(بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ)
الحمد للَّه رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
وبعد: فيقول أبو الفضل محمد الوراقى الجيزاوى: هذه تقريرات شريفة وتحقيقات منيفة علقتها على شرح مختصر ابن الحاجب العضدى وحاشيتى السعد والسيد عليه حال قراءتى كتاب ابن الحاجب بحاشيتيه المذكورتين المرة الثانية لتوضيح ما أشكل فهمه من ذلك مشيرًا إلى حاشية السيد بـ (قوله) أو (قدس سره)، وإلى حاشية السعد بـ (التفتازانى) أو (السعد)، واللَّه ولى التوفيق والسداد وعليه التوكل والاعتماد.
[ ١ / ٢٢ ]
قال: (الحمد للَّه رب العالمين وصلى اللَّه على سيدنا محمد وآله أجمعين، أما بعد: فإنى لما رأيت قصور الهمم عن الإكثار وميلها إلى الإيجاز والاختصار صنفت مختصرًا فى أصول الفقه ثم اختصرته على وجه بديع وسبيل منيع لا يصدّ اللبيب عن تعلمه صادّ ولا يردّ الأريب عن تفهمه راد واللَّه تعالى أسأل أن ينفع به وهو حسبى ونعم الوكيل وينحصر فى المبادئ والأدلة السمعية والترجيح والاجتهاد).
أقول: ينحصر المختصر أو العلم فى أمور أربعة:
الأول: المبادئ وهي ما لا يكون مقصودًا بالذات، بل يتوقف عليه ذلك وعدّها جزءًا من العلم تغليبًا لا يبعد.
الثاني: الأدلة السمعية؛ لأن المقصود استنباط الأحكام وإنما يكون منها لأن العقل لا مدخل له فى الأحكام عندنا.
الثالث: الترجيح إذ الأدلة الظنية قد تتعارض فلا يمكن الاستنباط إلا بالترجيح وهو بمعرفة جهاته.
الرابع: الاجتهاد وهو الاستنباط المقصود فلا بد من معرفة أحكامه وشرائطه.
واعلم أن الحصر فى مثله استقرائى، ومن رام حصرًا عقليًا فقد ركب شططًا إلا أن يقصد به ضبط يقلل من الانتشار ويسهل الاستقراء، فيقال ما يتضمنه الكتاب إما مقصود بالذات أو لا الثاني: المبادئ إذ لا بد أن يتوقف عليه المقصود بالذات وإلا فلا حاجة إليه أصلًا والأوّل لما كان الغرض منه استنباط الأحكام فالبحث إما عن نفس الاستنباط وهو الاجتهاد أو عما تستنبط هي منه إما باعتبار تعارضها وهو الترجيح أو لا وهو الأدلة السمعية.
قوله: (وينحصر) ذهب الجمهور إلى أن موضوع الأصول الأدلة السمعية لما أنه يبحث عن أحوالها من حيث إثبات الأحكام بها بطريق الاجتهاد بعد الترجيح عند التعارض، وبهذا الاعتبار كانت أجزاؤه مباحث الأدلة والاجتهاد والترجيح، ونظر بعضهم إلى أن من المباحث المتعلقة بالإثبات ما يرجع إلى أحوال الأحكام فجعل موضوعه الأدلة والأحكام وصارت الأبواب أربعة وقد جرت العادة بتصدير كتب الأصول بمباحث خارجة عن المقاصد المذكورة يسمونها المبادئ تكون جزءًا من
[ ١ / ٢٣ ]
الكتاب دون العلم، فمن هنا ذهب جمهور الشارحين إلى أن ضمير ينحصر للمختصر دون العلم على ما ذكره الشارح العلامة الشيرازى؛ لأن المبادئ المذكورة من أجزاء الكتاب وليست من أجزاء العلم وجوزه الشارح المحقق بطريق التغليب حيث جعل الأمور التى أكثرها أجزاء للعلم أجزاء له، على أن من المبادئ ما هو أجزاء بالحقيقة كالتصورات والتصديقات المأخوذة منها مما منه الاستمداد فإطلاق المبادئ على الأمور المذكورة أيضًا تغليب، ويحتمل أن يكون بالمعنى اللغوي لأنه قد ابتدئ بها قبل الشروع فى المقاصد، ثم لا يخفى أن جعل الأمور المذكورة من أجزاء العلم أو المختصر ليس على ظاهره إذ الجزء هو التصورات والتصديقات أو المباحث المتعلقة بالأدلة السمعية مثلًا لا هى نفسها، وبهذا الاعتبار يندرج فى الأدلة السمعية نفى حجية قول الصحابي والاستحسان والمصالح المرسلة وفي الاجتهاد بحث التقليد والإفتاء والاستفتاء، وفي الترجيح حكم الوقف والتخيير وبهذا يظهر أنه لو جعل ضمير ينحصر لما يبحث فى المختصر أو العلم وكان حصر الكلى فى الجزئيات لم يبعد والأمدى جعل كتابه على أربع قواعد الأولى فى تحقيق مفهوم أصول الفقه وتعريف وضوعه وغايته ومسائله وما منه استمداده وتصوير مبادئه فأراد بالمبادئ ما هو المصطلح من التصورات والتصديقات التى ينبنى عليها المسائل ولم يتعرض المصنف لبيان موضوعية الومضوع لطول المباحث المتعلقة به مع كونه خارجًا عن العلم وأورد ما هو من أجزاء العلم أعنى تعريف ما هو الموضوع سنن الكتاب والسنة والإجماع والقياس كلًا فى بابه لشدة ارتباطه بالمسائل، وفسر الشارح الاستمداد على وجه يتناول ما هو من المقدمات أعنى بيان أنه من أى علم يستمد وبها هو من المبادئ أعنى التصورات التى تنبنى عليها المسائل.
قوله: (بل يتوقف عليه ذلك) أى المقصود بالذات يعنى أنه يفيد زيادة بصيرة فى تحصيله واقتدار عليه لا بمعنى امتناع التحصيل بدونه، للقطع بأن حد العلم وفائدته واستمداده ليست كذلك.
قوله: (لأن المقصود) أى الغرض الأصلى من الفن هو استنباط الأحكام وإلا فمقاصد الفتن مسائله.
قوله: (استقرائى) أى على تشبيه تتبع الأجزاء بتتبع الجزئيات، أو على أن الأمور المذكورة جزئيات للجزء وإن كانت أجزاء للعلم أو الكتاب، فكأنه قال كل
[ ١ / ٢٤ ]
ما هو جزؤه فهو غير خارج عما ذكر لأن هذا الجزء ذاك وكذلك.
قوله: (فقد ركب شططًا) أى تجاوز حدًا لأنه لا ينحصر عقلًا ولا يتم بالترديد بين النفى والإثبات، إذ يرد المنع على الشق الأخير.
قوله: (ويسهل الاستقراء) بأن يضبط له جميع جزئيات ما هو جزء من العلم أو الكتاب من غير افتقاره إلى النظر فى تفاصيله.
قوله: (وإلا فلا حاجة إليه أصلًا) بمعنى أنه لا يفيد فائدة تتعلق بالمقصود فلا يناسب تصديره به، لما عرفت من أن توقفا المقصود على مثل هذه المبادئ واحتجاجه إليها ليس بمعنى امتناع حصوله بدونها، ولذا قال فى بيان مثل هذا الاحتياج ليكون على بصيرة فى طلبه ليزداد جد طالبه ونحو ذلك.
قوله: (ينحصر المختصر أو العلم) يعنى أن ضمير ينحصر إما أن يرجع إلى المختصر المدلول عليه بقوله: اختصرت، لا إلى المختصر المذكور لفظًا فإنه كتابه المسمى بالمنتهى الذي اختصره من الأحكام ثم اختصر هذا الكتاب منه، وإما أن يرجع إلى العلم أى أصول الفقه لتقدمه فى الذكر، وعلى التقديرين هو من تقسيم الكل إلى أجزائه وهو تفصيله وتحليله إليها فلا يصدق المقسم على أقسامه ضرورة أن الكل لا يحمل على الجزء من حيث هو جزؤه ويكون كل قسم داخلًا فى ماهية المقسم ويحتمل أن يقدر ما يتضمنه الكتاب أو العلم كما أشار إليه، فيجعل من تقسيم الكلى إلى جزئياته وهو أن يضم إليه قيود متباينة أو متخالفة غير متباينة فيتحصل بانضمام كل قيد قسم منه؛ فعلى الأول كان التقسيم حقيقيًا يتباين فيه الأقسام، وعلى الثاني اعتباريًا تتصادق فيه وأيًا ما كان ففيه ضم وتركيب، والمقسم صادق على أقسامه وهو جزء لمفهومها، فإذا جعل الضمير للمختصر وهو المختار لعدم الاحتياج إلى الاعتذار، ولأن الأنسب على الوجه الأخير تأخيره عن تعريف علم الأصول ونبه على ذلك بتقديمه أولًا والاقتصار عليه ثانيًا فلا إشكال لأن الأمور الأربعة أجزاء للمختصر وجزئيات لما يتضمنه وأما الخطبة فلا اعتداد بخروجها وإن جعل للعلم توجه ما قيل من أن مبادئ العلم بمعنى ما يتوقف عليه ذات الشئ المقصود منه أعنى التصورات والتصديقات التى يبتنى عليها إثبات مسائله قد تعد جزءًا منه، وأما إذا أطلقت على ما يتوقف عليه ذاتًا أو تصورًا أو
[ ١ / ٢٥ ]
شروعًا كما فعله المصنف فليست بتمامها من أجزائه، فإن تصور الشئ ومعرفة غايته خارجان عنه ولا من جزئيات ما يتضمنه حقيقة لدخوله فيه قطعًا، وجوابه أن بعضها أعنى الاستمداد مع كثرته جزء منه وقد انضمت إلى الأجزاء الثلاثة فلا يبعد تغليبها عليها مجازًا، وما قيل من أنه فسر الشارح الاستمداد على وجه يتناول ما هو خارج عن العلم أعنى بيان أنه من أى علم يستمد، وما هو داخل فيه أعنى ما يبتنى عليه مسائله من التصورات والتصديقات فتوهم بل صرح بأن بيانه على قسمين إجمالى وتفصيلى، وما ظن من وجوب تقييد العلم بالمورد فى المختصر على تقدير رجوع الضمير إليه لجواز اشتماله على أهلية الموضوع فإن الموضوعات من أجزاء العلوم، وعلى الخاتمة فبعد ما يلزمه من ركاكة المعنى يرد عليه أن الأول داخل فى المبادئ بالمعنى المذكور وإن لم يذكر فيها كبعض المسائل فى سائر الأجزاء، وأما الخاتمة الخارجة عن الأربعة فليست جزءًا حقيقة ولا مثلًا له فى التوقف عليه.
قوله: (الثانى: الأدلة السمعية) يريد أن مباحثها المتعلقة باستنباط الأحكام الخمسة من الأجزاء لا الأدلة أنفسها فيندرج فيها أحكام المقبولة منها وهي خمسة؛ الأربعة المشهورة والاستدلال وأحوال المردودة منها وهي ما عداها وهكذا الاجتهاد نفسه ليس جزءًا من العلم أو الكتاب بل القواعد المتعلقة به وبما يقابله أعنى التقليد وبما يستندى إليهما كالإفتاء والاستفتاء وكذا الترجيح فإن الجزء أحكام يتعلق به أو بما يتوقف عليه من التعارض أو بما يعادله من الوقف والتخيير ولو جعلت هذه الألفاظ فى عبارة المتن كأنها أسماء لتلك المباحث لم يبعد.
قوله: (لأن المقصود استنباط الأحكام) أى المقصود بالذات من الفن حيث ذكر فيما وقع إزاء المبادئ المقصودة فى الجملة فما قيل من أنه علم آلى والغرض منه الاستنباط المذكور فيكون حصول ذاته وأجزائه مقصودًا بالذات أولًا وحصول غرضه مقصودًا ثانيًا كسائر ما له غاية، وفي جعل الاستنباط مقصودًا فى موضعين من هذا الفصل وغرضًا فى آخر وجعل ما يتضمنه الكتاب غير المبادئ أعنى المسائل مقصودًا بالذات تنبيه على ما ذكر فمع سقوطه فاسد فى نفسه، لا يقال: كون الاستنباط مقصودًا بالذات وغرضًا منه، يستلزم اتحاد غاية الشئ معه لأنا نقول: المقاصد قد تترتب فيكون أمر وسيلة إلى ثانٍ يتوسل به إلى ثالث فالوسط مقصود
[ ١ / ٢٦ ]
بالذات نظرًا إلى أحد طرفيه ومقصود بالغير نظرًا إلى الآخر، كما أن مبادئ هذا الفن وسائل إلى مسائله التى هي ذرائع الاستنباط فصح جعله مقصودًا بالذات من العلم وهو ظاهر وغرضًا من القصود بالذات فيه الذي هو المسائل بالنسبة إلى المبادئ.
قوله: (لأن العقل لا مدخل له فى الأحكام عندنا) أى فى الأحكام الخمسة وما ينتمى إليها عند الأشاعرة؛ لابتنائه على قاعدة الحسن والقبح العقليين ولم يرد أن العاقل لا حكم له أصلًا، كيف وقد صرح بأن الأحكام قد تؤخذ لا من الشرع.
قوله: (إذ الأدلة الظنية قد تتعارض) لجواز تخلف مدلولاتها عنها ولا يمكن ذلك فى القطعيات فلو تعارضت يلزم اجتماع المتنافيات وقد أفاد بعضهم أن فى قوله: فلا بد من معرفة أحكامه وشرائطه، من أنه صواب دائمًا أو لا وماذا يعتبر فيه من العلوم، وقوله: وهو بمعرفة جهاته، دلالة على أن الاجتهاد والترجيح ليسا جزءًا من العلوم بل هو قواعدهما ولم يتعرض لمثله فى الأدلة اكتفاء.
قوله: (واعلم أن الحصر) الحصر إما عقلي مردد بين النفى والإثبات يجزم العقل بمجرد ملاحظة مفهومه بالانحصار، وإما استقرائى أى لا يكون كذلك فيستند انحصاره إلى التتبع والاستقراء سواء كان فى الجزئيات كانحصار الدلالة اللفظية فى الثلاث أو فى الأجزاء كانحصار الجسم المركب فى أجزائه من العناصر ولم يرد به ما يقابل التمثيل، والقياس إذ هو استدلال بأحكام الجزئيات على حكم الكلى، والمقصود من القسمة تحصيل الأقسام لا تعدية حكمها إلى مقسمها فإنها إنما تتصور بعد تحصيلها ومعرفة أحكامها فمن قال ذلك على تشبيه تتبع الأجزاء بتتبع الجزئيات، أو على أن الأمور المذكورة جزئيات جزء العلم أو الكتاب فكأنه قيل كل ما هو جزؤه فهو غير خارج عما ذكر، لأن هذا الجزء وذاك كذلك وتابعه غيره قائلًا يحتمل أن يراد ما هو المتعارف أى الاستدلال بالجزئى على الكلى، وأن يراد معناه لغة ليتناول الاستدلال بالأجزاء على الكل فقد ركب شططًا كمن رام حصرًا عقليًا، ثم وجه التتبع ها هنا أنه لما كان علمًا متوسطًا بين الأحكام وأدلتها فى الاستنباط فلا بد أن يتعلق بأحوالها وما ينتسب إليها من تلك الحيثية وقد استقرئت فلم يوجد غيرها مع جوازه عقلًا.
قوله: (إلا أن يقصد) كل قسمة استقرائية يمكن فيها الترديد بين النفى والإثبات
[ ١ / ٢٧ ]
ابتداء فيقلل الانتشار ويسهل الاستقراء ويبقى القسم الأخير مرسلًا، (فيقال: ما يتضمنه الكتاب) أو العلم، (إما أن يكون مقصودًا بالذات) فى العلم (أو لا) الثاني إما أن يتوقف عليه أولًا، الثاني ساقط عن درجة الاعتبار استحسانًا إذ لا حاجة إليه فى نفس المقصود أصلًا وإن كان منه ما يعد خاتمة وتذييلًا، (والأول) أى المقصود بالذات، (لما كان الغرض منه استنباط الأحكام) فما يتوقف عليه هذا الغرض إما مباحث تتعلق بأحوال نفس الاستنباط أو لا، والثاني إما أحكام ما تستنبط هي منه باعتبار تعارضها أو لا، وهذا الأخير يحتمل قسمين أحوال الأدلة باعتبار تعارضها، وما ليس كذلك وله مدخل فى الاستنباط غايته أنه لم يوجد ولو قيل: ما يتضمنه الكتاب إما أن لا يكون مقصودًا بالذات بل يتوقف عليه ذلك أو لا يكون كذلك، والثاني إما أن يكون مباحث الاستنباط. . . إلخ. لخرج المبادئ وحدها ويبقى الإرسال فى القسم الأخير وكان أشبه بالحصر العقلى، وإن كان بها ذكره أوضح فى التفهيم ثم إن أحوال الاجتهاد والترجيح راجعة فى الحقيقة إلى الأدلة السمعية فالمقصود بالذات أحوالها من حيث دلالتها على الأحكام إما مطلقًا، وإما باعتبار تعارضها أو استنباطها منها، فتكون هى موضوع هذا العلم ومنهم من قال: هو الأدلة مع الاجتهاد والترجيح نظرًا إلى الظاهر، وذهب بعض العلماء إلى أن الموضوع هو الأدلة السمعية والأحكام إذ قد يبحث فيه عن أعراض الحكم أيضًا مثل أن الوجوب موسع أو مضيق، وعلى الأعيان أو على الكفاية إلى غير ذلك، ورد بأن مرجعه بأن الأمر مثلًا يدل على الوجوب الموسع أو المضيق، وإذا عرف أحوال الأدلة الإجمالية على الوجه الكلى من الجهات المذكورة احتيج فى استنباط الأحكام من الأدلة التفصيلية إلى استخراج أحوالها الجزئية المندرجة تحت القواعد الكلية كسائر الفروع من أصولها.
قوله: (ينحصر المختصر أو العلم) إذا وقع المختصر مقسمًا فالأقسام الأربعة معان مخصوصة مذكورة فى الكتاب، وإن وقع العلم مقسما فالأقسام الأربعة معان بعضها مذكور فى الكتاب كما سيجيء التصريح بذلك ومن جعل الأقسام الأربعة فى كل من تقسيم المختصر والعلم تلك المعانى المذكورة فى الكتاب من غير فرق بين أن يكون القسم مختصرًا أو بين أن يكون علمًا فقد ظن وجوب تقييد العلم
[ ١ / ٢٨ ]
بالمورد فى المختصر ليحصل الانحصار.
قوله: (ضرورة أن الكل لا يحمل على الجزء من حيث هو جزؤه) هذه الحيثية مانعة من صحة الحمل بين الكل والجزء سواء كان الكل محمولًا أو موضوعًا ومع قطع النظر عن تلك الحيثية قد يتحقق صدق الكل وحمله على جزئه، ولذا قيد قوله: فلا يصدق على أقسامه بهذا القيد وإنما أعتبر هذا المانع فى تقسيم الكل إلى أجزائه وحكم بأن المقسم فى هذا التقسيم لا يصدق على أقسامه ولم يعتبره فى تقسيم الكلى إلى جزئياته مع أن ذلك المانع متحقق هنا أَيضًا إذ المقسم جزء من أقسامه فى هذا التقسيم؛ لأن تقسيم الكل إلى الأجزاء يلاحظ فيه الأجزاء من حيث هي أجزاء فالحيثية المذكورة معتبرة فى هذا التقسيم بخلاف تقسيم الكلى إلى جزئياته.
قوله: (ولأن الأنسب على الوجه الأخير) فيه نظر لأنه إذا جعل الضمير راجعًا إلى العلم يجب التوسع فى لفظ العلم على وجه يتناول الأشياء الأربعة بتمامها ليصح الانحصار وبعدما وقع التجوز فى لفظ العلم صار تعريف العلم جزءًا من قسيمه الذي هو جزء منه ولا خفاء فى أن قوله: وينحصر. . . إلخ. خارج عن العلم يذكر قبل الشروع فى الأجزاء ليحصل الضبط والبصيرة من هذا الوجه تأخير تعريف العلم أنسب وأيضًا العلم المنقسم لها معنى مجازى والتعريف للعلم المستعمل فى معناه الحقيقى فلو قدم التعريف على التقسيم يفهم منه أن التقسيم للعلم بالمعنى الحقيقى وصار فهم المعنى المجازى ضعيفًا فالعلة الظاهرة لكون الوجه الأول مختارًا هو عدم الاحتياج إلى الاعتذار.
قوله: (ذاتًا أو تصورًا أو شروعًا) فإن قلت المناسب أن يقول: ما يتوقف عليه ذاتا أو شروعًا لأن تصور العلم والتصديق بفائدته يكونان من مقدمات الشروع فينبغى أن يجعل مبادئ العلم قسمًا ومبادئ الشروع قسمًا آخر قلت: هذا التفصيل مناسب لما فعل المصنف من تقسيم المبادئ إلى ثلاثة أقسام.
قوله: (وما قيل) مرتبط بقوله: وجوابه أن بعضها مع كثرته جزء منه وحاصل الدفع أن الاستمداد الذي هو عبارة عن التصورات والتصديقات المخصوصة قد يكون بيانها على الإجمال وقد يكون على التفصيل ولا تعدد فى نفس الاستمداد بل فى بيانه.
[ ١ / ٢٩ ]
قوله: (من ركاكة المعنى) وذلك لأن العلم عبارة عن الفن الذى هو علم الأصول، وإذا قيد علم الأصول بالمورد فى المختصر صار تقدير الكلام هكذا وينحصر الأصول المورد فى المختصر، وهذه العبارة بعد إطلاق الأصول على بعضه فى زعم هذا القائل مشعرة بأن المصنف أورد من الأصول بعضًا هو الأمور الأربعة وترك بعضًا آخر غير مندرج تحت تلك الأربعة ولا يخفى ركاكة ذلك.
قوله: (حيث ذكر فيما وقع بإزاء المبادئ) يعنى أن الاستنباط قد وقع مقابلًا فى ظاهر العبارة وهذا الظاهر وهو المعتبر فى الأحوال المذكورة هنا فإذا قيل: الرابع الاستنباط يراد أن الجزء الرابع هو الاستنباط وما ثبت له من كونه مقصودًا ثابت للجزء الذى هو مقابل للمبادئ فهو ليس إلا بالذات فقوله أى المقصود بالذات من الفن مشتمل على قيدين أحدهما: قوله بالذات وهو حاصل من المقابلة والآخر: من الفن وهو بالنظر إلى الواقع وما فى نفس الأمر.
قوله: (فما قيل) حاصل هذا القول أن علم الأصول مقصود بالذات فى نفس الأمر والاستنباط الذى هو غرض منه مقصود بالعرض فى نفس الأمر، والشارح جعل الاستنباط مقصودًا بالعرض موافقًا لما فى نفس الواقع حيث جعله مقصودًا فى موضعين وغرضًا فى آخر وجعل المسائل مقصودًا بالذات، وحاصل الدفع أن الشارح لم يجعله مقصودًا بالعرض وجعله مقصودًا وغرضًا لا يستلزم ذلك وكذا كون المسائل مقصودًا بالذات بل جعله مقصودًا بالذات لما تبين قال بعض الأفاضل: الواقع بإزاء المبادئ هو مباحث الأدلة والاجتهاد والترجيح وهذا يدل على أن مباحث الاجتهاد مقصودة بالذات، والمراد منه فى قوله: لأن المقصود استنباط الأحكام نفسه وكون مباحثه مقصودة بالذات لا يستلزم كون نفسه كذلك ولو سلم فيجوز أن يكون الاستنباط مقصودًا بالذات، وأولًا نظرًا إلى المبادئ وهذا لا ينافى كونه مقصودًا بالعرض وثانيًا نظر إلى حصول ذات العلم وأجزائه كما يرشد إليه جواب السؤال الذى ذكره بعد ذلك، فظهر أن الساقط ليس كلام ذلك القائل هذا كلامه ولا يخفى ما فيه من الضعف لأن المحشى قد نظر إلى ظاهر العبارة وحكم بالمقابلة بين المبادئ والاستنباط ولم يقل لأن كون الاستنباط مقصودًا بالذات وأولًا نظرًا إلى المبادئ ينافى كونه مقصودًا بالعرض وثانيًا نظرًا إلى حصول ذات العلم وأجزائه بل قال: قد جعل الشارح الاستنباط مقصودًا بالذات
[ ١ / ٣٠ ]
باعتبار المقابلة وقال ذلك القائل جعله مقصودًا بالعرض وأيضًا لا يخفى عليك أن ما هو مقصود بالذات بالنظر إلى شئ ومقصود بالعرض بالنظر إلى شئ آخر هو الذى يكون شئ وسيلة إليه وهو وسيلة إلى شئ آخر وما يكون كذلك هو المسائل لا الاستنباط.
قوله: (ولم يتعرض لمثله فى الأدلة اكتفاء) لأنه ذكر لتوجيه كون الأدلة جزءًا من العلم نفس الأدلة فى قوله: لأن المقصود استنباط الأحكام، وإنما يكون منها ولم يذكر فى ذلك شيئًا يتعلق بها على وجه يحصل مضمون القواعد المتعلقة بالأدلة بخلاف الاجتهاد والترجيح فمن كتب الحاشية التى هى قوله: فيه مناقشة ظاهرة ليس على بصيرة فى الافتراء والمقصود من قوله: وقد أفاد بعضهم. . . إلخ. أن الأشياء المذكورة عدم كونها جزءًا من العلم فى غاية الظهور لا يحتاج فيه إلى استخراج القرائن الدالة عليه والظاهر أن الشارح لا يقصد الاكتفاء فى الأدلة مع الدلالة على عدم الجزئية فى الترجيح والاجتهاد فإن الأدلة أسبق واعتبار الدلالة فيها والاكتفاء فى غيره أولى.
قوله: (فيستند انحصاره إلى التتبع والاستقراء) أى تتبع الأجزاء أو الجزئيات أو التتبع المتعلق بالمقدمات التى تركب منها البرهان المنتج لانحصار المقسم فى أقسامه، فإنه يجوز أن يكون لكل فردان ويحصل لنا برهان يدل على انحصار ذلك الكل فى هذين الفردين من غير تتبع واستقراء للجزئيات، وحينئذ لو كان قوله: وهذا التقسيم أيضًا استقرائى إشارة إلى تقسيم الحصر إلى العقلى والاستقرائى فتقول فى توجيه ذلك: إنه يجوز بحسب العقل أن يكون مفهوم منحصر فى أقسامه ويعلم انحصاره لا بمجرد ملاحظة ما يذكر فى التقسيم ولا بالبرهان ولا بالاستقراء بل بشئ آخر بطريق البديهة؛ فإن البديهة لا تنافى التوقف على شئ لكنا استقرأنا فلم نجد شيئًا من التقسيم يعلم فيه انحصار المقسم فى أقسامه لا بمجرد ملاحظة مفهوم ما يذكر فى التقسيم ولا بالاستقراء ولا بالبرهان بل يعلم بطريق البداهة التى هى غير ما ذكر ولو قلنا الاستقراء لا يشمل تتبع المقدمات التى تركب منها البرهان الدال على الانحصار كما ذكر فنقول انحصار الحصر فى العقلى والاستقرائى أيضًا استقرائى أى استقرأنا فلم نجد شيئًا من القسمين الأخيرين أى المعلوم بالبرهان والمعلوم بالبداهة المذكورة؛ بل هو معلوم إما بمجرد ملاحظة المفهوم أو تتبع
[ ١ / ٣١ ]
الجزئيات أو الأجزاء لكن التوجيه الأول يأباه قوله: سواء كان فى الجزئيات أو فى الأجزاء حيث لم يقل: أو فى المقدمات المتعلقة بالبرهان وقوله: فى حاشية الحاشية فدليله أنه لو كان هناك قسم آخر. . . إلخ. ولك أن تتكلف فى العبارة على وجه لا يرد عليها فيه شئ بأن نقول قوله: وإما استقرائى لا يكون كذلك مشتمل على صفة كاشفة هى قوله: لا يكون كذلك كما أن قوله إما عقلى مردد. . . إلخ. مشتمل على صفة كذلك فحصل اللفظ الاستقرائى فى هذا التقسيم معنى هو معنى قوله لا يكون كذلك وحينئذ يكون حصر الحصر فى العقلى والاستقرائى دائرًا بين النفى والإثبات سالمًا عن جميع ما أورد عليه إلى ما قد قيل إطلاق لفظ الاستقرائى على الحصر البرهانى والحصر البديهى الذى هو غير البديهى المذكور بعيد جدًا، وبأن نقول قوله: وبهذا التقسيم أيضًا استقرائى متعلق بقوله سواء كان فى الجزئيات أو فى الأجزاء فإنه إذا قلنا: الاستقراء إما فى الجزئيات أو فى الأجزاء لا يكون هنا ترديد بين النفى والإثبات وكذا قولنا التقسيم إما للكلى إلى الجزئيات أو للكل إلى الأجزاء؛ فيلزم أن يكون استقرائيًا أو بأن نقول معنى قوله: فيستند انحصاره معنى جزئى أى قد يكون كذلك وبعض أفراد هذا التقسيم يعلم انحصاره بالتتبع والاستقراء الواقع إما فى الجزئيات أو فى الأجزاء فلفظ "الاستقرائية" فى قوله: فى حاشية الحاشية وإن كانت استقرائية فدليلها. . . إلخ. يكون بمعنى ما يعلم بالتتبع والاستقراء لا بالمعنى الذى حصل من التقسيم والملازمة المذكورة فى هذا الدليل ظنية أى بالنظر إلى التتبع والاستقراء فلو وقع هنا برهان دال على عدم القسيم الآخر لكان القسمة وانحصار المقسم فى أقسامه على هذا التقدير معلومًا بالبرهان لا بالتتبع.
قوله: (والمقصود من القسمة) أى الحصر الاستقرائى والقسمة الاستقرائية لفظان متغايران بحسب المفهوم هنا وليس بينهما فرق مؤثر فى هذا المقام فإذا قلنا القسمة عقلية بديهية يكون معناه أنه لو اعتبر حكم بين المقسم والأقسام على وجه يحصل الانحصار لكان بديهيًا، وإذا قلنا القسمة استقرائية يكون لو أنه حكم كذلك لكان نظريًا حاصلًا بالاستقراء وبالدليل الذى ذكره فى حاشية الحاشية وحاصل الفرق بين الاستقرائى المذكور هنا وبين الاستقرائى المقابل للقياس والتمثيل أن القسمة الاستقرائية يقصد منها تحصيل الأقسام إلى المقسم لا تعدية
[ ١ / ٣٢ ]
حكم الأقسام إلى المقسم، وكذا الحصر والحكم بالانحصار فى مقام التقسيمات فإن المقصود هنا ليس التعدية المذكورة بخلاف الدليل الاستقرائى متأخر (^١) المقصود فيه هذه التعدية وهذا المقصود الواقع فى الدليل الاستقرائى متأخر عن تحصيل الأقسام وحصر المقسم فيها كما يقال الحيوان إما الإنسان أو فرس أو بقر أو غنم، وبعد ذلك ثبت لكل قسم حكم حتى يحصل الحكم للمقسم ولا شك أن هذا الطريق من الاستدلال يكون بعد حصول الأقسام والحكم بالانحصار وهذا الحكم واقع فى كل دليل استقرائى على سبيل الظن أو القطع وليس فى هذا الكلام أن المقصود من القسمة تحصيل الأقسام فامتنع تعدية حكمها إلى القسم فاندفع ما يقال من أنه لا يلزم من كون المقصود من القسمة تحصيل الأقسام امتناع تعدية حكمها إلى القسم إذ منه مدار الفرق على القصد.
قوله: (فهو غير خارج عما ذكر) هنا سؤال مشهور هو أن القسمة الواقعة فى الاستقراء فى مقام هذا الاستدلال لا يجب أن تكون قسمة يثبت إثباتها بالاستقراء مثلًا إذا أردنا إثبات انحصار الكتاب فى الأجزاء الأربعة بدليل استقرائى استقرينا وتتبعنا أجزاءه على تفصيل المسائل الخصوصة، أو على إجمالها فى ضمن معلومات كلية غير المفهومات الأربعة التى يقصد إثبات انحصار الكتاب فيها فإن التقسيم يجوز أن يكون إلى الأربعة وإلى الخمسة وإلى العشرة وإلى غير ذلك، وبعد اعتبار التقسيم الواقع فى الدليل أثبتنا لكل قسم من تلك الأقسام أن ذلك القسم غير خارج عن الأمور الأربعة ثم أثبتنا ذلك الحكم للمقسم وقلنا جزء الكتاب غير خارج عنها وهذا معنى الانحصار فيها وبهذا التقرير يندفع الدور المذكور فى حاشية الحاشية، والجواب أن الدليل الاستقرائى يجب فيه أن يثبت للكلى ما ثبت للجزئيات ولا يمكن إثبات الانقسام إلى الأجزاء الأربعة لشئ من أجزاء الكتاب حتى يثبت للكتاب بطريق التعدية وليس مفهوم قولنا: غير خارج عن الأمور الأربعة مفهوم ما ثبت للموضوع فى قولنا: جزء الكتاب إما كذا أو كذا فإن العبارة الثانية تفيد كون كل واحد من الأشياء المذكورة فى جانب المحمول أخص من مفهوم جزء الكتاب لأنه قسم منه ولا يفيده قولنا: غير خارج عن تلك الأشياء
_________________
(١) ثبت لفظ متأخر فى جميع النسخ ولا محل له هنا فلعله من زيادة الناسخ كما هو ظاهر. كتبه مصحح طبعة بولاق.
[ ١ / ٣٣ ]
إذ المباينة صحيحة فيها بخلاف الأول فإذا كان كذلك فالتتبع النافع فى إثبات القسمة المطلوبة هو التتبع المخصوص المتعلق بتلك الأجزاء الأربعة بأن يلاحظ تلك الأجزاء على سبيل الاستقراء ويلاحظ أنها أجزاء (^١) وليس لها جزءا خارج عنها فإن العلم بالقسمة المطلوبة يحصل ههنا لا فى تتبع آخر متعلق بأجزاء أخر وإذا قلنا: إن ذلك الحصول بطريق الاستدلال الاستقرائى لزم الدور وبالجملة يجب اعتبار قسمة فى الاستقراء وإن كانت القسمة المعتبرة عين القسمة المطلوبة لزم الدور وإن كانت غيرها فلا فائدة لها أصلًا.
قوله: (ويبقى القسم الأخير مرسلًا) بيان ذلك أن القسمة الاستقرائية التى تحتاج إلى التتبع والاستقراء يجب أن يكون لها قسم محتمل بحسب العقل ليس ذلك القسم واحدًا من الأقسام الاستقرائية وهذا القسم المحتمل يصير فى التقسيم آخر الأقسام ويكون مرسلًا أى ليس مقيدًا بما فى القسم وإن كانت القسمة الاستقرائية ثنائية وأردنا هذا الترديد بين النفى والإثبات يحصل تقسيمان وإن كانت ثلاثية يحصل هنا تقسيمات ثلاث وعلى هذا القياس إذ يتحقق باعتبار كل قسم من الأقسام الاستقرائية تقسيم مشتمل على قسم والنفى المندرج المقابل له ويندرج فى النفى باقى الأقسام وإذا قسمنا النفى أوردنا قسمًا ونفيًا مقابلًا له وإن كانت القسمة الاستقرائية ثنائية ينتهى التقسيم هنا ويصير القسم الآخر الذى هو نفى مرسلًا وإن كانت ثلاثية فالنفى الثانى ينقسم إلى قسمين: أحدهما: قسم استقرائى، والثانى: نفى مقابل له ويصير هذا النفى الثالث مرسلًا كما إذا قسمنا الحصر بالتقسيم الاستقرائى إلى العقلى والاستقرائى، ثم أردنا الترديد بين النفى والإثبات وقلنا الحصر إما عقلى أو لا، والثانى إما استقرائى أو لا يكون الأخير مرسلًا كما إذا قسمنا الدلالة إلى الوضعى والطبيعى والعقلى ثم قلنا: الدلالة إما وضعية أو لا، والثانى إما طبيعية أو لا، والثانى إما عقلية أو لا يكون مرسلًا أو نقول هذا القسم المحتمل بحسب العقل يكون مندرجًا مع القسم الباقى من الأقسام الاستقرائية يجب (^٢) أحد شقى الترديد فى آخر التقسيمات إذا كان التقسيم متعددًا وعلى هذا
_________________
(١) قوله: أجزاء. هكذا فى النسخ ولعل لفظ الكتاب بعدها سقط من الناسخ. كتبه مصحح طبعة بولاق.
(٢) قوله: يجب. لحل هذا اللفظ محرف فليحرر. كتبه مصحح طبعة بولاق.
[ ١ / ٣٤ ]
التقدير لا يكون عدد التقسيمات عدد الأقسام ومعنى كون القسم الأخير مرسلًا أنه لم ينطبق على القسم الباقى الاستقرائى ولم يتقيد به بل هو أعم منه بحسب المفهوم.
قوله: (ويتوقف عليه ذلك) هذه القسمة الواقعة بين نفى وإثبات وبين إثبات آخر قسمة استقرائية لا يكون فيها ترديد بين النفى والإثبات على ما هو المتعارف إذ الواسطة معقولة بينها وهى ما لا يكون مقصودًا بالذات ولا يتوقف عليه ذلك غاية الأمر عدم الوقوع ويمكن أن يتحقق فيها هذا الترديد بأن يقال كما وقع من الشارح ما يتضمنه الكتاب إما أن لا يكون مقصودًا بالذات أو يكون والأول إما أن يتوقف عليه ذلك أو لا والأول المبادئ والثانى قسم مرسل.
قوله: (وكان أشبه بالحصر العقلى) لأن فى كل قسمة واقعة فى هذا التقرير ترديدًا بين نفى وإثبات ويكون كل قسم من الأقسام المذكورة فى الترديد واحدًا من الأقسام الأربعة قطعًا إلا القسم الآخر الذى يحصل فيه الإرسال بخلاف التقرير المذكور فى الشرح فإنه لا يكون كل قسم مذكور فى الترديد واحد من الأقسام الأربعة قطعًا ويحصل الإرسال فى موضعين منه فإن قلت: التقسيم الأول الذى ذكره المحشى لا يكون فيه الحصر العقلى بخلاف ما ذكره الشارح ففيما ذكره الشارح إرسال وفيما ذكره المحشى إثبات الواسطة بين هذين القسمين وليس ما ذكره المحشى أشبه بالحصر العقلى قلت: ما ذكره المحشى يكون ترديدًا بين نفس مفهوم المبادئ وبين المقصود بالذات ويصير مفهوم المبادئ أحد جانبى الترديد بخلاف ما ذكره الشارح فإن أحد جانبى الترديد فى كلامه مفهوم مغاير لمفهوم المبادئ أعم منه وحصر ما يتضمنه الكتاب فى المبادئ والمقصود بالذات لا يكون عقليًا ووقع الواسطة بحسب العقل قطعًا فلو وقع تقسيم مشتمل على الواسطة وترديد بين نفى هو عين تقسيم المبادئ وإثبات ووقع تقسيم آخر مشتمل على ترديد لا يكون بين نفى هو نفس مفهوم المبادئ وبين إثبات مع تحقق الواسطة بين مفهوم المبادئ وذلك الإثبات لكان حصر ذلك المقسم فى مفهوم المبادئ وذلك الإثبات على التقرير الأول أشبه بالحصر العقلى قيل فى جواب هذا السؤال إن المراد بقوله والثانى إما أن يكون مباحث الاستنباط. . . إلخ. أنه يذكر النفى والإثبات إلى آخر التقسيم بأن يقال إما مباحث الاستنباط أو لا، الثانى إما مباحث الترجيح أو لا
[ ١ / ٣٥ ]
وعبارة الشارح ليس الترديد فى جميعها بين النفى والإثبات فإن قوله: أو عما تستنبط هى منه ليس كذلك.
التفتازانى: (نظر بعضهم إلى أن من المباحث المتعلقة بالإثبات ما يرجع إلى أحوال الأحكام) ككون الوجوب موسعًا أو مضيقًا أو عينيًا أو كفائيًا إلى غير ذلك فجعل موضوعه الأدلة والأحكام، وفيه أن ذلك يرجع إلى أن الأمر للوجوب الموسع أو المضيق وغيرهما وحملها على الأحكام لا يقتضى أن الأحكام من الموضوع لجواز جعل موضوع المسألة عرضًا ذاتيًا للموضوع أو نوعًا سنه.
التفتازانى: (التى أكثرها أجزاء للعلم) وهو ما يستمد منه.
السعد ﵀: (فإطلاق المبادئ على الأمور المذكورة أيضًا تغليب) يعنى: أن المبادئ اصطلاحًا هى ما يتوقف عليها المقصود ذاتًا فقط وقد أطلقت على ما يتوقف عليه تصورًا وهو الحد وشروعًا وهو الغاية، ويؤيد هذا قوله فيما يأتى فأراد بالمبادئ ما هو المصطلح ويحتمل أنه يريد أن المبادئ إنما هى لغير التصورات والتصديقات التى ينبنى عليها مسائل العلم فإطلاقها على ما يشملها تغليب وهو ظاهر أول عبارته.
السعد: (إن جعل الأمور المذكورة) أى الأدلة وما ذكر بعدها وأما جعل المبادئ جزءًا فعلى ظاهره وقوله: التصورات والتصديقات يعنى التى هى مباحث الأدلة وما معها وقوله: أو المباحث تخيير فى التعبير المخرج عن الظاهر أى إما أن تقول المراد بالأدلة التصورات والتصديقات المتعلقة بها، أو تقول المراد المباحث المتعلقة بها فإن أراد بالتصورات والتصديقات المبادئ كان الأولى إبدال "أو" بالواو.
التفتازانى: (مع كونه خارجًا عن العلم) وذلك لأن التصديق بموضوعية الموضوع بعد صيرورته موضوعًا وهى بعد البحث عن عوارضه الذاتية فكيف تكون جزءًا من العلم.
السعد أيضًا: (أى الغرض الأصلى. . . إلخ) أى أن الاستنباط ليس مقصودًا فى الفن وبعضًا منه لأن ذلك مسائله بل غرض مقصود من الفن. قوله: (وعلى التقديرين إلى آخره) إذا كان المختصر عبارة عن الألفاظ من حيث دلالتها على المعانى كما هو الأصح كان المراد أنه ينحصر فى دوال ما ذكر من المبادئ وما معها
[ ١ / ٣٦ ]
وإن كان عبارة عن المعاني فالأمر ظاهر لأن المبادئ معان وكذا ما معها.
قوله: (من حيث هو جزؤه) نقل عنه قدس سره أنه احتراز عن الأجزاء المحمولة فإن الحمل فيها ليس من هذه الحيثية يعنى فلا ترد الأجزاء المحمولة لأن الأجزاء من حيث هى أجزاء مأخوذة بشرط لا شئ ومباينة لما هى أجزاء له فلا يصح حملها من تلك الحيثية بل يصح حيلها من حيث إنها مأخوذة لا بشرط شئ، وهى بهذا الاعتبار يصح حملها واتخاذها مع كلها فى ضمن المأخوذ بشرط شئ قال فى شرح المواقف: الأجزاء المتمايزة بحسب العقل دون الخارج لها اعتبارات فإن الصورة العقلية تؤخذ تارة بشرط شئ أى بشرط أن ينضم إليها صورة أخرى فيطابقان معًا أمرًا واحدًا فلا يلاحظ تغايرهما بل اتحادهما كالحيوان والناطق المأخوذين من حيث أنهما يطابقان الماهية الإنسانية فالجنس بهذا الاعتبار هو النوع وكذا الفصل وتؤخذ تارة بشرط لا شئ أى بشرط أنها صورة على حدة بحيث إذا انضمت إلى صورة أخرى كانتا متغايرتين وقد تركب منهما ماهية ثالثة كالحيوان والناطق إذا اعتبرا موجودين متغايرين فى العقل وقد تركب منهما ماهية الإنسان فكل واحد من الجنس، والفصل بهذا الاعتبار جزء ومادة للنوع فلا يحمل بعضها على بعض وقد تؤخذ لا بشرط شئ فيكون لها جهتان إذ يمكن أن يعتبر التغاير بينها وبين ما يقارنها وأن يعتبر اتحادهما بحسب المطابقة لماهية واحدة وهذا هو الذاتى المحمول قال فى المواقف: ومعنى حمل الحيوان مثلًا على الإنسان أن هذين المفهومين المتغايرين فى العقل هويتهما الخارجية أو الوهمية واحدة فلا تلزم وحدة الاثنين ولا حمل الشئ على نفسه. اهـ. ثم إن حيثية الجزئية معتبرة فى تقسيم الكل إلى أجزائه بخلاف تقسيم الكلى إلى جزئياته وإن كان جزءًا من الجزئى، والجزئى كل له وكما لا يصح حمل الجزء على الكل لا يصح حمل الكل على الجزء إلا أن الجزئية فيه ليست ملحوظة ولذا صح الإخبار بالجزئى عن الكلى، واعلم أن أصل الكلام فى حمل الكل على أجزائه أو الكلى على جزئياته فالمناسب له أن يقول احترز بالحيثية المذكورة عن الجزء لا من هذه الحيثية فيصح أن يحمل عليه الكل، وقال الهروى: هذ الحيثية مانعة من صحة الحمل بين الكل والجزء سواء كان الكل موضوعًا أو محمولًا ومع قطع النظر عن تلك الحيثية قد يتحقق صدق الكل وحمله على جزئه.
[ ١ / ٣٧ ]
قوله: (ويكون كل قسم) أى مفهومه لا ذاته وما صدق عليه.
قوله: (ويحتمل أن يقدر ما يتضمنه. . . إلخ) أشار بهذا التعبير إلى ضعفه ومرجوحيته بالنسبة لما ذكر أولًا وأيد هذا الاحتمال بقوله كما أشار إليه حيث قال فى وجه الحصر فيقال: ما يتضمنه الكتاب. . . إلخ. وحيث جوز اعتبار ما يتضمنه الكتاب فقد جوز اعتبار ما يتضمنه العلم.
قوله: (فيجعل من تقسيم الكلى إلى جزئياته) أى لأن المتبادر مما يتضمنه أخذه بصفة الأمر الكلى وإلا لم يبق للتقدير فائدة لأن مجموع ما يتضمنه الكتاب أو العلم هو عينه فلا يقال: إن كلمة ما مما يتضمنه يحتمل أن تكون باعتبار الشمول للكل وأن المراد المجموع فيكون الحصر من تقسيم الكل إلى أجزائه لا من تقسيم الكلى إلى جزئياته.
قوله: (وهو جزء لمفهومها) نقل عنه وإنما قال لمفهومها؛ لأنه لا يجب كونه داخلًا فى حقيقة الأقسام كما فى تقسيم الخواص كقولنا: الماشى إما كاتب أو ضاحك. اهـ. أراد بالأقسام الأفراد لا مفاهيمها.
قوله: (فإذا جعل الضمير للمختصر) أى إما باعتبار الظاهر أو بتقدير ما يتضمنه يدل على ذلك قوله: والاقتصار عليه ثانيًا فإن ذلك الاقتصار هو فى قوله: فيقال: ما يتضمنه الكتاب ويدل عليه أيضًا قوله: وجزئيات لما يتضمنه.
قوله: (لعدم الاحتياج إلى الاعتذار) أى بما فيه غاية التكلف فلا يرد أنه على تقدير رجوع الضمير إلى المختصر أو ما يتضمنه يحتاج إلى الاعتذار بما لا كبير تكلف فيه؛ وذلك لأن المختصر وما يتضمنه عبارة عن الألفاظ باعتبار دلالتها على المعاني على الراجح والمبادئ وسائر الأقسام ليست من قبيل الألفاظ وحاصل الاعتذار المحتاج إليه على جعل الضمير للعلم أو ما يتضمنه بخلاف ما إذا رجع للمختصر أو ما يتضمنه أن المبادئ بمعنى ما يتوقف عليه العلم ذاتا كاستمداده أو تصورًا كحده أو شروعًا كمعرفة غايته، كلها أجزاء للمختصر وجزئيات لما يتضمنه وليس كلها أجزاء للعلم ولا جزئيات لما يتضمنه لأن تصور العلم والتصديق بغايته خارجان عن العلم والذي منه إنما هو الاستمداد الذى هو بعض المبادئ فيحتاج إلى الاعتذار بارتكاب التغليب كما قال الشارح.
قوله: (ولأن الأنسب. . . إلخ) وذلك لأن العرف جار بتأخير حصر الشئ عن
[ ١ / ٣٨ ]
تعريفه بناء على كفاية تصوره بالوجه فى بيان الحصر والمراد بالعلم المبين حصره هنا هو المراد به فى التعريف الآتى لأن شموله للحد وما معه من المبادئ بطريق التغليب فلا يرد ما قاله الهروى.
قوله: (وإن جعل الضمير للعلم) أى من غير تقدير ما يتضمنه أو بتقديره كما تقدم فى نظيره.
قوله: (ينبنى عليها) أى على التصورات والتصديقات إثبات مسائله وأهلية الموضوع أى التصديق بوجوده داخلة فى المبادئ التصديقية؛ لأنه مما ينبنى عليه المسائل لتوقف إثبات الأعراض الذاتية للموضوع عليها إذ ما لم يحصل التصديق بوجود الموضوع لم يمكن إثبات الأعراض له فالمراد بابتناء المسائل على المبادئ التصديقية توقفها عليها فى الجملة سواء كانت تلك المبادئ أجزاء قياسات العلوم أو لا.
قوله: (لدخوله فيه قطعًا) أى أنه لا بد من دخول ما يتضمنه العلم فى العلم وحده وغايته خارجان عنه فلا يصح أن يكونا من جزئيات ما يتضمنه العلم حقيقة.
قوله: (فلا يبعد تغليبها عليها) أى تغليب الاستمداد مع الأجزاء الثلاثة على المبادئ التى هى غير الاستمداد غير بعيد.
قوله: (وما قيل. . . إلخ) أى على أن الاستمداد مع كثرته جزء والقائل السعد فى حاشيته وقصد السيد رده بأنه توهم ووجهه: أن قول الشارح: أما إجمالًا فببيان أنه من أى علم استمد. . . إلخ، مع قوله: وأما تفصيلًا. . . إلخ، صريح فى أن مراده هو أن بيان الاستمداد قسمان لا أن بيان أنه من أى علم يستمد استمداد وقال ميرصدر: أنت خبير بأن البيان الإجمالى يغاير التفصيلى وأن الداخل هو الثانى لا الأول فعد الاستمداد مطلقًا جزءًا وحصر الخارج فى معرفة الحد والغاية فيه ما فيه.
قوله: (لجواز اشتماله على أهلية الموضوع) أى: اشتمال العلم على إثبات وجود الموضوع.
قوله: (من ركاكة المعنى) هى أن انحصار العلم المورد فى المختصر فى الأمور الأربعة انحصار للمختصر حقيقة وأولًا وبالذات فى هذه الأمور الأربعة فإرجاع
[ ١ / ٣٩ ]
الضمير إلى العلم وإسناد الانحصار إليه ركيك ضعيف. اهـ. ميرصدر.
قوله: (بالمعنى المذكور) وهو ما يتوقف عليه العلم ذاتًا أو تصورًا أو شروعًا وفيه إشارة إلى أن المبادئ تطلق بغير ذلك وهو كذلك؛ لأنها عند المنطقيين ما ينبنى عليه مسائل العلم من التصورات والتصديقات فإدخال المقدمات من الحد والغاية فيها تغليب عند المناطقة.
قدس سره: (المتعلقة باستنباط الأحكام) أى: لا مباحث الأدلة مطلقًا لأنها من غير هذا الوجه ليست من الأصول.
قوله: (والاستدلال) هو فى الاصطلاح دليل ليس نصًا ولا إجماعًا ولا قياسًا وقد جعله المصنف ثلاثة أشياء تلازم بين حكمين من غير تعيين علة واستصحاب وشرع من قبلنا.
قوله: (وهى ما عداها) كقول الصحابى بالنسبة لصحابى آخر فإنه ليس بحجة اتفاقًا وبالنسبة لغيره ليس حجة على المختار وكالاستحسان والمصالح المرسلة.
قوله: (وبما يقابله. . . إلخ) أى: أن المتعلق بالاجتهاد عام شامل لتعلق ما يقابله وتعلق ما يستند إليه وهو الإفتاء وما يستند إلى مقابله وهو الاستفتاء، وإنما أريد ذلك لئلا يخرج مباحث التقليد والاستفتاء والإفتاء مع أنها جعلت جزءًا من المختصر أو العلم ولا يتيسر اندراجها فى سائر الأقسام.
قوله: (وبما يتوقف عليه من التعارض) إنما توقف الترجيح عليه لأن ترجيح بعض الأدلة الظنية على بعض إنما يكون عند التعارض وقوله: أو بما يعادله أى يعادل الترجيح ويماثله وقوله: من التوقف أى فى الحكم وقول: أو التخيير أى فيه فالمراد بتعلقها بالترجيح ما يشمل ذلك لئلا يبطل الحصر.
قوله: (ولو جعلت. . . إلخ) عليه يكون فى قول الشارح وإنما يكون منها استخدام.
قوله: (حيث ذكر. . . إلخ) تعليل للتقييد بقوله بالذات، وأما القيد الآخر وهو قوله من الفن فمن الواقع ونفس الأمر.
قوله: (حيث ذكر فيما وقع. . . إلخ) أى فى بيان ما وقع. . . إلخ. وهذا بناء على الظاهر فلا يرد أن الذى وقع فى مقابلة المبادئ هو الاجتهاد بمعنى مسائله والاستنباط المذكور الآن المراد به نفسه لما علمت من أن المراد ما ذكر فى بيان ما
[ ١ / ٤٠ ]
وقع لا نفس ما وقع وأنه بناء على الظاهر.
قوله: (فما قيل) قائله الأبهرى وحاصله: أنه جعل الاستنباط مقصودًا بالعرض والمقصود بالذات هو المسائل واستدل على ذلك بذكره أن الاستنباط مقصود فى هذا المحل وفى قوله: وهو الاستنباط المقصود وأنه غرض لقوله ولما كان، الغرض منه الاستنباط مع جعل مسائله مقصودة بالذات وقد رده المحشى بأنه وساقط فاسد أما سقوطه فلما بين من أن الظاهر أن المراد المقصود بالذات حيث ذكر فى بيان ما وقع بإزاء المبادئ التى هى مقصودة فى الجملة وأما الفساد فلأن جعل المسائل مقصودة بالذات والغرض مقصودًا خلاف الصواب بل المقصود بالذات من الفن هو الغرض وأما المسائل فمقصودة بالعرض وجعلها هنا مقصودة بالذات نظرًا إلى المبادئ التى هى وسيلة إليها فلا ينافى أنها بالنسبة إلى الغرض مقصودة ثانيًا وبالعرض.
قوله: (وما ينتمى إليها) أى من أحكام الوضع قوله: ولم يرد أن العقل. . . إلخ. أى: فليست "ال" فى الأحكام للاستغراق.
قوله: (من أنه صواب دائمًا) أى بناء على أن حكم اللَّه فى كل حادثة ما أدى ظن المجتهد إليه فهو حكمه فى حقه وحق مقلده وقوله: أولًا أى بناء على أن حكم اللَّه فى الحادثة معين فمن أصابه وإن مصيبًا ومن أخطأه كان مخطئًا وإن كان غير مؤاخذ بل مأجور.
قوله: (مردد. . . إلخ) تفسير لقوله: عقلى، وقوله أى ما لا يكون كذلك تفسير لقوله: استقرائى فظاهره أن حصر الحصر فى العقلى والاستقرائى عقلى لأنه مردد بين النفى والإثبات ويجزم العقل بمجرد ملاحظته به وذلك ينافى ما نقل عن المحشى فى حاشية الحاشية من قوله وكذا التقسيمة أيضًا استقرائى إشارة إلى تقسيم الحصر إلى العقلى والاستقرائى، وجوابه: أن قول المحشى فيستند. . . إلخ، تفسير لقوله ما لا يكون كذلك وصرف له عن ظاهره من النفى المقابل للإثبات فى قوله فى بيان الحصر العقلى مردد بين النفى والإثبات. . . إلخ. فكأنه قال واستقرائى وهو ما يستند انحصاره إلى التتبع فلم يكن حصر الحصر فى العقلى والاستقرائى مرددًا بين النفى والإثبات فصح قوله فى حاشية الحاشية أنه استقرائى لكن يرد على ذلك أن الحصر قد يكون ثابتًا بالبرهان كحصر المفهوم فى الواجب
[ ١ / ٤١ ]
وقسيميه وقد يكون محتاجًا إلى ملاحظة مقدمة أجنبية كقولنا الشئ إما موجود بوجوده الخاص أو غير موجود أصلًا فإنه يحتاج إلى ملاحظة امتناع كون الشئ موجودًا بوجود غيره، وأجيب بأن المراد حكى الحصر المشهور فى العقلى والاستقرائى وما ذكر وإن كان من الحصر لكنه غير مشهور على أن حصر المفهوم فى الواجب وقسيميه حصر عقلى يجزم العقل به بمجرد ملاحظة أطرافه ثم: إن المحشى فى حاشية الحاشية قال: القسمة إن كانت عقلية فهي بديهية لا تحتاج إلى دليل وإن كانت استقرائية فدليلها أنه لو كان هناك قسم آخر لوجد بالتتبع لكن التالى باطل فكذا المقدم والملازمة ظنية أى هذه الملازمة من حيث هى ظنية لأن عدم الوجدان لا يدل على عدم الوجود فاعترض بأن الحصر الاستقرائى قد لا يحتاج إلى دليل كحصر القرآن فى سورة والكتاب فى أبوابه فإنه استقرائى بتتبع الجزئيات أو الأجزاء ويجزم به العقل بمعونة من الحس من غير احتياج إلى الدليل ولو سلم فالملازمة قطعية، وأجيب بأن مجرد تتبع الجزئيات أو الأجزاء غير المحصورة عقلًا وإن بولغ فيه لا يفيد الجزم بالانحصار بل الظن بواسطة الدليل المذكور فهذا هو الحاصل من الاستقراء والزائد عليه من آخر خارج عنه.
قوله: (سواء كان فى الجزئيات. . . إلخ) أى: سواء كان الانحصار المستند إلى التتبع والاستقراء فى الجزئيات كانحصار الدلالة اللفظية فى الوضعية والطبيعية والعقلية فإنه بالاستقراء فإن دلالة اللفظ إذا لم تكن مستندة إلى الوضع ولا إلى الطبع لا يلزم أن تكون مستندة إلى العقل فقط لكن استقرأنا فلم نجد غير هذه الأقسام الثلاثة.
قوله: (والمقصود من القسمة. . . إلخ) المراد بها هنا الانحصار فى الأقسام وحاصل ما أشار إليه الفرق بين الاستقراء هنا والاستقراء المقابل للقياس والتمثيل باختلاف المقصود من كل.
قوله: (فإنها إنما تتصور. . . إلخ) أدمج فيه أنه لو كان المراد بالاستقراء هنا هو المقابل المذكور للزم الدور كما صرح بذلك فى حاشية الحاشية، وذلك أن الاستقراء بمعنى الاستدلال بأحكام الجزئيات على حكم الكلى متوقف على حصر الكلى فى جزئياته فلو كان الاستقراء هذا بهذا المعنى وجعل دليلًا على القسمة بمعنى انحصار المقسم فى أقسامه لكان الانحصار المذكور متوقفًا على الاستقراء
[ ١ / ٤٢ ]
المتوقف على ذلك الانحصار وهذا دور.
قوله: (فمن قال ذلك) أى الاستقراء والقائل السعد وقوله: على تشبيه الأجزاء. . . إلخ. أى لأن الاستقراء المتعارف إنما هو الاستدلال بالجزئى على الكلى وقد أطلق على الاستدلال بالجزء على الكل وقوله: أو على أن الأمور المذكورة. . . إلخ. أى فيكون الاستقراء بمعناه المتعارف.
قوله: (معناه لغة) هو المراد هنا لكن لا بمعنى الاستدلال كما قال.
قوله: (فقد ركب شططًا) أى تجاوز الحد وقد نقل عن المحشى أنه قال: كيف وصورة الاستقراء أن يقال: جزء العلم أو الكتاب إما هذا أو ذاك وكل الواحد منهما ثبت له الحكم الفلانى فكل ما هو جزء منه ثبت له ذلك الحكم ولا شك فى توقفه على التقسيم فلو أثبت به كان دورًا. اهـ.
قوله: (لخرج المبادئ وحدها) أى لخرج من القسمة المذكورة المبادئ وحدها لانطباق القسم غير المقصود بالذات ويتوقف عليه المقصود بالذات عليها وحدها ولا يشمل ما هو ساقط عن درجة الاعتبار.
قوله: (ويبقى الإرسال) أى عدم التقييد بالمقسم فى القسم الأخير قد يقال: إن ما يتضمنه الكتاب أو العلم ليس محصورًا فى ذاته بقطع النظر عن الواقع على ما يتوقف عليه المقصود بالذات والمقصود بالذات إذ يجوز أن يكون منه ما كان غيرهما فيكون الإرسال فى موضعين لا فى القسم الأخير فقط.
قوله: (وكان أشبه بالحصر العقلى) أى لذكر الترديد بين النفى والإثبات فى جميع الأقسام بخلاف ما ذكره الشارح فإن قوله: أو عما تستنبط هى منه ليس كذلك.
قوله: (إما مطلقًا) أى لا باعتبار التعارض فصح أن يقابل بقوله: أو باعتبار التعارض وإلا فالمطلق لا يقابل المقيد إذ هو فرد منه.
قوله: (نظرًا إلى الظاهر) ولم ينظر إليه فى الأحكام لأنها فى طرف الثبوت بخلاف الترجيح والاجتهاد ففي طرف الإثبات كالأدلة التى هى الموضوع فى الحقيقة.
قوله: (وإذا عرف أحوال. . . إلخ) غرضه دفع ما يقال: بقى من أجزاء العلم معرفة أحوال الأدلة التفصيلية.
[ ١ / ٤٣ ]
قال: (فالمبادئ حده وفائدته واستمداده).
أقول: قد ذكر من مبادئ العلم ثلاثة أمور:
أحدهما: حده؛ لأن كل طالب كثرة تضبطها جهة وحدة حقه أن يعرفها بتلك الجهة إذ لو اندفع إلى طلبها قبل ضبها لم يأمن أن يفوته ما يعنيه ويضيع وقته فيما لا يعنيه.
ولا شك أن كل علم مسائل كثيرة تضبطها جهة وحدة باعتبارها تعد علمًا واحدًا يفرد بالتدوين والتعليم.
ومن تلك الجهة يؤخذ تعريفه فإن كان حقيقة ومسمى اسمه ذلك كان حدًا له وإلا فلا بد أن يستلزم تميزها فيكون رسمًا له فإذًا لا بد لكل طالب علم أن يتصوره أو لا يحده أو يرسمه ليكون على بصيرة فى طلبه فإن من لم يتصور كذلك ركب متن عمياء وخبط خبط عشواء.
وثانيهما: فائدته ليخرج عن العبث وليزداد جد طالبه فيه إذا كانت مهمة ولئلا يصرف فيه وقته إذا لم يوافق غرضه.
وثالثها: استمداده إما إجمالًا فببيان أنه من أى علم يستمد ليرجع إليه عند روم التحقيق وإما تفصيلًا فبإفادة شئ مما لا بد من تصوّره وتسليمه أو تحقيقه لبناء المسائل عليه.
قوله: (قد ذكر من مبادئ العلم) أى مما يبدأ به قبل الشروع فى مقاصد العلم سواء كانت خارجة عنه وتسمى مقدمات كمعرفة الحد والغاية وبيان الموضوع والاستمداد، أو داخلة وتسمى مبادئ كتصور الموضوع والأعراض الذاتية والتصديقات التى منها تتألف قياسات العلم، إذ لو أريد بالمبادئ المصطلح عليها لم يصح جعل الحد والفائدة والاستمداد إجمالًا منها ولو أريد ما سماه المصنف مبادئ كانت كلمة وفائدته واستمداده، فاندفع ما قيل من أن المبادئ إن حملت على المصطلح لم يصح جعل الحد والغاية منها وإن حملت على ما سماه المصنف مبادئ كانت كلمة من لغوًا؛ لأن ما ذكر نفس المبادئ لا بعضها وأجيب أيضًا باختيار الشق الثانى وهو أنها للبيان قدم على المبين وإنما لم يذكر الموضوع فى المبادئ لأن تصوره داخل فى الاستمداد أعنى المبادئ بالمعنى الأخص والتصديق بموضوعيته من
[ ١ / ٤٤ ]
مقدمات الشروع على بصيرة فاكتفى عنه بالحد من لغوًا؛ لأن الأمور المذكورة نفس المبادئ لا بعض منها.
قوله: (حقه أن يعرفها) أى الأنسب بحاله والأعون على تحصيل مراده لأن ما ذكر من قوله لم يأمن. . . إلخ. لا يفيد اللزوم، ولذا قال فى آخر الكلام ليكون على بصيرة فى طلبه.
قوله: (كل علم مسائل كثيرة) لا شك أن من أجزاء العلم الموضوعات أعنى التصديقات بهيئتها، ومنها المبادئ التصورية والتصديقية على ما مر لكن لما كان كلامه فيما هو المطلوب فى العلم والمقصود منه اقتصر على ذكر المسائل.
قوله: (فإن كان حقيقة مسمى اسمه ذلك) ينبغي أن يعلم أن جهة الوحدة للعلم بالذات والحقيقة هو الموضوع لا غير، لأنه لا معني لكون هذا علمًا وذاك علمًا آخر سوى أنه يبحث هذا عن أحوال شئ وذاك عن أحوال شئ آخر ثم بتبعية ذلك يكون لهذا تعريف أو غاية أو خاصة، ولذاك تعريف آخر أو غاية أو خاصة فحدّه الحقيقي ما يؤخذ من الموضوع بأن يقال هو علم يبحث عن أحوال كذا وكذا وهذا تصور لمفهوم العلم وحقيقته وأما ذاته وهويته فهو التصديق بالمسائل على التفصيل، ولا خفاء فى أن جهة الوحدة لا يلزم أن تكون محمولة كالموضوع والغاية ولا خاصة لازمة بينة فالشارح إن أراد حصر جهة الوحدة فى الحد والرسم فليس بصحيح، وإن أراد حصر التعريف المأخوذ منها فيهما فالتقريب غير تام لأن الاحتياج إلى معرفة جهة الوحدة لا يوجب الاحتياج إلى التصور بالحد والرسم؛ لجواز أن يعرف بجهة أخرى وتحصل البصيرة باعتبارها.
قوله: (ليخرج عن العبث) أى الفعل لا لفائدة لأنه إذا لم يعرف فائدة العلم ربما يكون عابثًا فى طلبه، والفائدة اسم للغاية من حيث حصولها من الفعل والغرض اسم لها من حيث كونها مقصودة للفاعل فربما لا يتوافقان، كما إذا حاول الاحتراز عن الخطأ فى الفكر واشتغل بعلم النحو.
قوله: (عند روم التحقيق) يعنى أن المبادئ الغير البينة لعلم الأصول مثلًا المبينة فى علم آخر وإن كان تسليمها كافيًا فى الأصول لكن عند قصد الحقيقة والإحاطة بدلائله، بحيث لا يبقى شئ من المقدمات غير مبين عند المستدل يلزم الرجوع إلى العلم الآخر.
[ ١ / ٤٥ ]
قوله: (مما لا بدّ من تصوّره) كالأشياء المستعملة فى العلم من الموضوع وأجزائه وجزئياته وأعراضه الذاتية، ومن تسليمه كالتصديقات الغير البينة التى تبين فى علم آخر أو فى هذا العلم لكن بمسائل لا يتوقف عليها لئلا يلزم الدور، أو من تحقيقه كالتصديقات البينة التى يجب قبولها وتسمى القضايا المتعارفة.
قوله: (قد ذكر من مبادئ العلم) نبه بلفظة من التبعيضية على أن المبادئ بالمعنى الأعم المقصود ههنا ليست منحصرة فيما ذكر لاندراج الموضوع فيها قال المصنف فى المنتهى فالمبادئ حده وموضوعه، وأما أهليته وإن عدت من أجزاء المعلوم فلأن ثبوت الكتاب والسنة معلوم من الدين ضرورة والإجماع يستدل عليه من بابه.
قوله: (لأن كل طالب كثرة) الطلب فعل اختيارى لا يتأتى إلا بإرادة متعلقة بخصوصية المطلوب موقوفة على امتيازه عما عداه، فإن كان واحدًا فلا بد من تصوره كذلك إذ لو لم يتصوره أصلًا امتنع طلبه قطعًا وإن تصوره باعتبار أمر شامل وقصد تحصيله فى ضمن جزئى لا بعينه فربما أداه إلى ما ليس بمطلوب، وإن كان متكثرًا فإما أن لا يكون لتلك الكثرة جهة وحدة تضبطها وتجعلها شيئًا واحدًا وتميزها عما سواها فيجب عليه تصور كل واحد على قياس ما سبق، وإما أن يكون لها تلك الجهة فحقه أن يعرفها باعتبارها إذ لو لم يتصورها بوجه استحال طلبها وأن توجه إلى تصور كل واحد منها بخصوصه تعذر عليه أو تعسر ولذلك قال: حقه دون أن يقول: عليه، أن يعرفها إلى غير ذلك مما يدل على وجوبه وتعينه وإن تصورها بما يعمها وغيرها لم تتعلق الإرادة بخصوها، ولو اندفع إلى طلبها من حيث إنها جزئى للمفهوم العام قبل ضبطها بجهة الوحدة لم يتميز عنده المطلوب، ولم يأمن أن يؤديه الطلب إلى غيره فيفوت ما يعنيه ويضيع عمره فيما لا يعنيه، ومن حمل كلامه على الوجوب زاعمًا أن ترك معرفتها من تلك الجهة والعدول إلى معرفتها من جهة أخرى يتضمن خوف فوات المطلوب وتضييع العمر ودفعه واجب عقلًا، فإن أراد أنه لا بد منه فى تحصيله فقد ظهر بطلانه، وإن أراد ما يتوقف على قاعدة التحسين فلا يناسب المقال، ولا نقول به أيضًا، وإن أراد الوجوب العرفى فمآله إلى ما ذكر من الأولوية.
قوله: (ولا شك أن كل علم) من العلوم المخصوصة المدونة، (مسائل كثيرة) لها
[ ١ / ٤٦ ]
جهة وحدة تصيرها شيئًا واحدًا، إذ الكل متشاركة فى أنها تصديقات وأحكام بأمور على أخرى وإنما صار كل طائفة من هذه الأحكام علمًا خاصًا بواسطة أمر ارتبط به بعضها ببعض وصار المجموع ممتازًا عن الطوائف الأخرى ولولاه لم تعد علمًا وحدًا ولم يستحسن إفراده بالتدوين والتعليم، ثم ذلك الأمر يحتمل عقلًا أن يكون موضوع العلم بأن يكون مثلًا موضوعات مسائله راجعة إلى شئ واحد كالعدد للحساب، وأن يكون غايته كالصحة فى مسائل الطب الباحث عن أحوال بدن الإنسان والأدوية والأغذية من حيث إنها تتعلق بالصحة، وقد يجتمعان كما فى أصول الفقه، إذ يبحث فيه عن أحوال الدليل السمعى لاستثمار الأحكام ويحتمل أن يكون راجعًا إلى المحمولات باندراجها تحت جامع لها على قياس الموضوع إلى غير ذلك من الاحتمالات العقلية، وإن لم يكن واقعًا والأصل الذى لا بد من اعتباره فى جهة الوحدة هو الموضوع، لأن المحمولات صفات مطلوبة لذوات الموضوعات، فإن اتحد فذاك وإن تعدد فلا بد من تناسبها فى أمر واتحادها بحسبه؛ إما ذاتى كأنواع المقدار المتشاركة فيه لعلم الهندسة، أو عرضى، كموضوعات الطب فى الانتساب إلى الصحة وكأقسام الدليل السمعى فى الدلالة على الأحكام إذا جعلت موضوعًا لهذا الفن، ومن ثمة تراهم، يقولون: تمايز العلوم بتمايز الموضوعات بأن يبحث فى هذا عن أحوال شئ أو أشياء متناسبة، وفي ذاك عن أحوال شئ آخر أو أشياء متناسبة أخرى، ولا يعتبرون رجوع المحمولات إلى ما يعمها فالموضوع إما واحد أو فى حكمه كما إذا قيس المتعدد إلى وحدة الغاية مثلًا فإن قلت قد صرحوا بأن الموضوعات أى أهليتها والمبادئ بالمعنى الأخص من أجزاء العلوم أيضًا فالمتبادر من كلامه خلافه، وأجيب أنه لما كان نظره فيما هو المقصود من العلم اقتصر على ذكر المسائل، وقد يقال: عدهما من الأجزاء إنما هو لشدة اتصالهما بالمسائل التى هى المقصودة فى العلم ولولاها لم يلتفت إلى ما عداها؛ فالمناسب أن تعتبرها وحدها حقيقة يرشدك إلى ذلك ما أوردوه تفسيرًا لمفهومات العلوم على أنه أمر اصطلاحى فلكل أن يصطلح على ما يترجح عنده.
قوله: (ومن تلك الجهة) إذا أريد تعريف علم خاص فلا بد أن يؤخذ من جهة وحدته، فإن تعددت جاز الأخذ من كل جهة والموضوع أولى ومن المجموع إذ لو أخذ تعريفه من حيث إنه متكثر لم يحصل المطلوب أعنى معرفة ما هو علم واحد
[ ١ / ٤٧ ]
من حيث هو كذلك، وأيضًا قد عرفت أن ذلك متعذر أو متعسر، فالمأخوذ إن كان حقيقة مسمى اسم ذلك العلم كان حدًا له حقيقيًا، إما تامًا إن كان تمامها، وإما ناقصًا إن كان بعضها وإلا فلا بد أن يستلزم المأخوذ تميز تلك الحقيقة لأخذه من جهة الوحدة الضابطة المميزة فيكون حدًا له رسميًا، فقد ظهر أنه لا بد لكل طالب علم أى من حقه أن يتصوره أو لا بأحدهما ليمتاز عنده فيصح توجهه إليه بخصوصه، فيكون على بصيرة فى طلبه إذ لو تصوره بما يشمله وغيره كان على متن عمياء وخبط خبط عشواء، والحاصل أن حق الطالب أن يتصوره بتعريفه المأخوذ من جهة وحدته، فإن ذلك أزيد لبصيرته وأسهل فى معرفته، فإن قلت: ما فائدة ذكر الاسم وهلا قال حقيقة مسماه؟ قلت: لأن حقيقة العلم كما عرفت مسائل كثيرة، فإدراكها بحدها إنما يكون بتصور خصوصيات المسائل التى هى أجزاؤها، وقد بان تعذره فالمطلوب تصور مدلول اسمه المطابقى ومسماه الحقيقى الذى هو عارض للمسائل باعتبار وحدتها فالمأخوذ إن كان تفصيلًا له كان حدًا له بحسب الاسم، وإلا فهو رسم له بحسبه، وأما بالقياس إلى حقيقة العلم فرسم.
قوله: (وثانيها فائدته) من حق كل طالب علم أن يعرف فائدته المترتبة عليه المقصودة منه أى يعتقد ذلك إما جزمًا أو ظنًا إذ لو لم يصدق بفائدة ما فيه استحال إقدامه عليه وإن اعتقد ما لا يعتد به مما يترتب عليه عد كده عبثًا عرفًا وإن اعتقد باطلًا فربما زال فى أثناء سعيه فكان عبثًا بلا فائدة فى نظره.
واعلم أن كل حكمة ومصلحة تترتب على فعل تسمى غاية من حيث إنها على طرف الفعل ونهايته وفائدة من حيث ترتبها عليه فتختلفان اعتبارًا وتعمان الأفعال الاختيارية وغيرها، وأما الغرض فهو ما لأجله إقدام الفاعل على فعله ويسمى علة غائبة له ولا يوجد فى أفعاله تعالى، وإن جمة فوائدها وقد يخالف فائدة الفعل كما إذا أخطأ فى اعتقادها وما قيل من أن المقصود يسمى غرضًا إذا لم يمكن للفاعل تحصيله إلا بذلك الفعل فاصطلاح جديد لم يعرف سنده لا عقلًا ولا نقلًا.
قوله: (وثالثها استمداده) يعنى ما يتوقف عليه المسائل تصورًا أو تصديقًا وبيانه إن كان غير ضروري على وجهين، أما الإجمالى فقد أفاده المصنف بقوله: وأما استمداده فمن الكلام إلى قوله: وإلا جاء الدور وذلك ليرجع إليها إذا أريد التحقيق إذ يقصر عنه تسليم المبادئ المبينة هناك وعقبه بالتفصيلى وهو أن يفاد شئ
[ ١ / ٤٨ ]
مما لا بد من إدراكه؛ فإن كان تصورًا فذاك وإن كان تصديقًا فلا بد من أحد الأمرين إما تسليمه إن كان قريبًا من الطبع يسكن إليه التعلم وإما تحقيقه إن لم يكن كذلك؛ فينقل من برهانه ما يحققه بقدر ما يمكن معه بناء المسائل عليه وما قيل من أن التصور بين ذاته بديهيًا كان أو كسبيًا والتصديق البديهى يتحقق فى هذا العلم والكسبى يتسلم فيه ويتحقق هناك، يرد عليه أن البديهى لا يحتاج إلى بيان وتحقيق وإن صدر به بعض العلوم.
قوله: (فالمبادئ حدّه) أى حده الاسمى لأن التحقيق أن أسماء العلوم موضوعة بإزاء مفهومات كلية، ومن قال إن تلك الأسماء موضوعة بإزاء المسائل أو تصديقات متعلقة بها أو الملكة والأمر فى التحديد والتعريف باعتبار (^١) أنه مشكل، أو المذكور فى مقام التعريف مفهوم على وله فرد هو المسائل وليس ذلك الفرد فردًا للمحدود الذى هو العلم أى المسائل ولا تكون المساواة بين الحد والمحدود، قيل: إذا وقع التحديد بالأمور الخارجية فالحد هو الخارج المفصل والمحدود هو ذلك الخارج المجمل كما إذا عرّفنا الإنسان بالحيوان الضاحك، فالحد هو الحيوان الضاحك والمحدود هو حقيقة الإنسان باعتبار ذلك الوجه وتجب المساواة بين هذا الحد وبين الإنسان باعتبار ذلك الوجه وحاصله اشتراط المساواة بين الحد وبين ذلك الوجه الإجمالى ومن قال اسم العلم موضوع بإزاء المسائل وليس له مفهوم كلى قال إن المحدود ههنا هو الوجه الإجمالى وهو مساو للتفصيلى الذى هو الحد.
قوله: (وفائدته) أى التصديق بأن الشئ الفلانى فائدة تترتب عليه فإن الفائدة المطلقة والعلم بترتبها عليه بأن يعتقد أن هناك فائدة من غير ملاحظة خصوصية لا يمكن الشروع بمجردها، والفائدة التى هى فائدته فى نفس الأمر لا تجب فى الشروع كذا ذكره بعض الأذكياء، والمفهوم من بعض المواضع أن الشارع يكفى فى شروعه التصديق بأن فى الفعل الشروع فيه فائدة ولا تجب ملاحظة خصوص فرد منها.
_________________
(١) قوله: باعتبار أنه. . . إلخ. هكذا فى الأصل وحرر العبارة فإنها لا تخلو من تحريف. كتبه مصحح طبعة بولاق.
[ ١ / ٤٩ ]
قوله: (قد ذكر من المبادئ ثلاثة أمور) قد اختلف مقالتهم بسبب ذكر لفظة "من" والمصنف ذكر فى هذا الكتاب أن مبادئ العلم هذه الأمور الثلاثة وذكر فى كتابه الآخر أنها أمور أربعة وبعضهم قال لفظة من ههنا للتبعيض إذ الموضوع أيضًا من المبادئ، وبعضهم قال لفظة من للبيان وعدم اعتبار الموضوع قسمًا على حدة مبنى على أن تصوره من الاستمداد والتصديق بموضوعيته مستغن عنه وأهليته غير مذكورة فى بابها إذ هى معلومة فى غيره، والأولى هو الثانى لأن المراد بالمبادئ بها يتوقف عليه المقصود ذاتًا أو شروعًا، والتوقف بالنسبة إلى الحد والغاية ظاهر لأن الشارع الطالب يجب أن يتصور العلم بأمر مختص به وإلا لم يكن طالبًا له إذ لو تصوره بأمر الأعم مثلًا لا يمكن له الطلب لهذا الأمر الخاص بل مطلوبه على هذا التقدير ما يصدق عليه ذلك الأعم وجميع الخواص فيه مساوية فإذا وجد واحد وجد المطلوب ولو سلم أن الشروع يمكن بدون الأمر المختص فالشروع على البصيرة يتوقف عليه، ويجب على الشارع أن يتصور له فائدة لأن الشروع فعل اختيارى ولا بد فيه من تصور فائدة وأما التوقف على الموضوع فليس بثابت إذا أريد التصديق بالموضوعية، وإن أريد التصور فهو داخل فى الاستمداد وإن أريد أهليتها فهى ليست مما يتوقف عليه الشروع ويكون من المبادئ كما ذكره سابقًا فهى مما يتوقف عليه الذات ومنه الاستمداد.
قوله: (قدّم على المبين) يعنى أن لفظة من إذا كانت للبيان فالظاهر تأخيرها عن المبين ولذا قال السائل: إن كلمة من لغو لأن معنى التبعيض فاسد مع أن عدم صحة إرادة التبعيض لا يستلزم كونها لغوًا لجواز إرادة معنى آخر والنكتة فى تقديمه أن المبدئية ههنا أهم لأنه فى بيان التعليل على المبدئية للأمور الثلاثة واعتبار كونها ثلاثة لأجل تعليل كل منها على حدة، وأيضًا لو أخر البيان لصار بمنزلة الوصف والأظهر من التركيب التوصيفى فى الكلام أن يكون معلومًا للسامع مسلمًا عنده مع أن الشارح يكون بصدد التعليل لإثبات كون الأمور الثلاثة من المبادئ ولفظة من البيانية تقتضى أمرًا مبهمًا فى ذاته سواء كان مقدّمًا أو مؤخرًا ولا يلزم أن يقصد من ذكر المبهم شوق النفس إلى ما قصد حتى يجب تأخر البيان بل قد يقصد منه إثبات معنى للمفصل وهو ههنا كون المبادئ الثلاثة.
قوله: (فاكتفى عنه بالحد) لقائل أن يقول: يجب الاكتفاء بالتصديق بالفائدة أمر
[ ١ / ٥٠ ]
مختص بالمطلوب يوجب تميزه عن الطالب قيل لا نسلم الاختصاص إذ يجوز حصولها من شئ آخر سلمنا ذلك، لكن لا يمكن الاكتفاء بالتصديق بالفائدة لأن التصديق باعتبار نفسه لا يفيد بصيرة وتميزًا فى المطلوب فإنا إذا حكمنا على رجل بأنه عالم يكون الرجل فى هذا التصديق باقيًا على عمومه لا يتقيد بالمحمول ولا يتميز فيه بعض عن بعض، وبعد ذلك يجعله الحاكم مقيدًا بالعالم ويقول الرجل الذى هو عالم وبصير باعتبار ذلك آلة لملاحظة البعض ويتميز ذلك البعض عنده وهذا حاصل التعريف فالحد يكون ضروريًا فى الشروع بالبصيرة فإن اعتبر كون التصور بالوجه من مقدمات الشروع وذكر الحد لتحصيل ذلك المطلق فالتصديق بالفائدة بعد الحد قطعًا باعتبار ذلك المطلوب، وحاصل ما ذكره فى الجواب أن المصنف لم يذكر الموضوع فى المبادئ على وجه يكون قسمًا على حدة كما ذكره فى كتابه الآخر بأن يقول فالمبادئ حده وغايته وموضوعه واستمداده وأنه جعل المبادئ عبارة عن الأمور الثلاثة، فصح جعل من بيانية لأن الموضوع إذا ذكر على هذا الوجه يحتمل أمورًا ثلاثة إرادة تصوره أو التصديق بموضوعية الموضوع أو التصديق بوجوده أما الأول فهو داخل فى الاستمداد وأما الثانى والثالث فليس شئ منهما بتمامه مذكورًا فى الكتاب فلا يصح ذكر الموضوع فى عنوان الكلام، وأنت إذا نظرت فى هذا الجواب لا تجد شيئًا يدل على أن المبادئ بحسب المفهوم لا تتناول الموضوع بل فيه استعذار لعدم ذكر بعضه فى الكتاب فيجوز أن يكون لفظ المبادئ المذكور فى تقسيم الكتاب إلى أجزائه له مفهوم عام شامل لما هو جزء من الكتاب ولغيره، ثم إذا شرع فى تفصيل أجزاء الكتاب يجب أن يقيد ذلك العام على وجه لا يتناول غير الجزء إذ تفصيل ذلك الغير لا يكون مطلوبًا، كما إذا قلنا الحيوان إما أبيض أو أسود والأبيض الذى هو من الحيوان حاله كذا فإذا قال فالمبادئ يجب أن يقصد منه المبادئ المذكورة فى الكتاب وليس فيه ركاكة قطعًا.
قوله: (وأما أهليته وإن عدّت) أى وأما عدم ذكر الموضوع باعتبار أهليته حال كونها من أجزاء العلوم فوجهه ما ذكر، وحاصل هذا الجواب تركها فى الكتاب والترك حال كونها جزء من العلم مستبعد بالنسبة إلى تركها حال كونها غير جزء والأمر فى عدم ذكر القياس سهل.
قوله: (موقوفة على امتيازه عما عداه) يعنى أن الطالب يجب عليه أن يتصور
[ ١ / ٥١ ]
مطلوبه إما بخصوصه من غير أن يجعل مفهوما كليًا آلة لملاحظته هو بأمر صادق عليه مختص به فإن كان المطلوب واحدًا فلا بد من تصوره كذلك إذ لو لم يتصوره أصلًا امتنع طلبه وإن تصوره فى ضمن مفهوم عام فلا يتعلق به إرادته وإن تصوره بأمر عام وقصد تحصيل ذلك العام فى ضمن فرد منه لا بعينه فربما آداه إلى ما ليس بمطلوب وأنت خبير بأن تلك الأقسام الثلاثة كما تجرى فى المطلوب الكثير وسيأتى ذكرها تجرى فى المطلوب الواحد أيضًا إلا أنه ترك القسم الثانى هنا وكأنه أشار بقوله وقصد تحصيله فى ضمن جزئى لا بعينه، مع أن الظاهر انتساب قصد التحصيل إلى الخاص الذى هو المطلوب فإن ما يقصد تحصيله ليس إلا المطلوب إلى أنه إذا تصور الشئ بأمر عام لم يكن طلب ذلك الشئ وقصد تحصيله بل الذى يمكن طلبه وقصد تحصيله هو المفهوم العام فى ضمن جزئى منه.
قوله: (فربما أداه إلى مما ليس بمطلوب) ههنا بحث وهو أن الفطرة السليمة حاكمة بأنه إذ لم يتصور شئ بخصوصه لم يمكن طلبه من العاقل المختار، فإنه إذا تصور المفهوم العام والتفت إلى أفراده من غير ملاحظة خصوص فرد أو ما يختص به لا يمكن له إلا طلب فرد غير معين فكل فرد من تلك الأفراد إذا حصل له فهو مطلوبه فلا يكون التأدية إلى ما ليس بمطلوب ويمكن أن يجاب بأن تصور المطلوب باعتبار أمر شامل فقط محال مفروض وقوعه فى مقدم الشرطية لزيادة التقرير والتوضيح.
قوله: (على قياس ما سبق) أى فى المطلوب الواحد من استحالة عدم تصوره مطلقًا واستحالة تصوره فى ضمن مفهوم عام عند طلبه بخصوصه وأنت تعلم أن جهة الوحدة يجب أن تعتبر ههنا على وجه يتناول كل واحد مما هو صادق على الكثرة المطلوبة مختصًا بها حتى يصح قوله فيجب عليه تصور كل واحد؛ لأن المعلوم مما سبق وجوب تصور المطلوب إما بخصوصه أو بأمر مختص به فإذا قال إن لم يكن لتلك الكثرة جهة واحدة بمعنى أن لا يكون لها مفهوم كلى مختص لزم وجوب تصور كل واحد ولو كان المراد بجهة الوحدة ما هو أخص من ذلك لم يلزم مما سبق ومن انتفاء جهة الوحدة للكثرة وجوب تصور كل واحد لجواز أن يتصور الكثرة بخاصة لا تكون جهة الوحدة.
قوله: (ولذلك قال حقه) أى ولأجل احتمال هذا القسم قال حقه ولم يذكر
[ ١ / ٥٢ ]
عبارة دالة على الوجوب والشارح أورد فى تعليل قوله حقه أن يعرفها بتلك الجهة أمرًا واحدًا من جملة الأمور المحتملة عند عدم صرفتها بجهة الوحدة وهو قوله إذ لو اندفع. . . إلخ. والمحشى أورد جميعها ومثل ذلك واقع فى مواضع فإن قلت: ما المفرق بين قوله وأن تصورها بما يعمها وغيرها وبين قوله ولو اندفع إلى طلبها من حيث إنها جزئى للمفهوم العام قلت الفرق هو أن الأول يكون المطلوب فيه هو الخاص والعام آلة لملاحظته كما إذا كان المطلوب ماهية الإنسان لا من حيث هو حيوان فهو يتصور فى ضمن مفهوم الحيوان والثانى يكون المطلوب فيه هو العام حقيقة ونسبة الطلب إلى الكثرة باعتبار ذلك الفهوم، كما إذا كان المطلوب مفهوم الحيوان فى ضمن الفرد والإنسان مطلوب من حيث إنه جزئى منه وهذا القسم الأخير هو القسم الآخر المذكور فى المطلوب الواحد وهو قوله وإن تصوره باعتبار أمر شامل قيل الفرق هو أن الأول يعتبر فيه العموم والشمول الذى هو شمول الكل للأجزاء والثانى يعتبر فيه العموم الذى هو عموم الكلى لجزئياته وأنت تعلم أن العاقل إذا لم يتصور الشئ على وجه يتميز عما عداه يمتنع منه طلب ذلك الشئ كما سبق، فتصور المطلوب من حيث هو مطلوب فى مفهوم عام شامل غير معقول بل لو كان هنا مطلوب لم يكن إلا العام وتحققه فى ضمن فرد لا بعينه فليس فى هذين القسمين إلا فرض ما هو محال لزيادة التوضيح إذ قد ينسب الطلب إلى الخاص عند طلب العام كما يشعر به حاشية الحاشية.
قوله: (فقد ظهر بطلانه) أى من بيان الأقسام المحتملة عند عدم معرفة الكثرة بجهة الوحدة فإن قوله يتضمن خوف فوات المقصود وتضييع العمر ودفعه واجب عقلًا صحيح إذا لم يكن القسم الذى ذكره بقوله وإن توجه إلى تصور كل واحد منها بخصوصه تعذر عليه أو تعسر من الأقسام المحتملة.
قوله: (بواسطة أمر ارتبط به بعضها ببعض. . . إلخ) هذا الكلام يدل على أن المراد بجهة الوحدة يكون أخص من مطلق الخاصة والكلام السابق يقتضى تعميمه على ما سبقت الإشارة إليه.
قوله: (إذ لو أخذ تعريفه من حيث إنه متكثر) هذا الكلام يناسب التعميم فى جهة الوحدة؛ لأن عدم أخذ تعريف العلم من جهة وحدته على ما هو الظاهر من كلامه لا يوجب أخذ تعريفه من حيث إنه متكثر والمراد بالحد ههنا المعرف وإنما قال
[ ١ / ٥٣ ]
المحشى حدًا حقيقيًا وحدًا رسميًا ليطابق قول المصنف فالمبادئ حده وبيان قوله فى حاشية الحاشية فإن ذلك أزيد لبصيرته وأسهل فى معرفته أنه إذا تصور العلم بما هو مأخوذ من جهة وحدته صار كل مسألة واردة على الشارع داخلة فى العلم المطلوب متميزًا عن غيره بخلاف الخاصة التى لا تفيد ذلك وهى خاصة ثابتة لمجموع مسائله من حيث المجموع ولا يكون بحيث إذا نظر إلى ذات المسألة يعلم ارتباطها بها ويثبت تصور المأخوذ من جهة الوحدة يصير معرفة المطلوب أسهل إذ لا يشغل بما لا يعنيه.
قوله: (عد كده عبثًا عرفًا) إنما قال عد كده عبثًا ولم يقل كان كده عبثًا لأن الطالب إذا لم يعتقد فائدة العلم المترتبة عليه المقصودة منه واعتقد فائدة أخرى وهى مترتبة أيضًا وليست بقدر المشقة لا يلزم أن يكون عبثًا عرفًا، إذ العبث العرفى على ما ذكر فى حاشية الحاشية ما لا يترتب عليه فائدة أصلًا أو يترتب ما لا يعتد به ولا يصدق هذا البيان على ذلك السعى إذ يترتب عليه فائدة معتد بها وهى الفائدة المقصودة منه ولا يلزم أن لا تكون تلك الفائدة مهمة للطالب غايته أنه لم يعتقدها فإن قلت يجوز أن تكون الفائدة المترتبة المعتد بها متعددة ولا يلزم من عدم اعتقاد الفائدة المقصودة عدم اعتقاد الفائدة المترتبة المعتد بها قلت ليس المراد بالفائدة المقصودة من العلم إلا الفائدة التى يعتد بها وتحصيل منه.
واعلم أن ترتيب القيود فيما هو من حق كل طالب علم يقتضى تقديم قوله وإن اعتقد باطلًا على قوله وإن اعتقد ما لا يعتد به لكنه نظرًا إلى أنه أولى بالتأخير.
قوله: (إن كان غير ضرورى على وجهين) البيان الإجمالى فيه يتناوله الاستمداد وهو أن يقال علم الأصول مستمد من الكلام والعربية والأحكام ويستدل على ذلك يشمل البديهى والنظرى، ويجب أن يكون كذلك إذ يثبت على هذا التقرير توقف علم الأصول على ما يعد من الاستمداد مطلقًا وهو بصدد ذلك والضرورى لا يحتاج إلى البيان بمعنى إظهاره بخصوصه من الشئ بطريق النظر، وكما أن الكلام المذكور فى البيان الإجمالى يحصل منه البيان فى النظريات مع عدم النظر المتعلق بخصوصيتها يجوز أن يحصل منه مثل ذلك البيان فى الضروريات أيضًا وقوله ليرجع إليها عند روم التحقيق يجوز أن يقيد بقولنا إن كان محتاجًا إلى
[ ١ / ٥٤ ]
التحقيق بعد إثبات أن التحقيق لا يجرى فى الضرورى، لكن المحشى قد قيد البيان المنقسم إلى الإجمالى والتفصيلى بقوله: إن كان غير ضرورى لتصحيح ذكر البيان فى القسم التفصيلى إذ البيان لا يجرى فى الضرورى الواقع على التفصيل ولتصحيح قول الشارح ليرجع إليها عند روم التحقيق لأن روم التحقيق لا يكون إلا فى النظرى.
واعلم أن قول المصنف فالمبادئ حده وفائدته واستمداده يشمل جميع ما يندرج فى المبادئ بديهيًا أو نظريًا وقول الشارح: قد ذكر من مبادئ العلم ثلاثة أمور أحدها حده. . . إلخ. يكون لبيان كون كل واحد من الأمور الثلاثة مذكورا من المبادئ وبيان كون الحد مذكورا منها هو قوله؛ لأن كل طالب علم وبيان كون الفائدة مذكورا منها هو قوله ليخرج عن العبث وبيان كون الاستمداد مذكورًا منها يكون باعتبار وجهين كما بين فيه، فإن الاستمداد المذكور من المبادئ على وجهين إجمالى وتفصيلى وبيان كون الإجمالى مذكور فى أثناء المبادئ هو قوله ليرجع إليه عند روم التحقيق وبيان كون التفصيلى مذكورًا منها هو قوله لبناء المسائل عليها فلو عمم الكلام على وجه يتناول الجميع لكان أوفق.
الشارح: (لأن كل طالب كثرة. . . إلخ) بيان لكون الحد مذكورًا من المبادئ وحاصل ما أشار إليه أن كل علم مسائل كثيرة تضبطها جهة وحدة وكل ما كان كذلك فلابد لطالبه من معرفته بجهة وحدته ومن جهة وحدته يؤخذ تعريفه المعنون عنه بالحد عند الأصوليين سواء كان حدًا باصطلاح المناطقة أو رسمًا باصطلاحهم فقد أشار الشارح إلى قياس مركب من الشكل الأول أشار إلى كبراه بقوله: لأن كل طالب. . . إلخ. وأشار إلى صغراه بقوله ولا شك أن كل علم. . . إلخ.
اعترض ذلك التفتازانى بأن جهة الوحدة لا يلزم أن تكون محمولة كالموضوع والغاية فإن أراد حصر جهة الوحدة فى الحد والرسم فليس بصحيح لأن الجهة قد تكون غير محمولة كالموضوع وإن أراد حصر التعريف المأخوذ منها فالتقريب غير تام.
الشارح: (ليخرج عن العبث. . . إلخ) بيان لوجه ذكر الفائدة من المبادئ، وقوله: عن العبث أى إذا لم يعتقد فائدة أصلًا لأنه عبث ظاهر، وقوله: ويزداد
[ ١ / ٥٥ ]
جده إشارة إلى خروج ما إذا اعتقد الفائدة المترتبة عليه ولكنها غير الفائدة المقصودة منه وقوله: ولئلا يصرف. . . إلخ. إشارة إلى خروج ما إذا اعتقد فائدة أخرى غلطًا وهذان القسمان الخارجان من العبث العرفى.
التفتازانى: (وتسمى مقدمات كمعرفة الحد والغاية والاستمداد) جرى على ما تقدم له من أن بيان الاستمداد إجمالًا من المقدمات وقد علمت رده.
التفتازانى: (والتصديقات التى منها تتألف قياسات العلم) الأولى تعميمها لكل ما تنبنى عليه مسائل العلم.
التفتازانى: (لأن الاحتياج. . . إلخ) يعنى أن الدليل إنما ينتج الاحتياج إلى معروفة العلم بجهة وحدته ولا ينتج المطلوب وهو الاحتجاج إلى تعريفه بالحد أو الرسم وقد أجيب عن ذلك بأن مراد الشارح أن الأولى لطالب العلم أن يعرفه بحده أو رسمه المأخوذ من جهة وحدته لأنه أيسر الطرق لتمييزه وإن كان التمييز يحصل أيضًا بمعرفته بجهة وحدته من غير أخذ للتعريف منها فالبصيرة تحصل بمعرفته بجهة وحدته وبالتعريف المأخوذ منها وحصولها بالثانى أكمل وأسهل، فقول التفتازانى: لا يوجب الاحتياج. . . إلخ. مردود بأن المدعى ليس وجوب الاحتياج بل الأولى والأحسن وقوله: أن يعرف بجهة أخرى أى يعرف العلم بجهة أخرى غير الحد والرسم بل بمجرد ملاحظة جهة الوحدة وقوله فيكون على بصيرة هو مسلم ولكن المعرفة بالتعريف أولى، وقول الشارح، لا بد. . . إلخ. مراده الأولى والأحسن بالنسبة لمعرفته بجهة الوحدة لكن قوله: فإن من لم يتصور كذلك ينافى ذلك إلا أن يؤول بأن المراد من لم يتصور كذلك ولم يتصوره بجهة وحدته بل تصوره بما يعمه وغيره كما يؤخذ من حاشية السيد ولك أن تدفع كلام التفتازانى بأن معرفة العلم بجهة الوحدة عبارة عن معرفته بحده أو رسمه المأخوذ منها فقول التفتازانى لجواز أن يعرف بجهة أخرى أى غير الحد والرسم بأن يعرف بجهة الوحدة من غير تعريف مأخوذ منها ممنوع.
التفتازانى: (والغرض اسم لها) أى للغاية معناه أنه قد يطلق عليها وإلا لما صح قوله: فربما لا يتوافقان.
التفتازانى: (كالأشياء المستعملة فى العلم. . . إلخ) حمل التصور على التصور الساذج لا على مطلق الإدراك كما فعل قدس سره وهو مخرج على ما تقدم.
[ ١ / ٥٦ ]
التفتازانى: (أو فى هذا العلم لكن بمسائل. . . إلخ) يقال عليه حق هذا أن يدرج فى قوله: أو تحقيقه، وقوله: أو من تحقيقه كالتصديقات البينة فيه أن التصديقات البينة هى البديهية وهى لا تحتاج إلى تحقيق فالأولى ما صنعه قدس سره فهو إشارة للرد على ما صنعه التفتازانى.
قوله: (بالمعنى الأعم) هو ما توقف عليه المقصود ذاتًا أو تصورًا أو شروعًا كما سبق للمحشى.
قوله: (المقصود ههنا) أى: فى حصر ما يمكن أن يتضمنه المختصر فى الأربعة.
قوله: (ليست منحصرة فيما ذكر) أى فى هذه الثلاثة التى هى بعض المبادئ بالمعنى العام الذى سماه المصنف بالمبادئ.
قوله: (قال المصنف. . . إلخ) استدلال على اندراج الموضوع فى المبادئ عند المصنف.
قوله: (فاندفع ما قيل. . . إلخ) قائله السعد، ووجه الدفع أننا نختار أن المراد بالمبادئ ما سماه المصنف ومنع قولك كانت كلمة من لغوًا لأن ما سماه المصنف مبادئ هو المبادئ بالمعنى الشامل للأربعة فتكون الثلاثة المذكور بعضًا منها ومن للتبعيض فقوله: لأن ما ذكر نفس المبادئ لا بعضها ممنوع.
قوله: (وإنما لم يذكر الموضوع. . . إلخ) اعتذار عن عدم ذكر الموضوع استقلالًا على الوجه المذكور فى المنتهى لأن تصوره داخل فى الاستمداد فى نفس الأمر وإن لم يذكر فيه كبعض المسائل فى سائر الأجزاء إذ لم يذكر جميع مسائل الأدلة والترجيح والاجتهاد.
قوله: (وأما أهليته) أى: ثبوت الوجود له أو التصديق بثبوت الوجود له.
قوله: (والإجماع يستدل عليه. . . إلخ) فيه أن إثبات وجود الموضوع أو جزئه فى العلم مما لم يجوزوه فكيف يستدل على الإجماع فى بابه ولم يذكر القياس لعدم كونه أصلًا مستقلًا فإنه فرع الثلاثة.
قوله: (وإن تصوره) الضمير راجع إلى المطلوب باعتبار الفرض والتقدير أى على فرض أن المطلوب يكفى فيه التصور ولو بأمر عام وفرض قصد تحصيله باعتبار كونه من جزئيات العام فربما أداه إلى جزئى آخر غير ذلك المطلوب الفرضى فيفوت ذلك المطلوب الفرضى مع أنه ليس مطلوبًا حقيقة لأنه لا يكون مطلوبًا إلا إذا
[ ١ / ٥٧ ]
تصور بخصوصه وقصد تحصيله باعتبار خصوصه فقوله: وقصد تحصيله الضمير المجرور فيه عائد على المطلوب الجزئى المفروض الذى تصور بأمر عام وقوله فى ضمن جزئي. . إلخ فيه مسامحة إذ الجزئى العين لا يكون فى ضمن الجزئى غير المعين بل الأمر بالعكس فليس الظاهر مرادًا بل المراد من حيث كونه جزئيًا من الجزئيات وقوله: إلى ما ليس بمطلوب. . . إلخ. أى إلى ما ليس بمطلوب هو ذلك الذى فرضته.
قوله: (على قياس ما سبق) أى فيقال: لا بد أن يتصور كل واحد بخصوصه من حيث هو كذلك لأنه إن لم يتصوره أصلًا استحال الطلب وإن تصوره بأمر عام إلخ.
قوله: (ولذلك قال حقه) أى لأجل شموله عدم التصور بالجهة الضابطة بالتصور مسألة مسألة وإن كان متعسرًا قال حقه وهو وجه آخر ما قاله السعد فإنه قال على قوله: حقه أن يعرفها. . . إلخ. أى الأحسن بحاله والأعون على تحصيل مراده لأن ما ذكر من قوله: لم يأمن. . . إلخ. لا يفيد اللزوم فإنه إنما يقتضى أن التعبير بالأحقية نظرًا إلى إسكان التصور بالجهة غير الضابطة.
قوله: (لم تتعلق الإرادة بخصوصها) أى فلم تكن مطلوبة وقوله ولو اندفع إلى طلبها. . . إلخ معناه أنه على هذا التصور بالوجه العام الذى خرجت به عن أن تكون مطلوبة لو فرض طلبها بتوهم أن تصورها بالوجه العام كاف فيه لم يتميز عنده ذلك المطلوب الفرضى فليس فى تصور الكثرة بما يعمها وغيرها إلا صورة واحدة هى المذكورة فى تصور الأمر الواحد الذى تقدم ذكره خلافًا للهروى حيث جعل قوله: ولو اندفع. . . إلخ. صورة أخرى غير صورة ما إذا تصورها بأمر يعمها وغيرها وجعل الفرق بينهما أن الأولى العام فيها اعتبر آلة لملاحظة الجزئى المخصوص والثانية اعتبر أن المطلوب فيها هو العام وجعل ضمير تحصيله للعام.
قوله: (ومن حمل كلامه) أى قوله فحقه. . . إلخ.
قوله: (عقلًا) كان المناسب حذفه ليتأتى التشقيق بعد.
قوله: (أنه لا بد منه. . . إلخ) أى لا يمكن تحصيل المطلوب المذكور إلا بتصوره بالجهة الضابطة المذكورة.
قوله: (فقد ظهر بطلانه) أى من تأتى تصوره واحدًا واحدًا وإن تعسر أو تعذر
[ ١ / ٥٨ ]
بناء على أن التعذر لغة لا يقتضى المنع كما نقل عن المحشى.
قوله: (بالتوقف على قاعدة التحسين) أى الوجوب شرعًا بناء على أن دفع الضرر واجب واعتبر تصور الكثرة بالجهة الضابطة بالنسبة إلى تصورها بالجهة العامة لا باعتبار تصورها حتى واحدًا واحدًا لأن ذلك ليس فيه خوف فوات المطلوب.
قوله: (فلا يناسب المقام) لأن المقام مقام بيان الشروع على بصيرة لا مقام بيان الأحكام.
قوله: (ولا نقول به) أى لو قطعنا النظر عن المقام فنحن لا نقول بالتحسين العقلى.
قوله: (من العلوم المخصوصة المدونة) احترازًا عن العلم الذى ليس كذلك فإنه ليس له جهة ضابطة.
قوله: (فى أنها تصديقات) أى أمور مصدق بها يدل على ذلك قوله: والأحكام فلا ينافى أن العلم هو المسائل التى هى الأحكام لا التصديقات.
قوله: (إلى غير ذلك) كرجوع بعضها إلى أن برهان مسائلها لمى وبعضها إلى أن برهان مسائلها أنى.
قوله: (المتشاركة فيه) كعلم الهندسة فإنه يبحث فيه عن الأعراض الذاتية لكل من الخط والسطح والجسم التعليمى التى هى أنواع للكم المتصل القار الذات وهو المقدار.
قوله: (فإن قلت. . . إلخ) وارد على قوله: ولا شك أن كل علم مسائل.
قوله: (وقد يقال عدهما. . . إلخ) أما اتصال الموضوع بها فمن حيث إن ارتباط بعضها ببعض ارتباطًا يحسن معه جعلها مع كثرتها علمًا واحدًا إنما هو بسببه وأما اتصال المبادئ بها فمن حيث إنها مما يحتاج إليها المسائل.
قوله: (يرشدك إلى ذلك) أى إلى كون الموضوعات والمبادئ خارجة عن حقيقة العلم ما أوردوه تفسيرًا لمفهومات العلم حيث فسروها تارة بالقواعد وتارة بالقوانين وتارة بإدراك ذلك.
قوله: (فلا بد أن يؤخذ من جهة وحدته) أراد بجهة الوحدة ما يشتمل الخاصة المركبة.
[ ١ / ٥٩ ]
قوله: (واحدًا له رسميًا) إنما عبر بالحد ليطابق قول المصنف فالمبادئ حده وقد عرفت شمول الحد عندهم للرسم.
قوله: (فقد ظهر. . . إلخ) قيل عليه لا وجه لترتبه على الاستلزامين المذكورين قبله وأجيب بأن المراد أنه لا بد لطالب العلم أن يعرفه ومعرفته بجهة وحدته وهى منحصرة فى الحد والرسم وهما أسهل الطرق فى التمييز على ما عرفت فلابد لطالب العلم أن يتصوره بحده أو رسمه على ما تقدم وقصد بذلك الرد على التفتازانى فى قوله المتقدم وبينه بقوله والحاصل أن حق الطالب إلخ.
قوله: (إذ لو تصوره. . . إلخ) أى على الفرض والتنزل وإلا فلا يتأتى أن يطلب إلا ما كان متصورًا بخصوصه، وفى قوله بما يشتمله وغيره إشارة إلى أن المراد بأنه لابد أن يتصور العلم بحده ورسمه أنه لا يتصور بأمر عام وأن التصور بجهة الوحدة من غير أخذ للتعريف منها محصل للبصيرة.
قوله: (أزيد لبصيرته) أى أفيد لها من تصورها بالجهة من غير تعريف مأخوذ منها وإن كانت البصيرة فى كل كاملة.
قوله: (وقد بان تعذره) لم يقل تعسره أو تعذره ميلًا إلى أن المسائل تتزايد بتزايد الأفكار ولا يمكن الإحاطة بها.
قوله: (يعتقد. . . إلخ) قد يفهم منه أن العبث فى قول الشارح ليخرج عن العبث هو العرفى إذ العبث بحسب اللغة ما لا يترتب عليه فائدة أصلًا والتصديق بفائدة العلم لا دخل له فى الخروج عن العبث اللغوى إذ فائدة كل علم تترتب عليه سواء صدق بها أم لم يصدق وقول التفتازانى: أى الفعل لا لفائدة أى مصدق بها يدل عليه قوله: لأنه إذا لم يعرف فائدة العلم ربما يكون عابثًا فى طلبه لكن قوله ربما غير ظاهر.
قوله: (استحال إقدامه) مبنى على مذهب الحكماء والمعتزلة من وجوب وجود اعتقاد النفع فى الفعل الإرادى فلابد للفعل الاختيارى من التصديق بفائدة مخصوصة وعند الأشاعرة يجوز ترجيح الفاعل المختار أحد الأمرين الجائزين على السوية من غير مرجح وعليه يكون عبثًا محضًا.
قوله: (وإن اعتقد ما لا يعتد به. . . إلخ) أى من حيث هو كذلك وإن ترتب على العلم الفائدة المعتد بها فى الواقع ولذا قال: عد كده عبثًا عرفًا.
[ ١ / ٦٠ ]
قوله: (ربما زال. . . إلخ) أورد كلمة ربما باعتبار قوله: فكان سعيه عبثًا فى نظره لأن زوال اعتقاده لا يستلزم كون سعيه عبثًا لجواز أن يكون ذلك الزوال إلى اعتقاد ترتب ما هو فائدة الفعل بحسب نفس الأمر وتكون مهمة ويسعى فى تحصيله فلا يكون سعيه عبثًا فى المآل فالتقليل راجع لقوله: فكان سعيه إلخ.
قوله: (تسمى غاية. . . إلخ) فالفائدة والغاية متحدان ذاتًا ويختلفان اعتبارًا والغرض والعلة الغائية شئ واحد.
قوله: (لا يوجد فى أفعاله) أى لأنه يلزم استكماله بالغير وهو محال.
قوله: (وقد يخالف. . . إلخ) أى الغرض الفائدة وقوله: كما إذا أخطأ. . . إلخ. أى فحينئذ يتحقق الغرض دون الفائدة.
قوله: (لا عقلًا ولا نقلًا) ذكر العقل للمبالغة فى عدم السند وإلا فلا دخل للعقل فى مثل ذلك ورد عدم السند بأنه قد ذكر فى المواقف فى بيان أن الأفعال ليست معللة بالأغراض أن غرض الفعل أمر خارج عنه يحصل تبعًا للفعل ويتوسطه وإذ هو فاعل لجميع الأشياء ابتداء كما بيناه فلا يكون شئ من الكائنات إلا فعلًا له تعالى لا غرضًا لفعل آخر لا يحصل إلا له ليصح غرضًا لذلك الفعل. اهـ. فذلك سند لما قاله الأبهرى: الذى رد عليه المحشى وأجيب بأن المراد لمن قوله: لا يحصل إلا به أى بجنس الفعل لا إلى الفعل إلى: يصير الشئ غرضًا له بقرينة تفريعه على كونه تعالى فاعلًا لجميع الكائنات ابتداء فمراد تعالى لا يمكن حصوله ابتداء بلا توسط فعل مطلقًا فالحصر فيه بالنسبة إلى حصوله بلا واسطة لا بالنسبة إلى جميع الأفعال المغايرة لذلك الفعل الآخر ولكنه بعيد.
قوله: (يعنى ما يتوقف عليه المسائل) أشار إلى أن الاستمداد بمعنى المستمد منه لا بالمعنى المصدرى.
قوله: (إن كان غير ضرورى) لأن البيان فى القسم التفصيلى وهو الذى يكون بإفادة شئ مما لابد من تصوره أو تسليمه أو تحقيقه لا يجرى فى الضرورى.
قوله: (إذ يقصر عنه تسليم المبادئ المبينة) أى تسليم المبادئ لعلم الأصول المبينة فى علم آخر قاصر عن تحقيقها فبيان الاستمداد الإجمالى يرجع إلى المستمد منه إذا أريد بتحقيق تلك المبادئ.
قوله: (وعقبه بالتفصيلى) كان الأولى أن يقول: وأما التفصيلى وهو عطف
[ ١ / ٦١ ]
على قوله أما الإجمالى.
قوله: (مما لا بد من إدراكه) حمل التصور على الإدراك المطلق ليدخل فيه التسليم والتحقيق اللذان هما من التصديق ويظهر ترك حرف العناد فى قوله وتسليمه وعلى هذا يكون عطف قوله وتسليمه على تصوره الذى هو بمعنى مطلق الإدراك من عطف الخاص على العام ويكون العناد بين التسليم والتحقيق، وقوله: فإن كان تصورًا أى ساذجًا فذاك أى فالمطلوب نفسه ولا يخفى ما فى ذلك من التكلف والأولى أن قوله: من تصوره باقٍ على معناه من التصور الساذج ثم إنه فى مثل هذا التركيب يجوز أن يعطف الثانى على الأول ثم يعطف الثالث على مجموعهما فالانفصال يكون بين الأخير وبين مجموع الأولين وهذا هو الظاهر وقد يعتبر عطف الأخير على الثانى أولًا ثم يعطف أحد الآخرين على الأول فيكون المعنى أنه لابد من الأول ومن أحد الآخرين فههنا يقال لا بد من تصوره ومن أحد الآخرين لا بينهما جميعًا لجواز أن تكون المبادئ التصديقية كلها مسلمات أو مما تحتاج إلى التحقيق.
قوله: (فينتقل من برهانه. . . إلخ) لا يقال فحينئذ لا فائدة فى البيان الاستمدادى إجمالًا لأن ما يكفى فيه التسليم يكفى نقله مجردًا وما لا يكفى فيه ذلك ينقل عن برهانه ما يمكن معه بناء المسائل عليه لأنا نقول: فائدته أن ما يكفى فيه النقل مجردًا قاصر عن التحقيق فعند رومه يرجع إلى ما منه الاستمداد الذى بين إجمالًا وأيضًا هو وإن نقل من برهانه ما يمكن بناء المسائل عليه يحتاج إلى زيادة تحقيق فيرجع إليه عند الروم لذلك.
قوله: (يرد عليه أن البديهى لا يحتاج إلى بيان) هو ما عليه الاصطلاح ولا سيما فى أمر المبادئ فإنهم يقولون المبادئ إما بينة أو مبينة بمعنى إما بديهة أو مكتسبة فلا عبرة بما قيل المراد بالبيان الذكر.
قوله: (وإن صدر به بعض العلوم) يعنى أن التصور البديهى والتصديق البديهى وإن صدر بهما بعض العلوم فلا يحتاجان إلى بيان وتحقيق لجواز أن يكون هذا التصدير لغرض آخر غير البيان والتحقيق.
[ ١ / ٦٢ ]
قال: (أما حده لقبًا: فالعلم بالقواعد التى توصل بها إلى استنباط الأحكام الشرعية الفرعية عن أدلتها التفصيلية، وأما حده مضافًا: فالأصول: الأدلة، والفقه: العلم بالأحكام الشرعية الفرعية عن أدلتها التفصيلية بالاستدلال).
أقول: اللقب علم يشعر بمدح أو ذم وأصول الفقه علم لهذا العلم يشعر بابتناء الفقه فى الدين عليه وهو صفة مدح ثم إنه منقول من مركب إضافى فله بكل اعتبار حد.
أما حده لقبًا: فالعلم بالقواعد التى يتوصل بها إلى استنباط الأحكام الشرعية الفرعية عن أدلتها التفصيلية والذى يكشف عن حقيقته أن الأحكام قد تؤخذ لا من الشرع كالتماثل والاختلاف وقد تؤخذ منه وتلك إما اعتقادية لا تتعلق بكيفية عمل وتسمى أصلية أو عملية تتعلق بها وتسمى فرعية وهذه لا تكاد تتناهى، فامتنع حفظها كلها لوقت الحاجة للكل فنيطت بأدلة كلية [بغيرهما] (*) من عمومات وعلل تفصيلية، أى كل مسألة مسألة بدليل دليل لتستنبط منها عند الحاجة وإذ ليس فى وسع الكل أيضًا أن ينتهض له لتوقفه على أدوات يستغرق تحصيلها العمر وكان يفضى إلى تعطل غيره من المقاصد الدينية والدنيوية فخص قوم بالانتهاض له وهم المجتهدون والباقون يقلدونهم فيه فدونوا ذلك وسموا العلم الحاصل لهم ومنها فقهًا وأنهم احتاجوا فى الاستنباط إلى مقدّمات كلية كل مقدّمة منها يبتنى عليها كثير من الأحكام وربما التبست ووقع فيها الخلاف فتشعبوا فيها شعبًا وتحزبوا أحزابًا ورتبوا فيه مسائل تحريرًا واحتجاجًا وجوابًا فلم يروا إهمالها نصحًا لمن بعدهم وإعانة لهم على درك الحق منها بسهولة فدوّنوها وسموا العلم بها أصول الفقه فكان حده ما ذكرنا وفوائد القيود قد ظهرت.
وأما حده مضافًا: فلا بد فى معرفة المركب من معرفة مفرداته من حيث يصح تركيبها وأصول الفقه مفرداته الأصول والفقه من حيث دلالتهما على معنيهما فالأصول الأدلة. وذلك أن الأصل فى اللغة ما يبتنى عليه الشئ ويقال فى الاصطلاح للراجح يقال الأصل الحقيقة وللمستصحب يقال تعارض الأصل والطارئ وللقاعدة الكلية يقال لنا أصل وهو أن الأصل مقدّم على الطارئ وللدليل
_________________
(١) (*) [بغيرهما]: هذه اللفظة سقطت من نسخة بولاق، استدركناها من حاشية الشيخ الجيزاوى.
[ ١ / ٦٣ ]
يقال الأصل فى هذه المسألة الكتاب والسنة وإذا أضيف إلى العلم فالمراد دليله والفقه العلم بالأحكام الشرعية الفرعية عن أدلتها التفصيلية بالاستدلال وبهذا القيد الأخير احترزنا عما عرف بالأدلة ضرورة كعلم جبريل والرسول ﵉ ومن لم يجعله عن الأدلة ورأى ذلك مشعرًا بالاستدلال فإما للتصريح بما علم التزامًا وإما لدفع الوهم واما للبيان دون الاحتراز وباقى القيود عرفت مما تقدم.
واعلم أن له جزءًا آخر كالصورة وهو الإضافة وإضافة اسم المعنى تفيد اختصاص المضاف بالمضاف إليه باعتبار ما دل عليه لفظ المضاف تقول مكتوب زيد والمراد اختصاصه به لمكتوبيته له بخلاف اسم العين فإنها تفيدى الاختصاص مطلقًا.
فإذًا أصول الفقه أدلة العلم من حيث هى أدلته ونقل إلى ما ذكرناه عرفًا ولو حمل الأصول على معناه اللغوى حتى يكون معناه ما يستند إليه الفقه لشمل الأقسام فلم يحتج إلى النقل.
قوله: (يشعر بمدح) يعنى باعتبار مفهومه غير العملى وإن لم يكن مما يقصد عند استعمال اللفظ علمًا.
قوله: (فله بكل اعتبار حد) الضمير راجع إلى أصول الفقه لكن المراد بالمرجع اللفظ وبالضمير المدلول، وكذا فى قوله: أما حده لقبًا المراد بالضمير المدلول ولقبًا حال عنه باعتبار اللفظ كأنه قال: أما حده حال كون اللفظ لقبًا فالعلم بالقواعد والمراد بالعلم الاعتقاد الجازم المطابق أو الملكة التى هى مبدأ تفاصيل القواعد، والقواعد هى القضايا الكلية التى تنطبق على جزئياتها عند تعرف أحكامها، والأحكام المستنبطة من القضايا النسب التامة مثل قولنا: الحج واجب ومعنى انتسابها إلى الشرع ثبوتها به وإلى الفرع تعلقها به ولو أريد بها الخطابات المتعلقة بأفعال المكلفين لكان ذكر الشرعية والفرعية مستدركًا.
قوله: (وهذه) أى الأحكام الشرعية والفرعية.
(لا تكاد تتناهى) لعدم تناهى جزئيات متعلقاتها من المحكوم عليه وبه وفيه، بمعنى أنه لا ينتهى إلى حد لا يكون بعده جزئى آخر ما دام دار التكليف، ولا خفاء فى امتناع إحاطة القوى البشرية بذلك فلا يمكن لأحد أن يحفظها كلها لوقت الحاجة، فربطها الشارع بأدلة كلية تفصيلية من عمومات وعلل فالعمومات كقوله:
[ ١ / ٦٤ ]
﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة: ٤٣]، وقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ [آل عمران: ٩٧]، وقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ﴾ [المائدة: ٩٠] الآية، والعلل كما يستنبط من أن علة حرمة الخمر الإسكار ليجرى فى غيرها من المسكرات، وعلة حرمة الربا الطعم والجنس إلى غير ذلك من الجزئيات، فقوله: من عمومات وعلل بيان للأدلة الكلية وقوله: تفصيلية صفة للأدلة ولعمومات وعلل وهو الأظهر والمقصود واحد وفيه احتراز عن الأدلة الإجمالية مثل كون الكتاب والإجماع حجة، وقد يتوهم أن تفصيلية صفة علل وأنه عطف على أدلة وليس بمستقيم؛ لأن قوله أى كل مسألة مسألة بدليل دليل بيان لذلك وتفسير وجميع ذلك شرح لاستنباط الأحكام الشرعية عن أدلتها التفصيلية ولا يستقيم إلا على ما ذكرنا.
قوله: (وإذ ليس فى وسع الكل أيضًا) يعنى كما ليس فى وسعهم الحفظ ليس فى وسعهم الانتهاض للاستنباط (لتوقفها) أى الأحكام يعنى استنباطها، والأحسن تذكير الضمير ليعود على الاستنباط أو الانتهاض فإن قيل لو توقف على أدوات يستغرق تحصيلها العمر لم يكن فى وسع أحد لانقضاء العمر فى تحصيل الأدوات قلنا: نعم لو لم يكن بعضهم لبعض ظهيرًا ولهذا قالوا: إن العلوم إنما تتم بتلاحق الأفكار.
قوله: (وكان يفضى) عطف على ليس فى وسع.
قوله: (فدونوا) أى جمعوا ذلك المذكور من الأحكام والمسائل المستنبطة من أدلتها التفصيلية، وسموا العلم الحاصل للمجتهدين بتلك المسائل من تلك الدلائل فقهًا.
قوله: (إلى مقدمات كلية) مثل قولنا كل ما أمر به الشارع فهو واجب وكل ما دل عليه القياس فهو ثابت، ثم يجعل مثل هذه المقدمة كبرى لصغرى سهلة الحصول لتخرج المسألة الفقهية من القوة إلى الفعل كما يقال: الحج مما أمر به الشارع وكل ما أمر به الشارع فهو واجب وشرب النبيذ مما دل القياس على حرمته، وكل ما دل القياس على حرمته فهو حرام وجميع مباحث أصول الفقه راجعة إلى أحوال الأدلة والأحكام لتتم كلية تلك المقدمة إذ الأمر قد لا يكون للوجوب والذى للوجوب قد لا يثبت موجبه لنسخ أو وجود معارض والقياس قد لا يوجب لانتفاء شرط أو وجود مانع إلى غير ذلك من التفاصيل.
[ ١ / ٦٥ ]
قوله: (فلم يروا) من الرأى ونصحًا مفعول له لمضمونه أى تعرضوا لتلك المقدمات مع ما يتعلق بها من الاحتجاجات والاختلافات والأسئلة والأجوبة نصحًا لمن بعدهم وإعانة.
قوله: (فكان حده مما ذكرنا) لأن الاسم إنما وضع لهذا العلم المخصوص فلا يكون له حقيقة سوى ذلك، لما تقرر من أنهم إذا حصلوا مفهومًا ووضعوا بإزائه اسمًا كان ذلك حقيقة مسماه، فلا يقدح فى كونه حدًا اشتماله على ما هو خارج عن العلم كالتعلق والغاية ونحو ذلك.
قوله: (وفوائد القيود قد ظهرت) أى وقع الاحتراز عن العلم بالجزئيات وبالقواعد المقصودة بالذات أو المتوصل بها إلى استنباط غير الأحكام كالصناعات والأحكام غير الشرعية مثل: العقليات والاصطلاحات أو الشرعية الأصلية كالاعتقادات أو الشرعية الفرعية من أدلتها الإجمالية كقواعد الكلام والعربية، إذ لا اختصاص لها باستنباط كل حكم حكم من دليل دليل كما فى قواعد الأصول إذ لا مزيد فيها على أن الكتاب أو السنة مثلًا صدق وحق ولا يرد علم الخلاف إذ لا يتوصل بقواعدها إلى الاستنباط بل إلى حفظ المستنبطات أو هدمها من غير تعلق لها بخصوصيات الأحكام، وكذا علم الحساب إذ التوصل بقواعدها فى مثل له على خمسة فى خمسة إلى تعيين تقدير المقر به لا إلى وجوبه الذى هو حكم شرعى، ولو أنفق فى علم الخلاف مثلًا ذكر قاعدة متعلقة بخصوص الاستنباط كان من مسائل الأصول، ولا امتناع فى اشتراك علمين فى مسألة باعتبارين وما يقال إن قواعد الخلاف لا يتوصل بها إلى استنباط جميع الأحكام بل بعضها ليس بشئ، لأنه لا ينفى كونها من الأصول كسائر قواعده.
قوله: (من حيث يصح تركيبها) مثلًا لا بد فى معرفة البيت من معرفة الأرض والجدار والسقف من حيث يصح تألف البيت منها لا من حيث إنها جواهر أو أعراض حادثة أو قديمة، وكذا لا بد فى معرفة المركب الإضافى من معرفة كل من جزأيه من حيث يصح إضافة أحدهما إلى الآخر، وذلك بمعرفة مدلولهما من غير توقف (^١) على أنه من اللفظين ثلاثى أو رباعى مجرد أو مزيد معرب أو مبنى إلى
_________________
(١) قوله: على أنه. هكذا فى الأصل ولعل هنا سقطًا وتحريفًا وحق العبارة على أن كلا من اللفظين. كتبه مصحح طبعة بولاق.
[ ١ / ٦٦ ]
غير ذلك.
قوله: (وذلك أن الأصل) يعنى أنه يطلق فى اصطلاح الفقهاء والأصوليين على معان أحدهما الدليل وقد قامت القرينة على أنه المراد.
قوله: (وبهذا القيد) يعنى سبق أن الفقه اسم للعلم الحاصل للمجتهدين المستنبطين للأحكام من أدلتها التفصيلية، فعلم الرسول وجبريل ﵉ لا يكون فقهًا لأنه قد حصل بالأدلة ضرورة لا طلبًا واكتسابًا فحيث لم يذكر الاستنباط فى تعريف الفقه احتيج إلى قيد الاستدلال احتراز عنه، وبعضهم يرى أنه ليس علمًا عن الأدلة لأن حصول العلم عن الأدلة مشعر بكونه بطريق الاستدلال، إذ الحاصل بطريق الضرورة يكون معها لا عنها لأن معنى الدليل ما يمكن التوصل بصحيح النظر فيه إلى العلم بمطلوب خبرى، فلا يفهم حصول من حصول العلم عنه إلا التوصل إليه بالنظر فيه، فعلى هذا يكون هذ القيد للدلالة مطابقة لا ما دل عليه الكلام التزامًا أو لدفع وهم من يعقل هذا اللزوم ويظن أن مثل علم الرسول عن الأدلة أو لبيان أن الفقه يكون بطريق الاستدلال البتة وإن لم يكن تركه فى التعريف مخلًا، وأما ما يقال من أن قوله عن أدلتها ليس متعلقًا بالعلم بل بالأحكام أو بالفرعية بمعنى أنه يتفرع عن الأدلة فيصدق على علم اللَّه وعلم الرسول وعلم المقلد، ويحترز عنه بقيد الاستدلال فلم يلتفت إليه الشارح لبعده.
قوله: (واعلم) قال الإمام فى المحصول أما أصول الفقه فاعلم أن إضافة الاسم إلى الشئ تفيد اختصاص المضاف بالمضاف إليه فى المعنى الذى عينت له لفظة المضاف يقال: هذا مكتوب زيد والمراد ما ذكرنا، ولما لم يكن هذا مطردًا فى مثل دار زيد وفرسه خصه الشارح باسم المعنى وهو ما يدل على معنى زائد على الذات بخلاف اسم العين وهو ما يدل على نفس الذات فإنه لا دلالة فى إضافته إلى الشئ على خصوصية الاختصاص، وأنت خبير بأن جعل جميع الصفات أسماء المعانى خلاف الاصطلاح فالأولى ما ذكرنا فى شرح التنقيح من تخصيص هذا الحكم بالمشتق وما فى معناه كالأصل مثلًا فإنه بمعنى الدليل أو بمعنى المنبنى عليه والمستند إليه، ولهذا جزمنا بأن الشرع فى قولهم أصول الشرع بمعنى المشروع لا الشارع لغيره فيما دل عليه لفظ المضاف، فقد أراد به الدلالة مطلقًا ولو التزامًا فلا منافاة، ومن قال اسم المعنى ما دل على معنى لا يقوم بنفسه وهو معنى العرض
[ ١ / ٦٧ ]
وإضافته تفيد اختصاص المعنى الذى هو مدلوله لا اختصاص ما يقوم به، سواء كان غير مشتق كدق الثوب فإن المختص هو الدق لا القصار أو مشتقًا كما فى: كاتب زيد إذ تفيد اختصاص الكتابة به لا من قامت هى به ولا سائر معانيه وأعراضه، والمشتق إذا كان موضوعًا لشئ يقوم بنفسه باعتبار معنى يقوم به يصح لغة إطلاق كل من اسم العين والمعنى عليه بشرط انضمام الآخر إليه أو بالتجوز وأما اسم العين وهو ما دل على ما يقوم بنفسه فإضافته تفيد اختصاص المضاف مطلقًا أى بحسب الذات والمعانى القائمة به وإن لم يدل عليها لفظه لأنها تابعة له فإذا قيل: دار زيد أفاد أنها جميع منافعها مختصة به ولهذا ثبت الخيار لن اشترى دارًا مؤجرة من غيره إذا لم يعلم ذلك، وأما إذا علم كان فى حكم المستثنى فقد عدل عن الصواب، أما أولًا فلان اختصاص الدق باعتبار تعلقه الخارج عن مفهومه وكأنه لم يتنبه من عبارة الكتاب للفرق بين المختص الذى هو المضاف وجهة اختصاصه ولا مما نقله عن الحصول حيث قال: إضافة اسم المعنى تفيد اختصاص المضاف بالمضاف إليه فى المعنى الذى عينت له لفظة المضاف وأما ثانيًا فلأن إضافة الفرس إلى زيد مثلًا لا تفيد اختصاص باعتبار لونه وحركته وطوله إلى غير ذلك من صفاته بل باعتبار ملكيته أو ركوبه وإذا قيل دار زيد فإن فهم اختصاصها بحسب السكنى فذاك وإن فهم الملكية فهم اختصاص منافعها لا سائر أعراضها تبعًا لها لا لإضافتها وأما مسألة الإجارة فلأن الشراء يفيد ملك العين المستتبع لمنافعها ولا تعلق لها بالإضافة أصلًا وقد فرعها عليها كما صرح بذلك ليصح هذا الاختصاص ولو حمل اسم المعنى على ما يدل على معنى يقوم بالغير لم يستقم على ما لا يخفى.
قوله: (ونقل إلى ما ذكرناه) وهو العلم بالقواعد المذكورة على ما يتناول البحث عن أحوال الأدلة والاجتهاد والترجيح.
قوله: (ولو حمل) يعنى لا ضرورة إلى جعل أصول الفقه بمعنى أدلته ثم النقل إلى العلم بالقواعد المذكورة، بل يجوز أن يجعل أصول الفقه بمعنى ما ينبنى عليه الفقه ويسند إليه ويكون شاملًا لمباحث الأدلة والاجتهاد والترجيح لاشتراكها فى ابتناء الفقه عليها، ويكون إطلاقها على العلم المخصوص إما على حذف المضاف أى: علم الأصول أو على صيرورتها بالغلبة علمًا.
[ ١ / ٦٨ ]
قوله: (يشعر بمدح) أى باعتبار مفهومه الأصلى فإن ذلك قد يقصد به تبعًا.
قوله: (علم لهذا العلم) هو من الأعلام الأجناس لأن علم أصول الفقه كلى يتناول أفرادًا متعددة إذ القائم منه بزيد غير ما قام منه بعمرو شخصًا وإن اتحد معلوماهما ولما احتيج إلى نقل هذا اللفظ عن معناه الإضافى جعلوه علمًا للعلم المخصوص على ما عهد فى اللغة لا اسم جنس له.
قوله: (فله بكل اعتبار حد) الفرق بين الاعتبارين أنه باعتبار اللقبية مفرد لا يلاحظ فيه حال الأجزاء، باعتبار الإضافة مركب يعتبر فيه حالها وأيضًا معناه لقبًا علم ومعناه مضافًا معلوم، قيل: الضمير فى له راجع إلى أصول الفقه لكن أريد بالمرجع اللفظ وبالضمير المدلول وكذا فى قوله: أما حده لقبًا أريد بالضمير المدلول ولقبًا حال عنه باعتبار اللفظ أى حده حال كون لفظه لقبًا.
قوله: (أما حده لقبًا) قدم حده بهذا الاعتبار لأنه المقصود الأصلى وأما اعتبار الإضافة فهو مع تقدمه وجودًا مذكور ههنا تبعًا والعلم سيأتى تفسيره وهو بمعنى الاسم لا المصدر وحيث كانت الإضافة ذاتية له أو لازمة احتيج إلى تقييده بالقواعد والجار صلة المحذوف أى المتعلق بها، والقاعدة اصطلاحًا قضية كلية من حيث اشتمالها بالقوة على أحكام جزئيات موضوعها وتسمى فروعًا واستخراجها منها تفريعًا كقولنا كل إجماع حق.
قوله: (والذى يكشف عن حقيقة هذا الحد أن الأحكام) بمعنى التصديقات (قد تؤخذ لا من الشرع) كالعقل والحس كالحكم بأن هذا مماثل لذاك ومخالف له (وقد تؤخذ منه وتلك) المأخوذة من الشرع (إما أن لا تتعلق بكيفية عمل وتسمى اعتقادية) لأن الغرض منها مجرد اعتقاد (وأصلية) وفيه إشارة إلى أن الاعتقادات وإن استقل العقل بإثباتها منها أخذها من الشرع ليعتد بها (وإما أن تتعلق بها وتسمى عملية) إذ المقصود منها الأعمال (وفرعية) لابتنائها على الاعتقادية (وهذه) الأحكام الشرعية الفرعية (لا تكاد تنحصر فى عدد) وتقف عند حد كما تقدم والقوى البشرية قاصرة عن ضبط أمثاله (فنيطت) تلك الأحكام وربطت (بأدلة كلية) أى شاملة لأحكام جزئيات كثيرة.
وقوله: (من عمومات وعلل) بيان للأدلة يعنى عمومات الكتاب والسنة والعلل
[ ١ / ٦٩ ]
القياسية إذ مبنى القياس عليها.
وقوله: (تفصيلية) صفة ثانية لأدلة ولهذا فسرها بقوله: أى كل مسألة مسألة بدليل دليل والقول بأن كونها صفة لعمومات وعلل أظهر وإن كان مآله معنى إلى ما ذكر فيه ذهول أيضًا عما فسر بها وقد ظهر بتفسيرهما أن التفصيلية لا تنافى الكلية ولا العموم فإن الأدلة الجزئية منصوبة على أعيان المسائل الشاملة لأحكام جزئية، وأما خواصه -ﷺ- فلا يتعلق بها استنباط يتوصل به إلى عمل لا يقال ربما استند مسائل كثيرة إلى دليل واحد لأن ذلك بجهات متعددة فهو بكل اعتبار دليل آخر ولم يذكر الإجماع لقلته أو لأن له سندًا من الثلاثة فهو راجع إليها ومن زعم أن الأدلة الكلية هى الإجمالية التى يبحث عنها فى الأصول من جهة حجيتها ودلالتها إجمالًا مثل أن الكتاب مثلًا حجة، وأن جهة دلالته ماذا، وأن العلل التفصيلية هى الأدلة التفصيلية التى يبحث عنها الفقيه من الآيات المخصوصة وغيرها الدالة على أعيان المسائل الجزئية، وقد أطلقوا العلة على الدليل فى قولهم: العلة المنصوصة فإن معرفة الأحكام الفقهية متوقفة على معرفة الدلائل إجمالية وتفصيلية؛ فيجعل الجزئية لخصوصها صغرى والإجمالية لعمومها كبرى فيقال مثلًا: هذا أمر بالجمع وكل أمر بشئ فهو لإيجابه فقد عدل بالكلام عن ظاهره إلى ما لا طائل تحته؛ إذ الأدلة الإجمالية إما مفهومتها الكلية كالكتاب والسنة فلم ينط بها شئ من الأحكام ولا يمكن استنباطها منها قطعًا، وإما الأحكام الكلية الواردة عليها المنطوية على جزئياتها فهى مسائل الأدلة فكيف يصح أنها محتاج إليها فى استنباط الأحكام من أدلتها التى نيطت بها وتحرير المقام أن المسائل المخصوصة مستندة إلى أدلة معينة يحتاج فى استنباطها منها إلى معرفة أحوالها التى لا تكاد تنحصر فى عدد يتمكن من ضبط تفاصيله مثلها؛ فاحتيج إلى معرفتها على وجه كلى إجمالى يرجع إليه فيما يقصد استنباطه وإنما وصف الأدلة بالكلية على ما فى بعض النسخ بقياسها إلى ما يندرج تحتها كما مر ولو لم توجد لم يضر، وقد أصاب من قال ما يتوهم من أن تفصيلية صفة علل وأنه عطف على أدلة فليس بمستقيم فإن قوله أى كل مسألة مسألة بدليل دليل بيان لذلك وجميعه شرح للاستنباط عن الأدلة التفصيلية.
قوله: (لتوقفه) أى الاستنباط وفى بعض النسخ لتوقفها فالضمير للأحكام على
[ ١ / ٧٠ ]
معنى توقف استنباطها على أدوات لا تحصل إلا فى مدة متطاولة هى شرائط الاجتهاد من معرفة تفاصيل الأدلة من الكتاب والسنة والإجماع وحال الرواة والنسخ وشرائط القياس والنظر وغير ذلك.
قوله: (وكان يفضى) أى تحصيل الأدوات فهو عطف على يستغرق لا على قوله ليس فى وسع.
قوله: (فخص) جواب لإذ (والباقون يقلدونهم فيه) أى فى المستنبط الذى هو الأحكام (فدونوا ذلك) المستنبط أى جمعوه وسموا العلم المتعلق به الحاصل للمجتهدين من الأدلة التفصيلية فقهًا.
قوله: (إلى مقدمات كلية) هى مسائل تتعلق بالأدلة السمعية من الجهات المذكورة؛ كما يقال: الأمر للوجوب والقياس يجب العمل به والإجماع لا ينسخ، ومنهم من أمعن فقال: إن استدل على الأحكام بالشكل الأول كانت قواعد من الأصول كبراه؛ كقولنا هذا حكم يدل على ثبوته القياس وكل حكم يدل عليه القياس فهو ثابت، وإن استدل عليها بطريق الاستثناء كانت هى من الملازمات الكلية كقولنا: كلما دل القياس على ثبوت هذا الحكم كان ثابتًا لكن الملزوم حق؛ ثم قال: ربما لا تكون هذه القضية الكلية مسألة من الأصول فى مندرجة فيها كقولنا: كلما دل القياس على وجوب شئ كان واجبًا لاندراجه تحت قولنا: كلما دل القياس على ثبوت حكم كان ثابتًا؛ ثم صدقها كلية جعلت كبرى أو ملازمة يتوقف على أحوال الأدلة من وجود شرائطها، وارتفاع موانعها وأحوال الأحكام إذ بعضها كالعلية مثلا لا يثبت بالقياس فيصير قيودًا فى تلك المقدمة الكلية؛ فمباحثها راجعة إليها ومسائل من الأصول أيضًا.
قوله: (ورتبوا فيها) أى ورتبوا فى بيان المقدمات التى احتيج إليها (مسائل) حرروها وأثبتوها وما يتعلق بها مما عليها أو لها.
قوله: (فلم يروا) أى لم يحصل لهم رأى إهمال تلك المقدمات ولم يستحسنوه للنصح والإعانة فهو نفى معلل لا نفى معلل بالإضافة، وإنما لم يقل وسموا العلم الحاصل لهم بها أصول الفقه كما ذكره سابقًا لعدم اختصاصه بالمجتهدين دون الفقه.
قوله: (فكان حده ما ذكرنا) يعنى قوله العلم بالقواعد. . . إلخ. وإنما كان حدًا
[ ١ / ٧١ ]
له إما لأن الاسم إنما وضع لهذا المفهوم فهو حد له بحسبه، وإما لأنه يرادف المعرف على اصطلاحهم فاشتماله على الإضافة إلى المعلوم أو الغاية لا ينافى ذلك.
قوله: (وفوائد القيود قد ظهرت) فبالقواعد خرج العلم بالجزئيات والعلم ببعض تلك القواعد؛ فإنه جزء منه، وبقيد التوصل إلى استنباط الأحكام ما يتوصل به إلى استنباط الصنائع والذوات أى: طبائع الأشياء، أو إلى حفظ الأحكام وهدمها كقواعد الخلاف وإن وافقت مسائل الأصول؛ فإن الحيثيات معتبرة، وبالشرعية الفرعية ما يتوصل به إلى استنباط الأحكام العقلية والشرعية الأصلية، وفى جعل الأحكام منقسمة إليها إشارة إلى أنها بمعنى التصديقات لا الخطابات المتعلقة بأفعال المكلفين؛ فلا يلزم استدراك قيدى الشرعية والفرعية، وقوله من أدلتها التفصيلية بيان للواقع متعلق بالاستنباط، وقيل: احتراز عما يتوصل به إلى استنباط الأحكام الشرعية الفرعية من أدلتها الإجمالية كقواعد الكلام والعربية إذ لا مزيد فيها على إن الكتاب مثلًا صدق وحق ولا اختصاص لها باستنباط حكم حكم من دليل دليل كمسائل الأصول، وفيه بحث لأن تلك الأحكام ليست مستندة إلى أدلة إجمالية مستنبطة هى منها؛ بل إلى أدلة تفصيلية كما أشير إليها، وقواعد الكلام والعربية مبادئ يتبين بها أحوال الأدلة الإجمالية التى هى مسائل الأصول ليتوصل بها إلى استنباط الأحكام من أدلتها التنفصيلية؛ فلا يتوصل بتلك القواعد إلى استنباطها من أدلتها الإجمالية لتخرج بقيد التفصيلية، هذا وقد اعترض على الحد بالمنطق إذ لا يتوصل إلا بقواعده فيكون جزءًا من الأصول، وجوابه إن وصف القواعد يشعر بمزيد اختصاص لها بالأحكام المخصوصة ومنه يستفاد أيضًا ما يدفع به النقض بعلم اللَّه تعالى ورسوله وجبريل ﵉.
قوله: (من حيث يصح تركيبها) قيل عليه إن أريد معرفة المركب بكنهه فلا بد من معرفة مفرداته كذلك وإن أريد معرفته بوجه ما فلا حاجة أصلًا إلى معرفتها لجواز تصوره باعتبار أمر عارض وأجيب بأن المراد معرفته من حيث هو مركب فلا بد من معرفة المفردات من حيث يصح تركيبها فإن البانى يحتاج إلى معرفة أجزاء البيت من حيث يصح التئامها وما يتعلق بذلك من الاستقامة والاعوجاج والصلابة والرخاوة؛ لا من حيث أنها مركبة أو بسيطة قديمة أو حادثة إذ لا دخل لها فى صحة تركيبه منها وأصول الفقه مركب إضافى دال على معنى كذلك فلا بد من
[ ١ / ٧٢ ]
معرفة مفرديه أعنى هذين اللفظين الدالين على معنيهما من حيث تصح الإضافة بينهما.
قوله: (ويقال فى الاصطلاح) هذه أربعة معان اصطلاحية تناسب المعنى اللغوى؛ فإن المرجوح كالمجاز مثلًا له نوع ابتناء على الراجح كالحقيقة، وكذا الطارئ بالقياس إلى المستصحب والمدلول إلى الدليل وفروع القاعدة مبنية عليها، وقرينة الإضافة إلى العلم دلت على تعيين المراد عرفًا وسيأتى جواز الحمل على معناه لغة.
قوله: (والفقه) يقال فقه بالكسر أى فهم وبالضم إذا صار فقيهًا.
قوله: (وبهذا القيد الأخير) يعنى بقيد الاستدلال (احترزنا عن العلم بتلك الأحكام الحاصلة من أدلتها التفصيلية ضرورة لا استدلالا كعلم جبريل والرسول ﵉) فإنه وإن كان مستفادًا من تلك الأدلة لكنه بطريق الحدس بلا تجشم اكتساب فلا يسمى فقهًا عرفًا؛ لما سبق من أنه موضوع للعلم الحاصل بالاستنباط، وأما علم اللَّه ﷾ بالأحكام فليس مستندًا إلى الأدلة بل هو عالم بهما معا غير مستفيد أحدهما عن الآخر قطعًا، وما قيل من أن الأدلة علل الأحكام الثابتة بها وحيث كان علمه بالأشياء على ما هى عليها فى أنفسها وجب اسناده إليها فمردود؛ أما أولًا فلأنها أمارات، وأما ثانيًا فلأن العلم بالمعلول لا يجب أن يكون مستفادًا من العلة ومن الناس ولم يجعل علمهما عن الأدلة، ورأى أن كونه عنها يشعر بالاستدلال لملاحظة الحيثية لا لأن الحاصل بطريق الضرورة معها لا عنها إذ لا منافاة بين المعية زمانًا والتأخر ذاتًا، ثم الدلالة على الحيثية إما صريحة لتبادرهما أو التزام على ما هو أصلها؛ فعلى الأول قيد الاستدلال لدفع توهم أن الحاصل عن الأدلة قد يكون بلا استدلال، وقد يقال: هو بإيهامه أولى من دفعه، وعلى الثانى إن لم يعتبر اللالتزام فى التعريفات فهو للتصريح بما علم التزامًا، ولا بد منه فى صحة تحديده لفظًا وإن اعتبر فهو للاهتمام ببيان المحدود واعتبار هذا القيد فيه، وقوله دون الاحتراز متعلق بالكل ومن وجه الكلام بأن العلم عن الأدلة يستلزم حصوله بالاستدلال عرفًا لتبادره إلى الفهم؛ فخرج به ما عرف بالأدلة ضرورة وقصد بالقيد أحد ما ذكر؛ لأن قوله عن الأصول يحتمل العلم الاستدلالى والحاصل بسببها ضرورة فإن جعل ظاهرًا فيما أريد به كان القيد
[ ١ / ٧٣ ]
تأكيدا إما للتصريح به وإما لرفع نقيضه الذى هو إثبات له، وإن جعل متساوى الدلالة عليهما كان القيد بيانا لما هو المراد منها فقد خبط حيث ادعى تبادر المعنى من لفظه وفرع عليه ما يقتضى إجماله بالقياس إليه.
قوله: (وباقى القيود قد عرفت مما تتقدم) فالمراد بالأحكام التصديقات وكل واحد من الشرعية والفرعية احتراز، وقوله عن أدلتها متعلق بالعلم وخرج به علم اللَّه تعالى وما علم من الأحكام ضرورة من الدين فإنه ليس جزءًا من الفقه وبالتفصيلية خرج ما يقال فى علم الخلاف من ثبوت الوجوب بالمقتضى وانتفائه بالنافى إن قلنا بإفادته علمًا وخرج أيضًا اعتقاد المقلد العامى إن حملنا العلم على التصديق وستقف على جلية الحال وما قيل من أن قوله عن الأدلة يتعلق بالفرعية على معنى أنها يتفرع عنها فيتناول علم اللَّه تعالى ورسوله -ﷺ- ويحترز عنه بالاستدلال فما لا يلتفت إليه.
قوله: (واعلم) يعنى أن له جزأين كالمادة وجزءًا ثالثًا كالصورة، قيل: إنما لم يتعرض له لأنه أريد به معناه لغة ولا نقل فيه بخلاف الأولين.
قوله: (وإضافة اسم المعنى) أراد باسم المعنى ما دل على شئ باعتبار معنى أى: صفة عارضة له؛ سواء كان قائمًا بنفسه أو بغيره، كالمكتوب والمضمر وحاصله المشتق وما فى معناه وباسم العين ما ليس كذلك كالدار والعلم لا المصطلح النحوى من أن المعنى ما قام بغيره والعين ما يقابله، فإضافة اسم المعنى تفيد الاختصاص باعتبار الصفة الداخلة فى مفهوم المضاف، وأما إضافة اسم العين فتفيد الاختصاص مطلقًا أى غير مقيد بصفة داخلة فى مسمى المضاف، فإذا قلت دار زيد أو علمه أفاد اختصاصًا فى الملكية أو السكنى وفى القيام أو التعلق، وما ذكره ابن الحاجب من أن الإضافة المعنوية إلى المعرفة تفيد تعريفًا؛ لأن وضعها على أن تفيد أن بين المضاف والمضاف إليه خصوصية ليست فيما بعد وليت شعرى كيف تورط فى هذه التعسفات البعيدة من الأذهان السليمة؟ !
قوله: (فإذا) نتيجة لما سبق من أن الأصل إذا أضيف إلى علم يراد به دليله، وإن إضافة اسم المعنى تفيد الاختصاص فيما دل عليه لفظ المضاف، واحتيج إلى النقل؛ لأنه بهذا العنى لا يتناول الترجيح والاجتهاد فنقل عرفًا إلى ما ذكرناه من العلم بالقواعد المخصوصة المشتملة على مباحث الأدلة والكيفيتين وفيه إيماء إلى
[ ١ / ٧٤ ]
أن موضوعه مجموع الثلاثة.
قوله: (ولو حمل) استفادة من الأحكام يعنى: لو حمل لفظ الأصول المضاف إلى الفقه على معناه لغة كان معنى أصول الفقه ما يستند إليه الفقه ويبتنى عليه ويشمل جميع معلومات هذا الفن فلم يحتج إلى نقله عن معناه الأصلي الذى هو المعلوم الخاص إلى جعله لقبًا للعلم المخصوص فيعبر عن معلوماته بلفظه وعنه بإضافة العلم إليه، وإن احتيج إلى اعتبار قيد الإجمال ومن ثمة قيل فى المحصول أصول الفقه مجموع طرق الفقه على سبيل الإجمال وكيفية الاستدلال بها وكيفية حال المستدل بها؛ وفي الأحكام هى: أدلة الفقه وجهات دلالتها على الأحكام الشرعية وكيفية حال المستدل بها من جهة الجملة.
قوله: (أورد على حد الفقه) يعنى أن الأحكام جمع محلى باللام؛ فإما أن يحمل على الاستغراق، أو على الجنس المتناول للكل والبعض الذى أقله ثلاثة منها لا بعينها، وأما الحمل على بعض معين ولو بكونه أكثر مثلًا فمما لا مساغ له إذ لا دليل هناك على عهد فلا يرد أن دخول علم المقلد إنما هو على تقدير إرادة البعض مطلقًا، وأما إرادة المعين فإنما ترد بأنها رد إلى الجهالة لا بدخوله فى الحد.
قوله: (أى باعتبار مفهومه الأصلى) فإن قلت يجوز أن يكون اللفظ الذى هو علم الجنس موضوعا لمفهوم كلى مشعر بمدح أو ذم باعتبار ذلك المفهوم نفسه من غير اعتبار المعنى الأول وهو علم له قلت: كأنهم لم يطلقوا اللقب إلا على مشعر بمدح أو ذم باعتبار مفهومه الأصلى ولم يعتبروا الإشعار الواقع فى المعنى العلمى قيل ليس معنى قولهم اللقب علم يشعر بمدح أو ذم أنه يدل على الصفة التى يمدح بها أو يذم بل معناه أنه يشعر بمدح لما وضع بإزائه فيجب أن يكون له معنى أصلى والمدح للعلم الجنسى باعتبار الفرد.
قوله: (فإن ذلك قد يقصد تبعًا) إنما قال هذا القول لأن اللقب إذا استعمل فى معناه العلمى ولم يلاحظ ههنا معناه الأول واتصاف ذلك المعنى به لم يتحقق عند هذا الاستعمال مدح؛ لأن المدح هو الوصف المخصوص الذى لا يتحقق إلا عند القصد.
قوله: (لا يلاحظ فيه حال الأجزاء) أى لا يلاحظ فيه حال الأجزاء لأداء المعنى
[ ١ / ٧٥ ]
اللقبى وهو المعنى وليس المراد أنه لا يلاحظ فيه حال الأجزاء من حيث إنه لقب؛ لأنه يمكن أن يقال إذا اعتبر اللقبية يجب اعتبار الإشعار بمدح أو دم وهو باعتبار المعنى الأصلى وملاحظة أجزاء اللفظ.
قوله: (احتيج إلى تقييده بالقواعد) فإن قيل ليس التقييد ههنا ضروريًا لأن العلم له مفهوم كلى صادق على أفراد لها إضافات أو هى نفس تلك الإضافات متعلقة بأشياء مخصوصة، واعتبار هذا المفهوم فى التعريف من غير تقييده بمتعلق مخصوص جائز وبعد تقييده فى التعريف بالقيود صار مخصصًا كأن يقال الذى يتوصل بمتعلقه إلى كذا قلنا ليس المراد أنه لو لم يقيد لوقع فى التعريف فساد باعتبار الجمع أو المنع بل المراد أنه يجب تقييده بالقواعد ليظهر ما هو اللازم من المتعلق.
قوله: (يجب أخذها من الشرع) فإن قلت من الاعتقادات ما لا يمكن أخذها من الشرع مثل وجود الصانع وبعض صفاته للزوم الدور قلت المراد أنه يجب أن يؤخذ كل من العقائد الدينية من الشرع سواء كان المأخوذ أصل الاعتقاد أو الاطمئنان.
قوله: (وتقف عند حد) لما تقدم من أن الحوادث الفعلية لا تكاد تنحصر فى عدد قد يقال المراد بالأحكام الشرعية الفرعية هنا أحكام متعلقة بخصوصيات تلك الأفعال وهى متكثرة لا تقف عند حد، والأدلة شاملة لتلك الأحكام على التفصيل أى كل دليل ينوط به فرقة من تلك الأحكام يعبر عنها بقضية كلية هى مسألة من الفقه فلا يرد عليه أن الأحكام الشرعية الفرعية أى المسائل الفقهية إذا كانت بحيث لا تقف عند حد، وقد ذكر أن كل مسألة منوطة بدليل فلزم كون الأدلة أيضًا متكثرة بتكثر الأحكام فيفوت ما هو المقصود بربط الأحكام بتلك الأدلة من الضبط.
قوله: (إذ مبنى القياس عليها) جواب سؤال تقديره أن الأدلة من جملتها القياس لا العلة القياسية فوجب أن يذكر فى بيان الأدلة نفس القياس لا العلة قد ذكر دفعه أن القياس مبنى على العلة قد ذكر العلة مقام ذكر القياس.
قوله: (فيه ذهول أيضًا) أى كما يكون فيه ذهول عن المناسبة بالموصوف؛ فإن الموصوف على هذا التقدير يعتبر فيه التعدد والتنوع فالمناسب أن يقال تفصيليتان
[ ١ / ٧٦ ]
بخلاف لفظ الأدلة فإن المعتبر فيه الوحدة فى التعبير بدون التنوع وأما الذهول عن التفسير؛ فلأنه يجب حينئذٍ أن يقال كل مسألة مسألة بعام عام أو علة علة.
قوله: (ولم يذكر الإجماع) فإن قلت إذا كان عموم الأدلة وكليتها باعتبار شمولها للجزئيات المتكثرة فلم لا يجوز أن يدخل فيها الإجماع أيضًا فإن الدليل الإجماعى أيضًا عام بهذا العنى شامل للجزئيات المتكثرة قلت فحينئذٍ يدخل فيها العلل أيضًا فإخراجها قرينة على خروجه ويمكن أن يقال فى القياس ما يقال فى الإجماع من الرجوع.
قوله: (والإجمالية لعمومها كبرى) الأدلة التفصيلية التى هى مثل الآيات المخصوصة يعبر عنها بالمفهومات الكلية التى هى مثل مفهوم الأمر ويبحث عنها فى الأصول وما جعل صغرى ليس الدليل التفصيلى بل القضية الشخصية التى هى قولنا هذا أمر وما جعل كبرى ليس الدليل الإجمالى، بل القضية الكلية التى هى قولنا كل أمر للإيجاب فالأدلة الإجمالية فى كلام هذا الزاعم بملاحظة كلامه إما المفهومات الكلية التى يعبر بها عن الأدلة التفصيلية أو القضايا الكلية التى هى مسائل الأصول والأول معنى قوله إما مفهوماتها الكلية كالكتاب والسنة والحاصل أن المسائل الفقهية منوطة بالأدلة التفصيلية ومستخرجة منها بواسطة المسائل الأصولية وهذه المفهومات الكلية لا ينوط بها شئ من المسائل الفقهية ولا يمكن الاستنباط منها ولو كان المراد بالأدلة الإجمالية المسائل الأصولية لما صح قولهم إن المسائل الأصولية يحتاج إليها فى استنباط الأحكام من أدلتها التى نيطت بها، لأن الأدلة التى نيطت بها على ذلك التقدير عين الإجمالية التى هى عين المسائل الأصولية فلا يصح إرادة شئ منها بالأدلة الإجمالية.
قوله: (بيان لذلك) أى لعدم الاستقامة إذ يجب أن يقال على هذا التقدير كل مسألة مسألة بعلة علة.
قوله: (وجميعه شرح) هذا الكلام وجه آخر لبيان أن تفصيلية صفة للأدلة لا للعلل ومعناه أن جميع ذلك الكلام المشتمل على ذلك المفسر والمفسر شرح وبيان للقيد المذكور فى التعريف وهو الاستنباط من الأدلة التفصيلية، ويجب أن يجعل تفصيلية صفة للأدلة.
قوله: (لا على قوله ليس فى وسع الكل أيضًا) أى كما لا يكون فى وسعهم
[ ١ / ٧٧ ]
الحفظ المذكور؛ وذلك لأن قوله ليس فى وسع الكل لا يتم بيانه بمجرد قوله لتوقفه على أدوات يستغرق تحصيلها العمر إذ لا فساد فى ذلك ويجب أن ينضم إليه قوله وكان يفضى حتى يتم ذلك البيان.
قوله: (لاندراجه تحت قولنا) قيل عليه إن الملازمة السابقة التى هى قوله كلما دل القياس على ثبوت حكم كان ثابتًا فيجب أن لا تكون هذه الملازمة أيضًا مسألة.
واعلم أن قوله ربما لا تكون هذه القضية الكلية مسألة لا ينافى الاحتياج إلى المقدمات الكلية التى هى المسائل الأصولية لأن الاستدلال بالملازمة المندرجة صحيح باعتبار اندراجه تحت ما هو مسألة من الأصول وإنما لم يكن هذا المندرج مسألة؛ لأن دلالة القياس على الوجوب لا تكون من الأعراض الذاتية المعتبرة هنا.
قوله: (والعلم ببعض تلك القواعد) قد يقال وقع فى التحريف لفظان لفظ القواعد ولفظ الأحكام وخروج بعض القواعد يحصل بحمل أحد اللفظين على الجميع، فجاز أن يراد بالأحكام جميعها فخرج بعض القواعد إذ لا يتوصل ببعض القواعد إلى جميع الأحكام وأن لا يراد بالقواعد جميعها فلا يخرج البعض بهذا القيد، ويجاب بأن القواعد التى يتوصل بها إلى جميع الأحكام لا يجب أن تكون جميع القواعد لأنا إذا اعتبرنا بعضًا من المسائل التى يتوصل بها إلى استنباط الوجوب الذى هو حكم شرعى واحد واعتبرنا بعضًا آخر من المسائل الأصولية التى يتوصل بها إلى استنباط الحرمة وكذا الحال فى الكراهة وغيرها ثم جميعها تلك الأبعاض التى ليست جميع القواعد الأصولية صدق على العلم بها أنه علم بالقواعد التى يتوصل بها إلى جميع الأحكام الشرعية الفرعية من أدلتها التفصيلية فيجب اعتبار الجميع فى القواعد لإخراج البعض ويجاب أيضًا بأن هذين اللفظين قد وقعا على فهم واحد فإذا حمل أحدهما على الجميع حمل الآخر عليه أيضًا وبعد ذلك إسناد الإخراج إلى القيد الأول أولى.
قوله: (وقيل احتراز عما يتوصل به) يمكن أن يقال فى توجيه كلام هذا القائل إن الأحكام الشرعية منوطة ومستندة إلى الأدلة التفصيلية التى يقع الاستنباط منها بواسطة المسائل الأصولية قطعًا وليس الاستنباط من غير تلك الأدلة لكن يكون لتلك الأدلة اعتباران أحدهما الملاحظة التفصيلية والآخر الملاحظة الإجمالية، وعند الاستنباط يلاحظ تلك الأدلة مرة بالتفصيل فحصل صغرى بأن يقال هذا أمر
[ ١ / ٧٨ ]
ويلاحظ مرة أخرى بالإجمال فحصل كبرى بأن يقال وكل أمر للوجوب وأرباب الأصول يتوجهون إلى تلك الأدلة بالاعتبار الثانى أى يعبر عنها بالمفهومات الكلية ويبحثون عنها ولا شك أن الاستنباط منها بالاعتبار الأول يكون بواسطة المسائل الأصولية فهى وسيلة إليها، وأن الاستنباط منها بالاعتبار الثانى يكون بواسطة القواعد الكلامية والعربية فهى أيضًا وسيلة إليه وكلا الاعتبارين واقعان فى الاستنباط ضرورة فالاستنباط من الأدلة الإجمالية هو بعينه استنباط من الأدلة التفصيلية والتغاير اعتبارى فصح أن يقال قوله من أدلتها التفصيلية احترازًا عما يتوصل به إلى استنباط الأحكام الشرعية من أدلتها الإجمالية.
قوله: (إذ لا يتوصل إلا بقواعده) فإن قلت يلزم من هذا أن المنطق نفس الأصول لا جزء منه، إذ حصر التوصل فى أن يكون به بمقتضى ذلك قلت: الحصر إضافى والمراد أن التوصل لا يكون إلا مع مدخلية المنطق ولا يحصل بالاستقلال من علم الأصول ولا شك أن للأصول مدخلًا أيضًا فيكون المنطق جزءًا.
قوله: (يشعر بمزيد اختصاص) قيل عليه لا يندفع الاعتراض بهذا الجواب إذ مجموع المركب من المنطق والمسائل الأصولية يكون له مزيد اختصاص بتلك الأحكام والاعتراض ليس باعتبار استقلال المنطق بل باعتبار كونه جزءًا من الأصول والجواب يدفع الاستقلال فقط والجواب أن المراد بالإشعار ههنا باعتبار كل قاعدة يعنى أن وصف القواعد يشعر بمزيد اختصاص لكل من تلك القواعد بالأحكام المخصوصة.
قوله: (ومنه يستفاد أيضًا) أى كما يستفاد الدافع للنقض بالمنطق من هذا الوصف وهو مزيد الاختصاص يستفاد الدافع للنقض بعلم اللَّه تعالى وعلم الرسول ﵊ وهو أن العالم بتلك القواعد يصح منه أن يجعلها وسيلة إلى تحصيل الأحكام الشرعية عن أدلتها التفصيلية.
قوله: (قيل عليه) حاصل الاعتراض أن قول الشارح فلا بد فى معرفة المركب من معرفة مفرداته يقتضى أن يراد بالمعرفة ما هو بالكنه، وإذا كان ذلك فلا فائدة فى قوله من حيث تركبها، وحاصل الجواب أن المراد معرفة المركب أى من حيث اشتماله على المعنيين الواقع بينهما نسبة فإن ذلك حيثية التركيب، وحينئذٍ لا بد من معرفة مفرداته من حيث يصح تركيبها إلا مطلقًا وهذه المعرفة أعم من أن تكون
[ ١ / ٧٩ ]
معرفة المعنى المطابقى أو لا؛ إذ يجوز أن يكون صحة التركيب باعتبار المعنى الطابقى وغيره لكن قول الشارح الأصول والفقه من حيث دلالتهما على معنييهما والمتبادر من المعنى لشئ هو المعنى المطابقى له يشعر بأن المراد بقوله من حيث يصح تركيبها من حيث دلالتها على معانيها وعلى تقدير إرادة ذلك يجب أن يراد بالمعرفة ما هو بالكنه لأن اللفظ المركب لا يجب أن يكون تركيبه باعتبار إرادة المعنى المطابقى لكل واحد من أجزائه بل يجوز التركيب باعتبار المعنى المجازى فمعرفة المركب من حيث هو مركب لا تتوقف على معرفة المعانى المطابقية لمفرداته إلا إذا أريد بالمعرفة ما هو بالكنه وإذا أريد ذلك فلا حاجة إلى التقيد بالحيثية فى الموضعين وتقرير المحشى مع اعتبار الحيثية وعدم التقيد بالطابقى يناسب أن يجعل الحد فى قول المصنف وأما حده بمعنى المعرفة.
قوله: (فإن المرجوح كالمجاز مثلًا) يعنى أن المناسبة بين المعنى الاصطلاحى واللغوى لا يجب أن تكون فى جميع الأفراد بل يجوز أن تكون فى بعضها فقط فلا يراد أن الابتناء فى بعض أفراد المرجوح لا يستلزم ثبوت الابتناء فى جميعها.
قوله: (بملاحظة الحيثية) يعنى أن الحدس فيه مقدمات مرتبة قد تكون دليلًا بالنسبة إلى من حصلها بالطلب والشوق وتجشم الاكتساب وهو فرد من الدليل فيصدق على أن علمهما حاصلان من الدليل أى من فرده، وفى الفردية يكفى الصدق فى الجملة والحصول عن كذا يقتضى التأخر الذاتى والحال فى التحصيل بالحدس كذلك لكن الحاصل بالحدس مما هو دليل فى الجملة لا يكون من الدليل من حيث هو دليل فبالحيثية خرج علمهما.
قوله: (إذ لا منافاة بين المعية) أى سلمنا أن الحاصل بطريق الضرورة يكون مع الأدلة لكن كونه معها لا يكون إلا بالزمان ويكفى فى الحصول عنها التأخر الذاتى ولا منافاة.
قوله: (فالمراد بالأحكام التصديقات) أى المصدق بها لئلا يلزم العلم بالعلم.
قوله: (مما لا يلتفت إليه) لأن التفرع عن الأدلة لا يثبت إلا للعلم ولا يحصل بالاستدلال إلا ما يتفرع عن الدليل فلا معنى لقوله فيتناول علم اللَّه تعالى ورسوله ﵊ باعتبار أن علمه تعالى يتعلق بأحكام لها صفة هى أنها متفرعة عن الأدلة وباعتبار أنه لا يلزم أن يكون العلم كذلك.
[ ١ / ٨٠ ]
قوله: (ولا نقل فيه) يعنى أن اللفظين اللذين هما بمنزلة المادة يتحقق فيهما النقل بخلاف الجزء الصورى فإنه باقٍ على حاله مرادًا به معناه لغة وهذا المعنى منه ظاهر لا يحتاج إلى البيان وفساد هذا الكلام ظاهر؛ لأن الهيئة التركيبية ليس لها معنًى فى العلمى إذ المجموع المركب من اللفظين والهيئة التركيبية منقول وكل واحد منها بمنزلة الجزء لزيد وإجراء الإعراب بسبب تركيبه فى وضع آخر هذا إذا كان المراد بالنقل ما هو واقع فى جزء المركب من معناه اللغوى إلى المعنى التركيبى الذى هو المعنى الاصطلاحى كما ذكره فى حاشية الحاشية فوجه ضعف هذا القول أن الاحتياج إلى البيان لا يلزم أن يكون حاصلًا من النقل حتى يقال انتفى النقل فانتفى الاحتياج إلى البيان ولو كان بسبب عدم الاحتياج ظهور ذلك المعنى لوجب أن يقال لم يتعرض له لأنه أريد به معناه لغة وهو ظاهر.
قوله: (فقد أراد به الدلالة مطلقًا) فإن قيل إذا ذكر لفظ الدلالة يصح أن يراد منه مطلق الدلالة، وأن يراد منه الدلالة المطابقة وإرادة التضمن أو الالتزام لا يليق بالتوهم فقول الشارح يفيد اختصاص المضاف بالمضاف إليه باعتبار ما دل عليه لفظ المضاف لا يجوز أن يراد بالدلالة المذكورة فيه دلالة المطابقة، وهو ظاهر فيجب أن يراد مطلق الدلالة وعلى هذا معنى قوله بخلاف اسم العين فإنها تفيد الاختصاص مطلقًا أن اسم العين يخالف اسم المعنى باعتبار أن اسم المعنى مقيد بما ذكر واسم العين غير مقيد به وقد ذكر أن الدلالة فى كلام ابن الحاجب يراد بها المطلق وحصل من ذلك أن اسم العين أيضًا مقيد بما ذكر فوقع المنافاة بين كلام الشارح وبين كلام ابن الحاجب والتقرير الذى ذكره المحشى لا يكون مأخوذًا من كلام الشارح لأن هذا الكلام لا يكون قابلًا له، قلنا: يجوز أن يجعل قول الشارح تقول مكتوب زيد والمراد اختصاصه به لمكتوبيته له قرينة على أن مراده بما دل عليه لفظ المضاف جزء مخصوص من مسماه وهو الصفة الداخلة كما فسره المحشى وحينئذٍ يكون تقرير المحشى موافقًا لما أراده الشارح فلا يبقى المنافاة، فإن قلت المنافاة التى ذكرها المحشى ودفعها بقوله فقد أراد به الدلالة مطلقًا إما أن يكون تقريرها بعد تفسير كلام الشارح وتقييده بما ذكره المحشى أو قبل ذلك فعلى الأول يتحقق المنافاة إذا أريد بالدلالة المذكورة فى كلام ابن الحاجب دلالة تضمنية مخصوصة أى الدلالة على الصفة المأخوذة فى مسمى المضاف وهو فى غاية البعد عن الوهم،
[ ١ / ٨١ ]
وعلى الثانى يتحقق المنافاة بسبب إرادة مطلق الدلالة فكيف يصح أن يقال لدفع المنافاة أن ابن الحاجب أراد به الدلالة مطلقًا فلا منافاة قلت قوله فلا منافاة متفرع على شيئين أحدهما حمل الدلالة فى كلام ابن الحاجب على المطلق والثانى حملها فى كلام الشارح على الخاص فكأنه قال دفع المنافاة بين كلام الشارح بحسب الظاهر وكلام ابن الحاجب واندفع بالتخصيص الأول والتعميم فى الثانى، وقد يقال ليس المراد بالمنافاة المذكورة المنافاة بين كلام الشارح وكلام ابن الحاجب بل المراد هو المنافاة بين كلام ابن الحاجب وبين قول المحشى، فإذا قلت دار زيد أو عمله أفاد اختصاصًا فى الملكية أو السكنى وفى القيام أو التعلق إذ يفهم من هذا الكلام أن اسم العين غير مقيد بما دل عليه لفظ دلالة مطابقة فإذا حمل الدلالة فى كلام ابن الحاجب على المطابقة حصل المنافاة واندفع بما ذكره من أن المراد مطلق الدلالة المطابقة.
قوله: (أو مشتقًا كما فى كاتب زيد) فإن قيل من قال اسم المعنى ما دل على معنًى لا يقوم بنفسه إن كان مراده بالدلالة ما هو أعم من المطابقة وغيرها فلا يكون إطلاق اسم المعنى على مشتق موضوع لشئ يقوم بنفسه باعتبار معنًى يقوم به مجازًا إذ هو من جملة أفراده كالمشتق الموضوع لمعنًى يقوم بغيره باعتبار معنًى يقوم بذلك المعنى وإن كان مراده دلالة المطابقة فالتمثيل بكاتب زيد غير صحيح؛ لأن هذا المشتق ليس مدلوله المطابقى معنى لا يقوم بنفسه وهو من قبيل ما يطلق عليه اسم المعنى بطريق المجاز، قلنا: الظاهر أن مراده هو الثانى والتمثيل بالفرد المجازى الذى هو كاتب زيد مشتمل على فائدة هى العلم بما أفاده إضافة اللفظ الموضوع بإزاء معنًى يقوم بنفسه باعتبار معنًى يقوم به لأن الاسم الذى يطلق عليه اسم المعنى قد بين حال إضافته والاسم الذى يطلق عليه اسم العين قد بين حالا إضافته أيضًا، وأما الاسم الذى يطلق عليه اسم العين والمعنى أو اسم المعنى والعين فلم يبين حال إضافته إلا فى قوله فى كاتب زيد وقد يقال مراده مطلق الدلالة والتمثيل بكاتب زيد صحيح وهذا المعنى المذكور لاسم المعنى معنًى عرفى له، وقوله والمشتق إذا كان موضوعًا لشئ يقوم بنفسه. . . إلخ. يكون باعتبار اللغة فلا فساد.
قوله: (باعتبار تعلقه الخارج عن مفهومه) أى عن مسماه فلا يكون لفظ الدق اسم معنًى إذ يجب فيه مختص وجهة اختصاصه داخلة فى مسمى المضاف وهذا
[ ١ / ٨٢ ]
القائل لم يتنبه للفرق بينهما وزعم أنه يكفى أن يكون هنا معنًى قائم بالغير هو المختص فحكم بأن الكتابة مختصة كما حكم على مدلول لفظ الدق بأنه مختص ولم يقل: إن الكاتب باعتبار الكتابة كما قاله الشارح فى المكتوب ولم يجعل البيان فى اسم المعنى على وجه يقتضى فى الإضافة شيئًا هو المختص وشيئًا هو جهة الاختصاص.
قوله: (عينت له لفظ المضاف) دل على أنه يجب أن يكون لفظ المضاف الذى هو اسم المعنى على وجه يشتمل على معنًى هو غير المعنى الذى يختص بالمضاف إليه وهذا الاختصاص يكون فى ذلك المعنى، فإن قلت: هذا الكلام المنقول من الحصول لا يقتضى إلا أن يكون فى إضافة اسم المعنى مختص وجهة الاختصاص التى عينت لها لفظة المضاف وأما كون تلك الجهة داخلة فى مفهوم المضاف فلا يلزم هذا من ذلك المنقول إذ التعيين بجهة الاختصاص من لفظ المضاف حاصل بمجرد دلالته عليها والتزامًا وقد ذكر المحشى فى التوفيق بين كلام ابن الحاجب وبين كلام الشارح أن التعلق والقيام فى إضافة العلم إلى زيد يكون من قبيل ما دل عليه لفظ المضاف ولفظ الدق مثل لفظ العلم فى الدلالة على التعلق ولا يلزم من عدم ذكر جهة الاختصاص عدم الفرق بين المختص وجهة الاختصاص وأما قول ذلك القائل فى كاتب زيد أنه يفيد اختصاص الكتابة فبالنظر إلى أن المختص حقيقة هو الكتابة لا الكاتب قلت التعلق المذكور فى لفظ الدق لم يحصل من لفظ الدق بل من معناه كالملكية والسكنى من الدار فلا يكون تعين جهة الاختصاص من لفظ المضاف بخلاف مثل لفظ الكاتب فإنه تعينت الكتابة فيه من اللفظ فإن العلم بالمدلول التضمنى من العلم باللفظ الموضوع للكل صادق على ملاحظة الكل بخلاف المدلول الالتزامى.
قوله: (باعتبار ملكيته أو ركوبه) قيل عليه وليس المراد من قوله بحسب الذات والمقاسمة (^١) به بقرينة قوله أفاد أنها مع جميع منافعها بل المراد المعانى المناسبة له التى تلاحظ فى الاختصاص عرفًا وكون فهم اختصاص منافعها تبعًا للملكية لا ينافى إفادة الإضافة لذلك الاختصاص فإن اللفظ أفاد المعنى وأفاد لازمه أيضًا.
_________________
(١) قوله: والمقاسمة. هكذا فى النسخ وفى الكلام سقط وتحريف فارجع إلى الأصل الصحيح وحرر. كتبه مصحح طبعة بولاق.
[ ١ / ٨٣ ]
قوله: (وفيه إيماء) أى فى الكلام السابق الحاصل من كلام الشارح ووجه الإيماء أن الشارح إذا قال ونقل إلى ذكرناه فكأنه قال فاحتيج إلى نقل لعدم تناوله للأقسام الثلاثة بقرينة قوله فيما بعد لشمل الأقسام ولم يحتج إلى نقل فالأقسام التى ذكرها سابقًا فى الأدلة لاجتهاد والترجيح من غير فرق بحسب الظاهر بينها وبين المباحث المتعلقة بها وإذا لم يكن الشمول للأدلة شمولًا لجميع الأقسام يحصل الإيماء إلى أن المباحث المتعلقة بالأدلة لا تشمل مباحث الاجتهاد والترجيح وحينئذٍ يجب أن يكون الموضوع هو الأدلة والاجتهاد والترجيح فإذا جرى الكلام على الإجمال فلا يتناول الأصول بمعنى الأدلة شيئًا من أقسام الأصول التى هى المسائل المتعلقة بالأدلة على الإجمال إلا بتأويل.
قوله: (وعنه بإضافة العلم إليه) الظاهر أن الأصول بالمعنى اللغوى يتناول العلم أيضًا لأن الفقه يتوقف على التصديقات المتعلقة بتلك المسائل كما يتوقف على نفس تلك المسائل لأن المسألة الأصولية تصير كبرى حين الاستنباط فيجب التصديقات بها.
الشارح: (أى كل مسألة مسألة بدليل دليل) أى كل دليل يناط به فرقة من الأحكام الفقهية يعبر عن كل فرقة منها بقضية كلية هى مسألة من الفقه.
الشارح: (بغيرهما) أى بغير الكلية والتفصيلية، وقد فسر الكلية بقوله: من عمومات وعلل، والتفصيلية بقوله: أى كل مسألة مسألة بدليل دليل.
الشارح: (كعلم جبريل والرسول ﵉) أما عند من لم يجوز الاجتهاد من النبى -ﷺ- فظاهر، وأما عند من جوزه منه ﵇ فخروج علمه الحاصل بالاجتهاد؛ لأن المراد العلم بجميع الأحكام وعلم النبى ﵇ بجميع الأحكام ليس بطريق الاستدلال.
التفتازانى: (بيان لذلك وتفسير) أى لقوله تفصيلية فلو لم يكن صفة للأدلة لقيل أى كل مسألة مسألة بعلة علة.
السعد: (إلى أحوال الأدلة والأحكام) مبنى على أن موضوع الأصول الأدلة والأحكام.
السعد. (لتتم. . . إلخ) أى وما به التمام من المسائل الأصولية.
[ ١ / ٨٤ ]
التفتازانى: (لا ما دل عليه الكلام) تحريف وصوابه: على ما دل وقوله أو لدفع وهم من يعقل لعله من لا يعقل.
التفتازانى: (إذ الحاصل بطريق الضرورة. . . إلخ) قد رده السيد بأن ذلك لا ينافى كونه عن الأدلة وإنما الإشعار المذكور لملاحظة الحيثية لا لما ذكر.
التفتازانى: (جميع الصفات) أى التى منها ما دل على معنًى وذات قائمة بنفسها وقوله: من تخصيص هذا الحكم أى الذى ذكره فى المحصول وقوله بالمشتق. . . إلخ أى لا باسم المعنى كما صنع الشارح.
التفتازانى: (أو على صيرورته علمًا بالغلبة) الأولى حذفه؛ لأن الكلام مبنى على عدم النقل فلا مجال للغلبة فى هذا المقام وتقدم عدم صحة الغلبة هنا فالمراد الجنس فى ضمن بعض معين أو الأكثر بالعهد على أن العهد من مصدوق الجنس وإن كان بعيدًا.
قوله: (أى باعتبار مفهومه الأصلى) ولم يعتبروا الإشعار الواقع فى المعنى العلمى لو وجد.
قوله: (فإن ذلك قد يقصد) قيل: إن قد للتحقيق على حد قوله تعالى: ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ﴾ [الأحزاب: ١٨]، فلا بد من قصد المعنى الأصلى تبعًا عند قصد المعنى العلمى فى اللقب وقول التفتازانى: وإن لم يكن مما يقصد عند استعمال اللفظ علمًا أى لم يكن مقصودًا بالذات فلا ينافى القصد التبعى فهو قائل به.
قوله: (إذ القائم منه. . . إلخ) يفيد أن العلم تصديق وإدراك لا مسائل ومصدقات.
قوله: (ولما احتيج. . . إلخ) أى ليشتمل مباحث الأدلة ومباحث الترجيح والاجتهاد وإلا فمعناه الأصلى دلائل الفقه فقط وأيضًا المتبادر من الدلائل نفسها لا مباحثها مع أن المراد مباحثها فاحتيج إلى النقل.
قوله: (على ما عهد فى اللغة) أى من التركيب الإضافى إذا نقل ينبغى أن ينقل إلى المعنى العلمى لتبقى عهديته بخلاف غيره فقد ينقل إليها وإلى غيرها.
قوله: (لا يلاحظ فيه) أى باعتبار المعنى العلمى وإن لوحظت باعتبار اللقبية.
قوله: (لكن أريد بالمرجع. . . إلخ) أى ففيه استخدام.
قوله: (الإضافة ذاتية أو لازمة) اعلم أنه لا بد فى العلم من إضافة أى نسبة بين العلم والمعلوم بها يكون العالم عالمًا والمعلوم معلومًا فبعض قال: إن العلم نفس
[ ١ / ٨٥ ]
الإضافة وبعض قال إن العلم صفة تستلزم الإضافة فعلى الأول الإضافة ذاتية للعلم لأن المراد بالذاتى ما ليس خارجًا فيشتمل نفس الذات وعلى الثانى الإضافة لازمة.
قوله: (أى المتعلق بها) وتقديره ظاهر سواء أريد بالعلم الملكة أو الإدراك.
قوله: (وتسمى فروعًا) أى أحكام الجزئيات تسمى فروعًا بمعنى التصديقات والظاهر أن المراد المصدقات بها.
قوله: (كالحكم بأن. . . إلخ) معناه كالنسبة المصورة بأن. . . إلخ.
قوله: (يجب أخذها من الشرع) أى اعتقادًا أو اطمئنانًا فلا يرد أن من العقائد ما يتوقف ثبوت الشرع عليه فإذا أخذت منه كان دورًا كوجوب الوجود له تعالى.
قوله: (وربطت) قدره ليكون على منوال ما تقدم للشارح ولكون الربط راجعًا للعلل.
قوله: (عمومات الكتاب) نحو: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة: ٤٣]، والسنة نحو: "البينة على المدعى واليمين على من أنكر".
قوله: (والعلل القياسية) أى كما يستنبط الإسكار علة للحرمة فى الخمر ليقاس عليه غيره.
قوله: (إذ مبنى القياس عليها) أى فذكرها ذكر للقياس فلا يقال: إنه ترك القياس.
قوله: (صفة ثانية) أى: والأولى هى قوله: كلية وأما قوله: من عمومات وعلل فهو حال.
قوله: (فيه ذهول أيضًا) أى كالذهول فى قول من جعلها صفة لعلل الذى رد عليه السعد أى فقد وقع السعد فى الذهول الذى رد به على غيره.
قوله: (عما فسر بها) الأولى عما فسرت بها ووجه الذهول عن ذلك أنه لو كان كما ذكر لقال أى كل مسألة مسألة بعام عام وعلة علة.
قوله: (وأما خواصه -ﷺ-. . . إلخ) جواب عما يقال: إن كون الأدلة التفصيلية الجزئية منصوبة على أعيان المسائل الشاملة لأحكام جزئية ممنوع إذ منها خواصه -ﷺ- وليست شاملة للجزئيات ووجه الدفع أن كلامنا فى الأدلة المنوط بها استنباط الأحكام الفرعية ليعمل بها وخواصه -ﷺ- ليست من هذا القبيل.
[ ١ / ٨٦ ]
قوله: (لا يقال. . . إلخ) إيراد على قوله كل مسألة مسألة بدليل دليل فإنه يفيد أن الدليل لا يشترك فيه مسائل كثيرة بل لا يكون إلا لمسألة واحدة.
قوله: (ولم يذكر الإجماع. . . إلخ) أى كما ذكر القياس بذكر العلل المبنى عليها حيثما لم يكتف بالعمومات التى هى بيان للأدلة فيفيد أنها قاصرة على الكتاب والسنة.
قوله: (كالكتاب والسنة) اعلم أن الدليل التفصيلى هو كل واحد مما نص على خصوصية حكم حكم كالأوامر والنواهى المخصوصة والإجمالى ما تشترك تلك الأدلة فيه كمطلق الكتاب والسنة لا مفهوم لفظ الدليل الإجمالى كما توهم ولذا مثل لمفهوم الدليل الإجمالى بقوله كالكتاب والسنة ومعلوم أن الأحكام التفصيلية لم تنط بمطلق الكتاب والسنة حتى تستنبط منهما فإذا أريد الأدلة الإجمالية باعتبار أحوالها المحمولة عليها وهى القضايا الأصولية صار المعنى أنهم احتاجوا إلى مسائل الأصول فى استنباط الأحكام من مسائل الأصول وبطلانه ظاهر.
قوله: (وجميعه شرح للاستنباط) وجه آخر لبيان أن تفصيلية صفة للأدلة لا للعلل ومعناه أن جميع ذلك الكلام المشتمل على المفسر والمفسر شرح وبيان للقيد المذكور فى التعريف وهو الاستنباط من الأدلة التفصيلية فيجب أن تجعل تفصيلية صفة للأدلة قاله الهروى وهو مأخوذ من كلام التفتازانى.
قوله: (لا تحصل إلا فى مدة متطاولة) يريد أن استغراق العمر ليس على ظاهره كما حمله علمه التفتازانى وأورد أنه لو توقف على أدوات يستغرق العمر تحصيلها لم يكن فى وسع أحد لانقضاء العمر فى تحصيل الأدوات وأجاب بأنه صحح لو لم يكن بعضهم لبعض ظهيرًا فلهذا قالوا: إن العلوم إنما تتم بتلاحق الأفكار لا يقال إذا اعتبرت الإعانة من بعض لبعض كان فى وسع الكل لأنا نقول: بل يلزم تعطيل الكل لو طلب من الكل وكان عليه معينًا للآخر وإنما حمله على هذا لبعد ما قاله التفتازانى عن المقام لأنه عليه لا بد من أن يراد بالأدوات ما يشمل أدوات التعيش ولكن يرد على ما حمله عليه قدس سره أن توقفه على أدوات يستغرق تحصيلها مدة متطاولة لا ينتج أنه ليس فى وسع الكل ويجاب بأن قوله وكان يفضى من تمام العلة كما سيبين.
قوله: (هى شرائط الاجتهاد. . . إلخ) أى لا ما يشمل ما يحتاج إليه فى التعيش.
[ ١ / ٨٧ ]
قوله: (فهو عطف. . . إلخ) أى لأن فاعل يستغرق هو تحصيل الأدوات وكذا هو فاعل يفضى فهو من تمام التعليل.
قوله: (لا على قوله ليس فى وسع) أى لأنه لو عطف عليه لفهم أن استغراق العمر فى تحصيل الأدوات يكفى فى العلية لقوله وإذ ليس فى وسع الكل مع أنه فاسد إلا أن يراد بالأدوات ما يشمل ما يحتاج إليه فى التعيش ويعتبر أن البعض للبعض ظهير، وقد تقدم أنه خلاف ما يقتضيه المقام لكن يرد أن الظاهر على هذا ترك لفظ كان ليتناسب المعطوف والمعطوف عليه لكنه أمر سهل وفى قوله: لا على ليس فى وسع. . . إلخ، رد على التفتازانى.
قوله: (وسموا العلم المتعلق به الحاصل للمجتهدين. . . إلخ) لا يقال أى فائدة فى علم الأصول لغير المجتهدين؛ لأنا نقول: الفائدة فيه حفظ الأحكام بدلائلها فتطمئن النفس.
قوله: (تتعلق بالأدلة السمعية) لم يقل والأحكام كما قال التفتازانى لأن موضوع الأصول هو الأدلة فقط على المختار.
قوله: (من الجهات المذكورة) هى دلالتها على الأحكام مطلقًا أو باعتبار تعارضها أو الاستنباط منها.
قوله: (لا تكون هذه القضية الكلية) وهى الكبرى التى تكون فى الشكل الأول والملازمة الكلية التى تكون فى القياس الاستثنائى فإذا حرر الدليل على نظم الشكل الأول فكبراه هى القاعدة الكلية الأصولية، وإذا حرر على نظم القياس الاستثنائى فالملازمة هى القاعدة الكلية الأصولية ومعنى كون ذلك من الأصول أنها مأخوذة منه سواء كانت بنفسها مسألة أصولية معينة أو مندرجة فيها أو مأخوذة من عدة مسائل ولا بد فى القضية الكلية الأصولية من قيود فكل أمر للوحوب مقيد بكل أمر ليس منسوخًا ولا معارضًا براجح أو مساوٍ ولا مؤول فلا بد لإتمام هذه القاعدة من معرفة مسائل النسخ والتعارض والتراجيح والتأويل فهذه القاعدة مأخوذة من عدة مسائل وكذا الملازمة فى القياس الاستثنائى فاندفع ما يتوهم وروده من أن كثيرًا من مسائل الأصول لا يصلح كبرى القياس كقولهم: القياس لا يكون ناسخًا ولا منسوخًا.
قوله: (كلما دل القياس. . . إلخ) لا فرق يعتد به بين هذه القضية وبين قولنا:
[ ١ / ٨٨ ]
كلما دل القياس على وجوب شئ كان واجبًا حتى تكون الأولى من المسائل الأصولية والثانية مما يندرج تحتها فإن التعبير عن الحكم المخصوص بالوجوب أو بهذا الحكم ليس فيه فرق يعتد به إذ الإشارة إنما هى لنوع من أنواع الحكم لأن الفقيه إنما يبحث عن الأنواع المخصوصة لا عن مطلق الحكم.
قوله: (وأحوال الأحكام. . . إلخ) هذا يقتضى أن مباحث الأحكام الراجعة إلي تلك الكلمة من مسائل الأصول فيكون موضوعه الأدلة والأحكام وهو ينافى ما تقدم من أن الموضوع هو الأدلة.
قوله: (لا تثبت بالقياس) إذ القياس مساواة فرع لأصل فى علة الحكم فاستنباط الحكم منه يتوقف على العلم بكون شئ مخصوص علة للحكم فلو ثبتت علية الشئ بالقياس كان دورًا بل يثبت بالسبر وغيره على ما سيجئ فى بحث القياس.
قوله: (ومسائل من الأصول أيضًا) أى كالمقدمة الكلية.
قوله: (حرروها) وتلك المسائل هى قواعد الأصول.
قوله: (لا نفى معلل بالإضافة) أى: لأنه لو كان نفى معلل لأفاد الكلام بطريق المفهوم أنهم أهملوه لأمر آخر كذا قيل ولم يجعل مفعولًا ثانيًا ليروا أى لم يعلموا الإهمال نصحًا لأنه لا يلائمه قوله وإعانة.
قوله: (لعدم اختصاصه بالمجتهدين) وفائدته بالنسبة لغيرهم هى معرفة الأحكام بدلائلها وذلك موجب لاطمئنان النفس كما تقدم.
قوله: (فاشتماله على المعلوم) وهو القواعد المذكورة أو الغاية وهى الاستنباط لا ينافى ذلك أى كونه حدًا وهو تفريع على الوجهين وإن اقتصر التفتازانى على التفريع على الأول حيث لم يذكر الوجه الثانى.
قوله: (والعلم ببعض تلك القواعد) يشير إلى أن فى القواعد للاستغراق قد يقال: وقع فى التعريف لفظان؛ لفظ القواعد ولفظ الأحكام وخروج العلم ببعض القواعد كما يكون بالقواعد يكون بالأحكام فما وجه نسبة الخروج إلى القواعد دون الأحكام؟ ويجاب بأن هذين اللفظين قد وقعا على نهج واحد فإذا حمل أحدهما على الجميع حمل الآخر عليه ونسبة الإخراج إلى الأول أولى لتقدمه.
قوله: (ما يتوصل به. . . إلخ) لم يخرج بقيد التوصل العلم بالقواعد التى هى مقصودة بالذات كما صنع التفتازانى؛ لأن القواعد لا تكون إلا وسيلة لغيرها
[ ١ / ٨٩ ]
ولعله أراد بالقواعد المقصودة بالذات القواعد المذكورة فى العلم النظرى غير الآلى.
قوله: (وإن وافقت مسائل الأصول) وذلك بأن يتعلق بعض مسائله باستنباط الأحكام أيضًا كما تعلقت بحفظ الوضع وهدمه.
قوله: (وفى جعل الأحكام. . . إلخ) إشارة إلى رد ما ذهب إليه بعضهم من أن الأحكام هنا يجوز أن يراد بها الخطابات المتعلقة بأفعال المكلفين بالاقتضاء أو التخيير أو الوضع، ووجه الرد أن الأحكام فى تعريف الأصول يجب أن تكون مشتركة بين العقلية والشرعية الأصلية والفرعية ومنقسمة إليها كما أشار إليه الشارح حيث قال: الأحكام قد تؤخذ لا من الشرع. . . إلخ؛ ليكون لقيد الشرعية والفرعية فائدة فيخرج بالأول الأحكام العقلية بل وغيرها من الأحكام الاصطلاحية غير الشرعية وبالثانى الشرعية الأصلية فيجب أن تكون الأحكام بمعنى النسب فقول المحشى: التصديقات مراده بها المصدق بها التى هى النسب لا الخطابات لئلا يلغوا ذكر الشرعية والفرعية لأن الخطابات المذكورة لا تكون إلا شرعية وفرعية بل لا يكون للتقيد بهما صحة لأن الخطابات المذكورة هى الكلام القديم المتعلق بأفعال المكلفين فليس مأخوذًا من الشرع ولا متفرعًا عن الشرعية الأصلية.
قوله: (وقيل احتراز. . . إلخ) قائله التفتازانى.
قوله: (على أن الكتاب صدق وحق) أى فكل ما دل عليه من الأحكام فهو ثابت لأن كون الكتاب حقًا وصدقًا يوجب أنه وأجزاءه حجج ودلائل.
قوله: (ليست مستندة) أى استنادًا قريبًا يترتب عليه الاستنباط مما استند إليه كما يشير إليه قول: مستنبطة هى منها.
قوله: (إلى استنباطها من أدلتها الإجمالية) أى لا علمت من أن الاستنباط لها إنما يكون من الأدلة التفصيلية ثم المراد التوصل القريب فلا يرد قواعد الكلام والعربية.
قوله: (إذ لا يتصل إلا بقواعده) الحصر إضافى بالنسبة لعدمه أى لا يتوصل بدونه يدل عليه قوله: فيكون جزءًا.
قوله: (يشعر بمزيد اختصاص لها بالأحكام المخصوصة) وذلك لأن وصفها بالتوصل يشعر بأن العلم بها له نسبة قريبة إلى التوصل المذكور بأن تكون كل قاعدة
[ ١ / ٩٠ ]
من قواعده كبرى فى قياس الاستنباط أو مندمجة فيها كالمتعلق بشروط الأدلة بخلاف قواعد المنطق فيتوصل بها إلى جميع الأحكام عقلية أو شرعية أصلية أو فرعية، وبعبارة المنطق يبحث عن كيفية الاستنتاج وكيفية الإيصال إلى المجهول التصورى فنسبته إلى العلوم كلها نسبة واحدة.
قوله: (ومنه أيضًا يستفاد ما يدفع به النقض. . . إلخ) أى من وصف القواعد المشعر بمزيد اختصاص لها بالأحكام الفقهية يستفاد نقض تعريف علم الأصول بأنه علم. . . إلخ. ووجه ذلك أن وصف القواعد يشعر بأن المقصود والغرض من العلم بتلك القواعد هو التوصل إلى استنباط الأحكام، وظاهر أن علم اللَّه تعالى وعلم جبريل والنبى -ﷺ- ليس لأجل التوصل فلا ينتقض التعريف بشموله لذلك.
قوله: (قيل عليه. . . إلخ) حاصله اعتراض على قوله من حيث يصح تركيبها بأنه لا حاجة إليه وقوله: وأجيب. . . إلخ، حاصله أن المراد بمعرفة المركب معرفته من حيث كونه مركبًا وحينئذٍ فلا بد من معرفة أجزائه من حيث التركيب سواء كانت المعرفة بالكنه أو بغيره وإن كان المعنى الذى ذكر هنا للجزأين هو المعنى المطابقى.
قوله: (معانٍ أربعة) ترك خامسًا وهو إطلاق الأصل على المقيس عليه إلا أن يقال: ليس مراده الحصر.
قوله: (وسيأتى جواز الحمل. . . إلخ) أى: فى قول الشارح ولو حمل الأصول على معناه اللغوى. . . إلخ.
قوله: (بطريق الحدس. . . إلخ) أى من غير فكر ونظر وانتقال.
قوله: (ومن الناس. . . إلخ) شرح لقول الشارح ومن لم يجعل. . . إلخ.
قوله: (علمهما) أى جبريل والنبى ﵉.
قوله: (إذ لا منافاة. . . إلخ) أى: على تسليم أن الحاصل بطريق الضرورة من الأدلة يكون معها فالمعية بالزمان وهى لا تنافى التأخر الذاتى وهو رد على السعد ولكن لا وجه له لأن مراد السعد أن العلم الحاصل عن الدليل من حيث حصوله عنه لا يكون إلا متأخرًا عنه حاصلًا بالنظر.
قوله: (على مما هو أصلها) أى أصل الحيثية أن تكون مفهومة بالالتزام.
قوله: (هو بإيهامه أولى من دفعه) أى أن ذكر قيد الاستدلال يوهم أن الحاصل عن الدليل قد يكون بلا استدلال حتى ذكر هذا القيد لإخراجه وهذا الإيهام هو
[ ١ / ٩١ ]
المتبادر من ذكر القيد لا الدفع.
قوله: (إن لم يعتبر الالنزام فى التعريف) أى: إن قلنا بأن دلالة الالتزام مهجورة فى التعريف ولا بد من التصريح بهذا اللازم فلا بد من ذكر هذا القيد ليتم التعريف لكن رد عليه بأن قيد بالاستدلال على هذا للاحتراز وهو ينافى قوله: إن قول الشارح دون الاحتزاز متعلق بالكل إلا أن يقال الفهم بطريق الالتزام وإن لم يعتبر فى الاصطلاح لكنه كافٍ فى الاحتراز.
قوله: (فهو للاهتمام. . . إلخ) أى فيكون القيد لبيان الواقع ذكر توكيدًا.
قوله: (ومن وجه الكلام) أى قوله ومن لم يجعله عن الأدلة. . . إلخ. الذى نقله الشارح.
قوله: (فقد خبط. . . إلخ) رد بأنه يريد أنه إن جعل ظاهرًا فيما أريد به واعتبر التبادر العرفى كان القيد تأكيدًا وإن اعتبر الإجمال اللغوى وكان متساوى الدلالة كان القيد بيانًا.
قوله: (التصديقات) أى المصدق بها.
قوله: (إن قلنا بإفادته علمًا) الصواب: أنه لا يفيد علمًا والذى يفيده معرفة المقتضى المخصوص والنافى كذلك.
قوله: (إن حملنا العلم على التصديق) أى الاعتقاد مطلقًا سواء كان عن دليل أو لا فإن حمل العلم على اليقين يكون اعتقاد المقلد خارجًا عن العلم.
قوله: (وستقف على جلية الحال) وهو أن المراد بالعلم هنا التصديق اليقينى لا التصديق مطلقًا وإن اعتقاد المقلد على تقدير حمل العلم على التصديق مطلقًا إنما يخرج بقيد الاستدلال لا بقيد التفصيلية.
قوله: (فمما لا يلتفت إليه) لأن المتبادر من الفرعية هو مقابل الأصلية أعنى الاعتقادية فليس التفرع عن الأدلة مرادًا من تلك العبارة.
قوله: (لأنه أريد به معناه لغة ولا نقل فيه) أى أن معناه لغة هو المراد وهو ظاهر ولا نقل فيه أى من المعنى اللغوى فى المركب الإضافى إلى المعنى الاصطلاحى فيه ووجه صعفه المشار إليه بقوله قيل لم يتعرض. . . إلخ أن المدار فى عدم التعرض على ظهور المعنى ولا دخل لعدم النقل فى عدم التعرض.
قوله: (سواء كان) أى الشئ الذى الصفة فيه عارضة له، قوله: كالمكتوب
[ ١ / ٩٢ ]
والمضمر الأول مثال للذى فيه الشئ قائم بنفسه والثانى للقائم بغيره.
قوله: (أى غير مقيد بصفة. . . إلخ) أى بل هو مقيد بصفة خارجة عن المدلول لازمة له وفيه رد على من فسر الإطلاق بقوله أى بحسب الذات والمعانى القائمة به وإن لم يدل عليه لفظه كما سيأتى.
قوله: (وقى القيام) أى إن أضيف العلم إلى العالم، وقوله: والتعلق أى: إن أضيف إلى المعلوم.
قوله: (وما ذكره ابن الحاجب إلى قوله والتزامًا منافاة) حاصله دفع المنافاة بين كلام ابن الحاجب وكلام الشارح على ما حمله عليه المحشى وذلك أن ابن الحاجب عبارته شاملة لإضافة اسم المعنى واسم العين وقد قال: إن وضع الإضافة على أن تفيد أن بين المضاف والمضاف إليه خصوصية ليست لغيره فيه، دل عليه لفظ المضاف فيتوهم من قوله: فيما دل عليه لفظ المضاف الدلالة التضمنية سواء كان فى إضافة المعنى أو اسم العين وهذا ينافى أن الاختصاص فى إضافة العين ليس باعتبار الصفة الداخلة فى المختص بل باعتبار الأمر الخارجى الذى قاله الشارح فدفعه المحشى بأن المراد الدلالة مطلقًا ولو التزامًا يعنى ويرتكب التوزيع فالالتزام باعتبار إضافة اسم العين والتضمن باعتبار إضافة اسم المعنى وقد نقل عن ابن الحاجب أن الاختصاص فى إضافة اسم العين باعتبار مدلوله الالتزامى وفى إضافة اسم المعنى باعتبار مدلوله التضمنى وعليه فكل ما يدخل فيه المعنى اسم معنًى وإن لم يكن مشتقًا.
قوله: (ما دل على معنًى لا يقوم بنفسه) أى سواء دل جمع ذلك على شئ يقوم بنفسه أو دل على شئ يقوم بغيره كالمكتوب والمضمر.
قوله: (يصح لغة) أى: لا اصطلاحًا.
قوله: (بشرط انضمام. . . إلخ) متعلق بقوله يصح لغة، وحاصله أنه إذا أريد إطلاق اسم العين يشترط فى صحته جعل المعنى تابعًا إياه والعين ملحوظة بالقصد وإذا أريد إطلاق اسم المعنى يشترط فى صحة الإطلاق جعل العين تابعًا والمعنى مقصودًا بالذات وقوله: أو بالتجوز عطف على قوله لغة كذا قيل، وقال بعضهم: إن المعنى أنه إذا لوحظ فى الكتاب مثلًا مدلوله القائم بنفسه فيقال اسم عين واسم معنًى وإذا لوحظ مدلوله القائم بغيره فيقال: اسم معنًى واسم عين وقوله أو
[ ١ / ٩٣ ]
بالتجوز يعنى أن المشتق هو اسم معنًى واسم عين معًا فإن اقتصر على أحدهما كان إطلاقًا لاسم الجزء على الكل مجازًا.
قوله: (أى بحسب الذات والمعانى القائمة به) أى: وإن لم يدل عليها اللفظ أصلًا وقد تقدم الإشارة إلى رد هذا التعبير.
قوله: (ولهذا ثبت الخيار) أى لأجل أن إضافة الدار إلى أحد تفيد اختصاص جميع منافعها به فلو اشترى دار شخص كانت مستأجرة لغيره ولم يعلم المشترى تلك الإجارة ثبت الخيار فى فسخ البيع إذ بعض منافعها وهو منفعة الإجارة لا يكون له بل للمستأجر، أما إذا علم فلا فسخ وكانت المنفعة مستثناة من منافعها.
قوله: (باعتبار ثعلقه الخارج) يعنى: أن إضافة اسم المعنى تفيد الاختصاص باعتبار المعنى الداخل فى مفهوم المضاف فالمختص المضاف وجهة الاختصاص ذلك الأمر الداخل ودق الثوب ليس من هذا القبيل لأن الاختصاص الذى فيه باعتبار التعلق الخارج عن مفهومه فهذا القائل إن أراد بقوله فإن المختص هو الدق باعتبار نفس الدق فممنوع؛ لأن الاختصاص إنما هو باعتبار تعلقه، وإن أراد أن الاختصاص باعتبار التعلق فمسلم لكن التعلق خارج عن مفهومه فلا يطابق ذلك بيانًا للاختصاص الذى تفيده إضافة اسم المعنى فقوله: فلأن الاختصاص باعتبار تعلقه الخارج اعتراض على سبيل الترديد كما هو ظاهر.
قوله: (لم يتنبه. . . إلخ) أى حيث جعل المختص نفس الدق ولم يعتبر جهة أخرى لاختصاصه مع أن عبارة الكتاب صريحة فى المغايرة حيث قال: إضافة اسم المعنى تفيد اختصاص المضاف بالمضاف إليه باعتبار ما دل عليه لفظ المضاف وكذا عبارة المحصول صريحة فى ذلك.
قوله: (كما صرح بذلك فيما بعد) أى حيث قال: إضافة اسم العين تفيد الاختصاص مطلقًا وعلى هذا جرى العرف وبنى عليه كتير من مسائل الفقه فى البيوع والأيمان والوصايا والأقارير انتهى فإن الظاهر من ذلك أن مسألة الإجارة من تلك المسائل.
قوله: (وإن إضافة اسم المعنى. . . إلخ) أخذه من قول الشارح من حيث هى أدلته.
قوله: (لا يتناول الترجيح والاجتهاد) أى مباحثهما بل لا يتناول مباحث الأدلة
[ ١ / ٩٤ ]
أيضًا إلا على طريق المسامحة.
قوله: (والكيفيتين) أى كيفية الاستدلال الراجعة إلى مباحث الترجيح وكيفية حال المستدل الراجعة إلى مباحث الاجتهاد.
قوله: (وفيه إيماء) أى: أنه حيث احتيج إلى النقل ليشمل الأقسام الثلاثة فيفيد أن موضوعه الأدلة والترجيح والاجتهاد.
قوله: (استفاده من الأحكام) رد على الأبهرى حيث قال: إنه مما تفرد به الشارح وكأنه سمع ذلك من الشارح فالأولى أن يكون من باب توارد الأفكار.
قوله: (فيعبر عن معلوماته) أى معلومات علم الأصول بلفظه أى: بلفظ الأصول وقوله وعنه بلفظه أى ويعبر عن العلم بلفظ العلم فيقدر مضاف فيصير التقدير علم أصول الفقه لكن يرد عليه أن أصحاب الفنون لم يهملوا شيئًا من فنونهم عن التسمية بالاسم الخاص وجعل أصول الفقه علمًا بالغلبة كما ادعاه السيد يرد عليه أن الغلبة تكون فى فرد مما صدق عليه المعنى الأصلى والعلم بمعنى الإدراك أو الملكة لا القواعد كما هو مبنى كلامهم فى هذا المحل ليس فردًا مما ينبنى الفقه عليه لأنه بمعنى المعلوم والعلم ليس فردًا منه.
قوله: (وإن احتيج إلى اعتبار قيد الإجمال) أى: لئلا يتناول الأدلة التفصيلية.
[ ١ / ٩٥ ]
قال: (وأورد إن كان المراد البعض لم يطرد لدخول المقلد وإن كان الجميع لم ينعكس لثبوت لا أدرى وأجيب بالبعض ويطرد لأن المراد بالأدلة الأمارات وبالجميع وينعكس لأن المراد تهيؤه للعلم بالجميع).
أقول: أورد على حد الفقه أن المراد بالأحكام إن كان هو البعض لم يطرد لدخول المقلد إذا عرف بعض الأحكام كذلك لأنا لا نريد به العامى بل من لم يبلغ درجة الاجتهاد وقد يكون عالمًا يمكنه ذلك مع أنه ليس بفقيه إجماعًا وإن كان هو الكل لم ينعكس لخروج بعض الفقهاء عنه لثبوت لا أدرى عمن هو فقيه بالإجماع نقل أن مالكًا سئل عن أربعين مسألة فقال فى ست وثلاتين منها: لا أدرى.
والجواب: أنا نختار أن المراد البعض قولكم لا يطرد لدخول المقلد فيه ممنوع إذ المراد بالأدلة الأمارات ولا يعلم شيئًا من الأحكام كذلك إلا مجتهد يجزم بوجوب العمل بموجب ظنه وأما المقلد فإنما يظن ظنًا ولا يفضى به إلى علم لعدم وجوب العمل بالظن عليه إجماعًا أو نختار أن المراد الكل قولكم لا ينعكس لثبوت لا أدرى قلنا ممنوع ولا يضر ثبوت لا أدرى إذ المراد بالعلم بالجميع التهيؤ له. وهو أن يكون عنده ما يكفيه فى استعلامه بأن يرجع إليه فيحكم وعدم العلم فى الحالة الراهنة لا ينافيه لجواز أن يكون ذلك لتعارض الأدلة أو لعدم التمكن من الاجتهاد فى الحال لاستدعائه زمانًا.
قوله: (إن كان المراد البعض) فإن قيل لا حصر فى أن يكون المراد هو البعض أو الجميع لجواز أن يراد الجنس بحيث يصدق على الكل والبعض، وأيضًا لا صحة للتعبير بالأحكام عن البعض بخصوصه قلنا: المقصود الحصر فى الجميع وفيما يصدق على البعض أيضًا بمعنى أن الأحكام إما للاستغراق وإما للجنس، فيصدق على الكل والبعض العين والمبهم والأكثر لكن لا يخفى أن دخول المقلد إنما يلزم على تقدير إرادة البعض على الإطلاق وأما إرادة المعين أو الأكثر على ما اختاره الآمدى حيث قال: هو العلم بجملة غالبة من الأحكام فترد بأنها رد إلى الجهالة، ومعنى دخول المقلد صدق الحد على علمه ببعض الأحكام إذا حصلها عن أدلتها بالاستدلال لعلو رتبته فى العلم وإن لم يبلغ درجة الاجتهاد، وأما الجواب فبناه على أن المراد بالعلم بالأحكام ما يقابل الظن، وبالأدلة التفصيلية
[ ١ / ٩٦ ]
الأمارات التى تفيد الظن وأن العمل بموجب الظن واجب قطعًا على المجتهد دون المقلد لا بمعنى أن الفقه عبارة عن العلم بوجوب العمل، بل بمعنى أنه يجب عليه الجزم بوجوب ما دلت الأمارة على وجوبه وحرمة ما دلت الأمارة على حرمته وهكذا، فالمجتهد هو الذى يفضى به ظنه الحاصل من الأمارة إلى العلم بالأحكام بهذا المعنى بخلاف المقلد فإن ظنه لا يصير وسيلة الى العلم، وهذا تدقيق تفرد به الشارح وفيه إشارة إلى الجواب عما يقال إن الفقه من باب الظن فكيف أطلق عليه العلم؟ إلا أنه يشكل بالأحكام المستنبطة من الأدلة القطعية كالكتاب والسنة المتواترة والإجماع وإن سميت أمارات، بمعنى أنها معترفات وعلامات نصبها الشارع للأحكام لا موجبات وأما غيره من الشارحين فحاصل تقريرهم وجهان أحدهما: لا نسلم أن المقلد ليس بفقيه فإن المراد بالأدلة الأمارات وقوله: فيه أمارة له وفساده بين وثانيهما: لا نسلم أن علم المقلد حاصل على الأمارات التى نصبها الشارع إذ لا يتمكن من الاستدلال بها والاستنباط عنها إلا المجتهد؛ لكونها ظنيات وقد تتعارض فيحتاج إلى ترجيح، وهذا فاسد لما مر من أن المراد بالمقلد ليس العامى الذى بالأدلة التفصيلية القطعية أو ما هو أعم منها لو رد الإشكال على إرادة البعض إذ لا فرق بين المجتهد والمقلد المذكور فى العلم ببعض الأحكام عن الأدلة التفصيلية القطعية بالاستدلال، لكنا نريد بها الأمارات المفيدة للظن المفضى إلى العلم بالأحكام للمجتهد دونه فيخرج عن الحد ويؤيد ذلك ما ذكره فى المنتهى، وأورد إن كان المراد البعض لم يطرد إذ كان المقلد فقيهًا وأجيب بأنه يصح البعض ويطرد إن أريد بالأدلة الأمارات، لأنه لا يعلمه كذلك إلا فقيه وههنا بحثان الأول أنه يلزم مما ذكر أن تكون الأحكام المعلومة من الأدلة القطعية خارجة عن الفقه فإما أن يختار أن الأدلة اللفظية لا تفيد إلا ظنًا كما ذهب إليه بعض فكذا يتفرع عليها من الإجماع والقياس وإما أن يقال كل ما دل عليه دليل قطعى من الأحكام فهو مما علم من الدين ضرورة وقد صرح فى المحصول بخروج مثله عنه الثانى: أن ذلك الإجماع إن كان ظنيًا فى نفسه أو نقل إليه بطريق الآحاد لم يجزم بمقتضاه، وإن كان قطعيًا فيهما جزم به وأفضاه ظنه بواسطة ذلك الجزم إلى العلم بوجوب العمل بالأحكام لا العلم بها والمقصود هو الثانى، والجواب أن الشارع جعل ظنه مناطًا للأحكام وعلة لها كما جعل ألفاظ العقود مثلًا علامة عليها وأسبابًا لثبوتها
[ ١ / ٩٧ ]
فمتى تحقق ظنه بالوجدان علم قطعًا ثبوت ما نيط به إجماعًا بل ضرورة من الدين، فقد أفضى به ظنه إلى العلم بالأحكام أنفسها ووجب عليه العمل بمقتضى ظنه لذلك ومعنى وجوب العمل بمقتضاه أنه يجب عليه اعتقاد وجوب العمل واتباعه إن تعلق به أو اعتقاد ندبيته أو إباحته أو حرمته أو كراهته، وأما الإتيان بالفعل فعلى مقتضى حكمه أو نقول علمه بوجوب اتباع الحكم المظنون بوصله إلى العلم بثبوته من اللَّه تعالى فى حقه مع مقلديه بأن يقول هذا حكم يجب عليَّ اتباعه وما ليس حكمًا ثابتًا من اللَّه تعالى فى حقى لا يجب علىَّ اتباعه والمقدمتان قطعيتان فكذا النتيجة، أعنى كونه حكمًا ثابتًا من اللَّه تعالى فى حقى فإذا قيل الجوابان إنما يصحان على مذهب المصوبة القائلين بكون الأحكام تابعة لظنه وأما عند غيرهم فيجب عليه اتباع ظنه ولو خطأ، فلا يكون مناطًا للحكم ولا وجوب اتباعه موصلًا له إلى العلم به فلا مخلص إلا بأن يقال الأحكام أعم مما هو حكم اللَّه تعالى فى نفس الأمر أو فى الظاهر، ومظنونه حكم اللَّه تعالى ظاهرًا طابق الواقع أو لا وهو الذى نيط بظنه وأوصله وجوب اتباعه إلى العلم بثبوته، ومن ههنا ينحل الإشكال بأنا نقطع ببقاء ظنه وعدم جزم مزيل له وإنكار مبهت فيستحيل تعلق العلم به لتنافيهما؛ وذلك لأن ظنه الباقى متعلق بالحكم قياسًا إلى نفس الأمر والعلم متعلق به مقيسًا إلى الظاهر ويتضح معنى ما قيل من أن الحكم مقطوع به والظن واقع فى طريقه وستسمع فى باب الاجتهاد كلامًا يتعلق بهذا المقام إن شاء اللَّه لا يتمكن لمن الاستدلال أصلًا، وإلا لما كان للسؤال شبهة ورود.
قوله: (وهو أن يكون) إشارة الى دفع ما يقال من أن التهيؤ القريب غير معلوم والبعيد حاصل لكل أحد يعنى أن التهيؤ القريب المختص بالمجتهد هو حصول ما يكفى فى استعلام الجميع من المآخذ والأسباب والشروط وإطلاق العلم على مثل هذا التهيؤ شائع فى العرف فإنه يقال لفلان علم النحو ولا يراد أن مسائله حاضرة عنده على التفصيل، وهذا ما يقال إن العلم عبارة عن ملكة يقتدر بها على إدراكات جزئية وأن وجه الشبه بين العلم والحياة كونهما صفتى إدراك وأن العلم صفة ينجلى بها المذكور.
قوله: (إذا عرف بعض الأحكام) أى الشرعية الفرعية، (كذلك) أى
[ ١ / ٩٨ ]
بالاستدلال عن الأدلة التفصيلية وفيه إشارة إلى أن اعتقاد العامى لا يرد نقضًا لخروجه عن العلم المفسر بما يقابله وبالاستدلال، وإلى بطلان ما قيل من أن خروج المقلد بقيد التفصيل.
قوله: (مع أنه ليس بفقيه إجماعًا) يريد فى عرف المتشرعة؛ فإن الفقيه عندهم وهو المجتهد فلا يكون علمه فقهًا مع دخوله فى حده، والقول بأنه اجتهاد فى بعض الأحكام عند من يقول بتجزئة يفضى إلى منع ذلك الإجماع، أو كون بعض المجتهدين غير فقيه مع فساد ما ذكر فى الجواب عند ذلك القائل.
قوله: (والجواب) حمل العلم على ما سيأتى وحيث قرن بالاستدلال تخصص بالتصديق اليقينى والأدلة المذكورة على الأمارات المفيدة للظن ولا يعلم شيئًا من الأحكام علمًا يقينًا حاصلًا من الأمارات إلا المجتهد لانعقاد الإجماع على أنه يجب العمل عليه بمقتضى ظنه، فإذا حصل له من نظره أمارة ظن بحكم جزم بوجوب عمله بمقتضاه بناءً على ذلك الإجماع فقوله: يجزم. . . إلخ صفة لازمة له صرح بها لأنها العمدة فى الجواب، وأما المقلد فظنه لا يفضيه إلى علم إذ لم ينعقد إجماع على وجوب اتباعه لظنه بل انعقد على خلافه وحاصله أنا لو أردنا تعالى.
قوله: (وهو أن يكون) تفسير للتهيؤ، ويعلم من أن المراد هو القريب، وإطلاق العلم عليه مستفيض عرفًا إذا قيل: فلان يعلم علم كذا أو كتاب كذا؛ لم يفهم إلا أن عنده ما يكفيه فى استعلام مسائله بأن يرجع إليه فيستخرجها، لا أنه مستحضر لجميعها.
قوله: (فإنما ترد بأنها رد إلى الجهالة) أى عدم تميز الحد عند من يكون بصدد تحصيل معرفة المحدود وتميز ما هو فرد منه فإنه أريد من لفظ البعض البعض المذكور فى التعريف على وجه ليس ههنا دلالة على تعيين بعض مخصوص مثل أن يراد بعض هو مسائل الصوم أو يراد بعض هو أكثر المسائل لم يكن الحد معلومًا للسامع ولم يتميز عنده ولم يحصل معرفة المحدود وتميز أفراده فإن مسائل الصوم لم تكن معلومًا من اللفظ وعدد المسائل غير معلوم فلا يعلم ما هو أكثرها، وحاصل كلام هذا القائل أن قول الشارح إن كان هو البعض لم يطرد لدخول
[ ١ / ٩٩ ]
المقلد ليس على ما ينبغى لأن دخول المقلد إذا أريد بعض بعينه أو الجنس المتناول للكل والبعض وأما إذا أريد بعض معين فلا يلزم ذلك وحاصل جواب المحشى أن المراد بالبعض بعض لا بعينه وأما البعض المعين فلا يصح اعتباره فى الترديد هنا بل المراد فى هذا المقام جنس متناول للكل والبعض.
قوله: (مع فساد ما ذكر فى الجواب) أى هذا القول يفضى إلى ما ذكر أى فساد ما ذكر فى الجواب وحو قول الشارح وأما المقلد. . . إلخ. باعتبار أن اتصاف المجتهد بقوله يجزم بوجوب العمل بموجب ظنه اتصاف بالصفة اللازمة فإذا قال هذا القائل إن ذلك المقلد مجتهد فقال باتصافه بتلك الصفة فهو يخالف الإجماع.
قوله: (حمل العلم على ما سيأتى) أى المعنى الذى هو صفة توجب تميزًا وهذا المعنى يتناول التصور والتصديق اليقينى وإذا قرن العلم بالاستدلال خرج التصور وتعين التصديق اليقينى.
قوله: (فإما أن يختار) أى إذا خرج المعلوم من الأدلة القطعية من التعريف فلدفع هذا الفساد يجب أن يقال: ليس شئ من الأدلة التفصيلية بقطع بل كلها أمارات، أو يقال إن الحاصل من الدليل القطعى ليس من الفقه فإن قلت يلزم من اختيار الشق الأول أن يخرج من هذا التعريف جميع أجزاء الفقه إذا كان المجتهد فقيهًا على هذا التقدير إذ لا يمكن له اليقين عن تلك الأدلة فإن الإجماع المنعقد على أنه يجب عليه العمل بمقتضى ظنه من جملة الأدلة فإذا فرض أنه أمارة أيضًا فلا يفيد اليقين، والمأخوذ من التعريف هو العلم المقارن بالاستدلال وهو يقين قلت المراد أن كل واحد من الأدلة التفصيلية الواقعة بإزاء مسائل مخصوصة أمارة وأما الإجماع فهو عام جارٍ فى الجميع من المسائل ويجوز مع اختيار كونها أمارات اختيار حصول اليقين عن انضمام ذلك الإجماع إلى أمارة منها.
قوله: (وهو الذى نيط بظنه) أى الحكم الذى هو موصوف بكونه حكم اللَّه تعالى ظاهرًا منوط بظنه ويتحقق على سبيل القطع واليقين عند تحقق ظنه فالمجتهد إذا حصل له ظن بوجوب فعل مثلًا فهذا الوجوب يصير متصفًا بأنه من اللَّه تعالى ظاهرًا وهذا الحكم المتصف بالصفة المذكورة حاصل من ظنه وحصل له القطع بأن هذا الفعل واجب بهذا الوجوب وإن لم يحصل له القطع بأن هذا الفعل واجب من اللَّه تعالى فى نفس الأمر، والمراد من الأحكام الشرعية ما هو من قبيل الأول
[ ١ / ١٠٠ ]
وهذا مثل أن يقال إذا وقع لنا ظن بأن زيدًا قائم وترتب على هذا ظن شئ يناسب القيام الواقعى وقع هنا قسمان من القيام أحدهما قيام واقعى والآخر قيام ظاهرى، وصح وقوع القطع بأن زيدًا قائم بالاعتبار الثانى مع الظن بالاعتبار الأول، وأما ظن المقلد فلا ينوط به حكم واقعيًا أو ظاهريًا إذ الحكم الظاهرى هو الذى يجب اتباعه وليس للمقلد ذلك فلا يجزم المقلد بأن ما فهمه من كلام الشارع حكم ظاهرى إذ لا يجب أتباع ذلك الحكم فاندفع ما يقال من أن المقلد الماهر فى العربية وغيرها من العلوم إذا فهم من كلام الشارع حكمًا من غير معارض يجزم بأنه حكم اللَّه تعالى ظاهرًا جزمًا ثابتًا مطابقًا للواقع وإن لم يجزم بأنه الحكم فى الواقع ولا يتوقف هذا الجزم على وجوب أتباع ما فهمه.
قوله: (إلا أن عنده ما يكفيه) قد يقال الظاهر أن المراد مما يكفيه ملكة حاصلة من استخراج المسائل الكثيرة فإن ذلك تهيؤ قريب لتحصيل المجموع، يقال لمن له تلك الملكة إنه عالم بذلك العلم (^١)، وأما الذى ليس له تلك الحالة وقد حصل له مقدمات ومبادئ يستخرج منها العلم بعد الممارسة وملكة الاستخراج بدون الممارسة والاستخراج ولا يطلق عليه العالم بذلك العلم مثلًا إذا حصل لشخص العلم الإلهى والطبيعى والهندسى وغير ذلك مما يتوقف عليه علم الهيئة بل يقال له العالم بذلك العلم بعد الممارسة وتحصيل ملكة الاستخرج بسبب استخراجات كثيرة من مسائل الهيئة من مبادئها.
التفتازانى: (وفيما يصدق. . . إلخ) أى فالمراد من البعض الجنس الصادق على البعض وعلى الكل وعبر عنه بالبعض؛ لأنه المحقق فصح الحصر وصح التعبير بالأحكام عن البعض.
التفتازانى: (وأما إرادة المعين أو الأكثر) أراد بالمعين ما له نسبة معينة إلى الكل كالثلث والربع والنصف لا مسائل معينة كمسائل الصوم والصلاة وبالأكثر الأكثر من النصف سواء كان له نسبة معينه بالنسبة إلى الكل كالثلثين والثلاثة أرباع أو لا ثم المراد بإرادة المعين أو الأكثر إرادته بجعل "ال" فى الأحكام للعهد.
_________________
(١) قوله: وأما الذى ليس له. . . إلخ. هكذا فى الأصول وحرر العبارة. كتبه مصحح طبعة بولاق.
[ ١ / ١٠١ ]
التفتازانى: (بل بمعنى. . . إلخ) هذا دفع لما يقال أن الفقه يشمل الوجوب وغيره من الأحكام وليس قاصرًا على الوجوب، وحاصل الدفع أن المراد بالعمل الواجب هو الاعتقاد لما أداه إليه ظنه سواء كان وجوبًا أو غيره لكن السعد لم يبين أنه ليس المراد أن الفقه عبارة عن العلم بوجوب العمل بل هو عبارة عن العلم بالأحكام فكان عليه أن يقول: إنه لما كان ظنه مناطًا للحكم بالإجماع فمتى تحقق ظنه تحقق العلم بالحكم ففى عبارته اختصار وقوله: كالكتاب والسنة. . . إلخ، ظاهره أن المراد قطعى المتن فقط سمع أنه ليس كذلك؛ بل المراد قطعى المتن والدلالة وقوله فيه أمارة له أى قول المقلد فيه أمارة له أى أنه ناشئ عن الأمارة وقوله: وفساده بين أى للإجماع على أنه ليس فقيهًا.
قوله: (وأما الحمل على بعض معين ولو بكونه أكثر) قصد به الرد على التفتازانى حيث جوز إرادة البعض المعين والأكثر وحيث جعل الأكثر مقابلًا للبعض المعين مع دخوله فيه ويجاب عن هذا الأخير بأن المراد بالأكثر ما شرحنا به عبارته فيكون أعم من البعض المعين وقوله: إذ لا دليل هناك على عهد رده بعضهم بأنه لم يرد العهد بل أراد أن البعض المعين والأكثر من مصدوق الجنس كما هو ظاهر عبارته ورد بأن المراد الجنس فى ضمن البعض المعين والأكثر بالعهد.
قوله: (للمفسر بما يقابله) وهو التصديق اليقينى.
قوله: (وبالاستدلال عطف على قوله عن العلم) أى: ولخروجه بقيد الاستدلال.
قوله: (بقيد التفصيل) أى لأنه يفيد أن المقلد له علم عن الأدلة لكن الإجمالية مع أنه إذا كان له علم كان عن الأدلة التفصيلية فسلم كونه عن الأدلة فى إخراجه بقيد التفصيل.
قوله: (اجتهاد فى بعض الأحكام) بأن يحصل عنده ما هو مناط له دون غيره.
قوله: (يفضى إلى منع الإجماع) الذى هو فى الأصح عبارة عن اتفاق المجتهدين فى عمر على أمر سواء كان حكمًا شرعيًا أو غيره، والقول بأن مخالفة الإجماع إنما تكون حرامًا إذا كان على حكم شرعى وهذا الإجماع ليس من هذا القبيل إن سلم فجوابه: أنه لما اتفق عليه فقهاء الأمة لم يستحسن مخالفتهم.
قوله أيضًا: (يفضى إلى منع الإجماع) حاصله أن المجتهد فى الكل والفقيه متساويان فى عرف المتشرعة لا يوجد أحدهما بدون الآخر، فمراد القائل يكون
[ ١ / ١٠٢ ]
استنباط المقلد غير العامى اجتهادًا أما دخوله فى حد الفقه وجعله فقيهًا وهذا يفضى إلى منع الإجماع على أن الفقيه منحصر فى المجتهد فى الكل وجزئه وأما مجرد كون استنباطه اجتهادًا وكونه مجتهدًا وهذا مع كونه موجبًا لكون بعض المجتهدين ليس فقيهًا وهو خلاف عرفهم يوجب أيضًا فساد ما ذكر فى الجواب لإخراج علمه عن حد الفقه وهو قوله: وهو أن المراد بالعلم اليقين وبالأدلة الأمارات ولا يعلم شيئًا من الأمارات علمًا يقينًا إلا المجتهد الذى من صفته اللازمة له أن يجزم بوجوب العمل بمقتضى ظنه دون المقلد فالمقلد لا يجزم بوجوب العمل بمقتضى ظنه فلا يكون مجتهدًا فى شئ عن الأحكام فلا يصح القول بأنه مجتهد فى بعض الأحكام كيف ونسبة البعض إليه كنسبة الكل فى الجزم بوجوب العمل إلا أن يقال: إن تلك الصفة اللازمة إنما هى للمجتهد الكامل وهو المجتهد فى الأحكام.
قوله: (حمل العلم على ما سيأتي وهو صفة توجب تمييزًا. . . إلخ) وهو صادق على التصور والتصديق وقرنه بالاستدلال يخصصه بالتصديق اليقينى وفيه أن الاستدلال بالأمارات لا يخصصه باليقينى والدليل على ذلك الحمل قوله ولا يعلم شيئًا من الأحكام إلى أن قال بخلاف المقلد فإنما يظن ظنًا ولا يفضى به إلى العلم.
قوله: (والأدلة المذكورة على الأمارات) أى وحمل الأدلة المذكورة على الأمارات فهو عطف على العلم.
قوله: (لانعقاد الإجماع على أنه يجب العمل عليه بمقتضى ظنه) أى: وهذا الإجماع يوجب العلم بوجوب العمل بمقتضى ظنه والعلم بالأحكام أنفسها؛ وإن هذا الإجماع إنما يتأتى إذا كان الشارع جعل ظن المجتهد مناط الحكم وعلة لثبوته، وإذا علم أن الشارع جعل ظنه مناط الحكم فمتى تحقق ظنه وعليه بالوجدان فقد علم الحكم وعلم وجوب العمل بمقتضى ظنه فالعلم بوجوب العمل والعلم بالأحكام كلاهما ناشئ عن الإجماع المذكور أو العلم بوجوب العمل يوصل إلى العلم بالأحكام على ما سيأتى بيانه من المحشى.
قوله: (بل انعقد على خلافه) أتى بهذا الإضراب ليشير إلى أن قول الشارح إجماعًا الواقعة فى سياق المقلد راجع إلى عدم الوجوب لا للوجوب المدخول للعدم لأنه المناسب للمقام.
[ ١ / ١٠٣ ]
قوله: (نريد بها الأمارات) أى التى هى لكل مسألة مسألة فخرج الإجماع على وجوب العمل بمقتضى ظنه فإنه متعلق بالجميع فلا يقال: اندرج فى الأمارات الإجماع الذكور فينافى قوله: إن الإجماع يفيد العلم.
قوله: (إذ كان المقلد فقيهًا) أى على مقتضى التعريف مع أنه ليس فقيهًا فى الواقع فيكون التعريف غير مطرد.
قوله: (فكذا ما يتفرع عليها من الإجماع) أى: المتعلق بمسألة مخصوصة لا المتعلق بالجميع لأنه لو كان ظنيًا أيضًا لم يفد العلم بوجوب العمل والعلم بالأحكام كما بينه المحشى.
قوله: (إن الشارع جعل ظنه. . . إلخ) أى وعلم ذلك من الإجماع على وجوب العمل كما علم منه العلم بوجوب العمل كما تقدم لك بيانه.
قوله: (إلى العلم بالأحكام وجب عليه العمل) أى فقد علم الأمران كما مر.
قوله: (ومعنى وجوب العمل. . . إلخ) دفع لما يقال: إن الفقه لم ينحصر فى العلم بوجوب الإتيان بالواجب، وحاصل الدفع أن المراد بالعمل الاعتقاد لما ظنه على حسبه فإن كان واجبًا وجب عليه اعتقاد وجوبه، وإن كان ندبًا وجب عليه اعتقاد ندبيته وهكذا.
قوله: (أو نقول علمه. . . إلخ) عطف على قوله: إن الشارع جعل ظنه. . . إلخ. فهذا جواب ثانٍ.
قوله: (هذا حكم يجب عليّ اتباعه) أى: وهو مقتضى الإجماع على وجوب العمل بمقتضى الظن.
قوله: (وما ليس حكمًا. . . إلخ) قضية سالبة لقوله: لا يجب، وأما قوله: ليس حكمًا فهو جزء من الموضوع وكأنه قال: وغير الحكم الثابت من اللَّه فى حقى لا يجب عليّ اتباعه وهى أيضًا مأخوذة من الإجماع لأنه متى وجب العمل بمقتضى الظن كان غيره ليس واجبًا.
قوله: (أعنى كونه حكمًا ثابتًا من اللَّه) لا يخفى أن القياس الذى ذكره من الشكل الثانى فتكون النتيجة سالبة للزوم اختلاف المقدمتين فيه والكبرى فى القياس الذى ذكره سالبة فحق النتيجة هكذا فهذا الحكم ليس غير الحكم الثابت من اللَّه تعالى فى حقى، ويلزمه أنه الحكم الثابت من اللَّه فى حقى فالمحشى نظر
[ ١ / ١٠٤ ]
للازمه المذكور لظهور لزومه.
قوله: (فلا يكون مناطًا للحكم) أى كما هو الجواب الأهول وقوله: ولا العلم. . . إلخ. أى كما هو الجواب الثانى.
قوله: (فلا مخلص. . . إلخ) أى: فليس المراد بالأحكام الأحكام الواقعية بل الأحكام بحسب الظاهر سواء طابقت الواقع أو لم تطابقه فمظنونه هو الأحكام بحسب الظاهر.
قوله: (لأن ظنه الباقى. . . إلخ) أى فهو يظن أن هذا الحكم الذى أداه إليه اجتهاده هو الحكم فى الواقع ويعلم الحكم الذى أداه إليه اجتهاده من حيث كون الشارع أناط الحكم الذى أداه إليه اجتهاده بذلك الاجتهاد والظن.
قوله: (الحكم مقطوع به) أى نظرًا للظاهر.
قوله: (والظن فى طريقه) أى طريق الحكم فى الواقع.
قوله: (مستفيض عرفًا) أى فلا يرد أن إطلاق العلم على التهيؤ المذكور مجاز ولا قرينة فلا يصح إرادته فى التعريف.
قوله: (فيستخرجها) فيه أن الملكة التى يطلق عليها العلم هى ملكة الاستحضار لا الاستحصال إلا أن يراد بالاستخراج الاستحضار للجميع، وعبارة الشارح أيضًا تقتضى أن المراد ملكة الاستحصال.
[ ١ / ١٠٥ ]
قال: (وأما فائدته فالعلم بأحكام اللَّه تعالى).
أقول: فائدة أصول الفقه معرفة أحكام اللَّه تعالى وهى سبب الفوز بالسعادة الدينية والدنيوية.
قال: (وأما استمداده فمن الكلام والعربية والأحكام أما الكلام فلتوقف الأدلة الكلية على معرفة البارى تعالى وصدق المبلغ وهو يتوقف على دلالة المعجزة وأما العربية فلأن الأدلة من الكتاب والسنة عربية وأما الأحكام فالمراد تصورها ليمكن إثباتها ونفيها وإلا جاء الدور).
أقول: هذا العلم يستمد من الكلام ومن العربية ومن الأحكام أما الكلام فلتوقف الأدلة الكلية أى الإجمالية ككون الكتاب والسنة والإجماع حجة على معرفة البارى تعالى ليمكن إسناد خطاب التكليف إليه ويعلم لزومه حينئذٍ وتتوقف على أدلة حدوث العالم وأيضًا أنه يتوقف على صدق المبلغ، ويتوقف على دلالة المعجزة عليه ودلالتها تتوقف على امتناع تأثير غير القدرة القديمة فيها وهو يتوقف على قاعدة خلق الأعمال وعلى إثبات العلم والإرادة. ولا تقليد فى ذلك لاختلاف العقائد فلا يحصل به علم وأيضًا العربية فلأن الكتاب والسنة عربيان والاستدلال بهما يتوقف على معرفة اللغة من حقيقة ومجاز وعموم وخصوص وإطلاق وتقييد ومنطوق ومفهوم وغير ذلك. وأيضًا الأحكام فالمراد تصوّرها وذلك لأن المقصود إثباتها ونفيها فى الأصول إذا قلنا: الأمر للوجوب وفى الفقه إذا قلنا: الوتر واجب مثلًا ولا يمكن بدون تصورها. ولا يريد بالأحكام العلم بإثباتها أو نفيها لأن ذلك فائدة العلم فيتأخر حصوله عنه فلو توقف عليه العلم كان دورًا. وستقف على ذكره لأحكام الأحكام إثباتًا ونفيًا وهو خارج عن الأمرين.
قوله: (ويعلم لزومه) أى لزوم خطاب التكليف يعنى لزوم امتثاله ووجوب العمل بموجبه لاستناده إلى البارى تعالى.
قوله: (وتتوقف) أى معرفة البارى (على أدلة حدوث العالم) إذ المحوج إلى السبب عندنا هو الحدوث.
قوله: (وأيضًا أنه) أى كون الكتاب والسنة والإجماع حجة (يتوقف على صدق المبلغ) لأن العلم بأن هذا كتاب اللَّه وأن البينة على المدعى، وأن الأمة لا تجتمع
[ ١ / ١٠٦ ]
على الضلالة وأن أتباع سبيل المؤمنين واجب إنما يحصل لنا بأخباره وهو أن صدق المبلغ أعنى العلم به يتوقف على دلالة المعجزة على صدقه.
قوله: (وتتوقف) أى دلالة المعجزة على قاعدة خلق الأعمال حيث بين أن المؤثر هو اللَّه تعالى وحده (وعلى إثبات العلم والقدرة) للَّه تعالى ليصح منه ايجاد الأمر الخارق للعادة على وفق دعوى النبى -ﷺ- قصدًا إلى تصديقه فى دعواه.
قوله: (وأما الأحكام) يريد أن وجه استمداد الأصول من الأحكام إنما هو من جهة مبادئه التصورية إذ لا بد فيه من تصور الأحكام الخمسة ليمكن إثباتها ونفيها لا التصديقية بأن يعلم إثباتها أو نفيها فى آحاد المسائل على ما فى الفقه من العلم بوجوب الحج وحرمة الخمر وغير ذلك بطريق النظر والاستدلال؛ لأنه يتوقف على معرفة أحوال الأدلة فلو توقفت هى عليه كان دورًا هذا ظاهر كلام الآمدى وبعض الشارحين، ويرد عليه أنه لو أريد إثبات الأحكام ونفيها لأفعال المكلفين على ما فى الفقه لم يلزم الأصولى تصورها؛ لأن ذلك فائدة الأصول بمعنى غايته وغرضه لا بمعنى مقاصده ومسائله فلا يلزم الأصولى من حيث هو أصولى التصديق بها ولا تصور أطرافها وهذا كما أن المنطق آلة لاكتساب العلوم وليست تصورات محمولات مسائلها من مبادئه وأيضًا لزوم الدور على تقدير أن يراد بالإثبات والنفى على هذا الوجه لا يوجب انحصار المراد فى التصور لجواز أن يراد الإثبات والنفى على وجه آخر كما فى الأصول مثلًا فلذلك جعل الشارح المحقق الإثبات والنفى أعم مما فى الأصول والفقه ليلزم الأصولى تصورها، لكن لما كانت فى الشقه محمولات لمسائله وأعراضًا ذاتية لموضوعه وفى الأصول متعلقات للمحمولات إذ معنى قولنا الأمر للوجوب أنه يفيد الوجوب جعلت فى الفقه مبادئ استقلالًا وفى الأصول استمدادًا ثم نفى كون المراد العلم بإثباتها أو نفيها على ما فى الفقه لأن ذلك فائدة علم الأصول بمعنى غايته وغرضه فيتأخر عنه ضرورة، فلو توقف علم الأصول عليه كان دورًا ولم يتعرض لنفى كون المراد الإثبات أو النفى على ما فى الأصول لظهور أن ذلك من مسائله لا مبادئه وبهذا يندفع الإيراد الثانى على كلام الآمدى، لا يقال المراد بعلم الأصول الملكة والتهيؤ للعلم بجميع القواعد والعلم بإثبات الأحكام على التفصيل فائدة له متأخر حصولها عنه أما على الوجه الذى فى الأصول فالبذات وأما على الوجه الذى فى الفقه
[ ١ / ١٠٧ ]
فبالواسطة فلو كان من مبادئه لزم الدور لأنا نقول: إذا قلنا أجزاء العلوم الموضوعات والمبادئ والمسائل لا يراد بالعلوم تلك الملكات والاستعدادات وهو ظاهر ولقائل أن يمنع الدور مستندًا بأنا لا نعنى يكون الشئ كما من مبادئ علم توقف كل مسألة مسألة عليه ولا يكون الشئ من فوائده على توقفه كل مسألة مسألة فكون الإثبات أو النفى من المبادئ لتوقف بعض المسائل عليه ومن الفوائد لتوقفه على بعض المسائل لا يكون دورًا.
قوله: (وسنقف) يعنى أن المصنف جعل تصورات الأحكام من المبادئ ونفى أن تكون التصديقات التى محمولاتها الأحكام منها، وقد ذكر فى المبادئ عن الأحكام تصديقات موضوعاتها الأحكام مثل: أن الواجب الموسع وقته جميع الوقت أو أوله أو آخره وأن المندوب قيل هو تكليف وأن الحكم حاكمه الشرع أو العقل إلى غير ذلك، ولا خفاء فى أنها خارجة عن تصور الأحكام الذى هو من المبادئ وعن إثباتها أو نفيها الذى هو من الفوائد، وإن كانت المبادئ لم ينحصر المراد فى تصور الأحكام وإن كانت على سبيل الاستطراد وتكميل الصناعة لم يصح قوله وإلا جاء الدور لجواز أن يراد مثل هذا الإثبات والنفى، ويمكن أن يقال الاستمداد من الشئ يكون إلا بما فيه وليس فى علم الأحكام إلا تصوراتها والتصديق بإثباتها أو نفيها وهو يوجب الدور، فينحصر المراد فى التصور وهذا لا ينافى إثبات أحكام للأحكام استطرادًا لا استمدادًا.
قوله: (أى الإجمالية) إنما فسر الكلية بالإجمالية أى: التى ليست منصوبة على مسائل مخصوصة لأن العمومات المعينة توصف بالكلية أيضًا كما مر، والمراد توقفها من حيث إنها أدلة وحجج للأحكام كما ذكره على معرفته تعالى لا توقف وجودها عليها لأن إثباته ليس من الأصول؛ فلا يتبين بذلك استمداده من الكلام ما لم ينضم إليه أن حجيتها تتوقف على وجودها.
قوله: (ويعلم لزومه) أى لزوم التكليف وثبوته فى حقنا حين إسناد خطابه إليه تعالى، فإنه الخالق للأشياء المتصرف فيها بما شاء، فلا يلزمنا إلا تكليفه ولا يثبت علينا إلا حكمه تعالى، الذى هو خطابه النفسى ويكشف عنه الأدلة المذكورة كما سيأتى.
[ ١ / ١٠٨ ]
قوله: (وتتوقف) أى: معرفة وجود البارى تعالى، لأن المتكلمين إنما يستدلون بحدوث العالم على وجود الصانع، فإنه السبب المحوج إليه أو جزؤه أو شرطه على رأيهم، وهو متوقف على أدلته.
قوله: (وأيضًا أنه) أى كون الكتاب وما ذكر معه حجة (يتوقف على صدق المبلغ) وتوقف السنة على ذلك ظاهر وأما الكتاب فلأن كل واحد مما يستدل به منه على الأحكام ليس معجزًا، فلا يعلم أنه من كلامه تعالى إلا بإخباره فلا من صدقه وأما الإجماع والقياس فيرجعان إليهما.
قوله: (وهو) أى صدق المبلغ بل الحلم به (يتوقف على دلالة المعجزة عليه) فإنها تصديق له من اللَّه تعالى فيما ادعاه ولا طريق إليه سواها (ودلالتها تتوقف على امتناع تأثير غير قدرة اللَّه تعالى القديمة فيها) وإلا لم يجزم بأنها فعله، فضلًا عن أنها تصديقه والعلم بذلك الامتناع يتوقف على قاعدة خلق الأعمال، وعلى أن لا تأثير لقدرة العباد، بل لا مؤثر فى الوجود إلا اللَّه ﷾ فالمعجزة من أفعاله قطعًا، وفيه أن من أثبت لغيره تعالى قدرة مؤثرة مع تفاوت مراتبها وتباين آثارها فهو فى دلالة المعجزة على ورطة الحيرة، وإن جنحوا إلى دعوى الضرورة فقطع الاحتمال على وجه لا يشوبه ريبة إنما هو بتلك القاعدة القويمة، وظاهر هذه العبارة يساعد هذا التوجيه كما تشهد به الطبائع المستقيمة، ومنهم من جعل الضمير راجعًا إلى دلالة المعجزة زاعمًا أنها تتوقف عندنا على أمرين: الأول: الامتناع المذكور فإن شرط المعجزة العجز عن المعارضة، الثانى: قاعدة خلق الأعمال إذ من شرائطها أن تكون فعله تعالى أو مسببًا عنه ليكون تصديقًا منه، وأن يكون ظهورها على يد مدعى النبوة فتكون المعجزة الظاهرة على يد من خلق اللَّه تعالى، ولا يريد بهذا توقفها على أنه المؤثر فى جميع الممكنات بل فى المعجزة، وفيه بحث لأن تأثيره فيها يعلم من ذلك الامتناع فبعد تحققه لا توقف لدلالتها على تلك القاعدة أصلًا وأيضًا تخصيص الأمرين يوهم الانحصار مع توقف الدلالة على إثبات العلم والإرادة ليمكنه إيجاد المعجزة على وفق دعوى النبى -ﷺ- تصديقًا له وفى بعض النسخ: والقدرة مكان الإرادة، والأول أظهر.
قوله: (ولا تقليد فى ذلك) العلم بالمسائل الأصولية يتوقف على العلم بما ذكر من القواعد الكلامية والتقليد لا يفيد علمًا بها لاختلاف عقائد الناس فيها وتناقضها
[ ١ / ١٠٩ ]
فلو أفاده وقلد واحد فى الحدوث وآخر فى القدم؛ كانا عالمين بها ويجتمعان فى الواقع فلا بد من الاستدلال عليها وذلك من وظيفة علم الكلام.
قوله: (وأما الأحكام) استمداد الأصول من الأحكام إنما هو من تصورها؛ وذلك لأن مقصود الأصولى إثبات الأحكام ونفيها فى الأصول من حيث إنها مدلولة للأدلة السمعية ومستفادة منها، فإذا قلنا: الأمر للوجوب مثلًا؛ كان معناه أنه دال عليه ومفيد له فقد وقع جزءًا من المحمول وكذا مقصوده إثباتها ونفيها فى الفقه من حيث تعلقها بالأفعال، فإذا قلنا: الوتر واجب مثلًا كان معناه أنه متعلق للوجوب وموصوف به فقد وقع أيضًا جزءًا من المحمول فمن قال: الأحكام محمولات مسائل الفقه، وأعراض ذاتية لموضوعه، فقد أطلق المحمول على مبدئه وتصور موضوعات المسائل ومحمولاتها وما يقع جزءًا فيها من المبادئ؛ لأن إثباتها يتوقف عليها، وإنما ذكر الفقه ههنا تنبيهًا على أن الأصول فى نفسه وفى ترتب فائدته عليه يستمد من تصور الأحكام، فهو بالاعتبار الأول مبدأ له وبالاعتبار الثانى مبدأ لغايته؛ لا لأن ما يقع فى محمولات ما هو فائدة العلم من مبادئه أيضًا على ما اختاره المصنف ليعترض بأن المنطق آلة لاكتساب العلوم، فوجب أن يكون تصور محمولات مسائلها من مبادئه، ويجاب بأن غاية المنطق هى العلم بطرق الاكتساب المستعملة فى العلوم من حيث تعلقها بمواد معينة بل على وجه عام، وأما الأصول فغايته العلم بطرق اكتساب الأحكام المتعلقة بالأفعال فلا بد من تصورها، فإن الجواب فاسد أما أوَّلًا؛ فلأن ما ذكره نفس المنطق لا غايته وإن أريد الطرق الجزئية العارضة للمواد المخصوصة ويدعى أن المستفاد منه معرفة الصور المعينة فقط إذ لا يبحث فيه عن المادة أصلًا، وإن كان مخالفًا للحق فلا يجد نفعًا؛ لأن الغرض من تلك المعرفة هى العلوم فيعود المحذور، وأيضًا ثانيًا فلأن الأصول لا تفيد علمًا بطرق اكتساب الأحكام بل هو مقدمات يتصرف فيها بقوانين الاكتساب فيتوصل إلى تلك الأحكام، ولو سلم فالغاية متأخرة عن العلم، فالحكم بأن مبادئها من حيث إنها كذلك مبدأ له يستلزم دعوى توقف المتقدم على ما يتوقف عليه المتأخر من حيث هو كذلك، وما ذكره المصنف من أن معرفة الفائدة من المبادئ لا يقتضي نسبة هذا الاختيار إليه، كما لا يخفى فإن قلت: ما وجه تخصيص ذكر التنبيه بالأصول دون المنطق، قلت: الاشتراك فى الاستمداد من
[ ١ / ١١٠ ]
الحكم، وأن غايته مخصوصة، وأما المنطق فلا تنحصر فائدته فى عدد ليشار إلى مبادئها.
قوله: (ولا يريد) استمداد الأصول من الأحكام إنما هو من تصورها لا من التصديق بإثباتها أو نفيها من حيث استفادتها من أدلتها، فإن ذاك مسائله لا مبادئه ولا من حيث تعلقها بالأفعال لأنه فائدة لهذا العلم متأخرة عنه، فلو استمد منه وتوقف عليه كان دورًا وقد منع لزومه، واستند بأن كون الشئ مبدأ لعلم لا يستلزم توقف كل مسألة منه عليه كما أن كونه فائدة لا يوجب توقفه عليها فجاز أن يكون الإثبات والنفى من حيث التعلق بالأفعال مبدأ لمسائل منه وفائدة لأخرى، وأجيب بأن الفقه علم المجتهد وتصديقه بكل مسألة فقهية يتوقف على علمه بجميع القواعد التى يتوصل بها إلى استنباط الأحكام عند مانعى تجزؤ الاجتهاد، فلو توقف على شئ منها دار، نعم يتجه السؤال على من جوزه إن لم يكن مانع آخر والمصنف متوقف فيه، والمختار عند الجمهور المنع وفيه التزام وروده عليه؛ لأن التوقف لا يصير مبدأ للجزم.
قوله: (وستقف) أراد أنه لم يقتصر فى مبادئ الأحكام على تصورها، بل أورد هناك أحكامًا على الأحكام هى تصديقات إيجابية كقولنا: الإباحة حكم شرعى، وسلبية كقولنا: الإباحة ليست جنسًا للوجوب (وهى خارجة عن الأمرين) أعنى تصررها والعلم بإثباتها أو نفيها فى الأفعال فإن لم تكن من المبادئ لم يصح ذكرها فيها، وإلا لم ينحصر الاستمداد فى تصورها وبطل التزام الدور على التقديرين؛ وتفصيله أن للأحكام تصورًا وتصديقًا من حيث وجودها فى أنفسها، وتصديقًا من حيث إنها مستفادة من الأدلة سواء جعلت موضوعات فيه أو أجزاء لمحمولاته، وتصديقًا من حيث تعلقها بفعل المكلف كذلك وتصديقًا خارجًا عما ذكر والأول من المبادئ وقد بينه، وكذا الثانى ولم يذكره لشهرته واندراجه فيما أفاده إجمالًا من مبادئ الكلام، والثالث: مسائل هذا الفن، والرابع: هو الفقه الموقوف عليه، وأما الخامس فقد قرنه بتصورها فإن كان مبدأ بطل العصر وإلا لغا الذكر فإن قيل ربما كان استطرادًا أو تكميلًا للصناعة بما ليس منها أجيب بأن بطلان قوله وإلا جاء الدور باقٍ بحاله، ورد بأن الاستمداد من علم الأحكام لا يكون إلا بما هو فيه من تصوراتها والتصديق بنفيها وإثباتها وحيث لزم الدور فى الثانى انحصر المراد فى
[ ١ / ١١١ ]
الأول، وهذا لا ينافى فى ذكره أحكامًا للأحكام استطرادًا لا استمدادًا وهذا إنما يتم إذا كان الاستمداد من علم الأحكام أعنى الفقه لا منها أنفسها وستنكشف جلية الحال فى ذلك، وفهم بعضهم أن قوله: ستقف. . . إلخ إشارة إلى أن المصنف قد اقتصر على تصور الأحكام واقعة فى المحمولات كما يدل عليه قوله ليمكن إثباتها ونفيها، لكنه قد جعلها أيضًا محكومًا عليها فى مبادئ الأحكام كما مر وفي الأدلة حيث قال: الحكم على الواحد حكم على جماعة، والحكم يجوز تأخير تبليغه إلى وقت الحاجة ونسخه دون التلاوة إلى غير ذلك، ولا يقدح هذا فى كون الأدلة موضوعًا للعلم لأن موضوع المسألة قد يكون عرضًا ذاتبًا له وتصورها هناك أيضًا من المبادئ فالواجب التعميم، والتزم أن التصديقات الموردة فى المبادئ الأحكامية مسائل من هذا الفن ذكرت فيها لإفادتها تصور جزئيات الأحكام إذ يعلم مما ذكر فى الواجب المخير أن من الوجوب ما يتعلق بشئ مبهم من أشياء معينة قال: وهكذا الحكم فيما أورده فى المبادئ غير الأحكامية من السائل ولذلك عنونها بمسألة مسألة وأنت خبير بما فى هذا الفهم من التعسف.
قوله: (فلأن كل واحد مما يستدل به منه على الأحكام ليس معجزًا) قال بعض الأفاضل هذا لا يوجب توقف العلم بكونه كلام اللَّه تعالى على صدق المبلغ لأنه يجوز أن يضم إليه من سابقه أو لاحقه ما يصير به مقدار السورة فإن كان المجموع معجزًا علم أن ذلك البعض كلام اللَّه تعالى لأن ضم غير كلام اللَّه تعالى يخرجه عن الإعجاز وإلا لا يمكن أن يعرف بإعجاز القرآن كونه بتمامه كلام اللَّه تعالى هذا كلامه وهو فى غاية الضعف لأن الجزء الذى ليس معجزًا لا يمكن أن يعلم كونه جزءًا من الكلام إلا بإخبار الصادق، ولا يلزم كان كون مقدار السورة معجزًا كون كل واحد من أجزائه كلام اللَّه تعالى لأن ضم غير كلام اللَّه تعالى إليه لا يخرج المجموع عن الإعجاز إذ الجموع خارج عن طرق البشر ولا يعلم بإعجاز القرآن كونه بتمامه كلام اللَّه تعالى بل يعلم ذلك بإخبار الصادق ولا فساد فى ذلك فإنا إذا نظرنا إلى مقدار السورة جزمنا بأن هذا المقدار خارج عن طوق البشر فيجب أن يكون البعض من اللَّه تعالى قطعًا، وإلا لم يكن المجموع خارجًا عن طرق البشر وأما أن كل جزء من هذا المقدار داخل فى كلام اللَّه تعالى فهو غير معلوم إلا
[ ١ / ١١٢ ]
بإخبار الصادق.
قوله: (وأن لا تأثير لقدرة العباد) فإن قلت دلالة المعجزة لا تتوقف على أنه لا تأثير لقدرة العباد أصلًا بل تتوقف على إثبات أنه لا تأثير لقدرة العباد فى الأفعال الخارقة للعادة وجواز تأثير قدرة العباد فى الأفعال العادية لا يستلزم جواز تأثيرها فى الأفعال الخارقة للعادة قلت تجويز تأثير قدرة العباد فى الأفعال العادية لا يستلزم جواز تأثيرها فى الأفعال الخارقة للعادة قلت: تجويز تأثير قدرة العباد فى الأفعال العادية مع تفاوت مراتبها وتباين آثارها يورث جواز تأثيرها فى الأفعال مطلقًا إذ ليس لهم دليل على امتناع التأثير فى البعض فلو لم يمتنع الكل لم يكن للمعجزة دلالة فصح قوله والعلم بذلك الامتناع يتوقف على قاعدة خلق الأعمال وأن لا تأثير لقدرة العباد وهذا الذى ذكر من السؤال والجواب توضيح لما يتضمنه كلامه وفى عطف قوله فلا تأثير لقدرة العباد على قوله قاعدة خلق الأعمال تنبيه على معنى قاعدة خلق الأعمال وعلى وجه تغيير الأسلوب فى قول الشارح ويتوقف على قاعدة خلق الأعمال حيث لم يقل وهو يتوقف كما فى أخواته وهذا الوجه هو التفاوت بين ما ذكر بعد قوله ويتوقف وبين ما ذكر قبله فإن امتناع تأثير غير القدرة القديمة عام شامل لامتناع تأثير قدرة العباد وغيرها ولو قيل تأثير غير القدرة القديمة ليس إلا تأثير قدرة العباد فالتغاير بحسب المفهوم فقط لكان هذا التوقف من قبيل توقف العلم اليقينى على تحقيق معلومه وفى قوله بل لا مؤثر فى الوجود إلا اللَّه تعالى إشعار بأن دلالة المعجزة موقوفة على امتناع تأثير غير القدرة القديمة مطلقًا سواء كان ذلك التأثير من قدرة العبد أو غيرها إلا على امتناع تأثير قدرة العبد فقط.
قوله: (وإن ذهبوا إلى دعوى الضرورة) أى وإن ذهبت هذه الفرقة القائلة بتأثير القدرة الحادثة إلى أن امتناع تأثير قدرة العبد فى المعجزة ضرورى دفعًا للحيرة فى دلالة المعجزة ويتوقف ذلك الامتناع على تقدير كون المذكور ضروريًا على تلك القاعدة باعتبار إزالة الخفاء الواقع فى هذا الضرورى وأنت خبير بأن ما يزيل الخفاء هو قاعدة خلق الأعمال باعتبار الأعمال الخارقة للعادة.
قوله: (ولا يريد بهذا توقفها على أنه المؤثر فى جميع الممكنات بل فى المعجزة) يعنى أن معنى قاعدة خلق الأعمال أن اللَّه تعالى خالق لأعمال العباد كما لوح قول
[ ١ / ١١٣ ]
الشارح ويتوقف على قاعدة خلق الأعمال ليس المراد به أن دلالة المعجزة موقوفة على أنه تعالى مؤثر فى جميع الممكنات إذ لا أدخل لغير المعجزة فى المقصود بل المراد به أنه تعالى خالق الأفعال الخارقة للعادة.
قوله: (فإن الجواب فاسد) ههنا بحث وهو أن المجيب يقول إن غاية المنطق هى العلم بطرق الاكتساب وأراد الطرق الجزئية المركبة من المادة والصورة، وأراد أيضًا أن غاية المنطق هى تلك الطرق لا من حيث تعلقها بمواد معينة أى لا يكون تعلقها بالأمور المكتسبة المعينة مأخوذة فى المنطق، وأما الأصول فغايته العلم بطرق اكتساب الأحكام أى تعلق تلك الطرق بتلك الأحكام مأخوذة فى الأصول والحاصل أن مباحث الأصول على وجه يفهم فيها تعلق الطرق التى هى الأدلة بالأمور المكتسبة العينة بخلاف المنطق فإن مباحثه على وجه يفهم فيها تعلق طرق الاكتساب بالأمور المكتسبة لا على التعيين، والفرق ظاهر فلا يبعد أن يقال تصور الأمور المكتسبة يجب فى تحصيل علم الأصول إذ هى مأخوذة فيه على التعيين ولا يجب فى تحصيل المنطق إذ ليست مأخوذة فيه على التعيين.
قوله: (من حيث هو كذلك) بيان ذلك أنه لما كان مبادئ الغاية لأجل مبادئ لها صارت مبادئ للعلم الذى تلك الغاية غاية له وهذه الحيثية موجودة فى كل ما يتوقف عليه الغاية فلزم توقف العلم الذى هو المتقدم على كل ما هو يتوقف عليه المتأخر ومن جملة ما يتوقف عليه المتأخر نفس ذلك العلم فلزم توقف الشئ على نفسه وأنت خبير بأن من قال مبادئ الفائدة هى مبادئ العلم أراد أن ما يتوقف عليه الفائدة مما هو غير ذلك العلم يتوقف عليه ذلك العلم.
قوله: (وأجيب بأن الفقه علم المجتهد) هذا الجواب صحيح إذا كان التصديق بإثبات الأحكام أو نفيها من حيث التعلق علم الفقه وكل تصديق بإثبات حكم أو نفيه من حيث التعلق من أجزاء الفقه وذلك غير مسلم لأن بعضًا من تلك التصديقات لم يكن من أجزاء الفقه وهو التصديقات الحاصلة من الأدلة القطعية فقول الشارح ولا يريد العلم من إثباتها أو نفيها لأن ذلك فائدة العلم ويتأخر حصوله عنه فلو توقف عليه العلم كان دورًا مبنيًا على إرادة التصديق اليقينى وتقييد الكلام بالمذهبين مذهب مانعى تجزى الاجتهاد ومذهب من قال الأدلة اللفظية لا تفيد إلا ظنًا وكذا ما يتفرع عليها من الإجماع والقياس.
[ ١ / ١١٤ ]
قوله: (فإن قيل ربما كان استطرادًا) حاصل هذا القول اختيار أن القسم الخامس ليس من المبادئ وتوجيه إيراده فيها بأن ذكره فيها لا يكون لغوًا بل تكميلًا للصناعة، وحاصل الجواب عن هذا القول أن وجود القسم الخامس يوجب بطلان قوله وإلا جاء الدور سواء كان ذكره لغوًا أو تكميلًا لأن التصديقات المتعلقة بأحكام الأحكام داخلة فى النفى الواقع فى قوله: وإلا جاء الدور، والدور غير لازم فيه، وحاصل الرد أن الاستمداد لا يكون إلا لمن يعلم المتعلق بالأحكام والعلم المتعلق بالأحكام ليس إلا تصورها أو التصديق بها أى بإثباتها أو نفيها وأما التصديق بأحكام الأحكام فهو خارج عن العلم بالأحكام فصح قوله وإلا جاء الدور أى وإن أريد العلم بإثباتها أو نفيها جاء الدور.
الشارح: (توقف على صدق المبلغ) أى ليثبت حقيته المستند إليها حجيته.
الشارح: (وعلى إثبات العلم والإرادة) عطف على قوله على امتناع تأثير غير القدرة القديمة.
الشارح: (ولا يريد بالأحكام العلم بإثباتها أو نفيها) أى على الوجه الذى فى الفقه لأن ذلك فائدة العلم وأما على الوجه الذى فى الأصول فعدم إرادته ظاهر فلذا لم يتعرض له.
الشارح: (وسنقف. . . إلخ) مراده الإعتراض على المصنف كما بينه السعد والسيد.
التفتازانى: (يعنى لزوم امتثاله. . . إلخ) حمل اللزوم على الوجود وقدر مضافًا وحمل قول الشارح حينئذٍ على ما يفيد التعليل.
التفتازانى: (هو الحدوث) أى وحده أو مع الإمكان أو بشرطه.
التفتازانى: (ويرد عليه أنه لو أريد إثبات الأحكام. . . إلخ) فيه أن الآمدى لم يتعرض لقوله ليمكن إثباتها ونفيها ولم يجعل ذلك الإثبات باعتبار الفقه بحيث تكون الأحكام ثابتة لأفعال المكلف وإنما تعرض لبيان التصديق بها الذى يوجب الدور لو توقف علم الأصول عليه فيحتمل أنه يقول: ليمكن إثباتها ونفيها أى فى الأصول فحينئذٍ يلزم الأصولى تصورها.
[ ١ / ١١٥ ]
التفتازانى: (محمولات. . . إلخ) سيأتى للسيد قدس سره أن المراد مبادئ المحمولات.
التفتازانى: (يندفع الإيراد الثانى) هو قوله وأيضًا لزوم الدور. . . إلخ.
التفتازانى: (لا يقال المراد. . . إلخ) أى أن الدور لازم عند جعل التصديق بالأحكام سواء كان على الوجه الذى فى الفقه أو على الوجه الذى فى الأصول من المبادئ لأن علم الأصول هو الملكة لا المسائل والتصديق المذكور متأخر عنه مطلقًا فلا حاجة لأن يقال: إنه لم يتعرض لنفى كون التصديق بالأحكام على الوجه الذى فى الأصول لظهور أن ذلك مسائله وحاصل الجواب أن المبادئ إنما تكون للعلوم: لمعنى المسائل لا الملكات ومعلوم أن الشئ لا يكون مبدأ لنفسه ولظهوره لم يتعرض له كما قال.
التفتازانى: (ونفى أن تكون التصديقات التى محمولها الأحكام) أى على الوجه الذى فى الفقه، وقوله: مثل أن الواجب الموسع. . . إلخ. أى من حيث اشتماله على الوجوب الذى هو الحكم.
التفتازانى: (وليس فى علم الأحكام) أى الذى هو علم الفقه.
التفتازانى: (وإلا) أى وإن لم يحتج إلى غيره ولم يستمد من ذلك الغير فليس استمداد أحدهما من الآخر أولى من عكسه لاستوائهما فى تلك المبادئ واحتمال تقدم تدوين أحدهما أو اشتهار نسبة المبادئ إليه مما لا يجدى لأن المقصود من استمداد علم من آخر استمداده باعتبار نفسه منه باعتبار نفسه لا باعتبار شهرة أو تقدم تدوين والمبادئ التصويرية لكل علم لا من تصورها على وجه يتوقف عليه مطالبه وليس له حال أخرى بحال بمعرفتها على علم آخر حتى يستمد منه واستفادة تصور تلك المبادئ من الكتب المدونة فى ذلك العلم السابق لا يصير العلم اللاحق مستمدًا منه.
قوله: (لأن العمومات الكلية. . . إلخ) أى من الكتاب والسنة والعلة التى هى مبنى القياس العامة توصف بالكلية أيضًا فللاحتراز عنها فسرها بالإجمالية.
قوله: (كما ذكره) أى حيث قال: يكون الكتاب والسنة والإجماع حجة.
قوله: (على معرفته تعالى) لأن معنى كونها حججًا أن الأحكام الثابتة بها هى أحكام اللَّه التى يلزمنا العمل بها فلا بد من معرفته تعالى لتسند الأحكام إليه.
[ ١ / ١١٦ ]
قوله: (إن حجيتها تتوقف على وجودها) أى وإن وجود مبرهن عليه فى الكلام، وأما على أن وجودها بديهى فبالانضمام المذكور لا يتبين به استمداد الأصول من الكلام.
قوله: (وثبوته فى حقنا. . . إلخ) حمل اللزوم على الثبوت فى حقنا وحمل حينئذٍ على مجرد الظرفية ردًا على التفتازانى، وأما جعل الضمير عائدًا على التكليف فليس الغرض منه الرد عليه فى جعل الضمير للخطاب لأن الخطاب والتكليف المراد بهما واحد كما يدل عليه قوله: ولا يثبت علينا إلا حكمه الذى هو خطابه.
قوله: (لأن المتكلمين) أى جمهورهم وإلا فبعضهم يستدل بالإمكان على وجود الصانع.
قوله: (ليس معجزًا) لأن المعجز هو ما كان مقدار أقصر سورة وقد نزل أقل من ذلك وحده كقوله تعالى: ﴿غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾ [النساء: ٩٥]، وهذا لا ينافى ما قيل من أنه لا يصح أن يكون القرآن ثابتًا بالشرع لأنه أقوى أدلة إثباته، فلا يتوقف عليه لأن المراد بذلك مجموع القرآن لا هو وأبعاضه.
قوله: (بل العلم به) أى لأن صدقه فى ذاته يتوقف على دلالة المعجزة وقوله: والعلم بذلك الامتناع أشار بذلك إلى أن الضمير فى قوله: ويتوقف على قاعدة خلق الأعمال عائد على الامتناع بتقدير مضاف وليس عائدًا على دلالة المعجزة كما قال بعضهم وقد درج السعد على عود الضمير على دلالة المعجزة.
قوله: (وعلى أن لا تأثير لقدرة العبد) أشار به إلى تفسير المراد من قاعدة الأعمال وأنها شاملة لجميع الأعمال لا فرق بين الخارق للعادة وغيره.
قوله: (بل لا مؤثر فى الوجود. . . إلخ) لما كان نفى قدرة العبد لا ينافى أن يكون لغيره من سائر المخلوقين قدرة وتأثير مع أن العلم بامتناع تأثير غير القدرة القديمة يتوقف على أن لا تأثير لغير اللَّه أصلًا أتى بالإضراب المذكور مشيرًا به إلى أن الذى يتوقف عليه العلم بالامتناع المذكور بالذات هو أنه لا مؤثر فى الوجود سواه تعالى وقاعدة خلق الأعمال متفرعة عليه ففي عبارة الشارح مسامحة.
قوله: (وفيه. . . إلخ) ليس اعتراضًا بل المراد أن ما ذكره يتضمن أن من أثبت. . . إلخ. وقوله: فى ورطة الحيرة أى لجواز أن يكون ذلك الأمر الخارق للعادة مما تتعلق به بعض القدر لأنها متفاوتة المراتب والآثار بخلاف ما إذا قلنا: لا
[ ١ / ١١٧ ]
تأثير لقدرة العباد لكن ربما يقال: إنها وإن لم يكن لها تأثير فلا كسب وربما يختلف الكسب لتفاوت مراتب القدرة الكاسبة فيجوز أن يكون الأمر الخارق من مكسوب بعض القدر فلا بد فى دلالة المعجزة من دعوى الضرورة أيضًا.
قوله: (وإن جنحوا إلى دعوى الضرورة) أى أن الجماعة الذين أثبتوا للعبد قدرة مؤثرة يلجئون فى دلالة المعجزة على الصدق إلى الضرورة دفعًا للحيرة وعلى هذا فالعلم بالامتناع لا يتوقف على قاعدة خلق الأعمال سواء كانت خارقة للعادة أو لا؛ لأنه يعلم بالضرورة وإنما يتوقف عليها لإزالة الخفاء فقط؛ والمراد بالأعمال على ذلك الأعمال الخارقة للعادة فقط إذ لا دخل غيرها فى المقصود لأن الكلام فى امتناع تأثير غير القدرة القديمة فيها أى المعجزة.
قوله: (فمقطع الاحتمال) أى احتمال أن تكون المعجزة من بعض قدر العباد فلا تفيد الصدق إنما هو بتلك القاعدة القويمة النافية لتأثير قدرة العبد مطلقًا.
قوله: (وظاهر هذه العبارة) أى عبارة الشارح التى هى قوله: ويتوقف على قاعدة خلق الأعمال حيث لم يقل أيضًا كما قال فى العبارة الأولى، وأيضًا أنه يتوقف ولم يقل وعلى قاعدة خلق الأعمال عطفًا على قوله، على امتناع تأثير غير القدرة القديمة فلو كان الضمير فى يتوقف على قاعدة خلق الأعمال عائدًا على دلالة المعجزة كما قال بعضهم؛ لكانت دلالة المعجزة متوقفة على أمرين فكان الظاهر أن يقول: وتتوقف أيضًا أو أن يقول وعلى قاعدة ويحذف قوله ويتوقف فلما قال: ويتوقف على قاعدة خلق الأعمال بدون أيضًا كان ذلك ظاهرًا فى أن الضمير فى يتوقف ليس عائدًا على الدلالة بل على الامتناع المذكور قبله.
قوله: (ولا يريد بهذا) أى بتوقفها على قاعدة خلق الأعمال توقفها على أنه المؤثر فى جميع الممكنات بل فى المعجزة أى بل يريد أن اللَّه تعالى هو الخالق للأفعال الخارقة للعادة لكن يرد أن القاعدة المذكورة هى عامة فلا وجه للتخصيص.
قوله: (والأول أظهر) أى لأن القدرة قد ذكرت فى قوله على امتناع غير تأثير القدرة القديمة.
قوله: (فمن قال. . . إلخ) القائل السعد.
قولد: (وتصور موضوعات المسائل. . . إلخ) مرتبط بما قبل قوله: فمن قال. . . إلخ
[ ١ / ١١٨ ]
والكلام السابق وإن كان فى المحمولات وما يقع فيها إلا أنه أشار بذكر تصور الموضوعات وما يقع فيها إلى أن الأحكام فى مسائل الأصول كما تقع محمولًا وداخلًا فى المحمول تقع موضوعًا وداخلًا فيه فلا بد من تصورها.
قوله: (لا لأن ما يقع. . . إلخ) رد على الأبهري حيث قال فى وجه ذكر الفقه هنا ما حاصله أن الفقه فائدة لأصول الفقه والأحكام واقعة محمولات مسائله فيكون تصورها من مبادئ علم الأصول لأن ما يقع فى محمولات ما هو فائدة العلم يكون من مبادئ ذلك العلم.
قوله: (ويجاب. . . إلخ) داخل تحت النفى وحاصله أن المنطق هو العلم بالطرق الكلية للاكتساب وغايته هى العلم بالطرق الجزئية المستعملة فى العلوم لا من حيث تعلقها بمواد معينة هى نتائج تلك الطرق بل على وجه عام كأن يعلم أن هذا الشكل الثانى مثلًا ينتج لما هو نتيجته وأما الأصول فغايته العلم بطرق اكتساب الأحكام فالمكتسب بالطرق فى المنطق غير معين فلم تكن تصورات أجزائه من مبادئ المنطق بخلاف الأصول فالمكتسب معين هو الأحكام فكان تصورها من مبادئه أى ما تتعلق به فقوله: وإن أريد الطرق الجزئية العارضة للمواد المخصوصة هو المراد والمراد بالمواد المخصوصة ما حصل بالاكتساب من تلك الطرق الجزئية.
قوله: (ويدعى أن المستفاد منه) أى من المنطق معرفة الصور المعينة فقط فيعرف بالمنطق صور الأشكال المعينة ولا يعرف المادة التى تتعلق بها تلك الأشكال ولا يبحث فيه عن المادة أصلًا فلو كان يبحث منه عن المادة على الوجه العام كما يبحث فيه عن الصور على وجه عام كان معرفة المواد الجزئية التى هى مسائل العلوم غاية له فيرد الاعتراض المذكور.
قوله: (وإن كان مخالفًا للحق) أى لأن الحق أن المنطق يبحث فيه عن المادة أيضًا على وجه عام فتكون مسائل العلوم غاية له فيرد الاعتراض المذكور وقوله: لأن الغرض من تلك المعرفة هى العلوم أى فتكون هى الغاية أيضًا.
وقوله: (مسعود المحذور) أى الذى هو وجوب كون تصورات محمولات مسائل العلوم من مبادئ المنطق.
قوله: (ولو سلم. . . إلخ) أى لو سلم أن الأصول يفيد العلم بطرق اكتساب الأحكام وأن ذلك العلم غاية له فالغاية متأخرة عن العلم.
[ ١ / ١١٩ ]
قوله: (من حيث إنها كذلك) أى مبادئ لها.
قوله: (يستلزم دعوى توقف المتقدم على ما يتوقف عليه المتأخر من حيث هو كذلك) وهذه الدعوى خلاف الظاهر المألوف من أن المتأخر هو الذى يقال فيه إنه إذا توقف على شئ متوقف على آخر كان ذلك المتأخر متوقفًا على ذلك الآخر فلو حكم بعكس هذا وقيل إن مبادئ ذى الغاية من حيث إنها مبادئ له مبادئ للغاية فيستلزم دعوى أن المتأخر متوقف على ما يتوقف عليه المتقدم لكان له وجه هذا ما يفهم من حاشية الخلخالى وقال الهروى على قوله من حيث هو كذلك بيان ذلك أنه لما كان مبادئ الغاية لأجل أنها مبادئ لها صارت مبادئ للعلم الذى تلك الغاية غاية له وهذه الحيثية موجودة فى كل ما يتوقف عليه الغاية فلزم توقف العلم الذى هو المتقدم على كل ما يتوقف عليه المتأخر ومن جملة ما يتوقف عليه المتأخر نفس ذلك العلم فلزم توقف الشئ على نفسه وأنت خبير بأن من قال: مبادئ الفائدة هى مبادئ العلم أراد أن ما يتوقف عليه الفائدة مما هو غير ذلك العلم يتوقف عليه ذلك العلم. اهـ.
قوله: (وما ذكره المصنف. . . إلخ) أراد الرد على ما تمسك به الفاضل الأبهرى فى قوله: إنه مختار المصنف ووجه الرد أن المصنف إنما جعل معرفة الفائدة من المبادئ بالمعنى الأعم أعنى ما يتوقف عليه ذاتًا أو تصورًا أو شروعًا لا منها بالمعنى الأخص الذى هو ما يتوقف عليه ذاتًا وهو الذى الكلام فيه فلا يقتضى كلام المصنف اختيار أن محمولات الفائدة من مبادئ ذى الفائدة.
قوله: (فإن قلت ما وجه. . . إلخ) يعنى إذا اقتضى كون العلم مستمدًا فى ترتب فائدته عليه من مبادئ تلك الفائدة أن تذكر الفائدة ومبادئها تنبيهًا على ذلك الاستمداد اقتضى أيضًا المنطق فى ترتب فائدته عليه من مبادئها ذكر تلك الفائدة ومبادئها كذلك سمع أنه لا تعرض فى كتب المنطق لشئ من ذلك فما وجه التخصيص.
قوله: (قلت الاشتراك. . . إلخ) حاصله أن للتخصيص وجهين، أحدهما: الاشتراك فى الاستمداد من الأحكام أى أن الأصول والفقه مشتركان فى الاستمداد لشئ واحد هو الأحكام بخلاف المنطق وفائدته، ثانيهما: أن غاية الأصول شئ واحد مخصوص هو الفقه فتتيسر الإشارة إلى مبادئه بخلاف المنطق
[ ١ / ١٢٠ ]
فإن فوائده كثيرة غير محصورة فى عدد فلا يتيسر ذكرها والإشارة إلى مبادئها. اهـ. خلخالى.
قوله: (إنما هو من تصورها) الحصر إضافى كما يشير به قوله: (لا من التصديق. . . إلخ) فلا ينافى أن الاستمداد من التصديق بوجود الأحكام أيضًا الذى هو فى علم الكلام.
قوله: (وتصديقه بكل مسألة فقهية. . . إلخ) أى لأنه لا بد فيه من التهيؤ التام لهذا التصديق ولا يتأتى ذلك إلا بعلمه بجميع القواعد بالفعل.
قوله: (يتجه الرد) أى بمنع الدور وقوله على من جوزه أى التجزى ووجه الاتجاه أنه بناء على الشك الذى ذكره يجوز أن يكون البعض الذى منه الاستمداد وهو من المسائل الفقهية غير المجتهد فيه والمجتهد فيه متوقف على البعض الآخر الذى هو وسيلة إلى المجتهد فيه فلا دور.
قوله: (إن لم يكن مانع آخر) أى غير منع التجزى يعنى أن السؤال يتجه على القول بتجزى الاجتهاد إن لم يكن له مانع آخر غير منع التجزى لكن يجوز أن يكون هناك مانع آخر يمنع توجه السؤال على من جوز التجزى أيضًا.
قوله: (متوقف فيه) أى فى جواز التجزى.
قوله: (وفيه التزام. . . إلخ) أى فى التوقف من المصنف التزام ورود السؤال بعدم الدور عليه.
قوله: (لأن التوقف لا يصير مبدأ للجزم) أى بعدم استمداد الأصول من التصديق بإثبات الأحكام ونفيها على الوجه الذى فى الفقه ولزوم الدور.
قوله: (على التقديرين) أى تقدير التصديق بالإثبات والتصديق بالنفى وليس المراد بهما تقدير كونها من المبادئ وتقدير كونها ليست منه لأنه لا مجال لتوهم الدور على أنها ليست من المبادئ حتى يتعرض لإبطاله بناءً عليه كذا قيل وهو غير ظاهر بل المراد بهما تقدير كونها من المبادئ وتقدير كونها ليست منها كما يدل عليه قوله: وأجيب بأن بطلان. . . إلخ. وأما قوله: إذ لا مجال. . . إلخ. فمدفوع بأن الكلام على الفرض والتقدير فقوله وإلا جاء الدور أى لو أريد من كون الأحكام مبادئ التصديق بأحوالها لجاء الدور مع أنه لو أريد التصديق بأحكام الأحكام وجعل ذلك فى المبادئ لم يلزم الدور وإن كان ذلك التصديق فى الواقع
[ ١ / ١٢١ ]
ليس من المبادئ بل ذكرها فيها استطرادى فلا يقتضى لزوم الدور فى ذاته الحصر فى التصور.
قوله: (من حيث استفاداتها من الأدلة) أى باعتبار تعلقها بالأفعال على الإجمال وأما تعلقها بها على التفصيل فهو المطلوب فى الفقه.
قوله: (سواء جعلت موضوعات) كقولنا الوجوب مدلول الأمر، وقوله: أو أجزاء لمحمولات كقولنا الأمر للوجوب.
قوله: (من حيث تعلقها بفعل المكلف) أى على التفصيل كقولنا الوتر سنة أو واجب بخلاف قولنا: الأمر للوجوب فإن الوجوب فيه متعلق بالفعل المحمل.
قوله: (باقٍ بحاله) أى أنه وإن اندفع بطلان الحصر واللغو لكنه لم يندفع لزوم الدور.
قوله: (ورد بأن الاستمداد. . . إلخ) أى رد الإشكال ببقاء الدور بحاله بأن الاستمداد من علم الأحكام لا يكون إلا بما فيه وهو منحصر فى التصور والتصديق وحيث. . . إلخ.
قوله: (وهذا لا ينافى. . . إلخ) أى فلا إشكال أصلًا من أى جهة.
قوله: (وستنكشف لك جلية الحال) أى من أن الاستمداد من الأحكام أنفسها لا من علم الأحكام.
قوله: (ولا يقدح هذا) أى وقوع الحكم موضوعًا فى المسألة وهو دفع لما يقال: إنه إذا جعل الحكم موضوعًا فى المسألة خرجت المسألة عن أن تكون من الأصول لأن موضوعه الأدلة وحاصل الدفع أنه لا يجب فى مسألة العلم أن يكون موضوعها موضوع العلم بل يجوز أن يكون موضوعها عرضًا ذاتيًا له الحكم من الأعراض الذاتية لموضوع الأصول.
قوله: (فالواجب التعميم) أى تعميم التصور لتصور الأحكام موضوعة ومحمولة.
قوله: (والتزام) عطف على قوله اقتصر.
قوله: (ولذلك عنونها مسألة بمسألة) أى لأجل أن التصديقات الموردة فى المبادئ الأحكامية من مسائل هذا الفن عنونها مسألة بمسألة.
قوله: (بما فى هذا الفهم والالتزام من التعسف) أما التعسف فى الفهم فلأن
[ ١ / ١٢٢ ]
المتبادر من الأمرين فى قوله: وهو خارج عن الأمرين تصور الأحكام والتصديق بإثباتها ونفيها الذى هو فائدة الفقه لأن ذلك هو المذكور أولًا والمراد بتصور الأحكام تصورها مطلقًا سواء جعلت من أجزاء المحمول أو من أجزاء الموضوع ولا يقدح فى ذلك قوله: ليمكن إثباتها ونفيها كما هو منشأ فهم بعضهم لأن المراد أنه لا بد من تصورها وهو قد حمل الأمرين على تصور الأحكام مثبتة وتصورهما منفية أخذًا بظاهر قوله ليمكن إثباتها ونفيها هذا ما يفهم مما كتبه المحشى فى حاشية الحاشية وفيه أنه لا مانع من أن يكون هذا الفاهم حمل الأمرين على التصور الذى للأحكام محمولة أخذًا من قوله: ليمكن إثباتها ونفيها والتصديق بإثباتها ونفيها وهما مذكوران صراحة لأعلى التصورين كما ادعى المحشى، وأما التعسف فى الالتزام فلأن العنونة بمسألة مسألة لا تقتضى أن تلك المسألة من الفن وإلا لكان كل ما عنون عنه بذلك فى مبادئ الأحكام كان الفن مع أنه ليس كذلك وفى التخصيص تعسف هذا ما يؤخذ من حاشية الحاشية.
[ ١ / ١٢٣ ]