر يوجب الاحتياج وليس المراد باحتياج العلم إلى علم آخر فى بيان مبادئه التصورية أن تلك المبادئ لا يجوز أن تبين فيه بل يجب أن تبين فى العلم الآخر كالمبادئ التصديقية قلنا تختار ذكرها فى علم آخر وبيانها فيه وعدم احتياج هذا العلم إلى علم آخر وبيانها فى بيانها ويمنع قوله فليس استمداد أحدهما عن الآخر أولى من عكسه فى الصورة المذكورة.
قوله: (وقد أجيب بأن المنطق جزء لما عداه) لا يخفى أن تلك المقدمة لا مدخل
[ ١ / ١٣٣ ]
لها فى الجواب لأن القواعد المنطقية نسبتها إلى علم الكلام كنسبتها إلى سائر العلوم الكسبية سواء كانت تلك القواعد آلة لها خارجة عنها أو جزءًا لها ومنشأ الإشكال هو استواء تلك النسبة ولا يحصل التفاوت بالخروج والدخول؛ بل الجواب حقيقة هو قوله وحيث كان الكلام أعلى العلوم الشرعية. . . إلخ. والمحشى قد أورد هذا القول مع بيان خروج المنطق عن العلوم وصوره بقوله والحق فالحق والباطل راجعان إلى مقدمة لا يحتاج إليها السؤال والجواب.
قوله: (لا يحصل إلا من المسائل المنطقية) فإن قلت بعض المسائل النظرية التى هى المسائل الكلامية يكون إثباتها محتاجًا إلى دلائل وتعريف يعلم كونها موصلة إلى ما فى تلك المسائل بالقواعد التى هى مذكورة فى أوائل الكلام ويبحث فيها عن المعلومات كان حيث إنها موصلة إلى القواعد الدينية كما أن المنطق يبحث فيه عنها من حيث إنها موصلة إلى المجهولات مطلقًا ويحصل بتلك القواعد استغناء عن المسائل المنطقية قلت القوم قد تكلفوا وجعلوا القواعد المنطقية مقيدة بقيود تخرجها عن كونها من المنطق ثم جعلوها جزءًا من الكلام لئلا يلزم احتياج العلم الشرعى الذى هو رئيس العلوم الشرعية إلى علم غير شرعى والاحتياج فى الكل حقيقة إلى المنطق ومن قال المبادئ الكلامية للأصول هى تلك القواعد التى هى جزءًا من الكلام فقد أخطأ لأن تلك القواعد بسبب تقييد لا تفيد إلا فى الأمور الكلامية والمفيد فى إثبات المسائل الأصولية لا يكون إلا القواعد المنطقية لا لما نقل فى حاشية الحاشية.
قوله: (فعدت مبادئ كلامية) قد حصل بذلك جواب عن قول السائل فجعلها مبادئ كلامية للأصول ليس أولى من عكسه ووقع توجيه يجعل الأصول مستمدًا من الكلام حال كونه مستمدًا من تلك القواعد.
قوله: (فكأنه قيل مدلوله لغة هو مدلول المرشد. . . إلخ) إشارة إلى أن التأويل كما يجب فى جانب المرشد يجب فى لفظ الدليل أيضًا فإن الإشكال وارد على كل منهما.
قوله: (وأيضًا قولنا الدليل لغة) هذا الكلام اعتراض على تفسير الدليل على تقدير أن يكون المعنى الثالث للدليل لا للمرشد، ويقال المعنى الثالث معنى مجازى للدليل وأما إذا كان المعنى الثالث ثابتًا للمرشد ومعنى مجازيًا له فلا يرد الإعتراض
[ ١ / ١٣٤ ]
إلا على تفسير المرشد وذكر الدول للتمثيل فإنه يجوز أن يكون المعنى فى التفسير مجازيًا وفى المفسر حقيقيًا والمعنى المجازى للمرشد مفهوم الدليل بحسب الوضع وإذا قيل هذا المعنى معنى مجازى للدليل أيضًا يرد الاعتراض عليه أيضًا.
قوله: (إذا لم يكن بين الكواذب ارتباط) إشارة إلى أنه قد يكون بينهما ارتباط عقلى كمثل قولنا كل إنسان حجر وكل حجر فرس فكل إنسان فرس وقد يكون بين الكاذب والصادق كقولنا كل إنسان حيوان وكل حيوان ناطق فكل إنسان ناطق وحينئذ يجب أن يقال المراد بالفاسد ما يكون فساده باعتبار الصورة أو يقال المراد بالفاسد ما يكون فساده بوضع ما ليس بدليل مكانه كقولنا كل إنسان حيوان وكل حيوان له صانع فكل إنسان له صانع، وإذا خص الفاسد حصل الواسطة بين الصحيح والفاسد وكان إخراجها (^١) من التعريف بلا جهة إذ يمكن التوصل بها أيضًا إلى مطلوب خبرى أو وقع التعميم فى الصحيح وفى بعض النسخ وقع بالواو العاطفة فى قوله وبوضع ما ليس بدليل مكانه.
قوله: (وفى توحيد الضمير وتذكيره) يعنى أن الظاهر أن يقال يكون عنهما باعتبار القولين أو يقال يكون عنها باعتبار الأقوال وإذا قال يكون عنه واعتبر الوحدة حصل الإشارة إلى أن الأقوال ما لم تصر واحدة سبب عروض الهيئة الوحدانية لم يكن ولم يحصل عنه شئ.
قوله: (مع بقاء سببه) قيل إذا تركب مقدمتان ظنيتان أو إحداهما ظنية وحصب منهما مقدمة ظنية يجوز أن ينعدم الظن بالنتيجة ويحصل اليقين بها من شئ آخر مثلًا إذا قلنا زيد حيوان وكل حيوان يحرك فكه الأسفل عند المضغ فزيد يحرك فكه الأسفل عند المضغ والواقع هو الظن بالكبرى حصل لنا ظن بالنتيجة وبعد ذلك يجوز أن يحصل لنا القطع بأن زيدًا يحرك فكه الأسفل عند المضغ فانتفى الظن بالنتيجة مع بقاء سببه الذى هو التصديق بالمقدمتين المذكورتين على الوجه المذكور.
قوله: (إذ لو تحقق الأول فى نفس الأمر تحقق الثانى) لبعض الناس هنا كلام وهو أن ما ذكره فى بيان ظهور الفساد مبنى على أن المراد بقوله متى سلمت متى وقعت
_________________
(١) قوله: وكان إخراجها. . . إلخ. هكذا فى الأصل ولتحرر العبارة فلعلها لا تخلو من تحريف. كتبه مصحح طبعة بولاق.
[ ١ / ١٣٥ ]
صادقة وهو ليس كذلك بل المراد به متى وقع التصديق بها بمعنى أنه متى تحقق تلك التصديقات تحقق التصديق المتعلق بالقول الآخر وهذا الاستلزام العلمى منشؤه استلزام تحقق تلك الأقوال للقول الآخر فى نفس الأمر فالملزوم حقيقة هو التصديقات وليس هنا توقف اللزوم على تحقق الملزوم فى نفس الأمر وصدقه، وكما أن اللزوم بين الدليل المذكور وبين نتيجته لا يتوقف على تحقق مقدماته فى نفس الأمر كذلك اللزوم بين التصديقات المتعلقة بمقدمات ذلك الدليل وبين التصديق بالقول الآخر فإنه لا يتوقف على تحقق تلك التصديقات ولو أريد اللزوم بحسب التحقق فى نفس الأمر لدخل فى تعريف الدليل على مذهب المنطقيين المقدمات المتفرقة وبطل نكتة توحيد الضمير لأن الهيئة الترتيبية الوحدانية لا مدخل لها فى هذا الاستلزام بل لها مدخل فى الاستلزام العلمى فنقول يجب أن يرجع إلى عبارة الجواب وتوضيح ما هو المراد منها فالمجيب أن حمل التسليم على التصديق وكان معنى كلامه أن الصناعات الخمس لها استلزام على تقدير التصديق بمفهوماتها وأما بدون التسليم والتصديق فلا استلزام إلا فى البرهان، يرد عليه أن الأمارة والبرهان يشتركان فى الاستلزام على تقدير التصديق وعدم الاستلزام على تقدير عدم التصديق بلا تفاوت وإن حمل التسليم على التحقق والصدق وكان معنى كلامه أنها مستلزمة على تقدير الصدق وأما بدون الصدق فلا استلزام إلا فى البرهان، يرد عليه أنه لا معنى لقوله أن البرهان بدون صدق مقدماته يستلزم قولًا آخر فيجب أن يرجع ضمير قوله وأما بدونه إلى القيد ويكون معناه وأما بدون القيد المذكور بمعنى تركه على إطلاقه بأن قيل البرهان يستلزم لذاته قولًا آخر لا بمعنى اعتبار عدم القيد فيه بأن يقال البرهان يستلزم لذاته على تقدير عدم صدق مقدماته قولًا آخر وكذا غير البرهان وإذا كان كذلك فالاستلزام فى البرهان على تقدير الإطلاق وعدم الاستلزام فى غيره على هذا التقدير مبنى على أمرين حمل التسليم على التحقق والصدق وجعل جواز عدم تحقق الملزوم دليلًا على انتفاء اللزوم وبعد اعتبار هذين الأمرين صح أن يقال البرهان يستلزم لذاته قولًا آخر لأن البرهان لا يجوز عدم صدق مقدماته فلا يكون إلا صادقًا فيكون مستلزمًا ولا يصح أن يقال الأمارة تستلزم لذاته قولًا آخر ما لم يقيد بالقيد المذكور؛ لأنه يجوز عدم صدقها فلا تكون مستلزمة وحينئذ ظهر معنى قول المحشى فى آخر الحاشية فالحكم
[ ١ / ١٣٦ ]
بعد الاستلزام فى غير البرهان إنما يتم بأن يبين تحققه أو جواز تحققه بدون النتيجة إلخ وأنت تعلم أنه لو كان التسليم بمعنى التصديق لا يكون لقوله وأما بدونه فلا استلزام إلا فى البرهان معنى؛ لأن البرهان والأمارة متساويان فى وجوب التصديق بالمقدمات وعدمه.
قوله: (لزمه القول بوجوده فى الكواذب) أى بوجود المعنى الأصلى فى الكواذب لأن المعنى المنطقى قد يوجد هناك وفى الكواذب لا يمكن النظر الصحيح فلا يمكن وجود المعنى الأصلى هناك مع اشتراط النظر فيه، والحاصل أن النسبة المعتبرة بين المعنى الأصولى والمنطقى لو اعتبرت بحسب الصدق والحمل لكان المعنيان متباينين لأن المعنى الأصولى على تقدير التعميم الذى ذكره لا يصدق إلا على الأقسام الثلاثة التى هى المفردات والمقدمات المتفرقة والمقدمات المرتبة وحدها أى مع قطع النظر عن الترتيب والمعنى المنطقى لا يصدق على شئ منها بل يصدق على المقدمتين مع هيئة الترتيب العارضة لهما فقط بينهما مباينة، ولو اعتبرت بحسب التحقق والوجود فإن اشترط فى المعنى الأصولى النظر بالفعل كان المعنى المنطقي أعم لأن المعنى الأولى على هذا التقدير لا يتحقق إلا فى صورة يكون هناك مقدمات مرتبة هى فرد من المعنى المنطقى ويتحقق المعنى المنطقى بدونه فى الكواذب، وإن لم يشرط فالظاهر أن النسبة بينهما عموم وخصوص من وجه لصدقهما فى المعنى الأصولى الواقع مع النظر وصدق الأصولى بدونه فى المفرد الذى لا يقع معه النظر وصدق المنطقى بدونه فى بعض الكواذب.
قوله: (قيل عدل. . . إلخ) القائل التفتازانى إلى قوله سماها الآمدى بالمبادئ الفقهية تحاشيًا عن التصريح أى وإن كان الواقع أن الاستمداد من الفقه وسبب التحاشى أمران أحدهما: أن الفقه أدنى من الأصول فكيف يستمد الأصول منه، الثانى: أنه لم يعهد فى الفقه تصور الأحكام وبيان مفهوماتها فلا يحسن أن يكون مستمدًا منه وانظر لِمَ لَمْ يتحاش أيضًا عن التصريح بالاستمداد من العربية مع كونها أدنى أيضًا من الأصول.
قوله: (مع كونه أدنى) أى لأن البحث عن موضوع الفقه من حيث اقترن به أعراض ذاتية لموضوع الأصول وذلك لأن البحث فى الفقه عن أفعال المكلفين إنما
[ ١ / ١٣٧ ]
هو من حيث تعلق الوجوب مثلًا المستفاد من الأدلة من حيث هو مستفاد من الأدلة لأن حيث تعلق الوجوب من حيث نفسه لأن الفقه التصديق بالمسائل الفقهية عن دليل وهو المسائل المدللة فتكون الاستفادة مأخوذة فيه من جهة البحث والاستفادة عرض ذاتى للأدلة إما حقيقة وإما مسامحة ولأن الإسلاميين قالوا: إن الكلام رئيس العلوم الشرعية لنفاذ حكمه فيها بأسرها فيكون الأصول أعلى من الفقه لتوقفه عليه. اهـ. خلخالى.
قوله أيضًا: (مع كونه أدنى) قال الخلخالى إنما كان الفقه أدنى من الأصول لتوقف موضوعه على موضوعه ونفسه على نفسه أما الثانى فظاهر وأما الأول فلأنه يبحث فى الفقه عن الأفعال من حيث اقترن به أعراض ذاتية لموضوع الأصول فإنه يبحث فيه من حيث يتعلق به الوجوب هذا هو الموافق لما نقله الشارح المحقق فى شرح الإشارات على ما نقله قدس سره حيث قال: كون علم تحت علم إنما يكون على أربعة أوجه: الأول: أن يكون موضوع العالى جنسًا لموضوع السافل، الثانى: أن يكون موضوعهما واحدًا لكنه فى أحدهما وضع مطلقًا وفى الآخر مقيدًا، الثالث: أن يكون موضوع العالى عرضًا عامًا لموضوع السافل والمتعين هنا الرابع. اهـ باختصار.
قوله: (وقد سبق) أى عدل عن العلوم إلى هذه العبارة والحال أنه قد سبق منه. . . إلخ. أى فالاستمداد فى الحقيقة من العلم كما ذكرنا وأشار بقوله: وقد سبق أن على فى قول السعد: على أنه قد ذكر فيما سبق بمعنى مع.
قوله: (إن مبادئ علم قد تبين. . . إلخ) رد للسبب الأول وقوله: وإن بيان مفهومات الأحكام. . . إلخ. رد للسبب الثانى ووجه رد السبب الثانى بذلك أن كون وظيفة الفقه ذلك كاف فى الاستمداد منه فى تصويرها وليس بلازم تصويرها وبيان مفهوماتها فيه بالفعل.
قوله: (فإن المبادئ التصورية لعلم حقها أن تبين. . . إلخ) نقل قدس سره فى حاشية الحاشية عن ابن سينا ما يؤيد ذلك.
قوله: (المسماة بالأصول الموضوعة) المبادئ التصديقية هى التى يحتاج إليها فى المسائل سواء كانت تتألف أقيستها منها أو لا وهى إما بينة بنفسها وهى المسماة بالعلوم المتعارفة، أو غير بينة وهى إما مسلمة بناء على حسن الظن فتسمى أصولًا
[ ١ / ١٣٨ ]
موضوعة أو مأخوذة مع استنكار وتشكك إلى أن تبين فى موضعها فتسمى مصادرات هذا هو المذكور فى كلامهم فقول المحشى المسماة بالأصول الموضوعة فيه قصور.
قوله: (بل مبادئ تصويرية له أيضًا) لانحصار العلم فى المبادئ والمسائل فإذا لم تكن من المسائل معين أن تكون من المبادئ.
قوله: (فلو احتيج إلى غيره) أى بالاستمداد منه.
قوله: (لزم الدور) أى: إن رجع إلى العلم الأول وقوله أو التسلسل أى: إن لم يرجع إلى الأول.
قوله: (وما هى مبادئه من الأحكام) أى ولم يقل من علم الأحكام.
قوله: (وأما قوله من أى علم يستمد. . . إلخ) جواب عن قول السعد على أنه قد ذكر فيما سبق وقوله: على التغليب أى غلب علم الكلام وعلم اللغة على ما ليس بعلم وهو الأحكام.
قوله: (وإنما سماها الآمدى. . . إلخ) جواب عما يقال: إن تسميتها بالمبادئ الفقهية يقتضى أن الاستمداد من الأحكام عبارة عن الاستمداد من علم الفقه كما ذكره السعد.
قوله: (كما أنه يستمد من تصورات الأحكام. . . إلخ) فى بعض الحواشى لعل السر فى الاقتصار على المحمولات وأجزائها أن المسائل والقضايا المتكثرة التى تعد علمًا واحدًا لاشتراكها فى الموضوع المعلوم بيان استمدادها التصورى يكون بتصور المحمولات وأجزائها التى تعلم بعد، وأما ما ذكره المحشى ففيه أن تصورات الدلائل التى هى موضوعات الفن كذلك تصورات كثيرة متجانسة لها شيوع فى المسائل فيجب أن يشير إليها ويفردها بالذكر.
قوله: (كما فعل مثل ذلك إلى قوله لشدة ارتباط لهذا البعض. . . إلخ) أراد بذلك إزالة بعض الاضطراب الذى اعترض به التفتازانى على المصنف ولم يتعرض لدفع الاضطراب بأنه لم يورد فى المبادئ الكلامية شيئًا مما يتعلق بمعرفة البارئ وصدق المبلغ ودلالة المعجزة؛ لأن ذلك فى نظر الأصولى بمنزلة البديهى بل اقتصر على ما لا يبعد أن يكون بالنسبة إلى الكلام أيضًا من المبادئ بل المقدمات بل ليس له اختصاص بالكلام؛ لأن عدم الإيراد قد اعتذر هو عنه وأيضًا الاقتصار على المسائل
[ ١ / ١٣٩ ]
المنطقية على فسيجئ غالبه وأما الاضطراب فإنه زاد فى المبادئ المتعلقة بالأحكام كثيرًا من المسائل التى ليست من الفقه فلم يتعرض لدفعه لأنه مبنى على استمداد الأصول من علم الأحكام وقد تبين أنه ليس كذلك.
قوله: (وبينه إجمالًا) أى حيث قال وأما استمداده فمن الكلام والعربية والأحكام إلى قوله: وإلا جاء الدور وقوله: ثم أورد. . . إلخ أى ثم فصل بعض ما أجمل فأورد إلخ فيكون قوله والدليل لغة إلى قوله مبادئ اللغة تفصيلًا للمبادئ الكلامية.
قوله: (فبجعلها مبادئ كلامية للأصول ليس أولى من العكس) على أنها ليست مبادئ بمعنى ما يتوقف عليه ذات الشئ توقفًا قريبًا كما هو المصطلح عليه بل بمعنى أنها وسيلة.
قوله: (وقد أجيب بأن المنطق جزء. . . إلخ) قال الهروى ما حاصله أن مبنى الإشكال استواء نسبة المنطق لسائر العلوم سواء كان جزءًا أو غير جزء فالجواب حقيقة هو قوله وحيث كان الكلام أعلى العلوم وقد ارتضاه المحشى بقوله: وعلم الكلام لما كان. . . إلخ فالحق والباطل فى كلام المحشى راجعان إلى مقدمة خارجة عن الجواب. اهـ.
قوله: (ولها) أى لمبادئ العلم وقوله: مادة هى مواد التعريفات ومواد الأدلة وقوله وصورة هى صور ما ذكر.
قوله: (بل هى جرْئيات موضوعها) لأن موضوعها المعلوم التصورى والمعلوم التصديقى من حيث صحة الإيصال إلى المجهول وذلك المعلوم هو المعرفات والأدلة على التعيين.
قوله: (لا يحصل إلا من المباحث المنطقية) أى لأنه لا بد من الحلم بصحة موادها وصورها وحصول شرائطها لأنه لو فسدتا أو إحداهما كان الفكر المشتمل عليهما فاسدًا غير موصل للمقصود ولما كان العلم بتفاصيل خصوصيات الأحكام التصورية والتصديقية متعذرًا أو متعسرًا احتيج إلى المباحث المنطقية ليرجع إليها فى معرفة أى فكر أريد.
قوله: (ويتقوى بها) أى: إن كان ممن صفا ذهنه وقويت عارضته جدًا.
قوله: (فهى محتاج إليها لتلك العلوم وليست جزءًا منها) قال فى حاشية
[ ١ / ١٤٠ ]
الحاشية لا يقال فعلى هذا يلزم أن يكون المنطق أعلى من الكلام والإلهى لأنه يبين مبادئ كثيرة لهما لا يبين مثلها فى الأدنى كما لا يخفى لأنا نقول: هو لا يبين مبادئهما أصلًا بل يبين ما يعرض لمبادئهما التصورية والتصديقية المصطلح عليها من الطرق الموصلة إلى مقاصدها ومثله يستحق أن يسمى وسيلة وآلة فظهر أن الاستمداد كله ليس من مبادئ العلم بالمعنى المشهور. اهـ. وقد وضحه الخلخالى فقال قوله: لا يبين مثلها فى الأدنى دفع لما يقال: إن كون المنطق مبينًا لمبادئهما لا يوجب كونه أعلى منهما فإنه قد تبين مبادئ الأعلى فى الأدنى ووجه الدفع أن هذا إنما يكون فى مبادئ قليلة نادرة وما ذكرنا ليس من هذا القبيل وقوله: لا يبين مبادئهما أصلًا وجهه أن مبادئهما إنما هى الأدلة والمعرفات المخصوصة المعينة وظاهر أن هذه ليست مباحث مبينة فى المنطق بل المباحث المبينة فيه هى ما يعرض لهذه التعريفات والأدلة المعينة التى هى المبادئ المصطلح عليها وهى المبادئ بالمعنى الأخص الذى هو جزء من العلم أعنى الطرق الموصلة إلى مقاصدها توصلًا قريبًا، وقوله: فظهر أن الاستمداد كله أى ما يستمد منه ليس كله بالمعنى المشهور وهو ما يتوقف عليه ذاتًا فاستمداد الكلام والإلهى من للمنطق لا يوجب كون مسائله مبادئ لهما بالمعنى المشهور ليستلزم كونه أعلى. اهـ. وهذا الذى ذكره فى حاشية الحاشية باعتبار إطلاق الكلام على ما لا يشمل مباحث النظر كما هو أحد إطلاقيه فلا ينافى أن المنطق جزء من الكلام بإطلاق آخر كما أنه لا منافاة بين ما ذكره المحشى هنا من قوله وليست جزءًا من العلوم وبين ما ذكره فى شرح المواقف من أن المنطق جزء من الكلام لأن المنطق فى نفسه ليس جزءًا من الكلام لكن لما كان علم الكلام رئيس العلوم الدينية ومقدمًا عليها لم يرض علماء الإسلام أن يكونوا محتاجين فيه إلى علم آخر أصلًا سواء كان شرعيًا أو لا فأخذوا موضوعه على وجه يتناول العقائد والمباحث النظرية التى يتوقف عليها العقائد فجاء علم الكلام كافلًا لإثبات العقائد الدينية المتعلقة بالصانع تعالى وصفاته وغير ذلك من المباحث النظرية التى يتوقف عليها مواد أدلة العقائد وصورها ومواد معرفاتها وصورها وكانت مباحث النظر من الكلام.
قوله: (لما كان رئيس العلوم الشرعية) أى لأنه متكفل بإثبات الصانع تعالى وصفاته وإثبات النبوة ولولا ذلك لا يتصور علم التفسير والحديث والفقه وأصوله.
[ ١ / ١٤١ ]
قوله: (فعدت مبادئ كلامية) وبهذا الاعتبار جعل استمداد الأصول من القواعد المنطقية استمدادًا من الكلام ولم يجعل المستمد منه أربعة: الكلام والعربية والأحكام والمنطق.
قوله: (وفيه أن إيراد علم. . . إلخ) وأيضًا فيه أنه يلزمه توسط الفائدة والاستمداد بين الحد وما يتعلق به وهو ما تأباه الطباع السليمة وأيضًا يلزم أنه لم يذكر الاستمداد التفصيلى من الكلام كما ذكر الاستمداد التفصيلى من أخويه.
قوله: (وقيل هو الذاكر له) حكايته بقبل لا تنافى جعله من المعانى اللغوية عنده.
قوله: (ولا يبعد. . . إلخ) ذكر فى حاشية الحاشية أن ذلك رد على من قال ما به الإرشاد عطف على المرشد لا على قوله الناصب والذاكر إذ ليس من معانى المرشد وحاصل الرد أنه إن أراد أنه ليس من معاني المرشد أصلًا فممنوع لأن ما به الإرشاد من المعانى المجازية للمرشد وإن أراد أنه ليس من المعانى الحقيقية فنمنع تمام التقريب إذ لا يلزم من عدم كونه من المعانى الحقيقية للمرشد عدم جواز عطفه على ما هو معنى حقيقى له إذ يكفى فى ذلك كونه كان مطلق معانيه فإن قيل إذا لم يكن ما به الإرشاد من المعانى الحقيقية للمرشد لم يصح كونه من المعانى الحقيقية للدليل فكيف كان معنى حقيقيًا للدليل دون المرشد سمع الحكم بترادف الدليل والمرشد فالجواب أن الترادف باعتبار بعض معاني الدليل وهو اثنان منها لأن الدليل له معان ثلاثة يرادف المرشد باثنين منها وليس له معنى واحد شامل للأمور الثلاثة حتى ينافى الترادف.
قوله: (واعترض بأنه بعيد) المعترض هو التفتازانى وقوله لما فيه من إطلاق المرشد على معناه حقيقة ومجازًا أى فى قوله الدليل لغة المرشد لا فى قوله والمرشد الناصب والذاكر وما به الإرشاد لعدم الجمع فى ذلك.
قوله: (ما يطلق عليه لفظ المرشد) أى فلم يعتبر شخص كل من المعانى الحقيقية والمجازية بل اعتبر مجرد شئ يطلق عليه لفظ المرشد سواء كان الإطلاق حقيقيًا أو مجازيًا وذلك ليس من الجمع الممنوع.
قوله: (هو مدلول المرشد) أى أن المعتبر أمر على يشمل المعنيين وليس المعتبر شخص كل حتى يلزم الجمع.
[ ١ / ١٤٢ ]
قوله: (على أن المصنف. . . إلخ) جواب ثان.
قوله: (وما قيل) القائل التفتازانى وقوله: من أن الإرشاد. . . إلخ. اعتراض على قول المصنف: الدليل لغة المرشد وحاصل الاعتراض أن الإرشاد هو الهداية وهذا لا نزاع فيه والهداية اعتبر فيها الإيصال بخلاف الدلالة فإنها أعم فقد فسر الأعم بالأخص.
قوله: (وأيضًا قولنا الدليل لغة كذا معناه أن ذلك مفهومه بحسب وضع اللغة فلا يشمل المعنى المجازى) أى فمثله قوله المرشد كذا يكون معناه أن كذا مفهوم بحسب وضع اللغة فقوله: وأيضًا قولنا. . . إلخ. اعتراض على التوجيه الذى ذكره الشارح.
قوله: (فجوابه أن المصنف. . . إلخ) جواب عن الاعتراض الأول الوارد على المصنف.
قوله: (فالإرشاد والهداية عنده يرادفان الدلالة) تعرض للهداية لما علمت من أن كون الإرشاد هو الهداية مما لا نزاع فيه.
قوله: (وأن الشارح. . . إلخ) جواب عن قوله: وأيضًا قولنا. . . إلخ. الوارد على الشارح.
قوله: (تنبيهًا على أن الدليل. . . إلخ) قال بعضهم أقول يمكن أن يكون فائدة ذكر قيد الإمكان الاحتراز عن مذهبى التوليد والإعداد اللزومى فإنه عند أهل الحق لا وجوب عنه تعالى ولا عليه فبعد النظر فى الدليل لا يجب التوصل بالنظر إلى نفس الدليل بل يمكن.
قوله: (المعنى العام) وهو كون عدم الموصل ليس واجبًا فيصدق بوجوب التوصل ووجوده.
قوله: (المقدمات المرتبة وحدها) أى المقدمات المعروضة للهيئة والترتيب وحدها من غير أخذ الهيئة الترتيبية معها إذ النظر فى المجموع من حيث هو مجموع مستحيل يعنى إذا أخذت مع الترتيب بجعل إحداهما صغرى ولأخرى كبرى يستحيل الترتيب فيها بهذا الأخذ مرة أخرى وهذا لا ينافى إمكان الترتيب فيها من حيثية أخرى بأن يأخذ المجموع شيئًا واحدًا ويجعل صغرى، كقولنا: كل إنسان حيوان وكل حيوان جسم مقدمتان مرتبات على هيئة الشكل الأول وكل مقدمتين مرتبتين على هيئة الشكل الأول ينتجان المطلوب فهما ينتجان المطلوب.
[ ١ / ١٤٣ ]
قوله: (وهو المشتمل على شرائطه مادة وصورة) تمهيد للاعتراض الآتى فى قوله: والحكم يكون الإفضاء فى الفاسد. . . إلخ. ورد على التفتازانى حيث فسر صحة النظر بأن يكون فى جهة الدلالة فقصره على صحة المادة.
قوله: (إذ ليس هو فى نفسه سببًا للتوصل ولا آلة) يشير إلى أن الباء فى قوله بالنظر باء السببية أو الآلة.
قوله: (فلو لم يقيد. . . إلخ) تفصيل لكلام التفتازانى حيث قال فلو أطلق النظر لفهم منه أن الدليل يجب أن يمكن التوصل به إلى مطلوب خبرى بأى نظر كان فمعناه لو أطلق النظر عن القيد فلم يقيد بالصحة وقيل ما يمكن التوصل بالنظر فيه إلى مطلوب خبرى لكانت اللام إما للاستغراق وإما للعهد الذهنى وأيما كان يفهم أنه يجب فى الدليل أن يمكن التوصل بأى نظر كان إلى المطلوب أما على الاستغراق فظاهر وأما على العهد الذهنى فللإبهام فيصدق على أى فرد من أفراد النظر فليس مراد المحشى الاعتراض على التفتازانى كما فهم بعضهم حيث قال: إن قوله: بأى نظر كان هو معنى العموم لا الإطلاق الذى هو بصدد بيانه فقول المحشى وإن اقتصر على الإطلاق لم يكن هناك تنبيه. . . إلخ. تعريض للعلامة النحرير.
قوله: (والحكم بكون الإفضاء. . . إلخ) رد على الشارح حيث أطلق أن الفاسد قد يفضى إلى المطلوب اتفاقًا وقوله: إنما يصح إذا لم يكن بين الكواذب ارتباط. . . إلخ. أى مع أنه قد يكون بينها الارتباط المذكور كقولنا: كل إنسان حجر وكل حجر فرس فلا يصح ذلك الحكم بالإفضاء الاتفاقى، وقوله: أو يخص بفاسد الصورة أو بوضع ما ليس بدليل مكانه أى ولا دليل على ذلك التخصيص مع أنه يبقى عليه الواسطة بين الصحيح والفاسد المذكور وهى فاسد المادة لكذبها مع صحة الصورة فلا يكون فى التعريف ما يخرجها إلا إذا فسر الصحيح بما يشمل تلك الواسطة وهو خلاف الظاهر ومثال وضع ما ليس بدليل مكانه قولنا فى الاستدلال على أن العالم حادث: الإنسان متعجب وكل متعجب ضاحك أو الإنسان متغير وكل متغير حادث والحاصل أن الفساد فى المادة إما بعدم مطابقتها للواقع وإما بعدم مناسبتها للمطلوب لكن قيل: إن فساد المادة مع صحة الصورة ليس من فساد النظر فى شئ غاية الأمر أنه لا يفيد اليقين الذى يفيده البرهان.
قوله: (لإخراج القول الشارح) أى مواده بقطع النظر عن الترتيب إذ لو أخذت
[ ١ / ١٤٤ ]
مع الترتيب لم يحتج لإخراجه بقيد الخبرى ولا يصح قوله: ولو قيد المطلوب بالتصورى كان حدًا للقول الشارح.
قوله: (أعنى الموصل) أى الذى شأنه الإيصال ليوافق قوله ما يمكن التوصل. . . إلخ.
قوله: (توليدًا) هو مذهب المعتزلة لأنهم أثبتوا لبعض الحوادث مؤثرًا غير اللَّه تعالى قالوا: الفعل الصادر عنه إما بالمباشرة وإما بالتوليد ومعنى التوليد عندهم أن يوجب فعل لفاعله فعلًا آخر كحركة اليد والمفتاح فإن حركة اليد أوجبت لفاعلها حركة المفتاح فكلاهما صادرتان عنه الأولى بالمباشرة والثانية بالتوليد والنظر فعل العبد واقع بمباشرته يتولد عنه فعل آخر هو العلم بالمنظور فيه.
قوله: (أو أعدادًا لزومًا) هو مذهب الحكماء وهو أن النظر يعد الذهن إعدادًا تامًا فتفاض النتيجة من المبدأ الفياض لزومًا لأنهم زعموا أن المبدأ الذى يستند إليه الحوادث موجب وعام الفيض ويتوقف حصول الفيض منه على الاستعداد الخارجى المستدعى لذلك الفيض.
قوله: (أو عادة) هو مذهب الأشاعرة وهو أن حصول العلم عقب النظر بطريق جرى العادة لا بالاستلزام لأن جميع الممكنات مستندة إلى اللَّه تعالى بلا واسطة وهو فاعل مختار لا يجب عنه شئ ولا يجب عليه ولا علاقة بين الحوادث المتعاقبة بوجه بل اللَّه تعالى أجرى عادته بأن يخلق بعض الحوادث عقب بعض كالإحراق عقب مماسة النار والعلم بعد النظر ممكن حادث ولا مؤثر سوى اللَّه تعالى فهو فعله الصادر عنه تعالى بلا وجوب عنه ولا عليه وهو دائمى أو أكثرى فيكون عاديًا وهناك مذهب رابع لم يشر إليه المحشى وهو مذهب الرازى: وهو أن حصول العلم عقب النظر واجب عقلًا لا إنفكاك عنه وهما فعلان للَّه تعالى وهذا لا يصح مع كون اللَّه تعالى فاعلًا مختارًا فى جميع الممكنات وليس قول المحشى لزومًا إشارة إلى مذهبه لأنه بعيد عن السياق إذ كأن يقولا أو لزومًا كما قال فى غيره وقوله أو عادة عطف على قوله أو إعدادًا لا على قوله لزومًا حتى يتوهم أن القائلين بالعادة يقولون بالإعداد مع أنه ليس كذلك.
قوله: (على المعقول والمسموع) لكن القول الآخر الذى هو النتيجة المراد منه المعقول فقط إذ المسموع ليس لازمًا أصلًا ولزوم المسموع بالنظر لمدلوله ولا ينافى ذلك أن اللزوم ذاتى.
[ ١ / ١٤٥ ]
قوله: (على أن الهيئة لها مدخل فى ذلك) أى بالجزئية فما لم تصر الأقوال واحدة بسبب عروض الهيئة الموحدة لها لم يحصل عنها شئ.
قوله: (إذ لا يكون عنه إحداهما) وإلا لزم أن الشئ يكون ناشئًا عن نفسه.
قوله: (التمثيل) هو الذى تسميه الفقهاء قياسًا وهو مشاركة أمر لأمر فى علة الحكم فيثبت الحكم للأول وإنما يفيد الظن لعدم القطع بالعلية حتى لو قطع بها رجع إلى القياس المنطقى المفيد لليقين.
قوله: (والاستقراء) أى الناقص أما التام فيرجع للقياس المنطقى.
قوله: (من قضايا مشهورة أو مسلمة) أى من حيث هى مشهرة أو مسلمة لا من حيثية أخرى كاليقينية إن وجدت.
قوله: (وعبر عنهما بالظنى) أى عبر الشارح عن الجدلى والخطابى بالظنى.
قوله: (من قضايا مشبهة بالمشهورات. . . إلخ) أى ولم يعتبر المشابهة بالمظنونات والمخيلات لأن القضايا المشابهة لهما إن أفادت ظنًا أو تخيلًا فهى هى وإلا لم تكن معتدًا بها.
قوله: (وعبر عنه) أى عن المغالطى وقوله إطلاقًا للأخص هو السفطى وقوله على الأعم هو المغالطى الشامل للشغب والسفسطة.
قوله: (إذ لا برهان. . . إلخ) توجيه لجعل الضمير عائدًا على القياس مع أن السياق للدليل وإن كان رجوعه إلى القياس أوفق بقول الشارح: يجمع القياس البرهانى والظنى.
قوله: (فإن قلت. . . إلخ) الإشكال المذكور وجوابه ذكرهما التفتازانى وسيأتى للمحشى رد الجواب.
قوله: (جمهور المنطقيين) هذا لا ينافى ما تقدم عن أن التعريف الأول للأكثر لأن ذلك فى تعريف الدليل الشامل للقياس وغيره وأما هذا ففى تعريف القياس.
قوله: (وفساده ظاهر. . . إلخ) حمل المحشى الاستلزام على الاستلزام فى التحقق كما يدل عليه قوله: فإن تحقق اللزوم. . . إلخ. وقوله: إذ لو تحقق الأول فى نفس الأمر تحقق الثاني وعلى ذلك يكون المراد بالتسليم تسليم صدق المقدمات وتحققها فى نفس الأمر مع أنه لا مانع من أن يراد بالاستلزام الاستلزام فى العلم بل هو الظاهر وعليه يكون التسليم معناه التصديق بالمقدمات ولا شك أن الاستلزام العلمى المذكور لابد منه فى الكل كما قال التفتازانى فى جواب السؤال الذى ذكره
[ ١ / ١٤٦ ]
فلابد من التسليم فى الكل ولا ينافيه قوله: وأما بدونه فلا استلزام إلا فى البرهان المقتضى كون الاستلزام فى المعلوم لا فى العلم لأن المراد أن البرهان لكون مقدماته قطعية يستلزم النتيجة بمجرد تلك القطعبة لأنه لا ينفك عنه التصديق سواء سلم أو لم يسلم مكابرة وعنادًا فالتسليم حاصل فى الحقيقة.
قوله: (وإنما صرح بتقدير التسليم) أى فى قوله متى سلمت يعنى لا عبرة بإبهام تقدير التسليم أن له مدخلًا فى الاستلزام للقرينة العقلية على أنه لا دخل له وذكره لدفع توهم عدم كون تعريف القياس غير جامع للصناعات كلها.
قوله: (فالحكم بعدم الاستلزام. . . إلخ) تفريع على ما سبق له وإشارة إلى أن قوله فإنه لا علاقة بين الظن وبين شئ لانتفائه مع بقاء سببه ممنوع فيما إذا كان الشئ الذى يستفاد منه الظن قياسًا صحيح الصورة فإن زوال الظن مع بقاء مقدمات القياس المفيدة له ممنوع بل الذى قاله إنما يظهر فى المفرد كالغيم الرطب يكون أمارة على الخضرة.
قوله: (أى فى استلزام البرهان. . . إلخ) جعل الضمير فى قوله: وفيه بحث راجعًا إلى استلزام البرهان ويرد عليه أن البحث فى ذلك الاستلزام الذى ذكره بقوله فإن أراد بالاستلزام. . . إلخ ليس مذكورًا فى الكلام ويجاب بأنه مذكور بذكر مبناه الذى ذكره بقوله: وهو أن فيضان النتيجة إلى قوله: ولا مؤثر إلا اللَّه ﷾.
قوله: (فإن أريد بالاستلزام. . . إلخ) حاصله أنه إن أريد بالاستلزام الاستلزام الذى بمعنى امتناع الانفكاك عقلًا فالتعريف فاسد لأنه لا استلزام فى الواقع ولا يجدى فى صحته موافقته لمذهب المعرف وإن حمل على الدوام والامتناع العادى فهو خلاف ما يفهم من ظاهر العبارة مع كونه مخالفًا لمذهب ذلك المعرف.
قوله: (صحيح مطلقًا) أى على مذهبهم وفى الواقع لموافقته لهما.
قوله: (وقد قيل مراده. . . إلخ) القائل السعد وهو قد جعل الضمير فى قوله وفيه بحث لعدم استلزام الأمارة الظن بناء على جعل الاستلزام بمعنى الاستعقاب العادى فهو يقول لأصحاب التعريف الثانى الاستلزام الذاتى باطل وإنما الحاصل الاستعقاب العادى وبناء عليه لا فرق بين الأمارة والبرهان ثم أجاب بناء على أن الاستلزام الاستعقاب بالفرق بين الإمارة والبرهان وقد ذكره المحشى بقوله ورد. . . إلخ.
قوله: (بأن وجود التخلف فيها) أى كثيرًا.
[ ١ / ١٤٧ ]
قوله: (ومن قال هو أن الأمارة. . . إلخ) أى البحث هو أن الأمارة. . . إلخ. فيكون البحث عبارة عن الدليل والضمير فى قوله: وفيه بحث راجع إلى قوله: لانتفائه مع بقاء سببه.
قوله: (دون التقادير الثلاثة) هى كذب المقدمتين وكذب الصغرى فقط وكذب الكبرى فقط.
قوله: (ومع جوازهما) أى التقادير الثلاثة وقوله فعدمها أى النتيجة.
قوله: (إما راجح أو مساو) قال بعضهم الظاهر أن العبرة بالضرورى عند المستدل وعليه فالتقادير الثلاثة مرجوحة موهومة عنده فلا وجه لقوله أو مساو.
قوله: (ولما كان البحث. . . إلخ) اعتذار عن جعل الدليل على عدم الاستلزام فى الأمارة الذى عبر عنه بالبحث مذكورًا فى علم الكلام.
قوله: (فقد أبعد عن المرام) أى لأن التعبير عن الدليل بالبحث خلاف الظاهر.
قوله: (فيتناول الأقسام الثلاثة) هى المفرد والمقدمات غير المرتبة والمقدمات المرتبة وحدها بقطع النظر عن ترتيبها وعلى هذا فالحصر فى قوله: الدليل عندنا على إثبات الصانع هو العالم إضافى أى لا القضيتان المرتبتان المعتبر ترتيبهما.
قوله: (وعلى التقديرين) أى تقديرى الخصوص والعموم.
قوله: (فالمعنيان) أى معنى الدليل عندنا ومعناه عند المناطقة.
قوله: (متباينان صدقًا) أى حملًا لأن المعنى الأصولى يصدق على الأقسام الثلاثة المذكورة بناء على العموم وعلى المفرد بناء على الخصوص والمعنى المنطقى لا يصدق على واحد من تلك الأقسام وإنما يصدق على القضايا المرتبة باعتبار أن الترتيب جزء منها.
قوله: (ومن زعم تساويهما فى الوجود. . . إلخ) أى إذا شرط النظر فى المعنى الأصولى كان المعنى المنطقي أعم فى الوجود لأن المعنى الأصولى على هذا التقدير لا يتحقق إلا فى صورة يكون فيها مقدمتان مرتبتان مع اعتبار الصحة ولا يصدق فى مقدمتين مرتبتين كاذبتين والمعنى المنطقى يصدق عليهما وإذا لم يشترط النظر فالنسبة بينهما العموم والخصوص الوجهى لصدقهما فى المعنى الأصولى الواقع مع النظر وصدق الأصولى بدون المعنى المنطقى فى المفرد الذى لا يقع معه النظر بالفعل وصدق المنطقى بدون الأصولى فى بعض الكواذب كذا فى الهروى.
[ ١ / ١٤٨ ]
قال: (ولا بد من مستلزم للمطلوب حاصل للمحكوم عليه فمن ثم وجبت المقدمتان).
أقول: لا بد فى الدليل من مستلزم للمطلوب وإلا لم ينتقل الذهن منه إليه ولا من ثبوته للمحكوم عليه ليكون الحاصل خبريًا فلذلك وجبت فيه المقدمتان لتنبئ إحداهما عن اللزوم والأخرى عن ثبوت الملزوم فإن قلت هذا يختص فيما أرى ببعض الدلائل. وإلا فما تقريره فى نحو لا شئ من الملح بمقتات وكل ربوى مقتات وفي نحو لو كان الملح ربويًا لكان مقتاتًا وليس فليس قلنا مهما جعلنا المطلوب والوسط هما النفى والإثبات يزول هذا الوهم وتقريره فى المثالين أن نفى الاقتيات حاصل له ويستلزم نفى الربوية وفى الثانى كذلك وستراه يرجع الجميع إلى أمر واحد وهو الشكل الأول فتعين بذلك أن نظره إلى ما ذكرت.
قوله: (ولا بد من مستلزم) هذا على تفسير المتكلمين ظاهر وأما على تفسير الأصوليين وهو المقصود بالبيان فوجوب المقدمتين إنما يكون على تقدير النظر، وإليه أشار بقوله ليكون الحاصل خبريًا يعنى إذا كان المستلزم حاصلًا للأصغر يكون اللازم حاصلًا له ضرورة فيحصل مطلوب خبرى هو النتيجة فحصول المستلزم للأصغر ليس مضمون النتيجة على ما سبق إلى الوهم بل مضمون الصغرى.
قوله: (لتنبئ إحداهما عن اللزوم) هذه هى الكبرى فى الشكل الأول قدمها فى البيان لأن الملزوم من حيث هو ملزوم إنما يكون بعد اللزوم.
قوله: (مهما جعلنا المطلوب) لما كان الظاهر أن المطلوب هو النتيجة والمستلزم هو الحد الأوسط وحصوله للأصغر هو حمله عليه بالإيجاب توهم أكثر الشارحين أن ما ذكره إنما يصح فى الشكل الأول والهاربين الأول والثانى من الشكل الثانى لا فى الاستثنائى ولا فى باقى الضروب والأشكال مما صغراه سالبة والوسط موضوع وبعضهم فهم من المطلوب الأكبر فجعل هذا مختصًا بالضربين الأول والثانى من الشكل الأول إذ فيهما لزوم الأكبر للأوسط وثبوت الأوسط للأصغر على أنه لو جرى على ظاهره لم يصح إلا فى الكبرى الضرورية فذهب الشارح المحقق إلى أن هذا وهم، والتحقيق أن المراد بالمطلوب النفى والإثبات بين الأكبر والأصغر وبالمستلزم الإثبات أو النفى بين الأوسط والأصغر فلابدّ من مقدّمه
[ ١ / ١٤٩ ]
الإثبات أو النفى الذى هو نفس المستلزم ولأخرى لبيان الاستلزام، وحاصل ذلك أن الأصغر قد حصل نسبة الأوسط إليه وهى مستلزمة لنسبة الأكبر أيضًا إليه وهذا حقيقة الشكل الأول الذى هو مرجع الكل كأنه قيل الأصغر نسب إليه الأوسط، وكل ما نسب إليه الأوسط نسب إليه الأكبر ولا يخفى أن فى جعل المستخدم بهذا المعنى حاصلًا للمحكوم عليه نوع تكلف والأظهر أن المستلزم هو الأوسط ومعنى حصوله للأصغر نسبته إليه وتعلقه به بحمله على الأصغر أو يحيل الأصغر عليه إيجابًا أو سلبًا.
قوله: (لا بد فى الدليل) وجوب المقدمتين على الاصطلاح المنطقى ظاهر على تعريفهم، وأما على الاصطلاح الأصولى فإنما يجبان فيه من حيث يتعلق به النظر؛ والسبب فى ذلك أنه لا بد فى الدليل من حيث يتوصل به إلى المطلوب أعنى المحكوم به من مستلزم له وإلا لم ينتقل الذهم منه إليه، ولا بد أيضًا من ثبوت المستلزم الموصوف للمحكوم عليه ليلزم من ثبوته له ثبوت لازمه له فيكون الحاصل منه خبريًا ولوجوب المستلزم بالحصول وجبت فى الدليل المقدمتان لتنبئ إحداهما عن اللزوم وهى الكبرى، وقدمت لأنها العمدة فى الإنتاج المشتملة على النتيجة بالقوة ولأخرى عن ثبوت الملزوم للمحكوم عليه وهى الصغرى، فإن قلت: الاستلزام إنما يكون فى القطعيات دون الظنيات على ما سبق قلت: إن أريد التعميم كما هو الظاهر حمل الاستلزام هنا على المناسبة المصححة للانتقال لا على امتناع الانفكاك.
قوله: (هذا يختص) أى: ما ذكرتم من المستلزم للمطلوب الحاصل للمحكوم عليه إنما يوجد فى بعض الدلائل؛ لأن محصوله حمل الوسط الذى هو المستلزم على المحكوم عليه أعنى الأصغر إيجابًا كليًا أو جزئيًا، وحمل الأكبر الذى هو المطلوب على الوسط إيجابًا كليًا فاختص بالضرب الأول والثالث من الشكل الأول ولو أجرى الاستلزام على ظاهره لوحب أيضًا أن تكون كبراهما ضرورية وأما الضربان الباقيان منه فقد انتفى فيهما الاستلزام لمكان السلب وكذا فى الضرب الأول والثالث من الثانى وفى الضربين الآخرين منه انتفى الأمران لسلب الوسط عن الحكوم عليه واستلزام المطلوب للأوسط وفى ضروب الثالث انتفى الحصول
[ ١ / ١٥٠ ]
مطلقًا وفى المنتجة للسلب الاستلزام أيضًا وفى ضروب الرابع انتفى الأمران معًا.
قوله: (وإلا فما تقريره) أورد مثالين أحدهما من الاقترانيات الذى انتفى فيه الشرطان فإن المقتات الذى هو الوسط ليس حاصلًا للمحكوم عليه أعنى الملح بل مسلوب عنه ولا مستلزمًا للمطلوب الذى هو الربوى بل الأسر بالعكس، وثانيهما استثنائى انتفيا فيه أيضًا قيل: وأما الاستثنائى الذى يستثنى فيه عين القدم كقولنا إن كان هذا إنسانًا فهو حيوان لكنه إنسان فاشتماله على هيئة الشكل الأول المستجمع للشرطين ظاهر وهذا إنما يجرى فى بعض أقسامه الذى يسهل ردّه إليه كما سيأتى بيانه.
قوله: (مهما جعلنا) يريد أن وهم الاختصاص ببعض الدلائل إنما ينشأ إذا جعل المطلوب والأوسط هو المفرد المذكور بدون ملاحظة وجوده أو عدمه أما إذا لوحظ فيهما ذلك زال التوهم فيقال فى المثالين أن الوسط هو نفى الاقتيات وهو حاصل للملح ومستلزم للمطلوب الذى هو نفى الربوية فكأنه قيل الملح سلب عنه الاقتيات، وكل ما سلب عنه الاقتيات سلب عنه الربوية ينتج أن الملح سلب عنه الربوية ومثل هذا يسمى موجبة سالبة المحمول وسالبة الطرفين والأولى لازمة للسالبة والثانية صادقة فى عكس نقيض الموجبة على طريقة القدماء والمصنف يجوّز استعماله فى القياس وستطلع على تحقيقها فالمراد من النفى والإثبات هو الوجود والعدم مضافين إلى الفرد تركيبًا تقييديًا واقعًا محمولًا أو موضوعًا وما ظن من أنه أريد بهما الإيقاع والانتزاع أما فى المطلوب فلأنه لا دليل إلا على تصديق وأما فى الوسط فلأن الموصل إليه لا يكون إلا تصديقًا أيضًا فسهو؛ لأن قوله أن نفى الاقتيات حاصل له تصريح بأنه محمول على الملح حاصل له ثم الوسط لابد وأن يكون متكررًا والحكم الموجود فى الصغرى لم يتكرر فى الكبرى قطعًا ولم يرد بالمطلوب ههنا النتيجة كما هو المتعارف بل محمولها فإنه مطلوب الثبوت للمحكوم عليه ومقابل له ولا شك أن المستلزم للنتيجة هو المجموع وليس حاصلًا للمحكوم عليه وقوله لتنبئ إحداهما عن اللزوم أى لزوم المطلوب للمستلزم الذى هو الوسط ينبئ عن فساده أيضًا والوسط موصل أبعد ولا يكون إلا تصورًا، وإذا عرفت الحال فى المثالين فقس عليهما ما عداهما وسيجئ تفاصيله.
قوله: (وستراه) لما وجه كلامه بما هو خلاف الظاهر أيده بأن المصنف سيرجع
[ ١ / ١٥١ ]
جميع الأدلة من الأشكال الثلاثة والاستثنائيات إلى الشكل الأول، بناء على أنه المنتج والمستلزم للمطلوب الخبرى فى نفس الأمر وهو السبب للعلم بالإنتاج فما عداه إن اشتمل على هيئته ينتج وإلا فلا.
(فتعين بذلك أن نظره إلى ما ذكرناه) من التأويل فى المطلوب والوسط ليمكن رد الجميع إليه. واعلم أن كلامه كما يقتضى انحصار الإنتاج فى الضربين من الشكل الأول يقتضى تأويل السوالب بالموجبات السالبة المحمول؛ فالقضية المعتبرة فى الإنتاج هى الموجبة وكون الكبرى ضرورية وإنما يتأتى بأن يؤخذ المحمول فى القضية الممكنة مثلًا إمكانه فترجع ضرورية وربما يستغنى عن هذا بما أسلفناه.
قوله: (من حيث يتوصل به إلى المطلوب) فائدة هذا القيد توضيح قول الشارح وإلا لم ينتقل الذهن منه إليه فإن الظاهر هو التوصل بالدليل إلى الحكم وانتقال الذهن منه إليه لا إلى المحكوم به لكن لما كان للمحكوم به زيادة اختصاص بالحكم الذى لا يحصل بدونه جعل مطلوبه من الدليل وانتقال الذهن منه إليه واجبًا.
الشارح: (ليكون الحاصل خبريًا) أى ليحصل المطلوب الخبرى لأنه إذا كان الوسط ثبت له الأكبر وقد ثبت ذلك الأوسط للأصغر فقد ثبت الأكبر للأصغر.
التفتازانى: (لأن الملزوم من حيث هو ملزوم. . . إلخ) الأوضح أن لو قال: لأن حصول الملزوم للمحكوم عليه من حيث هو ملزوم إنما يكون بعد اللزوم.
التفتازانى: (إنما يصح فى الشكل الأول) أى لأن حصول المستلزم للمطلوب ظاهر فيه لإيجاب صغراه فى جميع ضروبه.
التفتازانى: (والضربين الأول والثانى من الشكل الثانى) الضرب الأول منه ما كانت الصغرى فيه موجبة كلية والكبرى سالبة كلية وحصول الأوسط للأصغر فيه إيجابًا ظاهر وأما الضرب الثانى فهو ما كانت فيه الصغرى سالبة كلية والكبرى موجبة كلية كقولنا: كل غائب ليس: بمعلوم الصفة وكل ما يصح بيعه معلوم الصفة ولا شك أن الأوسط فيه ليس حاصلًا للأصغر فلعل قوله والثانى تحريف وصوابه والثالث وهو ما كانت الصغرى فيه موجبة جزئية والكبرى سالبة كلية كقولك بعض الغائب مجهول الصفة وكل ما يصح بيعه ليس بمجهول الصفة فالأوسط فيه
[ ١ / ١٥٢ ]
حاصل للأصغر إيجابًا.
التفتازانى: (بالضربين الأول والثانى من الشكل الأول) تحريف وصوابه بالضرب الأول والثالث من الشكل الأول لأن الضرب الأول فيه ما كانت الصغرى موجبة كلية والكبرى كذلك، والثانى ما كانت الصغرى فيه موجبة كلية والكبرى سالبة كلية فليس فى الضرب الثانى منه لزوم الأكبر للأوسط بل سلب اللزوم وأما الثالث فالصغرى فيه موجبة جزئية والكبرى موجبة كلية ولزوم الأكبر للأوسط فيه ظاهر لإيجاب الكبرى.
التفتازانى: (النفى والإثبات بين الأكبر والأصغر) أى فيكون هو النتيجة.
التفتازانى: (والأخرى لبيان الاستلزام) وهى الكبرى.
التفتازانى: (نوع تكلف) أى لأن إثبات الوسط أو نفيه للأصغر ليس حاصلًا للمحكوم عليه الذى هو الأصغر بل الحاصل الوسط إيجابًا أو سلبًا فالحصول باعتبار الوسط.
قوله: (من حيث يتعلق به النظر) لأنه مجموع الحركتين حركة من المطالب إلى المبادئ وحركة من المبادئ إلى المطالب وذلك يقتضى المقدمتين.
قوله: (لتنبئ أحدهما عن اللزوم) إنباؤها عن اللزوم باعتبار كونها كلية دالة على ثبوت الأكبر لجميع أفراد الأوسط.
قوله: (على النتيجة بالقوة) لأنه حكم بالأكبر الذى هو محمول النتيجة على جميع أفراد الأوسط ومن جملة أفراد الأوسط الأصغر فقد وجدت النتيجة بالقوة لا بالفعل.
قوله: (وأما الضربان الباقيان منه) هما الثانى والرابع.
قوله: (لمكان السلب) لأن الضرب الثانى هو المركب من موجبة كلية وسالبة كلية والضرب الرابع هو المركب من جزئية موجبة وسالبة كلية.
قوله: (وكذا فى الضرب الأول والثالث من الشكل الثانى) أى لأن الأول مركب من موجبة وسالبة كلية والثالث من موجبة جزئية وسالبة كلية ولا استلزام فيهما لمكان السلب.
قوله: (وفى الضربين الأخيرين) هما الثانى والرابع وقوله لسلب الوسط عن المحكوم عليه أى لأن الثانى الصغرى فيه سالبة كلية والرابع صغراه سالبة جزئية.
[ ١ / ١٥٣ ]
قوله: (واستلزام المطلوب للوسط عطف على قوله لسلب الوسط) أى فالوسط ليس مستلزمًا للمطلوب كما قال المصنف بل الأمر بالعكس.
قوله: (انتفى الحصول مطلقًا) أى لأن الوسط موضوع فى الصغرى والكبرى فليس حاصلًا للمحكوم عليه بل المحكوم عليه فى الواقع وقع محكومًا به على الوسط.
قوله: (مطلقًا) أى سواء أنتج الإيجاب أو السلب.
قوله: (وفى المنتجة للسلب لا استلزام أيضًا) أى انتفى فيها الاستلزام كما انتفى فيها الحصول وضروبه على ما سيأتى ستة؛ الأول: أن تكون المقدمتان كلتاهما موجبة كلية، الثانى: أن تكون الأولى موجبة جزئية والثانية موجبة كلية، الثالث: كلية موجبة صغرى وجزئية موجبة كبرى، الرابع: كلية موجبة وكلية سالبة، الخامس: جزئية موجبة وكلية سالبة، السادس: كلية موجبة وجزئية سالبة.
قوله: (انتفى الأمران معًا) أى الحصول والاستلزام أما الحصول فلأن الوسط موضوع فى الصغرى وأما الاستلزام فلأن الوسط وقع لازمًا للأكبر فى الإيجاب ومسلوبًا عنه فى السلب وضروبه خمسة على ما سيأتى.
قوله: (انتفيا فيه أيضًا) لأن الاقتيات فى المثال وقع مسلوبًا عن الملح والاستلزام وقع للأصغر لا للأوسط لأن ذلك مقتضى الشرطية.
قوله: (الذى اتحد فيه موضوع المقدم وموضوع التالى) (*) أى كالمثال الذى ذكره.
قوله: (فيقال فى المثالين) لم يتعرض لتمثيل الإثبات لعدم الاحتياج إليه وذكره استطرادى تنبيهًا على جواز اعتباره وإن لم يكن لازمًا بأن يقال العالم ثبت له التغير وكل ما ثبت له التغير حادث.
قوله: (والأولى لازمة للسالبة) قالوا فى بيان اللزوم أنه إذا صدق سلب ب عن ج صدق على ج أنه منتفٍ عنه ب وإلا لصدق نقيضه أعنى ليس منتفيًا عنه ب فلا تصدق السالبة وهذا خلف.
قوله: (والمصنف يجوز. . . إلخ) جواب عما يقال: إن بيان إنتاج القياس بعكس النقيض مخالف للمشهور فإنهم جوزوا العكس المستوى دون عكس النقيض فإن
_________________
(١) (*) لم أجد لها موضعًا.
[ ١ / ١٥٤ ]
المستوى لا يغير حدود القياس بخلاف عكس النقيض وحاصل الجواب: أن المصنف يجوز استعماله فى القياس على ما يأتى أنه استعمل فى بيان إنتاج الرابع فى الشكل الثانى عكس النقيض حيث يبين لعكس الكبرى وهو الموجبة الكلية بنقيض مفرديها وما ذكره الشارح بيان لكلامه على مذهبه.
قوله: (هو الوجود والعدم) المراد من الوجود ثبوت المحمول والمراد من العدم سلبه حتى تكون القضية سالبة المحمول أو سالبة الطرفين فلا يقال: إن القضية معدولة لا سالبة وقوله واقعًا محمولًا أو موضوعًا أى الوجود أو العدم المضاف هو الواقع محمولًا لا مجموع المضاف والمضاف إليه حتى تكون معدولة جعل السلب جزءًا من محمولها.
قوله أيضًا: (هو الوجود والعدم) أى فالمراد من النفى والإثبات هو المطلوب أو الوسط ثبوتًا أو انتفاء لا المفهوم من ظاهره.
قوله: (ثم الوسط. . . إلخ) تزيف آخر.
قوله: (فإنه مطلوب الثبوت للمحكوم عليه) أى فصح التعبير عنه بالمطلوب وقوله: ومقابل له أى فهناك دليل على إرادته وهو أنه ذكر فى مقابلة المحكوم عليه فى قوله من مستلزم للمطلوب حاصل للمحكوم عليه ومقابل المحكوم عليه هو المحمول.
قوله: (ولا شك أن المستلزم. . . إلخ) إبطال لإرادة النتيجة بالمطلوب وقوله: والوسط موصل أبعد إشارة إلى تزييف آخر لقوله: أما فى الوسط فلأن الموصل لا يكون إلا تصديقًا ووجه الرد أن الموصل القريب هو القياس والبعيد هو كل واحد من المقدمتين وأما الوسط فهو طريق أبعد فإنه محمول الصغرى وموضوع الكبرى فلا يكون إلا مفردًا ولو بالقوة فلا يكون إلا تصورًا.
قوله: (وكون الكبرى) عطف على قوله تأويل السوالب.
قوله: (بما أسلفناه) وهو أن المراد بالاستلزام المناسبة المصححة للانتقال ولو لم يكن هناك امتناع انفكاك.
[ ١ / ١٥٥ ]