بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
بَابٌ الأمر:
"الأَمْرُ حَقِيقَةٌ فِي الْقَوْلِ الْمَخْصُوصِ١"
لَمَّا كَانَ مِمَّا يَشْتَرِكُ فِيهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَالإِجْمَاعُ: السَّنَدُ، وَالْمَتْنُ٢. وَتَقَدَّمَ الْكَلامُ عَلَى السَّنَدِ٣ أَخَذَ فِي الْكَلامِ عَلَى الْمَتْنِ.
وَلَمَّا كَانَ الْمَتْنُ مِنْهُ أَمْرٌ وَنَهْيٌ وَعَامٌّ وَخَاصٌّ وَمُطْلَقٌ وَمُقَيَّدٌ وَمُجْمَلٌ وَمُبَيَّنٌ وَظَاهِرٌ وَمُؤَوَّلٌ وَمَنْطُوقٌ وَمَفْهُومٌ. بَدَأَ مِنْ ذَلِكَ بِالأَمْرِ ثُمَّ بِالنَّهْيِ، لانْقِسَامِ الْكَلامِ إلَيْهِمَا بِالذَّاتِ، لا بِاعْتِبَارِ الدَّلالَةِ وَالْمَدْلُولِ.
فَالأَمْرُ لا يَعْنِي بِهِ مُسَمَّاهُ، كَمَا هُوَ الْمُتَعَارَفُ فِي الأَخْبَارِ عَنْ الأَلْفَاظِ: أَنْ يَلْفِظَ بِهَا وَالْمُرَادُ مُسَمَّيَاتُهَا، بَلْ لَفْظَةُ الأَمْرِ هُوَ أَمْرٌ٤، كَمَا يُقَالُ: زَيْدٌ مُبْتَدَأٌ، وَضَرَبَ فِعْلٌ مَاضٍ، وَفِي حَرْفُ جَرٍّ. وَلِهَذَا قُلْنَا: إنَّهُ حَقِيقَةٌ فِي الْقَوْلِ الْمَخْصُوصِ. وَهَذَا بِالاتِّفَاقِ٥.
_________________
(١) ١ إن باب الامر والنهي من الابواب المهمة في أصول الفقه، لأنهما أساس التكليف في توجيه الخطاب إلى المكلفين، ولذلك أهتم بها علماء الأصول بالتوضيح والبيان لتمحيص الأحكام الشرعية، وجعلهما كثير من المؤلفين في مقدمة كتب الأصول. قال الإمام السرخي: "فأحق ما يبدأ به في البيا، الأمر وال، هي، لأ، معظم الابتلا بها، وبمعرفتهما تتم معرفة الأحكام، ويتميزالحلال م، الحرام" "أصول السرخي ١/١١ ". وانظر: الم، خول ص ٩٨، التبصرة ص١٧، العدة١/٢١٣. ٢ في ش ز: في المت،. ٣ المجلد الثاني صفحة ٢٨٧ - ٥٨٢ ٤ في ش ز ض: وهو أمر. ٥ انظر: الإحكام للآمدي ٢/١٣٠، المحصول ج١ق٢/٧، جمع الجوامع والمحلي عليه ١/٣٦٦، م، اهج العقول ٢/٢،،هاية السول٢/٦، القواعد والفوائد الأصولية ١٥٨، مختصر الطوفي ص٨٤، كشف الاسرار١/١٠١، التوضيح على التنقيح ٢/٤٦، تيسير التحرير ١/٢٢٤، فواتح الرحموت ١/٣٦٧، العضد على ابن الحاجب ٢/٧٦، التمهيد ص٧٢، إرشاد الفحول ص٩١، مباحث الكتاب والسنة ص١٠٩، المعتمد ١/٤٥.
[ ٣ / ٥ ]
"وَ"هُوَ أَيْضًا "نَوْعٌ مِنْ" أَنْوَاعِ "الْكَلامِ" لأَنَّ الْكَلامَ هُوَ الأَلْفَاظُ الدَّالَّةُ بِالإِسْنَادِ عَلَى إفَادَةِ مَعَانِيهَا. فَنَوْعٌ مِنْهُ يَكُونُ مِنْ الأَسْمَاءِ فَقَطْ، وَنَوْعٌ مِنْ الْفِعْلِ الْمَاضِي١ وَفَاعِلِهِ، وَنَوْعٌ مِنْ الْفِعْلِ الْمُضَارِعِ وَفَاعِلِهِ، وَنَوْعٌ مِنْ فِعْلِ الأَمْرِ وَفَاعِلِهِ٢.
ثُمَّ الأَمْرُ قَدْ يُطْلَقُ وَيُرَادُ بِهِ الْفِعْلُ وَلَكِنْ عَلَى سَبِيلِ الْمَجَازِ٣ عِنْدَ الإِمَامِ أَحْمَدَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ وَأَصْحَابِهِ وَأَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ٤. وَإِلَى ذَلِكَ أُشِيرَ بِقَوْلِهِ: "وَمَجَازٌ فِي الْفِعْلِ" وَمِنْهُ قوله تعالى: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ﴾ ٥ أَيْ فِي الْفِعْلِ
_________________
(١) ١. ساقطة من ض. ٢. انظر: أصول السرخي ١/١١، البرهان للجوني ١/١٩٩، الأحكام للآمدي ٢/١٣٠، المنخول ص ٩٨، المستصفى ١/٤١١، العبادي على الوقات ص ٦٠. ٣. يرى بعض العلماء أن إطلاق الأمر على الفعل حقيقة، ويكون الأمر مشتركًا بينهما، واحتجوا بقوله تعالى: ﴿وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ﴾، وفرعوا على ذلك أن فعل النبي ﷺ يدل على اللإيجاب ضرورة أنه أمر. انظر أدلة هذا الرأي مع مناقشته في "نهاية السول ٢/٨، الأحكام للآمدي ٢/١٣١، المحصول ج١ ق٢/٧،١٠، المعتمد ١/٤٥، ٤٧، ٥٦، شرح تنقيح الفصول ص ١٢٦، التوضيح على التنقيح ٢/٤٦، التلويح على التوضيح ٢/٤٧، العضد على ابن الحاجب ٢/٧٦، اللمع ص ٧، فتح الغفار ١/٢٨، كشف الأسرار ١/١٠٢، وما بعدها، تيسير التحرير ١/٣٣٤ وما بعدها، إرشاد الفحول ص ٩١". ٤. انظر آراء العلماء في إطلاق الأمر على الفعل مجازًا في "المسودة ص ١٦، مختصر البعلي ص ٩٧، القواعد والفوائد الأصولية ص١٥٨، العدة ١/٢٢٣، الإحكام للآمدي ١/١٣١، جمع الجوامع ١/٣٦٦، العضد على ابن الحاجب ٢/٧٦، اللمع ص ٧، شرح تنقيح الفصول ص ١٢٦، التوضيح على التنقيح ٢/٤٦، تيسير التحرير ١/٣٣٤، المعتمد ١/٤٥، فواتح الرحموت ١/٣٦٧، أصول السرخسي ١/١١، فتح الغفار ١/٢٨". ٥ الآية ١٥٩ من آل عمران.
[ ٣ / ٦ ]
وَنَحْوِهِ١. وقوله تعالى: ﴿أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ ٢ وقوله تعالى: ﴿حَتَّى إذَا جَاءَ أَمْرُنَا﴾ ٣.
وَيُطْلَقُ أَيْضًا٤ وَيُرَادُ بِهِ الشَّأْنُ٥. وَمِنْهُ قوله تعالى: ﴿وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ﴾ ٦ أَيْ: شَأْنُهُ، وَالْمَعْنَى الَّذِي هُوَ مُبَاشِرٌ لَهُ.
وَقَالَ ابْنُ قَاضِي الْجَبَلِ كَقوله تعالى: ﴿إنَّمَا قَوْلُنَا ٧ لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ﴾ ٨
وَيُطْلَقُ أَيْضًا وَيُرَادُ بِهِ الصِّفَةُ٩، نَحْوَ قَوْلِ الشَّاعِرِ:
"لأَمْرٍ مَا يَسُودُ مَنْ يَسُودُ"١٠
أَيْ بِصِفَةِ مِنْ صِفَاتِ الْكَمَالِ.
_________________
(١) ١ ساقطة من ض. ٢ الآية ٧٣ من هود. ٣ الآية ٤٠من هود. ٤ ساقطة من ض. ٥ انظر: أصول السرخسي ١/١٢، شرح تنقيح الفصول ص ١٢٦. ٦ الآية ٩٧ من هود. ٧ في ب ز ع ض: أمرنا، ولا يوجد في القرآن آية بهذا اللفظ "انما أمرنا "، ولعل المقصود الآية ٨٢ من سورة يس: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ . ٨ الاية ٤٠ من النحل. ٩ انظر: شرح تنقيح الفصول ص ١٢٧. ١٠ هذا عجز بيت من الوافر، لأنس بن مدركة الخثعمي، وصدره: عزمت على إقامة ذي صباحٍ وقد استشهد به سيبويه في "الكتاب" والمبرد في "المقتضب" وابن جني في "الخصائص" وابن الشجري في "أماليه" وابن يعيش الحلبي في "شرح المفصل" وابن عصفور في "المقرب" والبغدادي في "خزانة الأدب". " انظر: معجم شواهد العربية ١/١٠٦، شرح أبيات سيبويه للسيرافي ١/٣٨٨"
[ ٣ / ٧ ]
وَيُطْلَقُ وَيُرَادُ بِهِ الشَّيْءُ كَقَوْلِهِمْ: تَحَرَّكَ الْجِسْمُ لأَمْرٍ، أَيْ لِشَيْءٍ١.
وَيُطْلَقُ أَيْضًا عَلَى الطَّرِيقَةِ ٢بِمَعْنَى الشَّأْنِ وَعَلَى الْقَصْدِ وَالْمَقْصُودِ.
وَقِيلَ إنَّ الأَمْرَ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ الْفِعْلِ والْقَوْلِ بِالاشْتِرَاكِ اللَّفْظِيِّ لأَنَّهُ أُطْلِقَ عَلَيْهِمَا٣
وَقِيلَ مُتَوَاطٍ فَهُوَ لِلْقَدْرِ الْمُشْتَرَكِ بَيْنَهُمَا مِنْ بَابِ التَّوَاطُؤِ دَفْعًا لِلاشْتِرَاكِ وَالْمَجَاز٤ِ
وَقَالَ الْقَاضِي فِي " الْكِفَايَةِ" إنَّ الأَمْرَ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ الْقَوْلِ وَالشَّأْنِ وَالطَّرِيقَةِ وَنَحْوِهِ٥.
_________________
(١) ١. انظر: شرح تنقيح الفصول ص ١٢٦. ٢. ساقطة من ش ز. ٣. انظر أصحاب هذا القول وأدلتهم ومناقشاتها في "العضد على ابن الحاجب ٢/٧٦، نهاية السول ٢/٨/ جمع الجوامع ١/٣٦٧، شرح تنقيح الفصول ص١٢٦، فواتح الرحموت ١/٣٦٧، كشف الأسرار ١/١٠٢، التوضيح على التنقيح ٢/٤٦، تيسير التحرير ١/٣٣٤، التمهيد ص ٧٣، القواعد والفوائد الأصولية ص ١٥٨، مباحث الكتاب والسنة ص ١٠٩". ٤ وهو اختيار الآمدي، وقال التفتازاني عن هذا القول:"وهو قول حادث مخالف للإجماع، فلم يلتفت إليه". "انظر: التلويح على التوضيح ٢/٤٦، الإحكام للآمدي ٢/١٣٧، العضد على ابن الحجاب ٢/٧٦، جمع الجوامع ١/٣٦٧، فواتح الرحموت ١/٣٦٧، تيسير التحرير ١/٣٣٤، مختصر البعلي ص ٦٧". ٥ ذهب إلى ذلك أبو الحيسن البصري، بينما أنكر القاضي ذلك في كتابه "العدة" فقال: "الفعل لا يسمى أمرًا حقيقة". "انظر: المسودة ص ١٦، العدة ١/٢٢٣، المعتمد ١/٤٥، الإحكام للآمدي ٢/١٣١، المحصول؟ ١ ق٢/٧،١٤، نهاية السول ٢/٩، جمع الجوامع ١/٣٦٧، التلويح على التوضيح ٢/٤٦، مختصر البعلي ص٩٧، القواعد والفوائد الأصولية ص١٥٢، ١٥٨، إرشاد الفحول ص ٩١".
[ ٣ / ٨ ]
قَالَ الشَّيْخُ عَبْدُ الْحَلِيمِ١،وَالِدُ الشَّيْخِ تَقِيِّ الدِّينِ: "هَذَا هُوَ الصَّحِيحُ لِمَنْ أَنْصَفَ"٢.اهـ.
وَاسْتَدَلَّ لَلْمَذْهَبُ الصَّحِيحُ-وَهُوَ كَوْنُ الأَمْرِ مَجَازًا فِي غَيْرِ الْقَوْلِ الْمَخْصُوص- بِأَنَّ الْقَوْلَ يَسْبِقُ إلَى الْفَهْمِ عِنْدَ الإِطْلاقِ، وَلَوْ كَانَ مُتَوَاطِئًا لَمْ يُفْهَمْ مِنْهُ الأَخَصُّ، لأَنَّ الأَعَمَّ لا يَدُلُّ عَلَى الأَخَصِّ، وَبِأَنَّهُ لَوْ كَانَ حَقِيقَةً فِي الْفِعْلِ لَزِمَ الاشْتِرَاكُ٣ وَالاطِّرَادُ؛ لأَنَّهُ مِنْ لَوَازِمِ الْحَقِيقَةِ، وَلا يُقَالُ لِلآكِلِ آمِرٌ، وَلا يُشْتَقُّ لَهُ مِنْهُ أَمْرٌ٤، وَلا مَانِعَ،
_________________
(١) ١ هو عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد الله، ابن تيمية، الحراني، شهاب الدين، أبو المحاسن، والد شيخ الاسلام تقي الدين احمد بن عبد الحليم، وهو ابن الشيخ مجد الدين أبو البركات عبد السلام بن تيمية، سمع عبد الحليم من والده، وقرأ عليه المذهب حتى اتقنه، ورحل إلى حلب في طلب العلم، ثم صار شيخ البلد بعد أبيه، وخطيبه وحاكمه، ودرّس وأفتى وصنف، وكان محققًا لما ينقله، دينًا، متواضعًا، حسن الخلق، جوادًا، وقدم دمشق، قال الذهبي: "وكان من أنجم الهدى، وإنما اختفى بين نور القمر وضوء الشمس" يشير إلى والده وابنه، له تعاليق وفوائد، وصنف في علوم شتى، توفي سنة ٦٨٠هـ بدمشق، ودفن بسفح قاسيون. انظر ترجمته في ذيل "طبقات الحنابلة ٢/٣١٠، شذرات الذهب ٥/٣٧٦، البداية والنهاية ١٣/٣٠٣. ٢ المسودة ص ١٦، وانظر: القواعد والفوائد الأصولية ص ١٦٢. ٣ أي يكون كل فعل أمرًا باطراد، وأن الأمر يقع على آحاد الأفعال، والواقع أن ذلك غير مطرود، فلا يقال للأكل والشرب أمر. "انظر: المعتمد ١/٤٦، الإحكام للآمدي ٢/١٣١، المحصول ج١ ق ٢/٧، فواتح الرحموت١/٣٦٨، العضد على ابن الحاجب ٢/٦، إرشاد الفحول ص ٩١، العدة ١/٢٢٣". وفي ش: لا طرد، وفي ز عِ: ولا طرد. ٤ يوضح ذلك السرخسي فيقول: "ألا ترى أنه لا يقولون للآكل والشارب آمرًا، فبهذا تبين أن اسم الأمر لا يتناول الفعل حقيقة، كما لا يقال: "الأمر" اسم عام يدخل تحته المشتق وغيره، لأن الأمر مشتق في الأصل، فإنه يقال: أمر يامر أمرًا، فهر آمر، وماكان مشتقًا في الأصل لا يقال إنه يتناول المشتق وغيره حقيقة" "أصول السرخسي ١/١٢". "وانظر: التلويح على التوضيح ٢/٤٧ وما بعدها، كشف الأسرار١/١٠٥ وما بعدها، تيسير التحرير ١/٣٣٦، فواتح الرحموت١/٣٦٨، المعتمد ١/٤٧، الإحكام للآمدي ٢/١٣١، ١٣٥، المحصول؟ ١ ق٢/٨، العدة ١/٢٢٣".
[ ٣ / ٩ ]
وَلاتَّحَدَ١ جَمْعَاهُمَا٢، وَلَوُصِفَ بِكَوْنِهِ مُطَاعًا وَمُخَالِفًا، وَلِمَا صَحَّ نَفْيُهُ٣.
"وَ"أَمَّا "حَدُّهُ" أَيْ حَدُّ الأَمْرِ فِي الاصْطِلاحِ فَهُوَ "اقْتِضَاءُ" مُسْتَعْلٍ مِمَّنْ دُونَهُ فِعْلًا بِقَوْلٍ "أَوْ اسْتِدْعَاءِ مُسْتَعْلٍ" أَيْ عَلَى جِهَةِ الاسْتِعْلاءِ "مِمَّنْ" أَيْ مِنْ شَخْصٍ "دُونَهُ فِعْلًا" مَعْمُولُ اسْتِدْعَاءِ "بِقَوْلٍ" مُتَعَلِّقٌ بِاسْتِدْعَاءِ٤.
_________________
(١) ١ في ع: لا اتحد، وفي د: وإلا اتحد. ٢ استدل بعض علماء الأصول على كون الأمر مجازًا في الفعل وليس حقيقة بأن العرب تفرق بين جمع الأمر الذي هو القول، فتجمعه على"أوامر"، وبين جمع المر الذي هو الفعل، فتجمعه على "أمور" وهذا يدل على أن الأمر ليس حقيقة في الفعل، وقال ابن عبد الشكور- مستدلًا على كون الأمر حقيقة في القول مجازًا في الفعل وأنه غير مشترك فيهما-: وثالثًا بلزوم اتحاد الجمع" على تقدير الاشتراك اللفظي"، مع أن في الفعل "أمور"، وفي القول "أوامر"، ثم قال: ولك أن تعارض بأنه لولا الاشتراك لم يختلف الجمع، وقد اختلف. "فواتح الرحموت شرح مسلم الثبوت ١/٣٦٨". واعترض الأصوليين على هذا الاستدلال فقال أبو الحسين البصري:" انه قد حكي عن أهل اللغة أن "الأمر" لا يجمع "أوامر" لا في القول ولا في الفعل، وأن "أوامر" جمع "آمرة"، وأن "أمر" و"أمور" يقع كل منهما موقع الآخر إن استعمل في الفعل، وليس أحدهما جمعًا للآخر"، ثم قال: "وأن اختلاف جمعيهما ليس، بأن يدل على أنه حقيقة فيهما، بأولى من أن يدل على أنه مجاز في أحدهما وحقيقة في الآخر المعتمد١/٤٨". " وانظر: أصول السرخسي ١/١٢، تيسير التحرير١/٣٣٦، إرشاد الفحول ص ٩١". ٣. أي ماكان مستعملًا بطريق المجاز يجوز نفيه عنه، أما ماكان مستعملًا بطريق الحقيقة فلا يصبح نفيه عنه، كالأب فهو حقيقة للأب الأدنى فلا بجوز نفيه عنه، ومجاز للجد فيجوز نفيه عنه بإثبات غيره، وأنه يجوز نفي الأمر عن الفعل وغيره، كما لو قال إنسان: ماأمرت اليوم بشيء، كان صادقًا، وإن كان قد فعل أفعالًا. "وانظر: أصول السرخسي ١/١٣، التلويح على التوضيح ٢/٤٨، تيسير التحرير١/٣٣٥، ٣٣٧، كشف الأسرار ١/١٠٢، المحصول؟ ١ ق٢/٩ وما بعدها، المحلي على جمع الجوامع ١/٣٦٦، العدة ١/٢٢٣، إرشاد الفحول ص٩١". ٤ انظر تعريف الأمر في "الإحكام للآمدي ١/١٣٧ وما بعدها، ١٤٠، الحدود للباجي ص ٥٢، الكافية في الجدل ص ٣٣، المحصول ج١ق ٢/١٩، ٢٢، المستصفى ١/٤١١، البرهان للجويني ١/٢٠٣، العبادي على الورقات ص٧٧، اللمع ص٧، التبصرة ص١٧، المنخول ص١٠٢، جمع الجوامع ١/٣٦٧، فتح الغفار ١/٢٦، كشف الأسرار ١/١٠١،تيسير التحرير ١/٣٣، التوضيح على التنقيح ٢/٤٤، فواتح الرحموت ١/٣٧٠، مختصرابن الحاجب ٢/٧٧ وما بعدها، روضة الناظر ٢/١٨٩، نزهة الخاطر ٢/٦، مختصر الطوفي ص٨٤، مختصر البعلي ص٦٧، إرشاد الفحول ص٩٢ وما بعدها".
[ ٣ / ١٠ ]
فَعَلَى هَذَا يُعْتَبَرُ الاسْتِعْلاءُ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي الْخَطَّابِ وَالْمُوَفَّقِ١وَأَبِي مُحَمَّدٍ الْجَوْزِيِّ وَالطُّوفِيِّ وَابْنِ مُفْلِحٍ وَابْنِ قَاضِي الْجَبَلِ وَابْنِ بُرْهَانٍ فِي الأَوْسَطِ وَالْفَخْرِ الرَّازِيِّ٢، وَالآمِدِيِّ وَغَيْرِهِمْ وَأَبِي الْحُسَيْنِ مِنْ الْمُعْتَزِلَةِ. وَصَحَّحَهُ ابْنُ الْحَاجِبِ وَغَيْرُهُ٣.
قَالَ فِي شَرْحِ التَّحْرِيرِ: وَاعْتَبَرَ أَكْثَرُ أَصْحَابِنَا، مِنْهُمْ الْقَاضِي وَابْنُ عَقِيلٍ وَابْنُ الْبَنَّاءِ وَالْفَخْرُ إسْمَاعِيلُ وَالْمَجْدُ بْنُ تَيْمِيَّةَ وَابْنُ حَمْدَانَ وَغَيْرُهُمْ، وَنَسَبَهُ ابْنُ عَقِيلٍ فِي الْوَاضِحِ إلَى الْمُحَقِّقِينَ، وَأَبُو الطَّيِّبِ الطَّبَرِيُّ وَأَبُو إِسْحَاقَ الشِّيرَازِيُّ
_________________
(١) ١ في ش، ز: الموافق وأبي الخطاب. ٢ ذكر الفخر الرازي رأيه في "المحصول" عرضًا في التعريف " المحصول؟ ١ق ٢/٢٢" وأشار فيما بعد أنه لا يشترط، واكتفى بذكر رأي جمهور المعتزلة، ثن أتبعه برأي أبي الحسين البصري، ثم قال: "وقال أصحابنا لا يعتبر العلو، ولا الاستعلاء" وذكرأدلة كل قول: "انظر: المحصول؟ ١ ق ٢/٤٥ وما بعدها" ولعله بين رأيه في كتاب آخر، بدليل مانقله الإسنوي عنه فقال: "وصححه أيضًا في "المنتخب" وجزم به في "المعالم" "نهاية السول ٢/٨". ٣ اختار هذا الرأي في أشتراط الاستعلاء في الأمر القرافي والباجي من المالكية، وابن عبد الشكور وصدر الشريعة من الحنفية، ورجحه الكمال بن الهمام منهم، وهو قول الآمدي وغيره من الشافعية. "انظر: المعتمد ١/٤٥، الحدود للباجي ص ٥٣، شرح تنقيح الفصول ص ١٣٦، مختصر ابن الحاجب والعضد عليه ٢/٧٧، فتح الغفار ١/٢٦، التوضيح على التنقيح ٢/٤٤، تيسير التحرير ١/٣٣٧، ٣٣٨، جمع الجوامع ١/٣٦٩، الإحكام للآمدي ٢/١٤٠، نهاية السول ٢/٧، المحصول؟ ١ ق ٢/٤٥،نزهة الخاطر ٢/٦٢، الروضة ٢/١٨٩، مختصر الطوفي ص ٨٤، التمهيد ص ٧٢، مختصر البعلي ص ٩٧، القواعد والفوائد الأصولية ص ١٥٨، مباحث الكتاب والسنة ص ١٠٩، جمع الجوامع ١/٣٦٩".
[ ٣ / ١١ ]
وَالْمُعْتَزِلَةُ: الْعُلُوَّ. فَأَمْرُ الْمُسَاوِي ِغَيْرِهِ يُسَمَّى عِنْدَهُمْ الْتِمَاسًا، وَالأَدْوَنِ سُؤَالا١ً.
وَاعْتَبَرَ الاسْتِعْلاءَ وَالْعُلُوَّ مَعًا ابْنُ الْقُشَيْرِيِّ وَالْقَاضِي عَبْدُ الْوَهَّابِ الْمَالِكِيُّ٢.
وَقَالَ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ: لا تُشْتَرَطُ الرُّتْبَةُ٣.
فَتَلَخَّصَ فِي الْمَسْأَلَةِ أَرْبَعَةُ أَقْوَالٍ: الاسْتِعْلاءُ وَالْعُلُوُّ٤ مَعًا. وَالثَّانِي: عَكْسُهُ. وَالثَّالِثُ: اعْتِبَارُ الاسْتِعْلاءِ فَقَطْ. وَالرَّابِعُ: اعْتِبَارُ الْعُلُوِّ فَقَطْ٥.
"وَتُعْتَبَرُ إرَادَةُ النُّطْقِ بِالصِّيغَةِ٦"
_________________
(١) ١. وهو قول ابن الصباغ والسمعاني من الشافعية. "انظر: نهاية السول ٢/٧، جمع الجوامع ١/٣٦٩، اللمع ص٧، التبصرة ص١٧، المحصول؟ ١ ق ٢/٤٥، التمهيد ص٧٢، شرح تنقيح الفصول ص ١٣٦، المعتمد ١/٤٩، تيسير التحرير ١/٣٣٨، فواتح الرحموت١/٣٦٩، فتح الغفار١/٢٦، نزهة الخاطر٢/٦٢، المسودة ص٤١، القواعد والفوائد الأصولية ص ١٥٨". ٢ انظر: جمع الجوامع ١/٣٦٩، نهاية السول ٢/٨، التمهيد ص ٧٢، القواعد والفوائد الأصولية ص ١٥٨". ٣ قال الفخر الرازي: "الذي عليه المتكلمون: أنه لا يشترط علو ولا استعلاء"، وماهو ما جزم به ابن السبكي، ورجحه العضد، ولم تشترط المعتزلة وغيرهم الاستعلاء، لقول فرعون لمن دونه ﴿فَمَاذَا تَأْمُرُونَ﴾ الأعراف/١١٠. انظر أدلة هذا القول مع مناقشته في المسودة ص ٤١، فواتح الرحموت ١/٣٧٠، تيسير التحرير ١/٣٣٨، جمع الجوامع ١/٣٦٩، المحصول؟ ١ ق ٢/٤٥، المستصفى ١/٤٤١، العضد على ابن الحاجب ٢/٧٧، مختصر الطوفي من ٨٤، القواعد والفوائد الأصولية ص ١٥٨، شرح تنقيح الفصول ص ١٣٧". ٤ في ش ع ض ب: العلو والاستعلاء. ٥ انظر هذه الأقوال مع أدلتها ومناقشة الأدلة في المراجع السابقة هامش ٣. ٦ انظر هذة المسألة في " الإحكام للآمدي ٢/١٣٨، ١٣٩، المنخول ص ١٠٣، الموافقات ١/٨٣، البرهان ١/٢٠٤، ٢١١، المسودة ص ٤، القواعد والفوائد الأصولية ص ١٥٩".
[ ٣ / ١٢ ]
قَالَ ابْنُ بُرْهَانٍ: بِلا خِلافٍ، حَتَّى١ لا يَرِدُ نَحْوُ: نَائِمٍ وَسَاهٍ.
قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ وَغَيْرُهُ: اتَّفَقْنَا أَنَّ إرَادَةَ النُّطْقِ مُعْتَبَرَةٌ. وَإِلاَّ فَلَيْسَ طَلَبًا وَاقْتِضَاءً وَاسْتِدْعَاءً.
وَاخْتَلَفَ النَّاسُ: هَلْ هُوَ كَلامٌ؟ فَنَفَاهُ الْمُحَقِّقُونَ، فَقَوْمٌ لِقِيَامِ الْكَلامِ بِالنَّفْسِ، وَقَوْمٌ لِعَدَمِ إرَادَتِهِ. وَعِنْدَنَا لأَنَّهُ مَدْفُوعٌ إلَيْهِ. كَخُرُوجِ حَرْفٍ مِنْ غَلَبَةِ عُطَاسٍ وَنَحْوِهِ٢.
"وَتَدُلُّ" الصِّيغَةُ "مُجَرَّدِهَا عَلَيْهِ" أَيْ عَلَى الأَمْرِ "لُغَةً" أَيْ٣ عِنْدَ أَهْلِ اللُّغَة.
قَالَ ابْنُ قَاضِي الْجَبَلِ: هُوَ قَوْلُ الأَئِمَّةِ الأَرْبَعَةِ وَالأَوْزَاعِيِّ وَجَمَاعَةٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ. وَبِهِ يَقُولُ الْبَلْخِيُّ٤
_________________
(١) ١ في ض: حيث. ٢ انظر: المعتمد ١/٥٠. ٣ ساقطة من ب. ٤ وهو محمد بن الفضل بن العباس، أبو عبد الله البلخي، فقيه حنفي من مشاهير مشايخ خرسان، أصله من بلخ، ثم أخرج منها، فدخل سمرقند، ومات فيها سنة ٣١٩ هـ، وله كلام بيلغ، ووعظ لطيف، وتأثير في التوجيه، وسماه أبو نعيم: من حكماء المشرق المتأخرين. انظر ترجمته في "حلية الأولياء ١٠/٢٢١، طبقات الصوفية ص ٢١٢، الأعلام للزركلي ٧/٢٢١". وورد في بعض كتب الأصول في بابي الأمر والعموم اسم: محمد بن الشجاع، أبو عبد الله الثلجي، وهو فقيه حنفي أيضًا من بغداد، كان فقيه العراق في وقته، والمقدم في الفقه والحديث، مع ورع وعبادة، وكان يميل إلى الاعتزال، مات فجأة سنة ٢٦٧ هـ ساجدًا في صلاة العصر، له كتاب "تصحيح الآثار" و"كتاب النوادر" و"كتاب المضاربة" في الفقه الحنفي، ولعلماء الحديث كلام فيه، ويقال له أيضًا: ابن الثلجي. انظر ترجمته في "تذكرة الحفاظ ٢/٦٢٩، الفوائد البهية ص ١٧١، ميزان الاعتدال ٣/٥٧٧، الأعلام للزركلي٧/٢٨، المعتمد ١/١٣٤، تفسير النصوص ٢/١٩، الروضة ٢/٢٢٣، العدة ٢/٤٨٩".
[ ٣ / ١٣ ]
مِنْ الْمُعْتَزِلَة١ِ.
وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: الصِّيغَةُ الأَمْرُ. فَمَنَعَ أَنْ يُقَالَ لِلأَمْرِ صِيغَةٌ أَوْ أَنْ يُقَالَ: هِيَ دَالَّةٌ عَلَيْهِ، بَلْ الصِّيغَةُ نَفْسُهَا هِيَ الأَمْرُ، وَالشَّيْءُ لا يَدُلُّ عَلَى نَفْسِهِ، وَإِنَّمَا يَصِحُّ عِنْدَ الْمُعْتَزِلَةِ: الأَمْرُ٢ الإِرَادَةُ، وَالأَشْعَرِيَّةِ: الأَمْرُ مَعْنًى فِي النَّفْسِ٣.
وَكَذَا قَالَ أَبُو الْمَعَالِي الْجُوَيْنِيُّ: صِيغَةُ الأَمْرِ. كَقَوْلِك: ذَاتُ الشَّيْءِ وَنَفْسُهُ٤.
وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: قَوْلُهُمْ لِلأَمْرِ صِيغَةً صَحِيحٌ، لأَنَّ الأَمْرَ اللَّفْظُ وَالْمَعْنَى، فَاللَّفْظُ دَلَّ٥ عَلَى التَّرْكِيبِ، وَلَيْسَ هُوَ عَيْنُ الْمَدْلُولِ، وَلأَنَّ اللَّفْظَ دَلَّ٦ عَلَى صِيغَتِهِ الَّتِي هِيَ الأَمْرُ بِهِ، كَمَا يُقَالُ: يَدُلُّ عَلَى كَوْنِهِ أَمْرًا، وَلَمْ يَقُلْ: عَلَى
_________________
(١) ١. انظر هذه المسألة في " الإحكام للآمدي ٢/١٤١، التبصرة ص ٢٢، المستصفى ١/٤١٢ وما بعدها، ٤١٧، جمع الجوامع ١/٣٧١، البرهان ١/٢٠٠، شرح التنقيح ص ١٢٦، الروضة ٢/١٨٩، التلويح على التوضيح ٢/٤٥، كشف الأسرار ١/١٠١، تيسير التحرير ١/٣٤٠، مختصر البعلي ص ٩٨، مختصر الطوفي ص ٨٤، العدة ١/٢١٤". ٢. ساقطة من ض. ٣. ويقول الأشعرية: ليس للأمر صيغة، وإنما هو معنى في النفس. " انظر: مختصر ابن الحاجب ٢/٧٩، شرح تنقيح الفصول ص ١٢٦، المعتمد ١/٥٠، اللمع ص ٨، التبصرة ص ٢٢، المحصول؟ ١ ق ٢/٢٤، البناني على جمع الجوامع ١/٣٧٠، الإحكام للآمدي ٢/١٤١، المسودة ص ٨-٩، البرهان ١/٢١٢، المستصفى ١/٤١٣، ٤١٧ ". وفي ض: نفس. ٤. انظر: البرهان للجويني ١/٢٧٢، الإحكام للآمدي ٢/١٤١، التبصرة ص ١٨، المحصول؟ ١ ق ٢/٢٤، ٣٤، المسودة ص ٤، ٨، ٩، تيسير التحرير ١/٣٤٠. ٥. في ض: دال. ٦. في ع: دال.
[ ٣ / ١٤ ]
الأَمْرِ١.
وَقَالَ الْقَاضِي: الأَمْرُ يَدُلُّ عَلَى طَلَبِ الْفِعْلِ وَاسْتِدْعَائِهِ، فَجَعَلَهُ مَدْلُولَ الأَمْرِ لا عَيْنَ الأَمْرِ٢.
وَ"لا" يُشْتَرَطُ فِي الأَمْرِ "إرَادَةُ الْفِعْلِ" عِنْدَ جَمَاهِيرِ الْعُلَمَاءِ، خِلافًا لِلْمُعْتَزِلَةِ٣؛ لأَنَّ اللَّهَ ﷾ أَمَرَ إبْرَاهِيمَ بِذَبْحِ ابْنِه٤، وَلَمْ يُرِدْهُ مِنْهُ، وَأَمَرَ إبْلِيسَ بِالسُّجُودِ وَلَمْ يُرِدْهُ مِنْهُ، وَلَوْ أَرَادَهُ لَوَقَعَ؛ لأَنَّهُ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ، وَلأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَمَرَ أَنْ تُرَدَّ٥ الأَمَانَاتُ إلَى أَهْلِهَا ثُمَّ إنَّهُ لَوْ قَالَ: وَاَللَّهِ لأؤَدِّيَنَّ إلَيْك أَمَانَتَك٦ غَدًا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَلَمْ يَفْعَلْ لَمْ يَحْنَثْ وَ٧ لَوْ كَانَ مُرَادَ اللَّهِ لَوَجَبَ أَنْ يَحْنَثَ. وَلا حِنْثَ بِالإِجْمَاعِ، خِلافًا لِمَنْ حَنَّثَهُ٨ كَالْجُبَّائِيِّ٩.
_________________
(١) ١. انظر بيان ذلك في "نزهةالخاطر٢/٦٣ وما بعدها، المسودة ص ٨ وما بعدها، فتح الغفار١/٢٧، البرهان للجويني١/٢١٢، كشف الأسرار١/١٠١، اللمع ص ٨، العدة١/٢١٤". ٢. انظر: العدة ١/٢١٤. ٣. انظر آراء العلماء في اشتراط إرادة الفعل وعدم اشتراطها في "فواتح الرحموت١/٢٧١، تيسير التحرير ١/٢٤١، نهاية السول٢/١٠، جمع الجوامع١/٢٧٠، الموافقات٣/٨١، التبصرة ص ١٨، المحصول؟ ١ ق٢/٢٤، المستصفى١/٤١٥، المعتمد١/٥٠، البرهان للجويني١/٢٠٤، شرح تنقيح الفصول ص١٣٤، المسودة ص٥٤، الروضة٢/١٩٢، مختصر الطوفي ص٨٥، مختصر البعلي ص ٩٧، مباحث الكتاب والسنة ص ١٠، العدة١/٢١٤، ٢٢٠". ٤. في ز ع ب: ولده. ٥. في ز ض ع ب: برد. .٦ في ض ب: أمانتك إليك. .٧ ساقطة من ض. ٨. ساقطة من ش. ٩. في ش: للجبائي: وهذا قول أبي علي الجبائي، وابنه أبي هاشم الجبائي من المعتزلة. "انظر: شرح تنقيح الفصول ص١٣٨".
[ ٣ / ١٥ ]
وَخَرَقَ الإِجْمَاعَ١.
قَالَ الشَّيْخُ الْمُوَفَّقُ وَالطُّوفِيُّ وَغَيْرُهُمَا مِنْ الأَصْحَابِ: لَنَا عَلَى أَنَّ الأَمْرَ لا يُشْتَرَطُ لَهُ إرَادَةُ: إجْمَاعِ أَهْلِ اللُّغَةِ عَلَى عَدَمِ اشْتِرَاطِهَا.
قَالُوا: الصِّيغَةُ مُسْتَعْمَلَةٌ فِيمَا سَبَقَ مِنْ الْمَعَانِي. فَلا تَتَعَيَّنُ لِلأَمْرِ٢ إلاَّ بِالإِرَادَةِ. إذْ لَيْسَتْ أَمْرًا لِذَاتِهَا٣ وَلا لِتَجَرُّدِهَا عَنْ الْقَرَائِنِ.
قُلْنَا: اسْتِعْمَالُهَا فِي غَيْرِ الأَمْرِ مَجَازٌ، فَهِيَ بِإِطْلاقِهَا لَهُ. ثُمَّ الأَمْرُ وَالإِرَادَةُ يَنْفَكَّانِ٤ كَمَنْ يَأْمُرُ وَلا يُرِيدُ، أَوْ يُرِيدُ وَلا يَأْمُرُ. فَلا يَتَلازَمَانِ، وَإِلاَّ اجْتَمَعَ النَّقِيضَانِ٥.
"وَالاسْتِعْلاءُ" طَلَبٌ "بِغِلْظَةِ. وَالْعُلُوُّ: كَوْنُ الطَّالِبِ٦ أَعْلَى رُتْبَةً٧"
_________________
(١) ١. انظر أدلة الجمهور على عدم اشتراط إرادة الفعل في الأمر، في "البرهان للجويني١/٢٠٥، المعتمد ١/٥٠، ٥٤، نهاية السول٢/١٤، شرح تنقيح الفصول ص ١٣٨، المستصفى١/٤١٥، جمع الجوامع والمحلي عليه ١/٣٧٠، فواتح الرحموت ١/٣٧١، الروضة ٢/١٩٢، نزهة الخاطر٢/٦٧". ٢. في ش: يتعين الأمر، وفي ز: تتعين لأمر، والأعلى من مختصر الطوفي، وموافق لنسخة ع ض ب. ٣. في ش: بذاتها. ٤. في ع ب: يتفاكان. ٥. انظر: مختصر الطوفي٥٨، الروضة٢/١٩٢، نزهة الخاطر٢/٦٧، القواعد والفوائد الأصولية ص١٨٩، المحصول؟ ١ ق٢/٢٩، نهاية السول٢/١٤، شرح تنقيح الفصول ص١٣٨. ٦. في ع ب: طالب. ٧. انظر: التمهيد ص٧٢. فتح الغفار١/٢٧. نهاية السول٢/٧.
[ ٣ / ١٦ ]
قَالَ الْقَرَافِيُّ فِي التَّنْقِيحِ: الاسْتِعْلاءُ هَيْئَةٌ فِي الأَمْرِ مِنْ التَّرَفُّعِ أَوْ إظْهَارِ الأَمْرِ١، وَالْعُلُوُّ يَرْجِعُ إلَى هَيْئَةِ الآمِرِ مِنْ شَرَفِهِ وَعُلُوِّ مَنْزِلَتِهِ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْمَأْمُور٢ِ انْتَهَى.
قَالَ الْبِرْمَاوِيُّ: وَالْمُرَادُ بِالْعُلُوِّ أَنْ يَكُونَ الآمِرُ فِي نَفْسِهِ عَالِيًا، أَيْ أَعْلَى دَرَجَةً مِنْ الْمَأْمُورِ، وَالاسْتِعْلاءُ أَنْ يَجْعَلَ الآمِرُ نَفْسَهُ عَالِيًا بِكِبْرِيَاءٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ، سَوَاءٌ كَانَ فِي نَفْسِ الأَمْرِ كَذَلِكَ أَوْ لا، فَالْعُلُوُّ مِنْ الصِّفَاتِ الْعَارِضَةِ لِلآمِرِ، وَالاسْتِعْلاءُ مِنْ صِفَةِ صِيغَةِ الأَمْرِ وَهَيْئَةِ نُطْقِهِ مَثَلًا.
قَالَ ابْنُ الْعِرَاقِيِّ: فَالْعُلُوُّ صِفَةٌ لِلْمُتَكَلِّمِ، وَالاسْتِعْلاءُ صِفَةٌ لِلْكَلامِ٣.
"وَتَرِدُ صِيغَةُ افْعَلْ" لِمَعَانٍ كَثِيرَةٍ ٤.
أَحَدُهَا كَوْنُهَا "لِوُجُوبٍ٥" نَحْوَ قوله تعالى: ﴿أَقِمْ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ ٦ وَقَوْلُهُ ﷺ "صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي".
"وَ" الثَّانِي: لِـ "نَدْبٍ" نَحْوُ قوله تعالى: ﴿فَكَاتِبُوهُمْ إنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ
_________________
(١) ١. في "التنقيح": القهر. ٢. شرح تنقيح الفصول ص١٣٧، وانظر: مختصر البعلي ص٩٧، القواعد والفوائد الأصلية ص١٥٩. ٣. انظر: نهاية السول٢/٨. ٤. انظر المعاني التي ترد لها صيغة إفعل في "أصول السرخي١/١٤، التوضيح على التنقيح٢/٥١، كشف الأسرار١/١٠٧، المعتمد١/٤٩، فواتح الرحموت١/٣٧٢، الإحكام للامدي٢/١٤٢، المنخول ص١٣٢، المحصول؟ ١ ق٢/٥٧، المستصفى١/٤١٧، جمع الجوامع١/٣٧٠، العبادي على الورقات ص٨١، نهاية السول٢/١٤، العدة١/٢١٩، مختصر الطوفي ص٨٤، مختصر البعلي ص٩٨، التفتازاني على العضد٢/٧٨، اثر الاختلاف في القواعد الأصولية ص٢٩٥، مباحث الكتاب والسنة ص١١٢". ٥. انظر: المراجع السابقة. ٦. الاية٧٨ من الإسراء.
[ ٣ / ١٧ ]
خَيْرًا﴾ ١ فَإِنَّهُ لِلنَّدْبِ عَلَى الأَصَحِّ مِنْ مَذْهَبِ الإِمَامِ أَحْمَدَ وَجَمَاعةٍ مِنْ الْعُلَمَاءِ٢.
وَعِنْدَ دَاوُد الظَّاهِرِيِّ وَجَمْعٍ: أَنَّهُ لِلْوُجُوبِ٣.
وَقَالَ فِي شَرْحِ التَّحْرِيرِ: حَمْلُ الآيَةِ عَلَى الْوُجُوبِ هُوَ الصَّحِيحُ مِنْ مَذْهَبِ أَحْمَدَ وَأَصْحَابِهِ، مَعَ قَوْلِهِ فِي كِتَابِهِ الإِنْصَافِ إنَّ كَوْنَ الْكِتَابَةِ مُسْتَحَبَّةً لِمَنْ عُلِمَ فِيهِ خَيْرٌ: الْمَذْهَبُ بِلا رَيْبٍ، وَذَكَرَهُ عَنْ جَمَاهِيرِ الأَصْحَابِ، فَلْيُعَاوِدْ ذَلِكَ مَنْ أَرَادَهُ٤.
"وَ"الثَّالِثُ: كَوْنُهَا٥ بِمَعْنَى "إبَاحَةٍ٦" نَحْوَ قوله تعالى: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ ٧ وقوله تعالى: ﴿فَإِذَا قُضِيَتْ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ ٨.
_________________
(١) ١. الآية٣٣ من النور. ٢. انظر: الإحكام لابن حزم ١/٢٨٧، التوضيح على التنقيح ٢/٥١، كشف الأسرار ١/١٠٧، أصول السرخسي ١/١٤، فواتح الرحموت ١/٣٧٢. نهاية السول ٢/١٤، جمع الجوامع ١/٣٧٢، المستصفى ١/٤١٧، الإحكام للآمدي ٢/١٤٢، الروضة ٢/١٩١، العبادي على الورقات ص ٨١، المنخول ص١٣٢، العدة١/٢١٩. ٣. انظر: المحلى لابن حزم ٩/٢٢٢، فواتح الرحموت١/٣٧٢. ٤. الإنصاف٧/٤٤٦ ٥. في ض: كونه. ٦. انظر: نهاية السول ٢/١٤، جمع الجوامع ١/٣٧٢، المحصول؟ ١ ق٢/٩٥، المستصفى١/٤١٧، المنخول ص١٣٢، العبادي على الوراقات ص٨١، الإحكام لابن حزم ١/٢٨٧، أصول السرخسي١ /١٤، التوضيح على التنقيح٢/٥١،كشف الأسرار١/١٠٧،فواتح الرحموت١/٣٧٢،الروضة٢/١٩١،العدة١/٢١٩ ٧. الآية ٢من المائدة. ٨. الآية ١٠من الجمعة.
[ ٣ / ١٨ ]
وَاعْلَمْ أَنَّ الإِبَاحَةَ إنَّمَا تُسْتَفَادُ مِنْ خَارِجٍ. فَلِهَذِهِ الْقَرِينَةِ يُحْمَلُ الأَمْرُ عَلَيْهَا مَجَازًا بِعَلاقَةِ الْمُشَابَهَةِ الْمَعْنَوِيَّةِ. لأَنَّ كُلًاّ مِنْهُمَا مَأْذُونٌ فِيهِ١.
_________________
(١) ١. أي من خارج عن الأمر، لأن الأصل في الأمر للوجوب، فإن أريد به الندب أوالإباحة فلا بد من قرينة تدل على ذلك، وهذه القرينة إما لفظية أو غير لفظية، وقد تكون القرينة قاعدة شرعية عامة، مثل قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ فالأمر بالمكاتبة للندب للنص على القرينة بعده ﴿إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ لأن الله تعالى علق الكتابة على علم المالك بما يراه خيرآ للعبد، كما يوجد في الآية قرينة أخرى، وهي قاعدة عامة في الشريعة أن المالك له حرية التصرف في ملكه، وأول الآية نصت على ثبوت الملك له ﴿مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ . ويرى القاضي حسين من الشافعية أن الأمر هنا للندب لقرينة أخرى وهي أنه وقع بعد حظر، والأمر بعد الحظر للندب عنده، والحظر السابق هو تحريم بيع مال الشخص بماله، وهو ممتنع، والكتابة كذلك، ثم جاء الأمر بها فصارت للندب، "انظر: التمهيد للإستوي ص٧٤". ومثل الأمر بالإنتشار بعد الصلاة، فإنه ورد في الآية بعد النص على حظر البيع والتجارة أثناء الصلاة، بقوله تعالى: ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسَعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ سورة الجمعة٩، فالأمر بالفعل بعد الحظر يفيد الإباحة عند الجمهور، وكذلك الأمر بالاصطياد بعد التحلل من الإحرام، فإنه ورد بعد النص على تحريم الصيد اثناء الإحرام في قوله تعالى: ﴿غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ المائدة/١، ومثل قوله صلى اله عليه وسلم فيما رواه مسلم وأبو داود والترمذي وابن حبان والحاكم: "كنت نهيتكم عن زيارة القبور، ألا فزوروها" فالأمر بالفعل بعد حظره قرينة على صرفه إلى الإباحة، وقد يختلف الفقهاء في القرينة، وهل تصرف الأمر من الوجوب إلى الندب أو الإباحة أم لا. وخالف الظاهرية –ومنهم ابن حزم- جماهير العلماء، وقالوا: إن الأمر للوجوب، ولا يصرفه عن الوجوب قرينة، ولا يخرج الأمر عن الوجوب إلابنصٍ آخر أو إجماع. انظر تفصيل هذا الموضوع في "المسودة ص١٧، الروضة ٢/١٩٢، نزهة الخاطر ٢/٧٠، القواعد والفوائد الأصولية ص١٦١، الإحكام لابن حزم ١/٢٧٦، البرهان للجوني ١/٢٦١، التوضيح على التنقيح ٢/٦٣، كشف الأسرار ١/١٠٧-١٢٠، نهاية السول ٢/١٨، أثر الاختلاف في القواعد الإصولية ص٢٩٩،٣١١،مباحث الكتاب والسنة ص١٢٣، أصول الفقه الإسلامي ص٢٧٦، ٣١٣،تفسير النصوص ٢/٣٦٠، العدة١/٢٤٨،٢٥٦، فيض القدير٥/٥٥،الإحكام للآمدي٢/١٤٢".
[ ٣ / ١٩ ]
"وَ" الرَّابِعُ: كَوْنُهَا بِمَعْنَى "إرْشَادٍ"١ نَحْوُ قَوْلِهِ ﷾ ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ ٢ وقوله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا إذَا تَبَايَعْتُمْ﴾ ٣ وقوله تعالى: ﴿إذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ ٤
وَالضَّابِطُ فِي الإِرْشَادِ: أَنَّهُ يَرْجِعُ إلَى مَصَالِحِ الدُّنْيَا، بِخِلافِ النَّدْبِ، فَإِنَّهُ يَرْجِعُ إلَى مَصَالِحِ الآخِرَةِ، وَأَيْضًا: الإِرْشَادُ لا ثَوَابَ فِيهِ، وَالنَّدْبُ فِيهِ الثَّوَابُ٥
"وَ" الْخَامِسُ: كَوْنُهَا بِمَعْنَى "إذْنٍ"٦ نَحْوَ قَوْلِ مَنْ بِدَاخِلِ مَكَان لِلْمُسْتَأْذِنِ٧ عَلَيْهِ: اُدْخُلْ.
وَمِنْهُمْ مَنْ يُدْخِلُ هَذَا فِي قِسْمِ الإِبَاحَةِ.
وَقَدْ يُقَالُ: الإِبَاحَةُ إنَّمَا تَكُونُ مِنْ صِيَغِ الشَّرْعِ الَّذِي لَهُ الإِبَاحَةُ وَالتَّحْرِيمُ، وَإِنَّمَا الإِذْنُ يُعْلَمُ بِأَنَّ الشَّرْعَ أَبَاحَ دُخُولَ مِلْكِ ذَلِكَ الآذِنِ٨ مَثَلًا، فَتَغَايَرَا.
_________________
(١) ١. انظر: الإحكام للآمدي /١٤٢، المحصول ج١ ق٢/٥٨، المستصفى ١/٤١٧، نهاية السول ٢/١٥، جمع الجوامع ١/٣٧٢، أصول السرخسي ١/١٤، التوضيح على التنقيح ٢/٥١، كشف الأسرار ١/١٠٧، المنخول ص ١٣٢، فواتح الرحموت ١/٣٧٢، العدة ١/٢١٩. ٢. الآية ٢٨٢ من البقرة. ٣. الآية ٢٨٢ من البقرة. ٤. الآية ٢٨٢ من البقرة. ٥. انظر: كشف الأسرار ١/١٠٧، فواتح الرحموت ١/٣٧٢، المحلي على جمع الجوامع والبناني عليه ١/٣٧٢، المستصفى١/٤١٩، ٤٢٢، المحصول؟ ١ق٢/٥٨، الإحكام للآمدي٢/١٤٢، نهاية السول٢/١٧. ٦. انظر: جمع الجوامع ١/٣٧٣. ٧. في ض ب: لمستأذن. ٨. ساقطة من ض.
[ ٣ / ٢٠ ]
"وَ" السَّادِسُ: كَوْنُهَا بِمَعْنَى "تَأْدِيبٍ"١ نَحْوُ قَوْلِهِ ﷺ لِعُمَرَ بْنِ أَبِي٢ سَلَمَةَ٣ فِي حَالِ صِغَرِهِ "يَا غُلامُ: سَمِّ اللَّهَ وَكُلْ بِيَمِينِكَ٤ وَكُلْ مِمَّا يَلِيكَ" مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ٥.
وَمِنْهُمْ مَنْ يُدْخِلُ ذَلِكَ فِي قِسْمِ النَّدْبِ. مِنْهُمْ الْبَيْضَاوِيُّ٦.
وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: يَقْرَبُ مِنْ النَّدْبِ٧.
_________________
(١) ١. انظر: التوضيح على التنقيح ٢/٥١، كشف الأسرار ١/١٠٧، فواتح الرحموت ١/٣٧٢، المنخول ص١٣٢، المحصول؟ ١ ق ٢/٥٧، المستصفى١/٤١٧، الرسالة ص٣٥٠، ٣٥٢، الإحكام للآمدي٢/١٤٢، جمع الجوامع ١/٣٧٣. ٢. ساقطة من ض. ٣. هو الصحابي عمر بن عبد الله بن عبد الأسد القرشي المخزومي، أبو حفص، ربيب رسول الله ﷺ، ولد بأرض الحبشة في أواخر السنة الثانية للهجرة، وكان أبواه مهاجرين للحبشة، ثم توفي والده أبو سلمة، فتزوج رسول ﷺ والدته أم سلمة، فعاش في كنف الرسول ﷺ ورعايته، شهد مع علي الجمل، واستعمله على ﵁ على البحرين وفارس، وروي له اثنا عشر حديثًا، توفي سنة ٨٣ هـ. انظر ترجمته في "الإصابة ٢/٥١٩،الاستيعاب ٢/٤٧٤، الخلاصة ص ٢٨٣، تهذيب الأسماء ٢/١٦، مشاهير علماء الأمصارص ٢٧، أسد الغابة ٤/١٨٣". ٤. ساقطة من ش ز. ٥.هذا الحديث رواه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي وابن ماجه ومالك والدارمي عن عمر بن أبي سلمة مرفوعًا. "انظر صحيح البخاري ٣/٢٩١، صحيح مسلم ٣/١٥٩٩، سنن أبي داود ٢/٣١٤، تحفة الأحوذي ٥/٥٩٠، سنن ابن ماجه٢/١٠٨٧، مختصر سنن أبي داود ٥/٣٠٤، الموطأ ص ٥٨٠ ط الشعب، مسند أحمد ٤/٢٦، سنن الدارمي ٢/٩٤، ذخائر المواريث ٣/٦٣، الفتح الكبير ٣/٤٠٠، تخريج أحاديث مختصر المناهج ص ٢٨٩، البيان والتعريف ٢/٢٧٠". ٦. ومنهم الآمدي، ونسب ابن عبد الشكور أن الشافعي يقول إن الأمر للوجوب، فقال: "وعند الشافعي للإيجاب" "فواتح الرحموت١/٣٧٢"، وانظر: الإحكام للآمدي٢/١٤٢، نهاية السول شرح منهاج الوصول٢/١٤ ٧. وهو رأي الفخر الرازي والتفتازاني وعبد العزيز البخاري. "انظر: المحصول؟ ١ ق٢/٥٧، التلويح على التوضيح٢/٥١، كشف الأسرار١/١٠٧".
[ ٣ / ٢١ ]
هُوَ يَدُلُّ عَلَى الْمُغَايَرَة١ِ.
وَالظَّاهِرُ أَنَّ بَيْنَهُمَا٢ عُمُومًا وَخُصُوصًا مِنْ وَجْهٍ؛ لأَنَّ الأَدَبَ٣ مُتَعَلِّقٌ بِمَحَاسِنِ الأَخْلاقِ، وَذَلِكَ أَعَمُّ مِنْ أَنْ يَكُونَ٤ مِنْ مُكَلَّفٍ، أَوْ غَيْرِهِ؛ لأَنَّ عُمَرَ كَانَ صَغِيرًا. وَالنَّدْبُ مُخْتَصٌّ بِالْمُكَلَّفِينَ، وَأَعَمُّ مِنْ أَنْ يَكُونَ مِنْ مَحَاسِنِ الأَخْلاقِ وَغَيْرِهَا٥.
"وَ" السَّابِعُ: كَوْنُهَا بِمَعْنَى "امْتِنَانٍ"٦ نَحْوُ قوله تعالى: ﴿وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمْ اللَّهُ﴾ ٧ وَسَمَّاهُ أَبُو الْمَعَالِي: الإِنعَامَ٨.
وَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الإِبَاحَةِ: أَنَّ الإِبَاحَةَ مُجَرَّدُ إذْنٍ، وَالامْتِنَانُ لا بُدَّ فِيهِ مِنْ اقْتِرَانِ حَاجَةِ الْخَلْقِ لِذَلِكَ وَعَدَمِ قُدْرَتِهِمْ عَلَيْهِ٩، وَالْعَلاقَةُ بَيْنَ الامْتِنَانِ وَالْوُجُوبِ: الْمُشَابَهَةُ فِي الإِذْنِ إذْ الْمَمْنُونُ لا يَكُونُ إلاَّ مَأْذُونًا فِيهِ١٠.
_________________
(١) ١. انظر: المحصول؟ ١ ق ٢/٥٨. ٢. ساقطة من ض. ٣. في ش: الإذن. ٤. ساقطة من ش. ٥. انظر: التلويح على التوضيح ٢/٥١، فواتح الرحموت ١/٣٧٢، نهاية السول ٢/١٧. ٦. انظر: التوضيع على التنقيح ٢/٥١، كشف الأسرار ١/١٠٧، فواتح الرحموت ١/٣٧٢، نهاية السول ٢/١٥، جمع الجوامع ١/٣٧٢، الإحكام للآمدي ٢/١٤٣، المنخول ص١٣٢، المحصول؟ ١ ق٢/٨٥، المستصفى ١/٤١٧، العدة ١/٢٢٠ ٧. الاية ٨٨ من المائدة. ٨. وتبعه ابن السبكي في "جمع الجوامع ١/٣٧٤" وحقيقة إسداء النعمة، وفرق بعضهم بين الإنعام والامتنان باختصاص الإنعام بذكر أعلى مايحتاج إليه "انظر: البناني على جمع الجوامع١/٣٧٤". ٩. انظر فتح الرحموت ١/٣٧٢، نهاية السول ٢/١٨، المحلي على جمع الجوامع ١/٣٧٣. ١٠. انظر: نهاية السول ٢/١٨.
[ ٣ / ٢٢ ]
"وَ" الثَّامِنُ: كَوْنُهَا بِمَعْنَى "إكْرَامٍ" نَحْوُ قوله تعالى: ﴿اُدْخُلُوهَا بِسَلامٍ آمِنِينَ﴾ ١ فَإِنَّ قَرِينَةَ٢ بِسَلامٍ آمَنِينَ يَدُلُّ عَلَى الإِكْرَامِ٣.
"وَ" التَّاسِعُ: كَوْنُهَا بِمَعْنَى "جَزَاءٍ" نَحْوُ قوله تعالى: ﴿اُدْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ٤.
"وَ" الْعَاشِرُ: كَوْنُهَا بِمَعْنَى "وَعْدٍ" نَحْوُ قوله تعالى: ﴿وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ ٥، "وَقَوْلُهُ ﷺ لِبَنِي تَمِيمٍ "أَبْشِرُوا" ٦.
وَقَدْ يُقَالُ بِدُخُولِ ذَلِكَ فِي الامْتِنَانِ. فَإِنَّ بُشْرَى الْعَبْدِ مِنَّةٌ عَلَيْهِ.
"وَ" الْحَادِيَ عَشَرَ: كَوْنُهَا بِمَعْنَى "تَهْدِيدٍ"٧ نَحْوُ قوله تعالى: ﴿اعْمَلُوا
_________________
(١) ١. الآية ٤٦ من الحجر. ٢. في ع ض: بقرينة. ٣. ولعلاقة بين الوجوب والإكرام هي المشابهة في الإذن. " انظر: نهاية السول ٢/١٨، جمع الجوامع ١/٣٧٣، المحصول؟ ١ ق ٢/٥٨، المستصفى ١/٤١٨، الإحكام للآمدي ٢/١٣٤، المنخول ص ١١٣٣، الروضة ٢/١٩١، العدة ١/٢٢٠، كشف الأسرار ١/١٠٧، التوضيح على التنقيح ٢/٥١، فواتح الرحموت ١/٣٧٢". ٤. الآية ٣٢ من النحل. ٥. الآية ٣٠ من فصلت. ٦. هذا الحديث رواه البخاري والترمذي وأحمد عن عمران بن حصين، قال جاء نفر من بني تميم إلى النبي ﷺ فقال: "يابني تميم أبشروا"، قالوا: بشرتنا فأعطنا، فتغير وجهه، فجاءه أهل اليمن، فقال "يأهل اليمن، اقبلوا بالبشرى، إذ لم يقبلها بنو تميم"، قالوا: قبلنا، فأخذها النبي ﷺ يحدث: "بدأ الخلق والعرش " الحديث. "انظر: صحيح البخاري٢/٢٠٧، باب بدء الخلق، تحفة الأحوذي ١٠/٤٥٠، مسند أحمد ٤/٤٢٦، ٤٣٣". ٧. وسمى السرخسي ذلك توبيخًا، وسماه صدر الشريعة تهديدًا، وسماه البردوي تقريعًاَ، وبين عبد العزيز البخاري الفرق بين التقريع والتوبيخ. "انظر: كشف الأسرار ١/١٠٧،١٠٨، أصول السرخسي ١/١٤، التوضيح على التنقيح ٢/٥١،فواتح الرحموت١/٣٧٢، الروضة٢/١٩١، الإحكام للآمدي٢/١٤٣، التبصرة ص ٢٠، المنخول ص١٣٣، المحصول؟ ١ ق٢/٥٩، المستصفى ١/٤١٨، نهاية السول ٢/١٥، جمع الجوامع١/٣٧٢، العبادي على الورقات ص ٩٨، العدة ١/٢١٩".
[ ٣ / ٢٣ ]
مَا شِئْتُمْ﴾ ١ وقوله تعالى: ﴿وَاسْتَفْزِزْ مَنْ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِك وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِك وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِي الأَمْوَالِ وَالأَوْلادِ وَعِدْهُمْ﴾ ٢.
"وَ" الثَّانِي عَشَرَ: كَوْنُهَا بِمَعْنَى "إنْذَارٍ"٣ نَحْوُ قوله تعالى: ﴿قُلْ تَمَتَّعُوا فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إلَى النَّارِ﴾ ٤
وَقَدْ جَعَلَهُ قَوْمٌ قِسْمًا مِنْ التَّهْدِيدِ، وَهُوَ ظَاهِرُ الْبَيْضَاوِيِّ ٥.
وَالصَّوَابُ الْمُغَايَرَةُ.
وَالْفَرْقُ: أَنَّ التَّهْدِيدَ هُوَ التَّخْوِيفُ، وَالإِنْذَارُ: إبْلاغُ الْمَخُوفِ٦. كَمَا فَسَّرَهُ الْجَوْهَرِيُّ بِهِمَا٧.
_________________
(١) ١. الآية ٤٠ من فصلت. ٢. الآية ٦٤ من الإسراء. ٣. انظر: كشف الأسرار ١/١٠٧، فواتح الرحموت ١/٣٧٢، المحصول؟ ١ ق ٢/٥٨، المستصفى ١/٤١٨، الإحكام للآمدي ٢/١٤٣، المنخول ص ١٣٣، نهاية السول ٢/١٥، جمع الجوامع ١/٣٧٣. ٤. الآية ٣٠ من إبراهيم. ٥. وهو رأي الفخر الرازي أيضًا. "انظر: نهاية السول شرح منهاج الوصول ٢/١٥، ١٨، المحصول؟ ١ ق ٢/٥٩". ٦ قال التفتازاني: "والتهديد هو التخويف، ويقرب منه الإنذار فإنه إبلاغ مع تخويف"، "التلويح ٢/٥١"، وقال الإسنوي بعد نقل هذا الفرق عن "الصحاح" قال: "وقد فرق الشارحون بفروق أخرى، لا أصل لها فاجتنبها"، "نهاية السول٢/١٨". وانظر كشف الأسرار ١/١٠٧، فواتح الرحموت ١/٣٧٢، جمع الجوامع ١/٣٧٣. ٧. قال الجوهري: "الإنذار: الإبلاغ، ولا يكون إلا في التخويف" "الصحاح ٢/٢٥".
[ ٣ / ٢٤ ]
وَقِيلَ: الإِنْذَارُ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ مَقْرُونًا بِالْوَعِيدِ كَالآيَةِ وَالتَّهْدِيدُ لا يَجِبُ فِيهِ ذَلِكَ، بَلْ قَدْ يَكُونُ مَقْرُونًا وَقَدْ لا يَكُونُ مَقْرُونًا.
وَقِيلَ: التَّهْدِيدُ عُرْفًا أَبْلَغُ فِي الْوَعِيدِ وَالْغَضَبِ مِنْ الإِنْذَارِ.
"وَ" الثَّالِثَ عَشَرَ: كَوْنُهَا بِمَعْنَى "تَحْسِيرٍ" وَتَلْهِيفٍ، نَحْوُ قوله تعالى: ﴿قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ﴾ ١وَمِثْلُهُ قوله تعالى: ﴿اخْسَئُوا فِيهَا وَلا تُكَلِّمُونِ﴾ ٢حَكَاهُ ابْنُ فَارِسٍ٣.
"وَ" الرَّابِعَ عَشَرَ: كَوْنُهَا بِمَعْنَى "تَسْخِيرٍ"٤ نَحْوُ قوله تعالى: ﴿كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾ ٥ وَالْمُرَادُ بِالتَّسْخِيرِ هُنَا: السُّخْرِيَةُ٦ بِالْمُخَاطَبِ بِهِ، لا بِمَعْنَى التَّكْوِينِ، كَمَا قَالَهُ٧ بَعْضُهُمْ٨.
"وَ" الْخَامِسَ عَشَرَ: كَوْنُهَا بِمَعْنَى "تَعْجِيزٍ"٩ نَحْوُ قَوْله تَعَالَى:
_________________
(١) ١. الآية ١١٩ من آل عمران. ٢. الآية ١٠٨ من المؤمنون. ٣ انظر: مقياس اللغة ٢/٦٢، ١٨٢. ٤ وسماه ابن السبكي: التسخير والامتهان. "انظر: جمع الجوامع ١/٣٧٣، المحصول؟ ١ ق٢/٦٠، المستصفى ١/٤١٨، المنخول ص١٣٣، الإحكام للآمدي ٢/١٤٣، نهاية السول ٢/١٥، التوضيح على التنقيح ٢/٥١، كشف الأسرار ١/١٠٧، فواتح الرحموت ١/٣٧٢، الروضة ٢/١٩١، تفسير النصوص ١/٢٣٨". ٥ الآية ٦٥ من البقرة. ٦. في ز ض ب: السخريا. ٧. في ش ع: قال. ٨. انظر: فواتح الرحموت ١/٣٧٢. ٩ وسماه السرخسي التقريع "أصول السرخسي ١/١٤". "وانظر: التوضيح على التنقيح ٢/٥١، كشف الأسرار ١/١٠٧، فواتح الرحموت ١/٣٧٢، التبصرة ص٢٠، المنخول ص١٣٣، المحصول؟ ١ ق ٢/٦٠، نهاية السول ٢/١٥، جمع الجوامع ١/٣٧٣، الإحكام للآمدي ٢/١٤٣، العدة ١/٢١٩".
[ ٣ / ٢٥ ]
﴿فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ﴾ ١، وَالْعَلاقَةُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْوُجُوبِ الْمُضَادَّةُ؛ لأَنَّ التَّعْجِيزَ إنَّمَا هُوَ فِي الْمُمْتَنِعَاتِ، وَالإِيجَابُ فِي الْمُمْكِنَاتِ. وَمِثْلُهُ قَوْله تَعَالَى: ﴿فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ﴾ ٢ وَمَثَّلَهُ بَعْضُهُمْ٣ بِقوله تعالى: ﴿قُلْ كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا أَوْ خَلْقًا مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ﴾ ٤.
وَالْفَرْقُ بَيْنَ التَّعْجِيزِ وَالتَّسْخِيرِ: أَنَّ التَّسْخِيرَ نَوْعٌ مِنْ التَّكْوِينِ فَمَعْنَى ﴿كُونُوا قِرَدَةً﴾ ٥ انْقَلِبُوا إلَيْهَا. وَأَمَّا التَّعْجِيزُ: فَإِلْزَامُهُمْ أَنْ يَنْقَلِبُوا، وَهُمْ لا يَقْدِرُونَ أَنْ يَنْقَلِبُوا٦.
قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ فِي تَفْسِيرِهِ: فِي التَّمَسُّكِ بِهَذَا نَظَرٌ٧. وَإِنَّمَا التَّعْجِيزُ حَيْثُ يَقْتَضِي الأَمْرُ٨ فِعْلَ مَا لا يَقْدِرُ عَلَيْهِ الْمُخَاطَبُ٩ نَحْوُ قوله تعالى: ﴿فَادْرَءُوا عَنْ أَنْفُسِكُمْ الْمَوْتَ﴾ ١٠
"وَ" السَّادِسَ عَشَرَ: كَوْنُهَا بِمَعْنَى "إهَانَةٍ" نَحْوُ قوله تعالى: ﴿ذُقْ إنَّك أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾ ١١ وَمِنْهُمْ مَنْ يُسَمِّيهِ التَّهَكُّمَ.١٢
_________________
(١) ١. الآية ٣٨ من يونس، وفي ع: ﴿فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّنْ مِثْلِهِ﴾ البقرة /٢٣. ٢. الآية ٣٤ من الطور. ٣. انظر: الروضة ٢/١٩١. ٤. الآيتان ٥٠، ٥١ من الإسراء. ٥. الآية ٦٥ من البقرة. ٦. ساقطة من ض، وانظر: كشف الأسرار ١/١٠٨، نهاية السول ٢/١٨. ٧. في ب: النظر. ٨. في ض ع: بالأمر. ٩. انظر: نهاية السول ٢/١٩. ١٠. الآية ١٦٨ من آل عمران. ١١. الآية ٤٩من الدخان. ١٢.انظر: المستصفى ١/٤١٨، الإحكام للآمدي ٢/١٤٣، المنخول ص١٣٣، المحصول ج١ ق٢/٦٠، نهاية السول ٢/١٩، جمع الجوامع ١/٣٧٤، التوضيح على التنقيح ٢/٥١، كشف الأسرار ١/١٠٧، فواتح الرحموت ١/٣٧٢، الروضة ٢/١٩١.
[ ٣ / ٢٦ ]
وَضَابِطُهُ: أَنْ يُؤْتَى بِلَفْظٍ ظَاهِرُهُ الْخَيْرُ وَالْكَرَامَةُ، وَالْمُرَادُ ضِدُّهُ، وَيُمَثَّلُ بِقوله تعالى: ﴿وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِك وَرَجِلِكَ﴾ ١ وَالْعَلاقَةُ أَيْضًا فِيهِمَا٢ الْمُضَادَّةُ.
"وَ" السَّابِعَ عَشَرَ: كَوْنُهَا بِمَعْنَى "احْتِقَارٍ" نَحْوُ قوله تعالى فِي قِصَّةِ مُوسَى ﵇ يُخَاطِبُ السَّحَرَةَ ﴿أَلْقُوا مَا أَنْتُمْ مُلْقُونَ﴾ ٣ إذْ أَمْرُهُمْ فِي مُقَابَلَةِ الْمُعْجِزَةِ حَقِيرٌ، وَهُوَ مِمَّا أَوْرَدَهُ الْبَيْضَاوِيُّ٤.
وَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الإِهَانَةِ: أَنَّ الإِهَانَةَ إمَّا بِقَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ أَوْ تَقْرِيرٍ. كَتَرْكِ إجَابَتِهِ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ، لا بِمُجَرَّدِ اعْتِقَادٍ. وَالاحْتِقَارُ: قَدْ يَكُونُ بِمُجَرَّدِ٥ الاعْتِقَادِ. فَلِهَذَا يُقَالُ فِي مِثْلِ ذَلِكَ: احْتَقَرَهُ، وَلا يُقَالُ: أَهَانَهُ٦.
"وَ" الثَّامِنَ عَشَرَ: كَوْنُهَا بِمَعْنَى "تَسْوِيَةٍ"٧ نَحْوُ قوله تعالى: ﴿فَاصْبِرُوا أَوْ لا تَصْبِرُوا﴾ ٨ بَعْدَ قوله تعالى: ﴿اصْلَوْهَا﴾ ٩ أَيْ هَذِهِ
_________________
(١) ١ الآية ٦٤ من الإسراء. ٢ في ع ض ب: هنا. ٣ الآية ٤٣ من الشعراء. ٤ كذا أورده ابن عبد الشكور. "انظر: نهاية السول بشرح منهاج الوصول٢/١٩، فواتح الرحموت ١/٣٧٢، التوضيح على التنقيح ٢/٥١، كشف الأسرار ١/١٠٧، جمع الجوامع ١/٣٧٢". ٥ في ض ب: مجرد. ٦ انظر نهاية السول ٢/١٩، فواتح الرحموت ١/٣٧٢. ٧ انظر: الروضة ٢/١٩١، نهاية السول ٢/١٩، جمع الجوامع ١٣٧٤، المستصفى ١/٤١٨، المحصول؟ ١ ق ٢/٦٠، المنخول ص١٣٣، الإحكام للآمدي٢/١٤٣، كشف الأسرار١/١٠٧، فواتح الرحموت١/٣٧٢،التوضيح على التنقيح٢/٥١. ٨ الآية ١٦ من الطور. ٩ الآية ١٦ من الطور.
[ ٣ / ٢٧ ]
التَّصْلِيَةُ لَكُمْ، سَوَاءٌ صَبَرْتُمْ أَوْ لا. فَالْحَالَتَانِ سَوَاءٌ، وَالْعَلاقَةُ الْمُضَادَّةُ. لأَنَّ التَّسْوِيَةَ بَيْنَ الْفِعْلِ وَالتَّرْكِ مُضَادَّةٌ لِوُجُوبِ الْفِعْلِ١. وَمِنْهُ قَوْلُهُ ﷺ لأَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ "فَاخْتَصَّ ٢ عَلَى ذَلِكَ أَوْ ذَرْ " رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ٣.
"وَ" التَّاسِعَ عَشَرَ: كَوْنُهَا بِمَعْنَى "دُعَاءٍ"٤ نَحْوُ قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ﴾ ٥، ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا﴾ ٦ وَكُلُّهُ طَلَبُ أَنْ يُعْطِيَهُمْ ذَلِكَ عَلَى وَجْهِ التَّفَضُّلِ وَالإِحْسَانِ.
وَالْعَلاقَةُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ٧ الإِيجَابِ طَلَبُ أَنْ يَقَعَ ذَلِكَ لا مَحَالَةَ٨.
"وَ" الْعِشْرُونَ: كَوْنُهَا بِمَعْنَى "تَمَنٍّ٩" كَقَوْلِ امْرِئِ الْقَيْسِ:
_________________
(١) ١.انظر: نهاية السول ٢/١٩. ٢. في جميع النسخ: فأحرص، وهو تحريف من النساخ. ٣. هذا الحديث رواه البخاري تعليقًا في "صحيحه" في كتاب النكاح، باب ما يكره من التبتل والخصاء، من حديث أبي هريرة ﵁ قال: قلت يارسول الله، إني رجل شاب، وأنا أخاف على نفسي العنت، ولا أجد ما أتزوج به النساء، فسكت عني، ثم قلت: مثل ذلك، فسكت عني، ثم قلت مثل ذلك، فقال النبي ﷺ: "يا أبا هريرة، جف القلم بما أنت لاقٍ، فاختصِ على ذلك أو ذر". ورواه النسائي بلفظ: "ولا أجد طولًا أتزوج النساء، أفأختصي؟ فأعرض عنه النبي ﷺ حتى قال ثلاثًا". "انظر: صحيح البخاري ٣/١٥٥-١٥٦، سنن النسائي ٦/٤٩". ٤. انظر: المحصول؟ ١ ق٢/٦٠، المستصفى ١/٤١٨، المنخول ص١٣٣، نهاية السول ٢/١٩، جمع الجوامع ١/٣٧٤، الإحكام للآمدي ٢/١٤٣، الروضة ٢/١٩١، التوضيح على التنقيح ٢/٥١، كشف الأسرار ١/١٠٧، فواتح الرحموت ١/٣٧٢. ٥. الآية ٤١ من إبراهيم، وفي ز ع ض ب: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ﴾ نوح/٢٨. ٦. الآية١٤٧ من آل عمران. ٧. في ش: بين وبينه، وفي ز: بين وبين. ٨. انظر: نهاية السول ٢/١٩. ٩. انظر: نهاية السول ٢/١٩، جمع الجوامع ١/٣٧٤، المحصول؟ ١ ق٢/٦٠، المستصفى ١/٤١٨، المنخول ص١٣٣، الإحكام للآمدي ٢/١٤٣، فواتح الرحموت ١/٢٧٢، كشف الأسرار ١/١٠٧، التوضيح على التنقيح ٢/٥١، الروضة ٢/١٩١.
[ ٣ / ٢٨ ]
"أَلا أَيُّهَا اللَّيْلُ الطَّوِيلُ أَلا انْجَلِي١"
وَإِنَّمَا حُمِلَ عَلَى التَّمَنِّي دُونَ التَّرَجِّي؛ لأَنَّهُ أَبْلَغُ. لأَنَّهُ نَزَّلَ لَيْلَهُ لِطُولِهِ مَنْزِلَةَ الْمُسْتَحِيلِ انْجِلاؤُهُ٢. كَمَا قَالَ الآخَرُ
"وَلَيْلُ الْمُحِبِّ بِلا آخِرٍ٣"
قَالَ بَعْضُهُمْ؛ وَالأَحْسَنُ تَمْثِيلُ هَذَا كَمَا مَثَّلَهُ ابْنُ فَارِسٍ لِشَخْصِ تَرَاهُ: كُنْ فُلانًا. وَفِي الْحَدِيثِ: قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ وَهُوَ عَلَى طَرِيقِ٤ تَبُوكَ "كُنْ أَبَا ذَرٍّ" ٥ وَرَأَى٦ آخَرَ فَقَالَ:
_________________
(١) ١. هذا صدر بيت من الطويل للأمرئ القيس، وعجزه: "بصبح وما الإصباح منك بأمثل" واستشهد بهذا البيت ابن الشجري في "أماليه"، والعيني في "شرح شواهد الألفية"، والأشموني في "شرح ألفية ابن مالك"، والعباسي في "معاهد التنصيص"، والشيخ خالد في "التصريح بمضمون التوضيح". "انظر: ديوان امرئ القيس ص٨ ط ثانية بدار المعارف بمصر، معجم شواهد العربية ص٣٠٤". ٢. قال العلماء: إن الترجي يكون في الممكنات والتمني في المستحيلات، لذلك حمل الشاعر ليله على التمني، لأن ليل المحب لطوله كانه مستحيل الانجلاء، ولذا استشهدوا في البيت للتمني، وقد يكون للترجي إذا كان مترقبًا للإصباح. "انظر: نهاية السول ٢/١٩، فواتح الرحموت ١/٣٤٢، المحلي على جمع الجوامع ١/٣٧٤". ٣. هذا عجز بيت من المتقارب لخالد الكاتب، وصدره: "رقدت ولم ترث للساهر" ذكره الجرجاني في "دلائل الإعجاز ص٣٧٦، الطبعة الثالثة عن دار المنار بمصر سنة ١٣٦٦ هـ" وعبد السلام هارون في "معجم شواهد العربية ص١٩٣". ٤. ساقطة من ز ع ض ب. ٥. هذا الحديث رواه الحاكم وصححه، ووافقه الذهبي، وقال: فيه إرسال. "انظر: المستدرك ٣/٥٠، زاد المعاد ٣/٥٣٤، طبع مؤسسة الرسالة". ٦. في ب وروى.
[ ٣ / ٢٩ ]
"كُنْ أَبَا خَيْثَمَةَ" ١ لأَنَّ امْرَأَ الْقِيسِ قَدْ يَدَّعِي اسْتِفَادَةَ التَّمَنِّي مِنْهُ مِنْ " أَلا " لا٢ مِنْ صِيغَةِ افْعَلْ، بِخِلافِ هَذَا الْمِثَالِ.
وَقَدْ يُقَالُ: إنَّ " أَلا "٣ قَرِينَةُ إرَادَةِ التَّمَنِّي بِافْعَلْ، وَأَمَّا " كُنْ فُلانًا " فَلَيْسَ أَنْ يَكُونَ إيَّاهُ، بَلْ الْجَزْمُ بِهِ، وَأَنْ يَنْبَغِيَ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ فَلَمَّا احْتَمَلَ أَنَّ هَذَا٤ فِي الْمِثَالَيْنِ ذَكَرْتُهُمَا.
"وَ" الْحَادِي وَالْعِشْرُونَ: كَوْنُهَا بِمَعْنَى "كَمَالِ الْقُدْرَةِ" نَحْوُ قوله تعالى: ﴿إنَّمَا قَوْلُنَا٥ لِشَيْءٍ إذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ ٦ هَكَذَا سَمَّاهُ الْغَزَالِيُّ وَالآمِدِيُّ٧.
_________________
(١) ١ هذا الحديث رواه البخاري ومسلم. "انظر: صحيح البخاري ٣/٨٦، صحيح مسلم ٤/٢١٢٢، رياض الصالحين ص٢٠" وأبو خيثمة هو الصحابي عبد الله بن خيثمة، الأنصاري السالمي المدني، شهد مع رسول الله ﷺ أحدًا وباقي المشاهد، وتأخر عن غزوة تبوك عدة أيام، وبعد أن سار رسول الله ﷺ دخل أبو خيثمة على اهله، فوجد امرأتين له في عريشتين لهما في حائط، قد رشت كل واحدة منهما عريشها وبردت له ماءً فيه فقال لنفسه: رسول الله ﷺ في الضح والحر والريح، وأبو خيثمة في ظل باردٍ، وطعام، وامرأة حسناء، مقيم في ماله، ما هذا بالنصف، والله لاأدخل عريشة واحدة منكما حتى الحق بالنبي ﷺ، ولما كان رسول الله ﷺ بتبوك إذا شخص يزول يه السراب، فقال له النبي ﷺ: "كن أبا خيثمة"، فإذا هو أبو خيثمة، عاش إلى زمن يزيد بن معاوية. انظر: ترجمته في "الإصابة ٤/٥٣، الإستيعاب ٤/٥١، أسد الغابة ٣/٢٢٥، تهذيب الأسماء ٢/٢٢٤". ٢ ساقطة من ض. ٣ في ض: الأمر. ٤ في ش ز: ان يكون هذا، وفي ض: هذين المثالين. ٥ في ز ع ض ب: أمرنا، ولعل المقصود الآية الأخرى: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ سورة يّس /٨٢. ٦ الآية ٤٠ سورة النحل. ٧ وسماه الغزالي في "المنخول١٣٤":نهاية الاقتدار، وسماه في "المستصفى ١/٤١٨": كمال القدرة. "انظر: الإحكام للآمدي ٢/١٤٣، فواتح الرحموت ٢/٩".
[ ٣ / ٣٠ ]
وَبَعْضُهُمْ عَبَّرَ عَنْهُ بِالتَّكْوِينِ١، وَسَمَّاهُ الْقَفَّالُ وَأَبُو الْمَعَالِي وَأَبُو إِسْحَاقَ الشِّيرَازِيُّ: التَّسْخِيرَ، فَهُوَ تَفْعِيلٌ مِنْ " كَانَ " بِمَعْنَى وُجِدَ، فَتَكْوِينُ الشَّيْءِ إيجَادُهُ مِنْ الْعَدَمِ. وَاَللَّهُ تَعَالَى هُوَ الْمُوجِدُ لِكُلِّ شَيْءٍ وَخَالِقُهُ٢.
"وَ" الثَّانِي وَالْعِشْرُونَ: كَوْنُهَا بِمَعْنَى "خَبَرٍ٣" نَحْوُ قوله تعالى: ﴿فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا﴾ ٤ وقوله تعالى: ﴿فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدًّا﴾ ٥ وقوله تعالى: ﴿وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ﴾ ٦ وقوله تعالى: ﴿أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ﴾ ٧
وَمِنْهُ عَلَى رَأْيٍ "إذَا لَمْ تَسْتَحِ فَاصْنَعْ مَا شِئْت" ٨
_________________
(١) ١ منهم صدر الشريعة وابن عبد الشكور من الحنفية، والفخر الرازي وابن السبكي من الشافعية، والتكوين هو الإيجاد من العدم، أما التسخير فهو الانتقال إلى حالة ممتهنة، وقال ابن عبد الشكور عن "التكوين":ولا يعتبر فيه الانتقال من حالة إلى أخرى كالتسخير". "انظر: التوضيح على التنقيح ٢/٥١، ٥٣، فواتح الرحموت ١/٣٤٢، المحصول؟ ١ ق٢/٦١، جمع الجوامع ١/٣٤٣، التبصرة ص٣٠، التلويح على التوضيح ٢/٥٨، كشف الأسرار ١/١٠٧، ١١٢ وما بعدها، العبادي على الورقات ص٩٨، نهاية السول ٢/١٩، أثر الاختلاف في القواعد الأصولية ص٢٩٦" ٢ يرى بعض العلماء أن الأمر هنا بمعنى التكوين حقيقة، وليس مجازًا، قال السرخسي الحنفي: "فالمراد حقيقة هذه الكلمة "كن" عندنا، لا يكون مجازًا عن التكوين كما زعم بعضهم". "أصول السرخسي ١/١٨". ٣ انظر: المحصول؟ ١ ق٢/٥٠، نهاية السول ٢/١٩، جمع الجوامع ١/٣٧٤، كشف الأسرار ١/١٠٧، الروضة ٢/١٩١، شرح تنقيح الفصول ص١٤٢. ٤ الاية ٨١ من التوبة. ٥ الآية ٧٥ من مريم. ٦ الآية ١٢ من العنكبوت. ٧ الآية ٣٨ من مريم. ٨ هذا جزء من حديث شريف، وأوله: "إن مما أدرك الناس من كلام النبوة"، وسبق تخريجه ح٢ص٣٩١.
[ ٣ / ٣١ ]
وَذَلِكَ لأَنَّهُ لَمَّا جَاءَ الْخَبَرُ بِمَعْنَى الأَمْرِ١ فِي قوله تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ﴾ ٢ وقوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ﴾ ٣ جَاءَ الأَمْرُ بِمَعْنَى الْخَبَرِ، وَالْخَبَرُ ٤وَكَذَا جَاءَ الْخَبَرُ٥ بِمَعْنَى النَّهْيِ٦، كَمَا فِي حَدِيثٍ رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ بِسَنَدٍ جَيِّدٍ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "لا تُزَوِّجُ الْمَرْأَةُ الْمَرْأَةَ، وَلا تُزَوِّجُ الْمَرْأَةُ نَفْسَهَا" بِالرَّفْعِ٧؛ إذْ لَوْ كَانَ نَهْيًا لَجُزِمَ، فَيُكْسَرُ لالْتِقَاءِ السَّاكِنَيْنِ.
قَالَ أَرْبَابُ الْمَعَانِي: وَهُوَ أَبْلَغُ مِنْ صَرِيحِ الأَمْرِ وَالنَّهْيِ؛ لأَنَّ الْمُتَكَلِّمَ لِشِدَّةِ طَلَبِهِ نَزَّلَ الْمَطْلُوبَ بِمَنْزِلَةِ الْوَاقِعِ لا مَحَالَةَ، وَمِنْ هُنَا تُعْرَفُ الْعَلاقَةُ فِي إطْلاقِ الْخَبَرِ بِمَعْنَى الأَمْرِ وَالنَّهْيِ٨
"وَ" الثَّالِثُ وَالْعِشْرُونَ: كَوْنُهَا بِمَعْنَى "تَفْوِيضٍ" نَحْوُ قوله تعالى: ﴿فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ﴾ ٩ ذَكَرَهُ أَبُو الْمَعَالِي١٠.
_________________
(١) ١ انظر: نهاية السول ٢/٢٠، شرح تنقيح الفصول ص١٤٢، مختصر البعلي ص٩٩، المحصول؟ ١ ق٢/٥٠، التمهيد ص٧٢. ٢ الاية ٢٣٣ من البقرة. ٣ الآية ٢٢٨ من البقرة. ٤ ساقطة من ش ز. ٥ في ش ز: والخبر. ٦ انظر: المحصول ج١ ق٢/٥٢، نهاية السول ٢/٢٠. ٧ هذا الحديث رواه ابن ماجة عن أبي هريرة، وتتمه: "فإن الزانية هي التي تزوج نفسها"، ورواه الشافعي والدارقطني. "انظر: سنن ابن ماجة ١/٦٠٦، بدائع المنن ٢/٣١٨، سنن الدارقطني ٣/٢٢٧، تخريج أحاديث مختصر المنهاج ص٢٨٩، نيل الأوطار ٦/١٣٤، الفتح الكبير ٣/٣٢٢". ٨ العلاقة بين الأمر والخبر: أن الأمر يدل على وجود الفعل، كما أن الخبر يدل على وجود الفعل أيضًا، والعلاقة بين الخبر والنهي: أن النهي يدل على عدم الفعل، كما أن الخبر يدل الفعل أيضًا. "انظر: المحصول؟ ١ ق٢/٥٢، ٥٤". ٩ الآية ٧٢ من طه. ١٠ سار ابن السبكي على منهج أبي المعالي في هذه التسمية: "انظر: جمع الجوامع ١/٣٧٤".
[ ٣ / ٣٢ ]
وَيُسَمَّى أَيْضًا١: التَّحْكِيمُ. وَسَمَّاهُ ابْنُ فَارِسٍ وَالْعَبَّادِيُّ٢: التَّسْلِيمَ، وَسَمَّاهُ نَصْرُ بْنُ مُحَمَّدِ الْمَرُّوذِيُّ٣: الاسْتِبْسَالَ. وَ٤قَالَ: أَعْلَمُوهُ٥ أَنَّهُمْ قَدْ اسْتَعَدُّوا لَهُ بِالصَّبْرِ، وَأَنَّهُمْ غَيْرُ تَارِكِينَ لِدِينِهِمْ، وَأَنَّهُمْ يَسْتَقِلُّونَ مَا هُوَ فَاعِلٌ فِي جَنْبِ مَا يَتَوَقَّعُونَهُ مِنْ ثَوَابِ اللَّهِ ﷾. قَالَ: وَمِنْهُ قَوْلُ نُوحٍ ﵇ ﴿فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ﴾ ٦ أَخْبَرَهُمْ بِهَوَانِهِمْ
"وَ" الرَّابِعُ وَالْعِشْرُونَ: كَوْنُهَا بِمَعْنَى "تَكْذِيبٍ" نَحْوُ قَوْله تَعَالَى٧
_________________
(١) ١ ساقطة من ض. ٢ هو محمد بن أحمد بن محمد بن عبد الله، أبو عاصم العبادي، الهروي، الإمام الجليل، القاضي، كان مجرًا في العلم، وحافظًا لمذهب الشافعي، كان معروفًا بغموض العبارة، حبًا لاستعمال الذهن الثاقب، كان من أصحاب الوجوه في المذهب، وكان مناظرًا، دقيق النظر، تفقه وسمع الحديث الكثير، ودرس وحدث، وصنف كتبًا كثيرة، منها "أدب القضاء" الذي شرحه أبو سعد الهروي في كتاب "الإشراف على غوامض الحكومات" ولأبي عاصم: "طبقات الفقهاء" و"الرد على القاضي السمعاني" و"كتاب الأطعمة" و"الزيادات" و"زيادات الزيادات" والهادي إلى مذهب العلماء" وغيرها، توفي سنة٤٥٨؟. انظر ترجمته في "طبقات الشافعية الكبرى ٤/١٠٤، وفيات الأعيان ٣/٣٥١، شذرات الذهب ٣/٣٠٦، طبقات الشافعية لابن هداية الله ص٥٦، تهذيب الأسماء ٢/٢٤٩". ٣ هو نصر بن محمد بن أحمد بن إبراهيم، أبو الليث الفقيه السمرقندي المشهور بإمام الهدى، علامة من أئمة الحنفية، ومن الزهاد، له تصانيف كثيرة منها: "تفسير القرآن" و"عمدة العقائد" و"بستان العارفين" و"تنبيه الغافلين" و"خزانة الفقه" و"شرح الجامع الصغير" و"عيون المسائل" و"مختلف الرواية" وغيرها، توفي سنة ٣٧٣؟، وقيل غير ذلك. انظر ترجمته في "الفوائد البيهة ص٢٢٠، الجواهر المضيئة ٢/١٩٦، الأعلام للزركلي ٨/٣٤٨". ٤ ساقطة من ع ض ب. ٥ في ش: اعلموا. ٦ الآية ٧١ من يونس. ٧ انظر: جمع الجوامع ١/٣٧٤، تفسير النصوص ١/٢٣٨.
[ ٣ / ٣٣ ]
﴿قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ ١ وَمِنْهُ قوله تعالى: ﴿فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ﴾ ٢ ﴿قُلْ هَلُمَّ شُهَدَاءَكُمْ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ﴾ ٣
"وَ" الْخَامِسُ وَالْعِشْرُونَ: كَوْنُهَا بِمَعْنَى "مَشُورَةٍ"٤ نَحْوُ قوله تعالى: ﴿فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى﴾ ٥ فِي قَوْلِ إبْرَاهِيمَ لابْنِهِ إسْمَاعِيلَ عَلَيْهِمَا الصَّلاةُ وَالسَّلامُ إشَارَةً إلَى مُشَاوَرَتِهِ فِي هَذَا الأَمْرِ. وَهُوَ قَوْلُهُ: ﴿يَا بُنَيَّ إنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُك فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى﴾ ٦ ذَكَرَهُ الْعَبَّادِيُّ
"وَ" السَّادِسُ وَالْعِشْرُونَ: كَوْنُهَا بِمَعْنَى "اعْتِبَارٍ" نَحْوُ قوله تعالى: ﴿اُنْظُرُوا إلَى ثَمَرِهِ إذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ﴾ ٧ فَإِنَّ فِي٨ ذَلِكَ عِبْرَةً لِمَنْ يَعْتَبِرُ٩
"وَ" السَّابِعُ وَالْعِشْرُونَ: كَوْنُهَا بِمَعْنَى "تَعَجُّبٍ١٠" نَحْوُ قوله تعالى: ﴿اُنْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَك الأَمْثَالَ﴾ ١١ قَالَهُ الْفَارِسِيُّ. وَمَثَّلَهُ الْهِنْدِيُّ بِقَوْلِهِ
_________________
(١) ١ الآية ٩٣ من آل عمران. ٢ الآية ٢٣ من البقرة. ٣ الآية ١٥٠ من الأنعام. ٤ انظر: جمع الجوامع ١/٣٧٤. ٥ الآية ١٠٢ من الصافات. ٦ الآية ١٠٢ من الصافات. ٧ الآية ٩٩ من الأنعام. ٨ ساقطة من ع ض. ٩ انظر: جمع الجوامع ١/٣٧٤، تفسير النصوص ١/٢٣٨. ١٠ انظر: جمع الجوامع ١/٣٧٤. ومثله عبد العزيز البخاري بقوله تعالى: ﴿أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ﴾ مريم/٣٨، أي ما أسمعهم وما أبصرهم، "كشف الأسرار ١/١٠٧. ١١ الآية ٤٨ من الإسراء.
[ ٣ / ٣٤ ]
تَعَالَى: ﴿كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا﴾ ١ وَتَقَدَّمَ أَنَّ بَعْضَهُمْ مَثَّلَ بِهِ لِلتَّعْجِيزِ٢، وَأَنَّ ابْنَ عَطِيَّةَ قَالَ: فِيهِ نَظَرٌ٣. قَالَ الْبِرْمَاوِيُّ٤: وَهُوَ الظَّاهِرُ٥. فَإِنَّ التَّمْثِيلَ بِهِ لِلتَّعَجُّبِ أَوْضَحُ؛ لأَنَّ الْمُرَادَ بِهِ التَّعَجُّبُ
"وَ" الثَّامِنُ وَالْعِشْرُونَ: كَوْنُهَا بِمَعْنَى "إرَادَةِ امْتِثَالِ أَمْرٍ آخَرَ٦" نَحْوُ قَوْلِهِ ﷺ "كُنَّ عَبْدَ اللَّهِ الْمَقْتُولَ، وَلا تَكُنْ عَبْدَ اللَّهِ الْقَاتِلَ" ٧ فَإِنَّ٨ الْمَقْصُودَ الاسْتِسْلامُ وَالْكَفُّ عَنْ الْفِتَنِ٩.
فَهَذَا الَّذِي وَقَعَ اخْتِيَارُنَا عَلَيْهِ. وَقَدْ ذَكَرَ جَمَاعَةٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ أَشْيَاءَ غَيْرَ
_________________
(١) ١ الآية ٥٠ من الإسراء. ٢ في ض: لتعجيز. ٣ صفحة ٢٦. ٤ في ض: قاله. ٥ في ض: ظاهر. ٦ انظر: جمع الجوامع ١/٣٧٤. ٧ هذا الحديث رواه الطبراني عن خباب بن الأرت، ورواه أحمد والحاكم عن خالد بن عرفطة بلفظ: "فإن استطعت أن تكون عبد الله المقتول، لا القاتل، فافعل" قال العجلوني: وبعضها يقوى بعضًا، وصحح الحاكم حديث حذيفة أنه قيل له: ما تأمرنا إذا اقتتل المصلون؟ قال: "آمرك أن تنظر أقصى بيت من دارك فتلج فيه، فإن دخل عليك، فتقول: ها بؤ بإثمي وإثمك، فتكون كابن آدم" وروى الإمام أحمد عن ابن عمر قال قال رسول الله ﷺ: "ما يمنع أحدكم إذا جاء من يريد قتله أن يكون مثل ابني آدم: القاتل في النار، والمقتول في الجنة" وروى أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجة عن أبي موسى عن النبي ﷺ قال في الفتنة: "كسروا فيها قسيكم وقطعوا أوتاركم، واضربوا بسيوفكم الحجارة، فإن دخل على أحدكم بيته، فليكن كخير ابني آدم" وفي رواية "كن كابن آدم". "انظر: كشف الخفا ٢/١٩٣ ط حلب، المستدرك ٤/٤٤٤، أسنى المطالب ص١٧١، سنن أبي داود ٢/٤١٥، ٤١٦، سنن ابن ماجة ٢/١٣١٠، تحفة الأحوذي ٦/٤٣٧، مسند أحمد ٤/٤١٦، ٥/٢٩٢، نيل الأوطار ٥/٣٦٨". ٨ في ز: فإنما. ٩ في ش: القتل.
[ ٣ / ٣٥ ]
ذَلِكَ مِمَّا فِيهِ نَظَرٌ١.
فَمِنْهَا، وَهُوَ التَّاسِعُ وَالْعِشْرُونَ: كَوْنُهَا بِمَعْنَى "التَّخْيِيرِ٢" نَحْوُ قوله تعالى: ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ ٣ ذَكَرَهُ الْقَفَّالُ.
وَقَدْ يُقَالُ: نَفْسُ صِيغَةِ افْعَلْ لَيْسَ فِيهَا تَخْيِيرٌ إلاَّ٤ بِانْضِمَامِ أَمْرٍ آخَرَ يُفِيدُهُ، لَكِنْ مِثْلُ ذَلِكَ يَأْتِي فِي التَّسْوِيَةِ.
وَمِنْهَا، وَهُوَ الثَّلاثُونَ: الاخْتِيَارُ. نَحْوُ قَوْلِهِ ﷺ: "فَلا يَغْمِسْ ٥ يَدَهُ فِي الإِنَاءِ حَتَّى يَغْسِلَهَا ثَلاثًا" بِدَلِيلِ "فَإِنَّهُ لا يَدْرِي أَيْنَ بَاتَتْ يَدُهُ" ٦.
قَالَ الْبِرْمَاوِيُّ: وَهَذَا دَاخِلٌ تَحْتَ النَّدْبِ. فَلا حَاجَةَ إلَى إفْرَادِهِ.
_________________
(١) ١ ذكر الغزالي في معاني صيغة "إفعل" خمسة عشر وجهًا، ثم قال: "وهذه الأوجه عدها الأصوليون شغفًا منهم بالتكثير، وبعضها كالمتداخل، فإن قوله "كل مما يليك" داخل في الندب، والآداب مندوب إليها، وقوله: "تمتعوا" للإنذار قريب من قوله: "اعملوا ما شئتم" الذي هو للتهديد" "المستصفى ١/٤١٩" ٢ ذكر ابن عبد الشكور التخيير، ومثله الشارح محمد نظام الدين الأنصاري بقوله ﷺ لأصحابه: "إذا لم تستح فاصنع ما شئت" أي مخير في الفعل وقت زوال الحياء. "فواتح الرحموت ١/٣٧٢". ٣ الآية ٤٢ من المائدة. ساقطة من ش ز ع ب. ٤ ساقطة من ش ز ع ب. في ش: بضده. ٥ في ش: بضده. في ض ش: يغمس، وهي رواية للحديث عند مسلم. ٦ في ض ش: يغمس، وهي رواية للحديث عند مسلم. هذا الحديث رواه البخاري ومسلم ومالك والشافعي وأحمد وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة والدارمي عن أبي هريرة مرفوعًا، وأوله: "إذا استيقظ أحدكم من منامه فلا يدخل " "انظر: صحيح البخاري ١/٣٠، صحيح مسلم بشرح النووي ٣/١٨٠، سنن أبي داود ١/٢٣، تحفة الأحوذي ١/١٠٩، سنن النسائي ١/١١٠، سنن ابن ماجة ١/١٣٨، الموطأ ص٣٩ طبعة الشعب، بدائع المنن ١/٢٧، مسند أحمد ٢/٢٤١، ٢٥٣، سنن الدارمي ١/١٩٦".
[ ٣ / ٣٦ ]
قَالَ فِي شَرْحِ التَّحْرِيرِ قُلْت١: لَيْسَ فِي هَذَا صِيغَةُ أَمْرٍ، إنَّمَا هُوَ صِيغَةُ نَهْيٍ كَمَا تَرَى. انْتَهَى.
وَمِنْهَا، وَهُوَ الْحَادِي وَالثَّلاثُونَ: الْوَعِيدُ. نَحْوُ قوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ ٢ وَلَكِنْ هَذَا مِنْ التَّهْدِيدِ
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: التَّهْدِيدُ أَبْلَغُ مِنْ الْوَعِيدِ.
وَمِنْهَا، وَهُوَ الثَّانِي وَالثَّلاثُونَ: الالْتِمَاسُ. كَقَوْلِك لِنَظِيرِك: افْعَلْ. وَهَذَا يَأْتِي عَلَى رَأْيٍ٣، وَهُوَ وَشَبَهُهُ مِمَّا يَقِلُّ٤ جَدْوَاهُ فِي دَلائِلِ الأَحْكَامِ.
وَمِنْهَا، وَهُوَ الثَّالِثُ وَالثَّلاثُونَ: التَّصَبُّرُ. نَحْوُ قوله تعالى: ﴿لا تَحْزَنْ إنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ ٥ ﴿فَمَهِّلْ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا﴾ ٦ ﴿فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا﴾ ٧ ذَكَرَهُ الْقَفَّالُ٨.
وَمِنْهَا، وَهُوَ الرَّابِعُ وَالثَّلاثُونَ: قُرْبُ الْمَنْزِلَةِ، نَحْوُ قوله تعالى: ﴿اُدْخُلُوا الْجَنَّةَ﴾ ٩ ذَكَرَهُ بَعْضُهُمْ.
وَمِنْهَا، وَهُوَ الْخَامِسُ وَالثَّلاثُونَ: التَّحْذِيرُ وَالإِخْبَارُ عَمَّا يَئُولُ الأَمْرُ
_________________
(١) ١ ساقطة من ب. ٢ الآية ٢٩ من الكهف. وفي ع ض ب: ﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ ﴾ . ٣ وهو رأي ابن عبد الشكور، "انظر: مسلم الثبوت بشرح فواتح الرحموت ١/٣٧٢". ٤ في ش: تقل. ٥ الآية ٤٠ من التوبة. ٦ الآية ١٧ من الطارق. ٧ الآية ٨٣ من الزخرف. ٨ انظر: تفسير النصوص ١/٢٨٣. ٩ الآية ٤٩ من الأعراف، والآية ٣٢ من النحل، والآية ٧٠ من الزخرف.
[ ٣ / ٣٧ ]
إلَيْهِ١، نَحْوُ قوله تعالى: ﴿تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ﴾ ٢ قَالَهُ الصَّيْرَفِيُّ.
"وَكَنَهْيٍ" فِي الْمَعْنَى "دَعْ، وَاتْرُكْ" وَكُفَّ، وَأَمْسِكْ نَفْسَك عَنْ كَذَا. وَنَحْوُهُ٣.
لَمَّا كَانَ٤ مِنْ أَبْعَاضِ " افْعَلْ " مَا يَدُلُّ عَلَى الْكَفِّ عَنْ الْفِعْلِ. اُحْتِيجَ إلَى التَّنْبِيهِ عَلَى إخْرَاجِهَا. وَلِهَذَا قَالَ فِي جَمْعِ الْجَوَامِعِ فِي حَدِّ الأَمْرِ: إنَّهُ اقْتِضَاءُ فِعْلٍ غَيْرِ كُفَّ مَدْلُولٍ عَلَيْهِ بِغَيْرِ كُفَّ٥، أَيْ مَدْلُولٍ عَلَى الْكَفِّ الَّذِي هُوَ الْمَصْدَرُ بِغَيْرِ كُفَّ الَّذِي هُوَ فِعْلُ أَمْرٍ.
فَقَوْلُهُ "اقْتِضَاءُ فِعْلٍ" أَيْ طَلَبُ فِعْلٍ، وَهُوَ جِنْسٌ يَشْمَلُ الأَمْرَ وَالنَّهْيَ، وَتَخْرُجُ الإِبَاحَةُ٦ وَغَيْرُهَا مِمَّا تُسْتَعْمَلُ مِنْهُ٧ صِيغَةُ الأَمْرِ. وَلَيْسَ أَمْرًا، وَقَوْلُهُ "غَيْرِ كُفَّ " فَصْلٌ خَرَجَ بِهِ النَّهْيُ. فَإِنَّهُ طَلَبُ فِعْلٍ هُوَ كُفَّ.
وَقَوْلُهُ "مَدْلُولٍ عَلَيْهِ بِغَيْرِ كُفَّ" صِفَةٌ لِقَوْلِهِ: كُفَّ ٨.
_________________
(١) ١ انظر: كشف الأسرار ١/١٠٧. ٢ الآية ٦٥ من هود، وأولها: ﴿فَعَقَرُوهَا فَقَالَ تَمَتَّعُوا ﴾ . ٣ انظر: تيسير التحرير ١/٣٣٧، ٣٣٨، فواتح الرحموت ١/٣٩٥، العضد على ابن الحاجب ٢/٧٧، المحلي على جمع الجوامع وحاشية البناني عليه ١/٣٦٧ وما بعدها. ٤ في ش ز: بعض من. ٥ جمع الجوامع ١/٣٦٧. ٦ في ض ب: ويخرج ٧ في ش ب: منه. ٨ انظر: المحلي على جمع الجوامع ١/٣٦٧.
[ ٣ / ٣٨ ]