قال: (مسألة: المترادف واقع على الأصح كأسد وسبع وجلوس وقعود قالوا: لو وقع لعرى عن الفائدة قلنا فائدته التوسعة وتيسير النظم والنثر للروى أو الوزن أو تيسير التجنيس والمطابقة قالوا: تعريف المعرّف قلنا علامته ثابتة).
أقول: قد اختلف فى أن المترادف هل هو واقع فى اللغة أم لا والأصح أنه واقع وقيل: ليس بواقع وما يظن منه من باب اختلاف الذات والصفة أو الصفات أو الصفة وصفة الصفة ونحوها لنا الاستقراء نحو جلوس وقعود للهيئة المخصوصة وسبع وأسد للحيوان الخاص وبهتر وبحتر للقصير وصلهب وشوذب للطويل.
قالوا: لو وقع المترادف لعرى الوضع عن الفائدة واللازم باطل أما الملازمة فلأن الواحد كاف فى الإفهام فلا فائدة لوضع الآخر وأما انتفاء اللازم فلأنه عبث وهو على الحكيم غير جائز.
والجواب: لا نسلم العراء عن الفائدة بل له فوائد منها: التوسع فى التعبير لكثرة الذرائع إلى المقصود فيكون أفضى إليه، ومنها تيسير النظم والنثر إذ قد يصلح أحدهما للروى أى القافية أو لوزن الشعر دون الآخر ومنها تيسير أنواع البديع كالتجنيس بأن يوافق أحدهما غيره فى الحروف دون صاحبه نحو رحبة رحبة ولو قال: واسعة لعدم التجانس وكالتقابل وهو ذكر معنيين متقابلين إذ قد يحصل بأحدهما دون الآخر، وإنما يتصور ذلك إذا كان أحدهما موضوعًا بالاشتراك لمعنى آخر يحصل باعتباره التقابل دون صاحبه كما قال خسنا خير من خسكم فقال خسنا خير من خياركم فوقع التقابل بين الخس والخيار بوجه ووقع بينهما المشاكلة بوجه آخر ولو قال خير من قثائكم لم يحصل التقابل.
قالوا: لو وقع الترادف لزم تعريف المعرف لأن اللفظ الثانى تعريف لما عرف بالأول وأنه محال.
الجواب: إنه نصب علامة ثانية لتحصيل المعرفة بهما بدلًا لا معًا وأنه غير محال.
قوله: (وما يظن منه) أى من المترادف فهو من اختلاف الذات والصفة بأن يكون أحد اللفظين موضوعًا لنفس الذات والآخر لصفة الذات كالإنسان والناطق، أو اختلاف الصافات كالمنشئ والكاتب أو الصفة وصفة الصفة كالمتكلم والفصيح أو
[ ١ / ٤٩٤ ]
الجزء والصفة أو الجزء وصفة الصفة وأمثال ذلك.
قوله: (للروى) وهو الحرف الأخير من القافية، والقافية آخر كلمة فى البيت وقيل من آخر حرف فى البيت إلى أول ساكن قبله مع الحركة التى قبل الساكن، وقيل مع الحرف الذى قبل الساكن، وبالجملة قد يكون الروى هو الدال فيصح أسد دون سبع لكن لا ضرورة فى تفسير الروى بالقافية على ما فى أكثر النسخ ولا حاجة إلى عطفها عليه بأو على ما فى بعضها؛ إلا أن الشارح لما جعل اللام فى للروى متعلقًا بيصلح المقدر ومعلوم أن صلوح اللفظ المترادف إنما هو للقافية دون الروى فسره بها ولم يشعر كلامه بكيفية تفسير النثر بالمترادف والأولى أن يفسر الروى بالحرف الأخير من القافية أو الفاصلة على ما وقع فى عبارة علماء البديع ولا خفاء فى أن السجع والفاصلة قد تتيسر بأحد المترادفين دون الآخر.
قوله: (وكالتقابل) الأولى أن يقول وكالمطابقة على ما هو المذكور فى المتن والمتعارف عند علماء البديع وكأنه لاحظ معنى اللغوى؛ وإلا فالمقابلة عندهم هى الجمع بين شيئين متوافقين أو أكثر وبين ضديهما كقوله تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى﴾ [الليل: ٥] الآية، وكذا إطلاقه المشاكلة على الجمع بين المعنيين المتوافقين كالخس بمعنى البقل والخيار بمعنى القثاء، إنما هو باعتبار اللغة وإلا فالمشاكلة عندهم ذكر الشئ بلفظ غيره لوقوعه فى صحبته كقوله تعالى: ﴿وَجَزَاء سَيِّئَةٍ سَيِّئَة﴾ [الشورى: ٤٠]، ﴿تَعْلَمُ مَا فِى نَفْسِى وَلا أَعْلَم مَا فِى نَفْسِكَ﴾ [المائدة: ١١٦]، وحين اعترض الشارح العلامة بأنه لا مدخل للترادف فى تفسير المطابقة، اللهم إلا على رأى من يشترط فيه الاتفاق بين اللفظين فى الوزن أو الحرف الأخير؛ تكلف الشارح المحقق ما تكلفه وأنت خبير بأن التجنيس فى رحبة رحبة والمطابقة فى خسنا خير من خياركم تحصل من اشتراك لفظ الرحبة بين الواسعة والفناء ولفظ الخس بين البقل والخسيس ولفظ الخيار بين الجياد والقثاء، وإن لم يوجد لفظ الواسعة والقثاء فلا مدخل للترادف فى ذلك وغاية ما يمكن أنه لما كان مثل لفظ الواسعة ولفظ القثاء موضوعًا فبوضع لفظ الرحبة ولفظ الخيار يتيسر التجنيس والمطابقة المذكوران.
قوله: (قد اختلف فى أن المترادف) الترادف توارد لفظين أو ألفاظ فى الدلالة على الانفراد بحسب أصل الوضع على معنى واحد من جهة واحدة فخرج بقيد
[ ١ / ٤٩٥ ]
الانفراد التابع والمتبوع وباعتبار أصل الوضع الألفاظ الدالة على معنى واحد مجازًا والتى يدل بعضها مجازًا وبعضها حقيقة وبوحدة المعنى ما يدل على معان متعددة كالتأكيد والمؤكد وبوحدة الجهة الحد والمحدود، وقيل: فلا حاجة إلى تقييد الألفاظ بالمفردة احترازًا عن الحد والمحدود وقد يقال: إن مثل قولك الإنسان قاعد والبشر جالس قد تواردا فى الدلالة على معنى واحد من جهة واحدة بحسب أصل الوضع استقلالًا فإن سميا مترادفين وإلا احتيج إلى قيد الإفراد وهو الظاهر.
قوله: (وما يظن منه) يعنى وما يظن به أنه من قبيل الترادف ليس منه بل هو من باب اختلاف الذات والصفة أى بعضها موضوع للذات وبعضها للصفة كالإنسان والناطق أو اختلاف الصفة وصفة الصفة كالناطق والفصيح أو اختلاف الصفات المتعددة لذات واحدة لكن وقع الالتباس لشدة الاتصال بين هذه المعانى فظن أنها موضوعة لمعنى واحد.
قوله: (وهو على الحكيم غير جائز) ولا شك أن الواضع حكيم إن كان هو اللَّه سبحانه وإن كان غيره فكذلك لأن وضع هذا اللغات المشتملة على اللطائف الكثيرة والدقائق الغزيرة لا يتأتى إلا من حكيم له نوع اطلاع عليها.
قوله: (فيكون) أى التوسع فى التعبير أفضى إلى المقصود لإمكان التوصل إليه بأحدهما عند نسيان الآخر.
قوله: (إذ قد يصلح أحدهما للروى أى القافية) الروى هو الحرف الأخير من القافية الذى تبنى عليه القصيدة وتنسب إليه كاللام فى قوله قفا نبك والقافية عند الأخفش هى الكلمة الأخيرة من البيت كلفظة حومل فيه وعند غيره من آخر البيت إلى أقرب ساكن إليه مع الحركة السابقة عليه وقيل بل مع التحرك الذى قبله فعلى الأول القافية من حركة الحاء إلى آخر البيت وعلى الثانى من الحاء وإنما فسر الروى بالقافية لأن أحد المترادفين لا يصلح أن يكون رويًا بل قافية.
قوله: (أو لوزن الشعر) أى يصح الوزن بأحدهما دون الآخر وهو ظاهر هذا فى النظم وأما تيسر النثر فلأن الأسجاع فيه بمنزلة القوافى فربما صلح أحدهما لذلك دون الآخر وأيضًا فإن أحسن السجع ما تساوت قرائنه وقد يحصل ذلك بأحدهما فقط.
قوله: (وكالتقابل) الموجود فى الأحكام وفى أكثر نسخ المتن هو المطابقة وما
[ ١ / ٤٩٦ ]
ذكره فى تعريف التقابل من أنه ذكر معنيين متقابلين تفسير للمطابقة على ما هو المشهور وأما التقابل فهو قسم منها وقد عرفوه بأن يؤتى بمعنيين متوافقين أو أكثر بما يقابلهما كقوله تعالى: ﴿فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا﴾ [التوبة: ٨٢]، إلا أنه لا مناقشة فى الاصطلاحات فجاز أن يطلق التقابل على ما يسمى مطابقة وبالعكس.
قوله: (وإنما يتصور ذلك) أى حصول التقابل بأحد المترادفين دون الآخر والمقصود دفع ما قيل من أن الترادف لا دخل له فى تفسير المطابقة أصلًا إذ المعتبر فيها الجمع بين معنيين متضادين فقط إلا إن تعسر مع ذلك كون أحدهما موازنًا للآخر أو موافقًا له فى الحرف الأخير أو نحوهما وتقريره أن المعنى تيسير الترادف للمطابقة حصولها بأحد المترادفين دون الآخر وذلك ممكن إذا كان أحدهما موضوعًا بالاشتراك لمعنى آخر غير ما ترادفا عليه يحصل باعتبار ذلك المعنى الآخر التقابل دون صاحبه أى لا يكون هو موضوعًا للمعنى الذى يحصل التقابل باعتباره كما قال بصرى لبغدادى: خسنا خير من خسكم فقال البغدادى فى جوابه خسنا خير من خياركم فوقع التقابل بين الخس والخيار بوجه وهو أن يراد بالخس الخسيس وبالخيار خلاف الأشرار ووقع بينهما المشاكلة أيضًا بوجه آخر وهو أن يراد بالخس النبت المعروف وبالخيار القثاء والمراد من المشاكلة هو التناسب المسمى بمراعاة النظير أعنى جمع أمر مع ما يناسبه لا بالتضاد ولا لمشاكلة المصلحة التى هى ذكر الشئ بلفظ غيره لوقوعه فى صحبته ولو قال: خسنا خير من قثائكم لم يحصل التقابل أصلًا بل كان هناك مشاكلة ثم إنك تعلم أن التقابل مع التشاكل فى هذا الكلام إنما نشأ من اشتراك كل من الخس والخيار بين معنييه فلاشتراك الخيار بين المعنيين مدخل فى حصول التقابل بخلاف كونه مرادفًا للقثاء إذ لا أثر له فى ذلك قطعا فإنا لو فرضنا أن القثاء لم يوضع لعناه لم يضر ذلك فى التقابل أصلًا نعم إذا فرض وضع القثاء لمعناه مقدمًا على وضع الخيار له كان لوضعه له مع ملاحظة وضعه للمعنى الآخر دخل فى حصول التقابل وبهذا يتم المطلوب إذ يكفى سندًا للمنع ولا يقدح فيه أنه لو عكس الغرض لم يكن لوضع القثاء أثر فى حصوله قيل هذا التوجيه إنما يصح لو كان عربيًا وقد صرح الجوهرى بخلافه والكلام فى المترادف من لغة واحدة إذ لا منكر له من اللغات المتعددة والصحيح أن تيسير الترادف للمطابقة فيما إذا أريد تكرارها بغير ما وقعت به أولًا فيقال مثلًا فيه قبض
[ ١ / ٤٩٧ ]
وبسط وإمساك وإطلاق ويتكرر بدون استقباح والجواب بعد كونه مناقشة فى مثال جزئى لا ينحصر المطلوب فيه أن الخيار بعد استعمال العرب إياه صار فى حكم موضوعات لغتهم فإنهم قد اعتبروا وضعه لذلك المعنى وإن كان من غيرهم ثم استعملوه فيه فيرد أن اعتبار هذا الوضع مع وضع القثاء عندهم لذلك المعنى يستلزم عراء أحدهما عن الفائدة بالقياس إليهم وأما ما ذكره من التوجيه ففيه أن الأصل فى قرائن الأسجاع وتنافى حكمها اختلاف المعانى وأيضًا الحاصل من الترادف هناك فى الحقيقة دفع التكرار اللفظى لا حصول المطابقة ولا اختصاص له بها إذ قد يقصد دفع التكرار لفظًا فى تكرير غيرها معنى.
قوله: (وباعتبار أصل الوضع) فإن قلت: الدلالة بحسب الوضع تنقسم إلى المطابقة والتضمن والالتزام ولا اختصاص لها بأحدها فيه وعلى هذا التعريف توارد اللفظين الموضوعين لمعنيين لهما لازم ذهنى فإن كل واحد من هذين اللفظين يدل على الانفراد بحسب الوضع على المعنى الواحد الذى هو من جهة واحدة أى ليس لذلك المعنى جهتان يكون باعتبار كل واحد منهما مدلولًا للفظ كالإجمال والتفصيل فى الحد والمحدود فإن المعنى الواحد هنا من حيث الإجمال معنى المحدود حاصله أن المعنى يكون فى ضمن كل واحد من اللفظين على نهج واحد قلت: يمكن إخراج ما ذكر بقوله: بحسب أصل الوضع أى الأصل الذى هو الوضع فإن الدلالة المطابقية مبنيًا على الوضع والتضمن مبنية على كون المعنى جزءًا لا وضع اللفظ بإزائه والالتزام مبنية على كون المعنى لازمًا لما وضع اللفظ له فالمعنى توارد اللفظين فى الدلالة التى أصلها الوضع ومبنية عليه ولذا قال وباعتبار أصل الوضع الألفاظ الدالة على معنى واحد مجازًا وأنت تعلم أنه لا مجال لقولنا فى التعريف بحسب الوضع له قيل معنى وحدة الجهة اتحاد سبب الدلالة فى الحد والمحدود لتعدد السبب لأن فى الحد أوضاعًا مختلفة وفى المحدود وضعًا واحدًا وفى الصورة المفروضة تعدد السبب ظاهر وسيأتى كلام يحصل منه احتمال لهذين المعنيين لقوله من جهة واحدة فى الحاشية المكتوبة على قولهم إن الحد والمحدود مترادفان.
قوله: (حصولها بأحد المترادفين) حصر الآخر بتيسير الترادف للمطابقة يقتضى أن يكون لخصوصية اللفظ يدخلها فإذا تعدد اللفظ لمعنى واحد حصل التيسير إذ لو لم يحصل بأحدهما يحصل بالآخر.
[ ١ / ٤٩٨ ]
الشارح: (نحو رحبة رحبة) ونحو اشتريت البر وأنفقته فى البر ومنه قول ابن الفارض:
فطوفان نوح عند نوحى كأدمعى وإيقاد نيران الخليل كلوعتى
قوله: (توارد لفظين. . . إلخ) والمترادف لفظ دال بالوضع على مدلول لفظ آخر دال بالوضع باعتبار واحد.
قوله: (التابع والمتبوع) نحو حسن بسن.
قوله: (كالتأكيد والمؤكد) المراد التأكيد المعنوى.
قوله: (وقيل فلا حاجة. . . إلخ) أى إذا اعتبر فى الترادف اتحاد الجهة فلا حاجة إلى تقييد الألفاظ بالمفردة للاحتراز عن الحد والمحدود لخروج ذلك باعتبار اتحاد الجهة.
قوله: (وقد يقال. . . إلخ) إيراد على قوله: وقيل فلا حاجة. . . إلخ.
قوله: (عند نسيان الآخر) أى وعند تعسره كالألثغ الذى لا يقدر على النطق بالراء فيقول بدل البر القمح.
قوله: (فربما صلح أحدهما دون الآخر) كقولك ما أبعد ما فات وأقرب ما هو آت ولو كان لفظ انقضى فقط موضوعًا لهذا المعنى لفات السجع.
[ ١ / ٤٩٩ ]
قال: (مسألة: الحد والمحدود ونحو عطشان نطشان غير مترادفين على الأصح لأن الحدّ يدل على المفردات ونطشان لا يفرد).
أقول: زعم قوم أن الحد والمحدود مترادفان وكذلك قالوا ما الحد إلا تبديل لفظ بلفظ أحلى وليس بمستقيم إذ الحدّ يدل على المفردات بأوضاع متعددة بخلاف المحدود وقال قوم إن التوابع نحو عطشان نطشان وشيطان ليطان من قبيل المترادف وليس بمستقيم لأن نطشان لا يفرد ولو أفرد لم يدل على شئ بخلاف عطشان.
قوله: (زعم قوم أن الحد) يريد الحد الحقيقى كما دل عليه الجواب ولأن اللفظى مرادف ودعوى الترادف فى الرسمى بعيدة جدًا.
قوله: (إذ الحد يدل على المفردات) أى أجزاء المحدود (بأوضاع متعددة) فدلالته عليها تفصيلية (بخلاف المحدود) فإنه يدل عليها بوضع واحد فدلالة إجمالية فهما وإن دلا على معنى واحد لا يدلان عليه من جهة واحدة وإنما اختار اتحاد المعنى فى الحد والمحدود دون ما ذهب إليه غيره من اختلافه فيهما لدلالة المحدود على الماهية والحد على جميع الأجزاء نظرًا إلى اتحاد الماهية وجميع أجزائها بحسب الحقيقة وأما الاختلاف بالاجمال والتفصيل فهو عند التحقيق راجع إلى الدلالة لا إلى نفس المدلول فى ذاته.
قوله: (لأن نطشان لا يفرد) أى لا يذكر منفردًا عن متبوعه (ولو أفرد لم يدل على شئ) أصلًا قال ابن دريد: سألت أبا حاتم عن معنى قولهم: بسن فقال ما أدرى ما هو (بخلاف عطشان) فإنه دال على معناه مجموعًا ومنفردًا فقد خرجا عن التعريف بقيد الانفراد وأن لم يعتبر أمكن إخراجهما بقيد وحدة الجهة.
قوله: (يريد الحد الحقيقى كما دل عليه الجواب) وذلك لأن لفظ الحد محمول على الاستغراق ولا يجوز أن يحمل على المفهوم الشامل لجميع أقسامه إذ البعض لا يدل على المفردات بأوضاع متعددة ولو أطلق الحد ولم يرد به المفهوم العام يراد الفرد الكامل الذى هو الحد الحقيقى.
قوله: (وإنما اختار اتحاد المعنى فى الحد والمحدود) فإن قلت: لا يلزم من كلامه اتحاد المعنى فى الحد والمحدود فإنه قال: الحد يدل على المفردات بأوضاع متعددة
[ ١ / ٥٠٠ ]
بخلاف المحدود فإن أريد الدلالة المطابقة فقوله: بخلاف المحدود معناه أن المحدود لا يدل بالمطابقة على المفردات بأوضاع متعددة وهذا أعم من أن يدل عليها بالمطابقة بوضع واحد أو بغير المطابقة وإن أريد ما هو أعم فلا يلزم من ثبوت الدلالة على المطابقة مطلقًا اتحاد المعنى فهو ظاهر قلت: المتبادر من تلك العبارة هو الاختلاف بين الحد والمحدود بتوارد الوضع وعدم توارده هو الاشتراك فى القيود الباقية فإذا حمل الدلالة على المطابقة يلزم اتحاد المعنى بينهما.
الشارح: (لم يدل على شئ) وعند ذكره لا يفيد شيئًا أيضًا كما ذكره الآمدى ولكن الإسنوى ذكر أنه يفيد التقوية وفي التحرير أنه لتقوية متبوع خاص بزنته وأما التأكيد كأجمعين فلتقوية مدلول عام سابق فوضعه أعم من وضع التابع وعلى أن التابع لتقوية المتبوع فليس حرفًا لأنه يدل على معنى مستقل بالمفهومية كيف لا وليس معناه إلا معنى المتبوع وإنما لا يدل منفردًا لأنه وضع لتقوية متبوع قبله على زنته فهو بدونه مهمل لا يدل على شئ أصلًا.
قوله: (فى الرسمى بعيد) أى لأن الرسمى يفيد الخاصة بخلاف الحد.
[ ١ / ٥٠١ ]
قال: (مسألة: يقع من المترادفين مكان الآخر لأنه بمعناه ولا حجر فى التركيب قالوا: لو صح لصح خداى أكبر وأجيب بالتزامه وبالفرق باختلاط اللغتين).
أقول: قد اختلف فى وجوب صحة وقوع كل واحد من المترادفين مكان الآخر والأصح وجوبها إذ لو امتنعت لكان لمانع ضرورة واللازم منتف لأنه إما من جهة المعنى أو التركيب وكلاهما منتف أما من جهة المعنى فلأنه واحد فيهما وأما من جهة التركيب فلأنه لا حجر فى التركيب إذا صح وأفاد المقصود وذلك معلوم من اللغة قطعًا.
قالوا: لو صح وقوع كل مترادف مكان صاحبه لصح خداى أكبر كما يصح اللَّه أكبر لأنه مرادفه واللازم منتف.
الجواب: أوّلًا: بالتزام صحة خداى أكبر ممن يفهمه للخلاف فيه ولا إلزام إلا بمجمع عليه إذا لم يثبت بدليل.
وثانيًا: بالفرق بأن المنع ثمة لأجل اختلاط اللغتين فلا يلزم المنع فى المترادفين من اللغة الواحدة.
قوله: (قد اختلف فى وجوب صحة) لا خفاء فى أن المدعى لو كان نفس الصحة فى الجملة لم يتصور فيه خلاف، ولم يستقم قولهم لو صح لصح خداى أكبر فلذا جعل محل الخلاف وجوب الصحة ولزومها وتحقيق ذلك أن الصحة التى هى الإمكان إذا جعل جزءًا من المحمول تصير القضية ضرورية، كما يقال يجب إمكان بياض الزنجى ولما كان وجوب الصحة إذا أخذت جزءًا من القضية فى قوة الصحة إذا حديث جهة القضية صح جعل الامتناع نقيضا لوجوب الصحة فالذى قال إذ لو امتنعت حاصل أنه أخذ الصحة فى المدعى جزء المحمول وفى الاستدلال جهة الحمل لعدم تفاوت المعنى.
قوله: (ولا حجر فى التركيب) حمله الشارح المحقق على ما هو الظاهر من العبارة، وجمهور الشارحين على أن المراد تركيب ذلك المعنى الذى عبر عنه بأحد المترادفين إلى معنى آخر من محكوم عليه، أو به أو نحو ذلك لما صرح به فى المنتهى من أنه لا خلاف فى صحة إطلاق كل من المترادفين مكان الآخر إفرادًا،
[ ١ / ٥٠٢ ]
وإنما الخلاف فى التركيب فمنهم من جوزه مستدلًا بأن معنى اللفظ لما صح أن يقرن بمعنى آخر مدلول عليه بلفظ وجب صحة ذلك الاقتران عند كونه مدلولًا للفظ الثانى لأن صحة التركيب من عوارض المعانى.
قوله: (قد اختلف فى وجوب صحة وقوع كل من المترادفين) عبارة المتن على النسخ المشهورة هكذا يقع كل من المترادفين مكان الآخر وأما النسخة الواقعة إلى الشارح ﵀ ففيها يجب قيام كل من المترادفين مكان الآخر فاحتاج فى تصحيح الكلام إلى تقدير الصحة.
قوله: (لكان ذلك الامتناع لمانع ضرورة) لأن المصحح وهو اتحاد المعنى مع جهة الدلالة موجود وإذا وجد المقتضى لشئ كان امتناعه لمانع قطعًا ولا يتصور هناك مانع إلا من جهة المعنى أو التركيب وكلاهما منتف.
قوله: (لصح خداى أكبر) أى فى تحريمه الافتتاح.
قوله: (للخلاف فيه) يعنى فى هذا التركيب وصحته (ولا إلزام إلا بما هو مجمع عليه إذا لم يثبت بدليل) سواه وعلى هذا الجواب يبقى المدعى على عمومه وأما الجواب الثانى بالفرق فيقتضى تخصيصه بالمترادفين من لغة واحدة قيل والحق أن المجوز إن أراد أنه يصح فى القرآن فهو باطل قطعًا وإن أراد فى الحديث فهو على الخلاف الذى سيأتى وإن أراد فى الأذكار والأدعية فهو إما على الخلاف أو المنع رعاية لخصوصية الألفاظ فيها وإن أراد فى غيرها فهو صواب سواء كانت من لغة واحدة أو أكثر.
المصنف: (وبالفرق باختلاط اللغتين) لا دليل على منعه بعد الفهم إلا عدم فعلهم وليس بدليل نعم مع قصد الإفادة وعدم علم الخاطب فالمنع ظاهر.
الشارح: (فلأنه لا حجر فى التركيب) رد بأنه يقال صلى عليه دون دعا عليه.
التفتازانى: (ولم يستقم قولهم لو صح لصح خداى أكبر) أى لأن عدم صحة خداى أكبر لا ينافى الصحة فى الجملة والحاصل أنه لو حمل يقع كل من المترادفين مكان الآخر على معنى أنه حاصل وواقع بالفعل من كل مترادفين لكان باطلًا ولو حمل على معنى يصح أن يقع ولو فى بعض الصور لم يستقم قوله: لو
[ ١ / ٥٠٣ ]
صح لصح خداى أكبر فتعين الحمل على أنه يجب صحة وقوع كل واحد من كل مترادفين مكان الآخر وقوله وتحقيق ذلك. . . إلخ. حاصله أن قوله: يقع. . . إلخ. معناه يصح أن يقع فالصحة أخذت جزءًا من المحمول وحينئذ تكون جهة القضية الضرورة فصار الحاصل: يجب صحة وقوع. . . إلخ ثم إن وجوب الصحة عند أخذها جزءًا من المحمول فى قوة الصحة إذا جعلت جهة القضية ولم تجعل جزء المحمول فلذلك جعل الامتناع نقيض وجوب الصحة فقال إذ لو امتنعت فالصحة أخذت فى المدعى جزء المحمول وفى الاستدلال جهة القضية لأنه لا تفاوت فى المعنى وهذا إذا اعتبر الكلام فى المصنف، وإن معنى قوله: لأنه بمعناه أنه لو امتنعت لكان لمانع واللازم منتف لأنه بمعناه وأما إذا اعتبر الكلام فى قول الشارح وهو الظاهر كان الدعوى وهى قوله وإلا صح وجوب صحة الوقوع والاستدلال هو قوله: إذ لو امتنعت. . . إلخ. وأن قوله: وإلا صح وجوبها بيان للقضية بجهتها وأصل الترضية يصح وقوع كل من المترادفين مكان الآخر أى يمكن ذلك وجهتها الوجوب ووجوب الصحة فى قوة الصحة إذا أخذت جهة القضية بأن تقول يقع كل من المترادفين مكان الآخر بالإمكان فلذا جعل الامتناع نقيضًا لوجوب الصحة فقال: إذ لو امتنعت. . . إلخ. يوضح ذلك أن قولك: زيد موجود بالإمكان فى قوة زيد وجوده ممكن بالضرورة.
قوله: (وأما النسخة الواقعة للشارح. . . إلخ) أى أنه لا حاجة إلى التأويل بالوجوب على النسخة التى نصها: يقع كل من المترادفين مكان الآخر لأن أل فى المترادفين للاستغراق والمعنى: يصح أن يقع كل من كل مترادفين مكان الآخر كما فهم السعد فليس قول الشارح: وإلا صح وجوبها تفسيرًا لنسخة يقع كل من المترادفين مكان الآخر بل تفسير لنسخة أخرى نصها: يجب قيام كل من المترادفين مكان الآخر.
قوله: (على الخلاف الذى سيأتى) أى فى رواية الحديث بالمعنى.
قوله: (أو المنع) أى فالقول بالجواز باطل.
[ ١ / ٥٠٤ ]