تمر الليالى ليس للنفع موضع لدى ولا للمعتفين ثواب
لما أنا فى زمان ليس فيه إلا ما يدهش العقول والألباب ويسلب المعقول إن أصاب، ترى العلم أعلام معاليه مشرفة على الانتكاس وآثار معانيه مؤذنة بالاندراس، والجهل رايات دولته خافقة العذبات وآيات نصرته واضحة البينات:
ولو أنى أعد ذنوب دهرى لضاع القطر فيها والرمال
وقد صار تعللى هذا مظنة للضنة ومئنة للمنة، استخرت اللَّه وأخذت فى ضبط ما أحطت به من الفوائد ونظم ما جمحته من الفرائد وجل مرمى غرضى كشف الغطاء عما تحت عباراته من لطائف الاعتبارات وخفيات الإشارات، إلى حل الشكوك والشبهات والإيماء إلى ما على الشروح من الاعتراضات طاويًا كشح المقال عن الإطناب بتكثير السؤال والجواب وتحرير مقاصد الفصول والأبواب ونقل مباحث لا تتعلق بالكتاب، واللَّه سبحانه ولى المعونة والتوفيق ومنه الهداية إلى سواء الطريق وهو حسبى ونعم الوكيل.
(بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ)
قوله: (الحمد للَّه) أردف التسمية بالتحميد فى مفتتح الكلام اقتفاء لما ورد فى الأخبار واقتداء بطريق الأخيار وأداء لبعض حقوق ما استقر فيه من ضروب الإحسان التى من جملتها التوفيق لمثل هذا التصنيف العظيم الشأن منبهًا للمتعلمين على انتهاج مناهج سننه واتباع مدارج سننه، وقد دل بـ "لامى التعريف والتخصيص على اختصاص الجنس المستلزم لاختصاص المحامد كلها تحقيقًا على قاعدة أهل الحق واختار اسم الذات المنبئ عن صفات الكمال ونعته بما يتفرع عليها من الأفعال إيماء إلى استحقاقه من جميع هذه الجهات غاية التعظيم ونهاية الإجلال، وساق الكلام مساقًا رشيقًا وأولاه لطفًا ونظمًا أنيقًا، فأشار أولًا بقوله: برأ الأنام إلى إفاضة الوجود على نوع الإنسان الذى هو أصل لسائر أصناف الأنعام، وثانيًا بقوله: وعمهم بالإكرام إلى الكمالات المتفرعة على وجودهم المشركة فيما بينهم كالعقل وتوابعه الميزة إياهم عما عداهم وقد لاحظ فيه قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ﴾ [الإسراء: ٧٠]، وثالثًا بما اقتبسه من معنى قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ﴾ [يونس: ٢٥]، إلى ما يتفرع على الكرامة الدنيوية
[ ١ / ١٧ ]
ويتوسل به إلى السعادة الأخروية ثم نبه بقوله: وخص من شاء بمزايا الأنعام والتوفيق لدين الإسلام على النعم المخصوصة: فالأول يناسب الإكرام والثانى الدعوة إلى دار السلام مأخوذًا من قوله تعالى: ﴿وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [يونس: ٢٥]، وكأن فى القرائن الأربع رمزًا إلى المقصود لفظًا ومعنى وما قيل من أنه أشير بعموم الإكرام والدعوة إلى أن إضافة الجمع وحذف المفعول فى الآيتين يفيدان تعميمًا وأن الكافر أيضًا مكلف بالفروع وأن العبد داخل فى الخطاب كالأحرار والنساء كالرجال وأريد بقوله: مزايا الأنعام ما خص المجتهدين من الاقتدار على استنباط الأحكام براعة للاستهلال فلا يخلو عن شائبة تكلف، وأما الدين فهو وضع إلهى سائق لأولى الألباب باختيارهم المحمود إلى الخير بالذات ويتناول الأصول والفروع وقد يخص الفروع والإسلام هو هذا الدين المنسوب إلى محمد ﵇ المشتمل على العقائد الصحيحة والأعمال الصالحة فالإضافة بيانية ولما كانت هذه النعم مستمرة سنية أورد الحمد بجملة اسمية.
قوله: (والصلاة) كما أن للَّه عز شأنه علينا نعمًا لا يتصور إحصاؤها كذلك لنبينا -ﷺ- بهدايته لنا إلى سواء الصراط منن لا يمكن استقضاؤها فمن ثمة قرن تبجيله بالصلاة والسلام بتحميد اللَّه ﷾ امتثالًا لأمره وقضاء لبعض حقه وأورد من صفاته ما يدل على حيازته قصبات السبق فى مضمار المآثر وتبرزه على الكل فى اقتناء المناقب والمفاخر، فقوله: على سيد الأواخر والأوائل، أى فى الفضل والكمال وصف له بحسبه، وقوله: المبعوث من أشرف الأرومات وأكرم القبائل يعنى هاشمًا وقريشًا نعت له بنسبه، وقوله: بأبهر العجزات وأظهر الدلائل، إشارة إلى وثاقة الحجج الدالة على نبوته واتضاحها ولما كانت الأمور الخارقة المقرونة بالتحدى معجزة لعجز الناس عن إتيان مثلها ودليلًا مرشدًا إلى النبوة من حيث الإعجاز كان كل ما هو أبهر فى الإعجاز أظهر فى الدلالة فلذلك أتبعه به، وقوله: الموضح للسبل، تنبيه على ما يتفرع على النبوة وهو غايتها أعنى: إيضاح السبل الموصلة إلى السعادة الأبدية.
قوله: (الخاتم للأنبياء والرسل) من صفات كماله ﵊ حيث دل على أن الشريعة قد تمت بإرساله واستقرت فى نصابها فلا يحتاج إلى مؤسس آخر بل إلى من يحفظها وفى مجئ الصفات هكذا مسرودة بلا عاطف ههنا إيذان
[ ١ / ١٨ ]
باستقلال كل فى كونها صفة كمال على حيالها وقد زادها فخامة إبهام موصوفها، وأما تنسيق النعم السابقة فلأن معنى الجمع هناك أوقع وحيث كان آله وأصحابه رضوان اللَّه تعالى عليهم أجمعين مشاركين له فى هدايتنا بإبلاغ شريعته وحفظها أردفهم إياه، وقد أفيد أنه ضمن فى التحميد الإشارة إلى شرع الأحكام والأقدار على استنباطها لأنهما نعمتان منه تعالى وفى الصلاة إلى أدلتها مطلقًا فإن الكتاب أبهر المعجزات لبقائه على مر الدهور وأظهر دلائل الأحكام حيث لم يختلف فيه لغاية الظهور وإيضاح السبل يتناول السنة بأقسامها، وفيه إشارة إلى أن مدارك الأحكام مستندة إلى السماع، وذكر الآل والأصحاب إشارة إلى الإجماع ويندرج فيه بعض ما وقع فيه النزاع وأما القياس فحيث كان فرعًا للثلاثة ومظهر للحكم لم يفرد له ذكرًا.
قوله: (وبعد. . . إلخ) قد أشار فى هذا الكلام إلى فائدة أصول الفقه التى هى استنباط الأحكام وما يترتب عليها من الصلاح فى الدنيا والنجاة فى الآخرة؛ فظهر بذلك تعريفه وشرفه الباعث على الاعتناء بشأنه ثم ذكر من نعوت المختصر ما يستدعى زيادة الاهتمام لشأنه وأنه قد أحاط بما فيه خبرًا وأن أصحابه باقتراحهم لم يتركوا له عذرًا فتسبب الكل لتصنيف الكتاب بعد مساعدة التوفيق من العزيز الوهاب.
قوله: (كونها متكثرة) وذلك لأن الأحكام متعلقة بالحوادث الفعلية التى لا تكاد تنحصر فى عدد.
قوله: (ناطها) أى علقها (بدلائل) أى: حجج قطعية من الكتاب والسنة المتواترة والإجماع (وربطها بأمارات) مفيدة للمراتب العالية من الظنون (ومخايل) مفضية إلى الظنون الضعيفة كأنها خيالات، وفيه أن الظن يختلف قوة وضعفًا دون اليقين، وأنه مطلقًا كافٍ فى الأحكام العملية ولا يذهب عليك لطف استعمال النوط مع الدليل، والربط مع الأمارة.
قوله: (من مأخذها) أى الظنى (ومناطها) أى القطعى رعاية لما سبق وههنا بحث ينشأ من تفسير الأدلة فى تعريف الفقه بالأمارات وإنما وصف القواعد بالكلية؛ لأن مسائل أصول الفقه قواعد يندرج تحتها كليات؛ هى المسائل الفقهية المنطوية على جزئيات وجعل المقدمات أى: المبادئ جامعة لشمولها أمورًا متعددة ولقد أعجب
[ ١ / ١٩ ]
حيث ذكر مع القواعد الباء والتوصل، ومع المقدمات من والتوسل.
قوله: (أفردوا) جواب لما مقدرة على كان.
قوله: (عظيم الخطر) أى الشرف فى نفسه لتعلقه بالكتاب والسنة وما يئول إليهما، و(محمود الأثر) أى الفائدة لأنها الفقه فى الدين.
قوله: (يجمع إلى العقول) أى القياس، (مشروعًا) أى منقولًا وذلك لتوسطه بين المعقولات والمشروعات، (ويتضمن من علوم شتى) أى متفرقة، (أصولًا وفروعًا) أى مسائل يتفرع عنها غيرها، وأخرى تتفرع عن غيرها منتزعة من العلوم المتفرقة، أو يتضمن أصولًا وفروعًا هى بعض تلك العلوم، وعلى التقديرين فيه إيماء إلى المبادئ كما أن الأول إشارة إلى المسائل.
قوله: (والقرحة) هى البياض دون الغرة وكان ظهورها من السواد أكثر فلذلك خصها بالدهم يقال: استهتر فلأن على صيغة المجهول، أى أولع (لا يذل) أى: لا ينقاد من الذل بالكسر.
قوله: (صعابه) أى معانيه المشكلة المشبهة بالصعاب إما لدقتها أو لانغلاق عبارتها، (ولا تسمح) من باب الأفعال يقال: أسمحت قرونته، إذا ذلت نفسه وتابعته على الأمر.
قوله: (وقد بقيت الدقائق) أى معانيه التى لا تنال إلا بأنظار عميقة لم يبرزوا شيئًا منها واحتجبت عنهم حقائق فيها نوع خفاء ولهذا نكرها.
قوله: (شعفت به) أى جعلت حريصًا، وفى بعض النسخ شعف وهو الظاهر والأول محتاج إلى تقدير كما فى عبارة الكشاف استكبرت أم كنت ممن علوت أى منهم وقد ضمن وكلت معنى سلطت فعداه بـ "على" وأراد ببعض عمرى مدة معتدًا بها تعد بعضًا منه، والمقاصد هى المسائل، والمبانى هى الدلائل، والتنوين فى خافية إما للإفراد شخصًا أو للتقليل على ما يقتضيه المقام بحسب الادعاء.
قوله: (من الفوائد الزوائد) أى على ما أدركوه لا على الكتاب، (كافية) لمن أراد الوقوف على دقائقه، والخرائد جمع خريدة وهى الحيية من النساء مشبه بها المعانى الخفية فى الاحتجاب وعسر الوصول إليها، والإبكار إشارة إلى ما اختص بإدراكه من دقائقه وحقائقه التى لم يفترعها أحد قبله، والإقتراح السؤال بغير روية، والإلحاح المبالغة فيه.
[ ١ / ٢٠ ]