"بَابٌ"
لَمَّا كَانَ التَّقْلِيدُ مُقَابِلًا لِلاجْتِهَادِ، وَانْتَهَى الْكَلامُ عَلَى أَحْكَامِ الاجْتِهَادِ شَرَعْنَا١ فِي الْكَلامِ عَلَى أَحْكَامِ التَّقْلِيدِ.
ثُمَّ "التَّقْلِيدُ لُغَةً: وَضْعُ الشَّيْءِ فِي٢ الْعُنُقِ" حَالَةَ٣ كَوْنِهِ "مُحِيطًا بِهِ" أَيْ٤: بِالْعُنُقِ، وَذَلِكَ الشَّيْءُ يُسَمَّى قِلادَةً. وَجَمْعُهَا قَلائِدُ٥.
"وَ" التَّقْلِيدُ "عُرْفًا" أَيْ: فِي عُرْفِ الأُصُولِيِّينَ "أَخْذُ مَذْهَبِ الْغَيْرِ" أَيْ: اعْتِقَادُ صِحَّتِهِ وَاتِّبَاعُهُ عَلَيْهِ "بِلا" أَيْ: مِنْ غَيْرِ "مَعْرِفَةِ
_________________
(١) ١ في ض: شرع. ٢ في ش: على. ٣ في ش حالة. ٤ ساقطة من ض. ٥ وقال ابن فارس: ""قلّد: يدل على تعليق شيءعلى شيء وليّله به، والآخر على خطٍ ونصيب"" "معجم مقاييس اللغة ٥/١٩". وانظر المصباح المنير ٢/٧٠٤، القاموس المحيط ١/٣٢٩، مختار الصحاح ص ٥٤٨، أساس البلاغة ص ٧٨٥.
[ ٤ / ٥٢٩ ]
دَلِيلِهِ" أَيْ: دَلِيلِ مَذْهَبِ الْغَيْرِ الَّذِي اقْتَضَاهُ، وَأَوْجَبَ الْقَوْلَ بِهِ.
فَقَوْلُهُ: " أَخْذُ " جِنْسٌ. وَالْمُرَادُ بِهِ: اعْتِقَادُ ذَلِكَ، وَلَوْ لَمْ يَعْمَلْ بِهِ لِفِسْقٍ أَوْ غَيْرِ فِسْقٍ.
وَقَوْلُهُ " مَذْهَبِ " يَشْمَلُ١ مَا كَانَ قَوْلًا لَهُ أَوْ فِعْلًا. وَنِسْبَةُ الْمَذْهَبِ إلَى الْغَيْرِ يَخْرُجُ بِهِ مَا كَانَ مَعْلُومًا بِالضَّرُورَةِ، وَلا يَخْتَصُّ بِهِ ذَلِكَ الْغَيْرُ إذَا كَانَ٢ مِنْ أَقْوَالِهِ وَأَفْعَالِهِ الَّتِي لَيْسَ٣ لَهُ٤ فِيهَا اجْتِهَادٌ، فَإِنَّهَا لا تُسَمَّى مَذْهَبَهُ.
وَقَوْلُهُ " بِلا مَعْرِفَةِ دَلِيلِهِ " يَشْمَلُ٥ الْمُجْتَهِدَ إذَا لَمْ يَجْتَهِدْ وَلا٦ عَرَفَ الدَّلِيلَ، وَجَوَّزْنَا لَهُ التَّقْلِيدَ، فَإِنَّهُ حِينَئِذٍ كَالْعَامِّيِّ فِي أَخْذِهِ بِقَوْلِ الْغَيْرِ مِنْ غَيْرِ مَعْرِفَةِ دَلِيلِهِ٧.
فَيَخْرُجُ عَنْهُ الْمُجْتَهِدُ إذَا عَرَفَ الدَّلِيلَ، وَوَافَقَ اجْتِهَادُهُ اجْتِهَادَ مُجْتَهِدٍ آخَرَ، فَإِنَّهُ لا يُسَمَّى تَقْلِيدًا. كَمَا يُقَالُ: أَخَذَ الشَّافِعِيُّ بِمَذْهَبِ مَالِكٍ فِي كَذَا. وَأَخَذَ أَحْمَدُ بِمَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ فِي كَذَا.
_________________
(١) ١ في ض: ليشمل. ٢ في ب: إذ كانت. ٣ في ب: ليست. ٤ ساقطة من ض. ٥ في ش ز: ليشمل. ٦ في ش: ولو. ٧ مر الكلام على هذه المسألة قبل قليل ص ٤٠٦.
[ ٤ / ٥٣٠ ]
وَإِنَّمَا خَرَجَ١ ذَلِكَ؛ لأَنَّهُ - وَإِنْ صَدَقَ عَلَيْهِ أَنَّهُ أَخَذَ بِقَوْلِ الْغَيْرِ - لَكِنَّهُ مَعَ مَعْرِفَةِ دَلِيلِهِ حَقَّ الْمَعْرِفَةِ فَمَا أُخِذَ حَقِيقَةً إلاَّ مِنْ الدَّلِيلِ٢ لا مِنْ الْمُجْتَهِدِ، فَيَكُونُ إطْلاقُ الأَخْذِ بِمَذْهَبِهِ فِيهِ تَجَوُّزٌ.
وَعَبَّرَ الآمِدِيُّ وَابْنُ الْحَاجِبِ بِقَوْلِهِمَا " بِغَيْرِ حُجَّةٍ "٣ وَهُوَ يَقْتَضِي أَنَّ أَخْذَ الْقَوْلِ مِمَّنْ قَوْلُهُ حُجَّةٌ لا يُسَمَّى تَقْلِيدًا وَمَثَّلا ذَلِكَ بِأَخْذِ الْعَامِّيِّ بِقَوْلِ مِثْلِهِ، وَأَخْذِ الْمُجْتَهِدِ بِقَوْلِ مِثْلِهِ فِي حُكْمٍ شَرْعِيٍّ٤ وَحَيْثُ تَقَرَّرَ أَنَّ التَّقْلِيدَ أَخْذُ مَذْهَبِ الْغَيْرِ بِلا مَعْرِفَةِ دَلِيلِهِ "فَالرُّجُوعُ إلَى قَوْلِهِ٥ ﷺ وَإِلَى الْمُفْتِي، وَ" إلَى "الإِجْمَاعِ، وَ" رُجُوعُ "الْقَاضِي إلَى الْعُدُولِ: لَيْسَ بِتَقْلِيدٍ،
_________________
(١) ١ في ش: أخرج. ٢ في ض: دليل. ٣ انظر: مختصر ابن الحاجب ٢/ ٣٠٥، الإحكام للآمدي ٤/٢٢١. ٤ انظر تعريف التقليد في "التعريفات للجرجاني ص ٣٤، الحدود للباجي ص ٦٤، الإحكام لابن حزم ١/٣٧، المجموع للنووي ١/٨٩، مختصر البعلي ص ١٦٦، المستصفى ٢/٣٨٧، الروضة ص ٣٨٢، مختصر الطوفي ص ١٨٣، المسودة ص ٥٥٣، صفة الفتوى ص ٥١، المنخول ص ٤٧٢، جمع الجوامع ٢/٣٩٢، اللمع ص ٧٠، تيسير التحرير ٤/٢٤١، البرهان ٢/١٣٥٧، فواتح الرّحموت ٢/٤٠٠، الرد على من أخلد إلى الأرض ص ١٢٠ وما بعدها، الفقيه والمتفقه ٢/٦٦، المدخل إلى مذهب أحمد ص ١٩٣، إرشاد الفحول ص ٢٦٥، أصول مذهب أحمد ص ٦٧٣" ٥ في ز: قول النبي.
[ ٤ / ٥٣١ ]
وَلَوْ سُمِّيَ تَقْلِيدًا لَسَاغَ١" ذَلِكَ٢.
وَفِي الْمُقْنِعِ: الْمَشْهُورُ أَنَّ أَخْذَهُ بِقَوْلِ الْمُفْتِي تَقْلِيدٌ، وَهُوَ أَظْهَرُ، وَقَدَّمَهُ فِي آدَابِ الْمُفْتِي٣ فِي٤ الإِجْمَاعِ أَيْضًا، وَقِيلَ: وَالْقَاضِي.
٥وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ فِي الْمُسَوَّدَةِ: وَالتَّقْلِيدُ قَبُولُ الْقَوْلِ بِغَيْرِ دَلِيلٍ، فَلَيْسَ الْمَصِيرُ إلَى الإِجْمَاعِ تَقْلِيدًا؛ لأَنَّ الإِجْمَاعَ دَلِيلٌ وَكَذَلِكَ٦ يُقْبَلُ٧ قَوْلُ الرَّسُولِ٨ ﷺ،
_________________
(١) ١ في ش: ساغ. ٢ وسماه الجويني في ""الورقات"" تقليدًا، بينما قال في ""البرهان"":لا يسمى تقليدًا، وجاء القولان عن غيره أيضًا، ولذلك قال الآمدي: "" وإن سمي ذلك تقليدًا بعرف الاستعمال فلا مشاحة في اللفظ ""، وقال ابن الحاجب "" ولا مشاحة في التسمية "". انظر: الورقات ص ٢٥٠، البرهان ٢/١٣٥٧، ١٣٥٨، الإحكام للآمدي ٤/٢٢١، مختصر ابن الحاجب ٢/٣٠٥، المسودّة ص ٥٥٣، الإحكام لابن حزم ١/٣٧، ٢/٨٣٥، صفة الفتوى ص ٥١، ٥٤، المنخول ص ٤٧٢، تيسير التحرير ٤/٢٤٢، فواتح الرحموت ٢/ ٤٠٠، مجموع الفتاوى ٢٠/١٧، إرشاد الفحول ص ٢٦٥، مختصر الطوفي ص ١٨٣، المدخل إلى مذهب أحمد ص ١٩٤. ٣ صفة الفتوى ص ٥٤. ٤ في ش: وفي. ٥ ساقطة من ش ب ز. ٦ من المسودة، وفي ش ب ض ز: ولذلك. ٧ في ش: تقبل. ٨ من المسودة، وفي ش ب ض ز: النبي.
[ ٤ / ٥٣٢ ]
وَلا يُقَالُ: تَقْلِيدًا١، بِخِلافِ فَتْوَى٢ الْفَقِيهِ، وَذَكَرَ فِي ضِمْنِ مَسْأَلَةِ التَّقْلِيدِ: أَنَّ الرُّجُوعَ إلَى قَوْلِ الصَّحَابِيِّ لَيْسَ بِتَقْلِيدٍ؛ لأَنَّهُ حُجَّةٌ، وَقَالَ فِيهَا: لَمَّا جَازَ تَقْلِيدُ الصَّحَابَةِ٣ لَزِمَهُ ذَلِكَ، وَلَمْ يَجُزْ٤ لَهُ مُخَالَفَتُهُ، بِخِلافِ الأَعْلَمِ، وَقَدْ قَالَ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ أَبِي الْحَارِثِ٥ " مَنْ قَلَّدَ فِي٦ الْخَبَرِ: رَجَوْت أَنْ يَسْلَمَ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى " فَقَدْ أَطْلَقَ اسْمَ التَّقْلِيدِ عَلَى مَنْ صَارَ إلَى الْخَبَرِ، وَإِنْ كَانَ حُجَّةً فِي نَفْسِهِ٧. انْتَهَى.
"وَيَحْرُمُ" التَّقْلِيدُ "فِي مَعْرِفَةِ اللَّهِ ﷾، وَ" فِي "التَّوْحِيدِ وَالرِّسَالَةِ" عِنْدَ أَحْمَدَ وَالأَكْثَرِ، وَذَكَرَهُ أَبُو الْخَطَّابِ عَنْ عَامَّةِ الْعُلَمَاءِ، وَذَكَرَ غَيْرُهُ٨ أَنَّهُ قَوْلُ الْجُمْهُورِ٩.
_________________
(١) ١ في ش ض والمسودة: تقليد. ٢ من المسودة، وفي ش ب ض ز: فتيا. ٣ في د ض: الصحابي. ٤ من المسودة، وفي ش ض: نجز، وفي ب ز: تجز. ٥ وهو أحمد بن محمد، أبو الحارث الصائغ، وذكره أبو بكر الخلال فقال: كان أبو عبد الله يأنس به، وكان يقدمه ويكرمه، وكان عنده بموضع جليل، وروى عن الإمام أحمد مسائل كثيرة، وذكره العليمي فيمن لم تؤرخ وفاته. انظر ترجمته في "طبقات الحنابلة ١/٧٤، المنهج الأحمد ١/٢٦٣، الإنصاف للمرداوي ١٢/٢٨٠". ٦ ساقطة من ب ز والمسودة. ٧ المسودة ص ٤٦٢. ٨ في ش: أصحابه. ٩ انظر: الروضة ص ٣٨٢، المسودة ص ٤٥٧، ٤٦٠ وما بعدها، صفة الفتوى =
[ ٤ / ٥٣٣ ]
وَأَجَازَهُ جَمْعٌ قَالَ بَعْضُهُمْ: وَلَوْ بِطَرِيقٍ فَاسِدٍ.
قَالَ ابْنُ مُفْلِحٍ: وَأَجَازَهُ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ لإِجْمَاعِ السَّلَفِ عَلَى قَبُولِ الشَّهَادَتَيْنِ، مِنْ غَيْرِ أَنْ يُقَالَ لِقَائِلِهِمَا: هَلْ نَظَرْت؟ وَسَمِعَهُ ابْنُ عَقِيلٍ مِنْ أَبِي الْقَاسِمِ بْنِ١ التَّبَّانِ٢ الْمُعْتَزِلِيِّ، وَأَنَّهُ يَكْفِي بِطَرِيقٍ فَاسِدٍ.
قَالَ هَذَا الْمُعْتَزِلِيُّ: إذَا عَرَفَ اللَّهَ وَصَدَّقَ رُسُلَهُ٣، وَسَكَنَ قَلْبُهُ إلَى ذَلِكَ وَاطْمَأَنَّ بِهِ: فَلا عَلَيْنَا مِنْ الطَّرِيقِ: تَقْلِيدًا كَانَ، أَوْ نَظَرًا، أَوْ اسْتِدْلالًا٤.
_________________
(١) = ص ٥١، شرح تنقيح الفصول ٤٣٠، ٤٤٤، مختصر ابن الحاجب والعضد عليه ٢/٣٠٥، المحلي على جمع الجوامع ٢/٤٠٢، الإحكام للآمدي ٤/٢٢٣، نهاية السول ٣/٢٦٤، غاية الوصول ص ١٥٢، المحصول ٢/٣/١٢٥، الفقيه والمتفقه ٢/٦٦، اللمع ص ٧٠، الإحكام لابن حزم ٢/٨٦١، مختصر البعلي ص ١٦٦، مختصر الطوفي ص ١٨٣، إرشاد الفحول ص ٢٦٦، المدخل إلى مذهب أحمد ص ١٩٣، الوسيط ص ٥٦٣، المعتمد ٢/٩٤١، تيسير التحرير ٤/٢٤٣، فواتح الرحموت ٢/٤٠١. ١ ساقطة من ض. ٢ في ب: التيان، وفي المسودة: البقال. ٣ في ب: رسولَه. ٤ جاء في "فواتح الرحموت٢/٤٠١" فيما يستفتى فيه، وهو: "" المسائل الشرعية والعقلية على المذهب الصحيح لصّحة إيمان المقلد عند الأئمة الأربعة وكثير من المتكلمين، خلافًا للأشعري، وإن كان آثمًا في ترك النظر والاستدلال"" وهذا ما أيده الشوكاني مبينًا صحة إيمان العوام مطلقًا، وقال عبيد الله بن الحسن العنبري وبعض الشافعيّة: يجوز التقليد في العقيدة وأصول الدّين، وهذا ما أيّده الطوفي الحنبلي فقال: "" وفي هذه المسألة إشكال، إذ العامي لا يستقل بدرك =
[ ٤ / ٥٣٤ ]
وَأَطْلَقَ الْحَلْوَانِيُّ وَغَيْرُهُ - يَعْنِي مِنْ أَصْحَابِنَا - مَنْعَ التَّقْلِيدِ فِي أُصُولِ الدِّينِ، وَقَالَهُ الْبَصْرِيُّ وَالْقَرَافِيُّ: فِي أُصُولِ الْفِقْهِ أَيْضًا١. انْتَهَى.
قَالَ ابْنُ قَاضِي الْجَبَلِ فِي أُصُولِهِ، قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: الْقِيَاسُ النَّقْلِيُّ حُجَّةٌ يَجِبُ الْعَمَلُ بِهِ، وَيَجِبُ النَّظَرُ وَالاسْتِدْلالُ بِهِ بَعْدَ وُرُودِ الشَّرْعِ. وَلا يَجُوزُ التَّقْلِيدُ. وَقَدْ نُقِلَ عَنْ٢ أَحْمَدَ الاحْتِجَاجُ بِدَلائِلِ الْعُقُولِ، وَبِهَذَا قَالَ جَمَاعَةٌ مِنْ٣ الْفُقَهَاءِ الْمُتَكَلِّمِينَ مِنْ أَهْلِ الإِثْبَاتِ، وَذَهَبَتْ الْمُعْتَزِلَةُ إلَى وُجُوبِ النَّظَرِ، وَالاسْتِدْلالِ قَبْلَ الشَّرْعِ وَلَمَّا وَرَدَ بِهِ الشَّرْعُ كَانَ تَوْكِيدًا٤.
وَذَهَبَ قَوْمٌ مِنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ، وَأَهْلِ الظَّاهِرِ إلَى أَنَّ حُجَجَ
_________________
(١) = الدليل العقلي " ثم قال: "بل نحارير المتكلمين لا يستقلون بذلك، فإذا منع التقليد لزم أن لا يعتقد شيئًا" "مختصر الطوفي ص ١٨٤". وانظر: المسودة ص ٤٥٧، شرح تنقيح الفصول ص ٤٢٠، مختصر ابن الحاجب ٢/٣٠٥ن المحلي على جمع الجوامع ٢/٤٠٢،نهاية السول ٣/٢٦٤، الفقيه والمتفقه ٢/٦٦، شرح الورقات ص ٢٤٣، المحصول ٢/٣/١٢٥، الإحكام للآمدي ٤/٢٢٣، اللمع ص ٧٠، تيسير التحرير ٤/٢٤٣، فواتح الرحموت ٢/٤٠١، المعتمد ٢/٤٠٢، إرشاد الفحول ص ٢٦٦، الوسيط ص ٥٦٤. ١ انظر: مختصر البعلي ص ١٦٧. ٢ ساقطة من ض. ٣ ساقطة من ش ب ز. ٤ انظر المعتمد ٢/٩٣٥.
[ ٤ / ٥٣٥ ]
الْعُقُولِ بَاطِلَةٌ، وَالنَّظَرُ حَرَامٌ، وَالتَّقْلِيدُ وَاجِبٌ١.
وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: الْقِيَاسُ الْعَقْلِيُّ وَالاسْتِدْلالُ: طَرِيقٌ لإِثْبَاتِ الأَحْكَامِ الْعَقْلِيَّةِ. نَصَّ عَلَيْهِ الإِمَامُ أَحْمَدُ وَبِهِ قَالَ عَامَّةُ الْفُقَهَاءِ.
قُلْت: كَلامُ أَحْمَدَ فِي الاحْتِجَاجِ بِأَدِلَّةٍ عَقْلِيَّةٍ كَثِيرٌ، وَقَدْ ذَكَرَ كَثِيرًا فِي كِتَابِهِ " الرَّدِّ عَلَى الزَّنَادِقَةِ وَالْجَهْمِيَّةِ "٢ فَمَذْهَبُ أَحْمَدَ: الْقَوْلُ٣ بِالْقِيَاسِ٤ الْعَقْلِيِّ وَالشَّرْعِيِّ. انْتَهَى كَلامُ ابْنِ قَاضِي الْجَبَلِ.
وَاسْتَدَلَّ لِتَحْرِيمِ التَّقْلِيدِ - الَّذِي هُوَ الصَّحِيحُ بِأَمْرِهِ - ﷾ بِالتَّدَبُّرِ وَالتَّفَكُّرِ وَالنَّظَرِ وَفِي صَحِيحِ ابْنِ حِبَّانَ لَمَّا نَزَلَ فِي آلِ عِمْرَانَ: ﴿إنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ ٥
_________________
(١) ١ قال فريق من العلماء: إن النظرقد يؤدي إلى باطل في أمور العقيدة فيحرم، ويجب فيها التقليد، وهذا قول ضعيف ذكره علماء الأصول. انظر: جمع الجوامع والمحلي عليه ٢/٤٠٠، الإحكام للآمدي ٤/٢٢٣، نهاية السول ٣/٢٨٤، مختصر ابن الحاجب ٢/٣٠٥، تيسير التحرير ٤/٢٤٣، ٢٤٥، فواتح الرحموت ٢/٤٠١، إرشاد الفحول ص ٢٦٦. ٢ انظر: الرد على الجهمية والزنادقة للإمام أحمد بن حنبل ص ١٠٢، ١٠٥، ١٣٨، ١٤٨ وغيرها. ٣ ساقطة من ش. ٤ في ش: القياس. ٥ في ز: والأرض. الآيات
[ ٤ / ٥٣٦ ]
وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ - الآيَاتُ١ قَالَ٢: "وَيْلٌ لِمَنْ قَرَأَهُنَّ وَلَمْ يَتَدَبَّرْهُنَّ، وَيْلٌ لَهُ وَيْلٌ لَهُ"٣ وَبِالإِجْمَاعِ٤ عَلَى وُجُوبِ مَعْرِفَةِ اللَّهِ ﷾ وَلا تَحْصُلُ بِتَقْلِيدٍ، لِجَوَازِ كَذِبِ الْمُخْبِرِ، وَاسْتِحَالَةِ حُصُولِهِ. كَمَنْ قَلَّدَ فِي حُدُوثِ٥ الْعَالَمِ، وَكَمَنْ قَلَّدَ فِي قِدَمِهِ؛ وَلأَنَّ التَّقْلِيدَ لَوْ أَفَادَ عِلْمًا٦: فَإِمَّا بِالضَّرُورَةِ وَهُوَ بَاطِلٌ. وَإِمَّا بِالنَّظَرِ فَيَسْتَلْزِمُ الدَّلِيلُ وَالأَصْلُ عَدَمَهُ٧، وَالْعِلْمُ يَحْصُلُ بِالنَّظَرِ، وَاحْتِمَالُ الْخَطَإِ لِعَدَمِ تَمَامِ مُرَاعَاةِ الْقَانُونِ الصَّحِيحِ، وَ٨لأَنَّ اللَّهَ ﷾ ذَمَّ التَّقْلِيدَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ﴾ ٩ وَهِيَ فِيمَا يُطْلَبُ الْعِلْمُ بِهِ فَلا يَلْزَمُ الْفُرُوعَ، وَلأَنَّهُ١٠ يَلْزَمُ الشَّارِعَ؛ لِقَوْلِهِ ﷾: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إلَهَ إلاَّ اللَّهُ﴾ ١١ فَيَلْزَمُنَا لِقَوْلِهِ تَعَالَى:
_________________
(١) ١ الآيات ١٩٠-١٩٦ من آل عمران. ٢ ساقطة من ض. ٣ هذا الحديث رواه عبد بن حميد في "تفسيره"أحمد ورواه الطبراني وابن مردويه، وتذكره كتب التفسير. انظر: تفسير ابن كثير ٤/٤٤٠، الكشاف ١/٤٨٧. ٤ في ب ز: والإجماع. ٥ في ب: حديث ٦ في ب: عالما. ٧ ساقطة من ش. ٨ ساقطة من ب. ٩ الآية ٢٢، والآية٢٣ من الزخرف. ١٠ في ش: ولا. ١١ الآية ١٩ من سورة محمد.
[ ٤ / ٥٣٧ ]
﴿وَاتَّبِعُوهُ﴾ ١.
"وَ" يَحْرُمُ التَّقْلِيدُ أَيْضًا٢ فِي "أَرْكَانِ الإِسْلامِ الْخَمْسِ، وَنَحْوِهَا مِمَّا تَوَاتَرَ وَاشْتَهَرَ"٣.
قَالَ ابْنُ مُفْلِحٍ: لا يَجُوزُ لِلْعَامِّيِّ التَّقْلِيدُ فِي أَرْكَانِ الإِسْلامِ وَنَحْوِهَا مِمَّا تَوَاتَرَ وَاشْتَهَرَ ذَكَرَهُ الْقَاضِي وَذَكَرَهُ أَبُو الْخَطَّابِ وَابْنُ عَقِيلٍ إجْمَاعًا؛ لِتَسَاوِي النَّاسِ فِي طَرِيقِهَا، وَإِلاَّ لَزِمَهُ مَا٤ سَاغَ فِيهِ اجْتِهَادٌ أَوْ لا، عِنْدَنَا وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالأَكْثَرِ.
وَمَنَعَهُ قَوْمٌ مِنْ الْمُعْتَزِلَةِ الْبَغْدَادِيِّينَ٥، مَا لَمْ تَتَبَيَّنْ لَهُ صِحَّةُ اجْتِهَادِهِ بِدَلِيلِهِ. وَذَكَرَهُ ابْنُ بُرْهَانٍ عَنْ الْجُبَّائِيِّ وَعَنْهُ كَقَوْلِنَا.
وَمَنَعَهُ أَبُو عَلِيٍّ الشَّافِعِيُّ٦ فِيمَا لا يَسُوغُ فِيهِ اجْتِهَادٌ وَبَعْضُهُمْ فِي الْمَسَائِلِ الظَّاهِرَةِ.
_________________
(١) ١ الآية ١٥٨من الأعراف. ٢ في ز: أيضًا التقليد. ٣ انظر: المسودة ص ٤٥٨، ٤٥٩، ٤٦٠، وما بعدها، صفة الفتوى ص ٥٣، الإحكام لابن حزم ٢/٨٦١، شرح تنقيح الفصول ص ٤٤٢، ٤٤٣، اللمع ص ٧١، مختصر البعلي ص ١٦٦، مختصر الطوفي ص ١٨٣، المدخل إلى مذهب أحمد ص ١٩٣. ٤ ساقطة من ش ز. ٥ ساقطة من ض. ٦ هذا القول نقله الشيرازي عن أبي علي الجبائي المعتزلي. "انظر: اللمع ص ٧١" ومرت ترجمته "١/٢١٩"، وإذا أطلق أبو علي الشافعي، فهو أبو علي السنجي، =
[ ٤ / ٥٣٨ ]
وَاخْتَارَ الآمِدِيُّ لُزُومَهُ فِي الْجَمِيعِ، وَذَكَرَهُ عَنْ مُحَقِّقِي الأُصُولِيِّينَ١. انْتَهَى٢.
"وَيَلْزَمُ" التَّقْلِيدُ "غَيْرَ٣ مُجْتَهِدٍ٤ فِي غَيْرِ ذَلِكَ" أَيْ: غَيْرِ مَا تَقَدَّمَ.
قَالَ الْمُوَفَّقُ فِي الرَّوْضَةِ: وَأَمَّا التَّقْلِيدُ فِي الْفُرُوعِ: فَهُوَ جَائِزٌ إجْمَاعًا، وَذَهَبَ بَعْضُ الْقَدَرِيَّةِ إلَى أَنَّ الْعَامَّةَ يَلْزَمُهُمْ النَّظَرُ فِي الدَّلِيلِ٥.
وَاسْتَدَلَّ لِجَوَازِ التَّقْلِيدِ فِي غَيْرِ مَا تَقَدَّمَ: بِقَوْلِهِ ﷾:
_________________
(١) = وهو الحسين بن شعيب بن محمد، الشيخ أبو علي السنجي، الإمام الجليل، الفقيه الكبير، أول من جمع بين طريقتي العراق وخراسان، بعد أن تفقه على شيخي الطريقتين الإمام أبي حامد الإسفراييني شيخ العراقيين، وأبي بكر القفال المرزوي شيخ خراسان، فجمع الشيخ أبو علي بين الطريقتين بالنظر الدّقيق، والتحقيق الأنيق، وصنف عدة كتب، منها: "شرح المختصر" الذي يسميه إمام الحرمين بالمذهب الكبير، وشرح "تلخيص ابن القاص"، وشرح "فروع ابن الحداد" توفي سنة ٤٣٠هـ بمرو. انظر ترجمته في "طبقات الشافعية الكبرى ٤/٣٤٤، تهيب الأسماء ٢/٢٦١، وفيات الأعيان ١/٤٠١، طبقات الفقهاء ص ١٣٢، البداية والنهاية ١٢/٥٧". ١ في ب ز: الأصول. ٢ الإحكام للآمدي ٤/٢٢٣، ٢٢٨، وانظر: المسودة ص ٤٥٩-٤٦٠. ٣ في ب ز: في غير ذلك. ٤ في ز: المجتهد. ٥ الروضة ص ٣٨٣.
[ ٤ / ٥٣٩ ]
﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ ١ وَهُوَ عَامٌّ؛ لِتَكَرُّرِهِ بِتَكَرُّرِ٢ الشَّرْطِ، وَعِلَّةُ الأَمْرِ بِالسُّؤَالِ: الْجَهْلُ وَأَيْضًا الإِجْمَاعُ، فَإِنَّ الْعَوَامَّ يُقَلِّدُونَ الْعُلَمَاءَ مِنْ غَيْرِ إبْدَاءِ مُسْتَنَدٍ مِنْ غَيْرِ نَكِيرٍ، وَأَيْضًا يُؤَدِّي إلَى خَرَابِ الدُّنْيَا بِتَرْكِ الْمَعَائِشِ وَالصَّنَائِعِ. وَلا يَلْزَمُ فِي٣ التَّوْحِيدِ وَالرِّسَالَةِ لِيُسْرِهِ٤ وَقِلَّتِهِ، وَدَلِيلُهُ الْعَقْلُ.
قَالَ الْمُخَالِفُ: وَرَدَ عَنْهُ ﷺ: "طَلَبُ الْعِلْمِ فَرِيضَةٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ" ٥.
رُدَّ لَمْ يَصِحَّ٦، ثُمَّ الْمُرَادُ طَلَبُهُ الشَّرْعِيُّ، فَتَقْلِيدُ الْعَامِّيِّ الْمُفْتِيَ
_________________
(١) ١ الآية ٧ من الأنبياء. ٢ في ب: بتكرار. ٣ ساقطة من ب ز. ٤ في ض: لتيسره. ٥ رواه ابن عدي في "الكامل"، والبيهقي ف "شعب الإيمان" عن أنس بن مالك، ورواه الطبراني في "الصغير"، والخطيب في "التاريخ" عن الحسين بن علي، ورواه الطبراني في "الأوسط" أيضًا عن ابن عباس، ورواه تمام في "فوائده" عن ابن عمر، والطبراني في " الكبير" عن ابن مسعود، والخطيب في "التاريخ" عن علي، والطرباني في "الأوسط" والبيهقي في "شعب الإيمان" عن أبي سعيد، وهو طرف من حديث رواه ابن ماجه عن أنس مرفوعًا. انظر: فيض القدير ٤/٢٦٧، سنن ابن ماجة ١/٨١، راموز الأحاديث ص ٣١٢، مجمع الزوائد ١/١١٩، كشف الخفا ٢/٥٦. ٦ اختلف العلماء في درجة هذا الحديث، فقال النووي: ضعيف وإن كان معناه صحيحًا، وقال ابن القطان: لا يصح فيه شيء، وأحسن ما فيه ضعيف، وسكت عنه مغلطاي، وقال السيوطي: جمعت له خمسين طريقًا، وحكمت بصحته لغيره، ولم أصحح حديثًا لم أسبق لتصحيحه سواه، وقال السخاوي: له شاهد عند ابن شاهين بسند رجاله ثقات عن أنس، ورواه عنه نحو عشرين تابعيًا، وجاء في زوائد ابن ماجه؛ إسناده ضعيف. انظر: فيض القدير ٤/٢٦٧، سنن ابن ماجه ١/٨١.
[ ٤ / ٥٤٠ ]
مِنْهُ فَإِنَّ الْعِلْمَ لَمْ١ يَجِبْ عِنْدَ أَحَدٍ، بَلْ النَّظَرُ٢.
"وَلَهُ" أَيْ: لِلْعَامِّيِّ "اسْتِفْتَاءُ مَنْ عَرَفَهُ عَالِمًا عَدْلًا، وَلَوْ" كَانَ الَّذِي عَرَفَهُ بِالْعِلْمِ وَالْعَدَالَةِ "عَبْدًا، وَأُنْثَى، وَأَخْرَسَ" وَتُعْلَمُ فُتْيَاهُ "بِإِشَارَةٍ مَفْهُومَةٍ وَكِتَابَةٍ"؛ لأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ الاسْتِفْتَاءِ: سُؤَالُ الْعَالِمِ الْعَدْلِ. وَهَذَا كَذَلِكَ٣.
_________________
(١) ١ في ز: لا. ٢ ذكر جماهير علماء الأصول لزوم التقليد على العامي في الفروع، ونقل الشوكاني عن جمهور علماء الأصول عدم جواز التقليد مطلقًا، ونقل كلام ابن حزم في ذلك. فانظر حكم التقليد وآراء العلماء فيه مع أدلتهم ومناقشتها في "مجموع الفتاوى ٢٠/١٥، ٢٠٣، المحصول ٢/٣/١٠١، الإحكام للآمدي ٤/٢٢٩، جامع بيان العلم وفضله ٢/١٣٣، أعلام الموقعين ٢/٢٦٨، ١٧٨، جمع الجوامع ٢/٣٩٣، التمهيد ص ١٦١، نهاية السول ٣/٢٦٤، مختصر ابن الحاجب ٢/٣٠٦، المستصفى ٢/٣٨٩، تيسير التحرير ٤/٢٤٦، مختصر البعلي ص ١٦٦، المعتمد ٢/٩٣٤، الفقيه والمتفقه ٢/٦٨، الإحكام لابن حزم ٢/٣٩٣، ٨٣٨، المسودة ص ٤٣١، اللمع ص ٧١، شرح الورقات ص ٢٤١، القواعد للعز بن عبد السلام ٢/١٥٨، مختصر الطوفي ص ١٨٠، ١٨٣، إرشاد الفحول ص ٢٦٧، المدخل إلى مذهب أحمد ص ١٩٣، أصول مذهب أحمد ص ٦٧٥". ٣ انظر: روضة الطالبين ١١/١٠٩، المجموع للنووي ١/٦٩، الفروع ٦/٤٢٨، المستصفى ٢/٣٩٠، مختصر ابن الحاجب ٢/٣٠٧، صفة الفتوى ص ١٣، ٦٩، الإحكام للآمدي ٤/٢٣٢، مجموع الفتاوى ٢٠/٢٠٨، مختصر البعلي =
[ ٤ / ٥٤١ ]
"أَوْ رَآهُ" يَعْنِي أَنَّ١ لِلْعَامِّيِّ أَيْضًا: اسْتِفْتَاءَ مَنْ رَآهُ "مُنْتَصِبًا" لِلإِفْتَاءِ وَالتَّدْرِيسِ "مُعَظَّمًا" عِنْدَ النَّاسِ، فَإِنَّ كَوْنَهُ كَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى عِلْمِهِ، وَأَنَّهُ أَهْلٌ٢ لِلإِفْتَاءِ٣، وَلا يَجُوزُ الاسْتِفْتَاءُ فِي ضِدِّ ذَلِكَ عِنْدَ الْعُلَمَاءِ، ٤وَذَكَرَهُ الآمِدِيُّ اتِّفَاقًا٥، وَهَذَا بِالنِّسْبَةِ إلَى نَفْسِهِ.
وَأَمَّا بِالنِّسْبَةِ إلَى الإِخْبَارِ: فَهُوَ مَا أُشِيرَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ "وَيَكْفِيهِ قَوْلُ عَدْلٍ خَبِيرٍ" عِنْدَ ابْنِ عَقِيلٍ وَالْمُوَفَّقِ وَأَبِي إِسْحَاقَ الشِّيرَازِيِّ
_________________
(١) = ص ١٦٧، الروضة ص ٣٨٤، مختصر الطوفي ص ١٨٥، عرف البشام فيمن ولي فتوى دمشق الشام ص ١٣ وما بعدها، الإحكام لابن حزم ٢/٦٨٩ وما بعدها، المسودة ص ٤٦٤، ٤٧٢، ٥٥٥، أعلام الموقعين ٤/٢٨٠، شرح تنقيح الفصول ص ٤٤٢، التمهيد ص ١٦٣، جمع الجوامع ٢/٣٩٧، اللمع ص ٧٢، المحصول ٢/٣/١١٢، نهاية السول ٣/٢٦٥/الفقيه والمتفقه ٢/١٧٧، تيسير التحرير ٤/٢٤٨، البرهان ٢/١٣٣٣، المعتمد ٢/٩٢٩، فواتح الرحموت ٢/٤٠٣، أصول مذهب أحمد ص ٦٩٠، إرشاد الفحول ص ٢٧١. ١ في ش: و، في ز: أي. ٢ ساقطة من ب. ٣ في ض ب ز: للاستفتاء. ٤ ساقطة من ز. ٥ الإحكام للآمدي ٤/٢٣٢. وانظر: المجموع ١/٨٩، البرهان ١/١٣٤١، المعتمد ٢/٩٣٩، فتح الغفار ٣/٣٧، تيسير التحرير ٤/٢٤٨، فواتح الرحموت ٢/٤٠٣، مختصر ابن الحاجب ٢/٣٠٧، جمع الجوامع ٢/٢٩٧، المحصول ٢/٣/١١٢، إرشاد الفحول ص ٢٧١، المدخل إلى مذهب أحمد ص ١٩٤.
[ ٤ / ٥٤٢ ]
وَجَمْعٍ١.
قَالَ النَّوَوِيُّ: وَهُوَ٢ مَحْمُولٌ عَلَى مَنْ عِنْدَهُ مَعْرِفَةٌ يُمَيِّزُ بِهَا التَّلْبِيسَ٣ مِنْ غَيْرِهِ٤.
وَعِنْدَ الْبَاقِلاَّنِيِّ: لا بُدَّ مِنْ عَدْلَيْنِ٥.
وَاعْتَبَرَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ وَابْنُ الصَّلاحِ: الاسْتِفَاضَةَ بِأَنَّهُ أَهْلٌ لِلْفُتْيَا٦. وَرَجَّحَهُ النَّوَوِيُّ فِي الرَّوْضَةِ٧، وَنَقَلَهُ عَنْ أَصْحَابِهِمْ٨.
فَعَلَيْهِ لا يُكْتَفَى بِوَاحِدٍ، وَلا بِاثْنَيْنِ، وَلا مُجَرَّدِ اعْتِزَائِهِ إلَى الْعِلْمِ، وَلَوْ بِمَنْصِبِ٩ تَدْرِيسٍ أَوْ غَيْرِهِ.
_________________
(١) ١ انظر: اللمع ص ٧٢، الروضة ٣٨٤، المسودة ص ٤٦٤، ٤٧٢، المنخول ص ٤٧٨، جمع الجوامع ٢/٣٩٧، إرشاد الفحول ص ٢٧١، المدخل إلى مذهب أحمد ص ١٩٤. ٢ في روضة الطالبين: وهذا. ٣ في روضة الطالبين: الملتبس. ٤ روضة الطالبين للنووي ١١/١٠٤، وانظر: المجموع للنووي ١/٩٠. ٥ وهو قول إمام الحرمين الجويني فقال " ولا بد أن يخبره عدلان بأنه مجتهد" "البرهان ٢/١٣٤١". ٦ قال الشيخ تقي الدين: "ولا يجوز له استفتاء من اعتزى إلى العلم، وإن انتصب في مصب التدريس أو غيره، ويجوز استفتاء من تواتر بين الناس، أو استفاض فيهم، كونه أهلًا للفتوى" "المسودة ص ٤٦٤". ٧ روضة الطالبين ١١/١٠٣. ٨ انظر: التمهيد ص ١٦٣، البرهان ٢/١٣٤١. ٩ في ض: بنصب.
[ ٤ / ٥٤٣ ]
"وَيَلْزَمُ وَلِيَّ الأَمْرِ" عِنْدَ الأَكْثَرِ "مَنْعُ مَنْ لَمْ يُعْرَفْ بِعِلْمٍ، أَوْ جُهِلَ حَالُهُ" مِنْ الْفُتْيَا١.
قَالَ رَبِيعَةُ: بَعْضُ مَنْ يُفْتِي أَحَقُّ بِالسِّجْنِ مِنْ السُّرَّاقِ٢. انْتَهَى.
وَلأَنَّ الأَصْلَ، وَالظَّاهِرَ الْجَهْلُ، فَالظَّاهِرُ: أَنَّهُ مِنْهُ وَلا يَلْزَمُ الْجَهْلُ بِالْعَدَالَةِ؛ لأَنَّا نَمْنَعُهُ، وَنَقُولُ: لا يُقْبَلُ مَنْ جُهِلَتْ عَدَالَتُهُ. وَقَالَ فِي الْمُغْنِي: إنَّ مَنْ شَهِدَ مَعَ ظُهُورِ فِسْقِهِ لَمْ يُعَزَّرْ؛ لأَنَّهُ لا يُمْنَعُ صِدْقُهُ٣، وَكَلامُهُ هُوَ، وَغَيْرُهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لا يَحْرُمُ أَدَاءُ فَاسِقٍ مُطْلَقًا.
"وَلا تَصِحُّ" الْفُتْيَا "مِنْ مَسْتُورِ الْحَالِ".
قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ فِي الْوَاضِحِ: صِفَةُ مَنْ تَسُوغُ فَتْوَاهُ الْعَدَالَةُ.
قَالَ فِي شَرْحِ التَّحْرِيرِ: وَكَذَا أَطْلَقَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا، وَغَيْرُهُمْ٤.
_________________
(١) ١ انظر: الأنوار ٢/٣٩٨، الفروع ٦/٤٢٥، روضة الطالبين ١١/١٠٨، المجموع للنووي ١/٦٩، ٧٠، إعلام الموقعين ٤/٢٠٣، ٢٧٦، صفة الفتوى ص ٦، ٢٤. ٢ انظر: صفة الفتوى ص ١١، المدخل إلى مذهب أحمد ص ١٩٥. ٣ المغني ١٠/٢٣٣. ٤ اختلف العلماء في استفتاء مستور الحال على قولين: بالجواز والمنع. انظر: المجموع للنووي ١/٧٠، إعلام الموقعين ٤/٢٢٠، المسودة ص ٥٥٥، الفروع ٦/٤٢٨، صفة الفتوى ص ٢٩، الروضة ص ٣٨٤، المدخل إلى مذهب أحمد ص ١٩٤، مختصر الطوفي ص ١٨٥، مختصر البعلي ص ١٦٧، أصول مذهب أحمد ص ٧٠٤.
[ ٤ / ٥٤٤ ]
"وَيُفْتِي فَاسِقٌ نَفْسَهُ" عِنْدَ أَصْحَابِنَا، وَالشَّافِعِيَّةِ وَجَمْعٍ؛ لأَنَّهُ لَيْسَ بِأَمِينٍ عَلَى مَا يَقُولُ١.
وَقَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ فِي إعْلامِ الْمُوَقِّعِينَ: قُلْت الصَّوَابُ جَوَازُ اسْتِفْتَاءِ الْفَاسِقِ، إلاَّ أَنْ يَكُونَ مُعْلِنًا بِفِسْقِهِ، دَاعِيًا إلَى بِدْعَتِهِ. فَحُكْمُ اسْتِفْتَائِهِ حُكْمُ إمَامَتِهِ وَشَهَادَتِهِ٢. انْتَهَى.
وَقَالَ٣ الطُّوفِيُّ وَغَيْرُهُ: وَلا يُشْتَرَطُ٤ عَدَالَتُهُ فِي اجْتِهَادِهِ، بَلْ فِي قَبُولِ فُتْيَاهُ وَخَبَرِهِ، وَهُوَ٥ مُوَافِقٌ لِقَوْلِ الأَصْحَابِ.
"وَتَصِحُّ" الْفُتْيَا "مِنْ حَاكِمٍ ٦" عَلَى الصَّحِيحِ، وَيَكُونُ كَغَيْرِهِ فِيهَا٧.
وَقِيلَ: لا يُفْتَى الْحَاكِمُ قَالَ الْقَاضِي شُرَيْحٌ: أَنَا٨ أَقْضِي
_________________
(١) ١ انظر: المجموع للنووي ١/٧٠، إعلام الموقعين ٤/٢٨٠، المسودة ص ٥٥٥، الفروع ٦/٤٢٨، صفة الفتوى ص ٢٩، أصول مذهب أحمد ص ٧٠٣. ٢ إعلام الموقعين ٤/٢٨٠. ٣ في ش: "وتصح من حاكم"، وقال. ٤ في ض: تشترط. ٥ في ب ز: وهذا. ٦ ساقطة من ش. ٧ انظر: المجموع ١/٧٠، روضة الطالبين ١١/١٠٩، المسودة ص ٥٥٥، إعلام الموقعين ٤/٢٨١، صفة الفتوى ص ٢٩، جمع الجوامع ٢/٣٩٧. ٨ ساقطة من ب.
[ ٤ / ٥٤٥ ]
لَكُمْ وَلا أُفْتِي.
وَقِيلَ: يُفْتِي فِيمَا لا١ يَتَعَلَّقُ بِالأَحْكَامِ، كَالطَّهَارَةِ وَالصَّلاةِ وَنَحْوِهِمَا.
وَلَيْسَتْ فُتْيَا الْحَاكِمِ بِحُكْمٍ عَلَى الصَّحِيحِ٢.
قَالَ فِي إعْلامِ الْمُوَقِّعِينَ: فُتْيَا الْحَاكِمِ لَيْسَتْ حُكْمًا مِنْهُ، وَلَوْ٣ حَكَمَ غَيْرُهُ بِغَيْرِ مَا أَفْتَى بِهِ٤: لَمْ يَكُنْ نَقْضًا لِحُكْمِهِ. وَلا هِيَ كَالْحُكْمِ، وَلِهَذَا يَجُوزُ أَنْ يُفْتِيَ لِلْحَاضِرِ وَالْغَائِبِ، وَمَنْ يَجُوزُ حُكْمُهُ لَهُ، وَمَنْ لا يَجُوزُ٥. انتهى.
"وَ" عُلِمَ مِنْ قَوْلِهِ: " وَمَنْ يَجُوزُ حُكْمُهُ لَهُ، وَمَنْ لا يَجُوزُ أَنَّ٦ لِلْمُفْتِي أَنْ يُفْتِيَ "عَلَى عَدُوٍّ" لَهُ٧.
_________________
(١) ١ ساقطة من ش. ٢ انظر: المجموع ١/٧٠، المسودة ص ٥٥٥، صفة الفتوى ص ٢٩، جمع الجوامع ٢/٣٩٧. ٣ من إعلام الموقعين، وفي سائر النسخ: فلو. ٤ ساقطة من ش. ٥ إعلام الموقعين ٤/٢٨١. ٦ في ش: ويجوز. ٧ ذكر الأردبيلي الشافعي أن الفتوى تصح على العدو إذا لم تتحكم العداوة بينهما، ثم قال: "وفي قول لا تصح الفتوى مع العداوة كالحاكم والشاهد " "الأنوار ٢/٣٩٨". وانظر: روضة الطالبين ١١/١٠٩، المجموع ١/٧٠، المسودة ص ٥٥٥، صفة الفتوى ص ٢٩.
[ ٤ / ٥٤٦ ]
قَالَ١ الْمَاوَرْدِيُّ: لا يُفْتِي عَلَى عَدُوِّهِ، كَالْحُكْمِ عَلَيْهِ٢. انْتَهَى.
وَقَالَ الْقَاضِي فِي التَّعْلِيقِ، وَالْمَجْدُ فِي مُحَرَّرِهِ٣، وَمَنْ تَبِعَهُمْ: فِعْلُ الْحَاكِمِ حُكْمٌ إنْ حَكَمَ بِهِ أَوْ غَيْرُهُ وِفَاقًا، كَفُتْيَاهُ، فَجَعَلَ الْفُتْيَا حُكْمًا إنْ حَكَمَ بِهِ هُوَ٤ أَوْ غَيْرُهُ.
"وَهِيَ" أَيْ: الْفُتْيَا "فِي حَالَةِ غَضَبٍ وَنَحْوِهِ" كَشِدَّةِ جُوعٍ، وَشِدَّةِ عَطَشٍ، وَهَمٍّ٥، وَوَجَعٍ، وَبَرْدٍ مُؤْلِمٍ، وَحَرٍّ مُزْعِجٍ، وَمَعَ كَوْنِهِ حَاقِنًا، أَوْ حَاقِبًا، أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ "كَقَضَاءٍ" فَتَحْرُمُ عَلَى الصَّحِيحِ، كَالصَّحِيحِ فِي قَضَاءِ الْقَاضِي فِي تِلْكَ الْحَالَةِ٦.
٧وَيُعْمَلُ بِفُتْيَاهُ إنْ أَصَابَ الْحَقَّ، كَمَا يَنْفُذُ قَضَاؤُهُ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ إنْ أَصَابَ الْحَقَّ٧.
"وَلَهُ أَخْذُ رِزْقٍ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ"؛ لأَنَّ لَهُ فِيهِ حَقًّا عَلَى الْفُتْيَا٨،
_________________
(١) ١ في ش ب: وقال. ٢ انظر: المجموع للنووي ١/٦٩. ٣ المحرر ٢/٢١١. ٤ ساقطة من ز. ٥ في ب: وكتم. ٦ انظر: روضة الطالبين ١١/١١٠، المجموع ١/٧٧، المسودة ص ٥٤٥، أعلام الموقعين ٤/٢٨٩، صفة الفتوى ص ٣٤، الفقثيه والمتفقه ٢/١٨٠. ٧ ساقطة من ش. ٨ ساقطة من ش.
[ ٤ / ٥٤٧ ]
فَجَازَ لَهُ أَخْذُ حَقِّهِ١ "فَإِنْ تَعَذَّرَ" أَخْذُهُ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ وَأَرَادَ الأَخْذَ عَنْ أُجْرَةِ خَطِّهِ٢ "أَخَذَ أُجْرَةَ خَطِّهِ" قَدَّمَهُ فِي التَّحْرِيرِ، تَبَعًا لابْنِ مُفْلِحٍ فِي أُصُولِهِ٣.
وَقِيلَ: لا يَجُوزُ لَهُ ذَلِكَ٤.
"وَلِمُتَعَيِّنٍ لَهَا" أَيْ: لِلْفُتْيَا مَعَ كَوْنِهِ "لا كِفَايَةَ لَهُ: أَخْذُ رِزْقٍ مِنْ مُسْتَفْتٍ" عَلَى الصَّحِيحِ٥؛ لأَنَّهُ إنْ لَمْ يَأْخُذْ أَفْضَى إلَى ضَرَرٍ يَلْحَقُهُ فِي عَائِلَتِهِ٦ - إنْ كَانُوا - وَحَرَجٍ، وَهُوَ مَنْفِيٌّ شَرْعًا، وَإِنْ لَمْ يُفْتِ حَصَلَ أَيْضًا٧ لِلْمُسْتَفْتِي ضَرَرٌ. فَتَعَيَّنَ الْجَوَازُ، وَقَدَّمَهُ ابْنُ مُفْلِحٍ فِي فُرُوعِهِ٨.
"وَإِنْ جَعَلَ لَهُ" أَيْ: لِلْمُفْتِي "أَهْلُ بَلَدٍ رِزْقًا لِيَتَفَرَّغَ لَهُمْ جَازَ"
_________________
(١) ١ انظر: روضة الطالبين ١١/١١٠، المجموع ١/٧٧، المسودة ص ٥٤٥، أعلام الموقعين ٤/٢٦١، ٢٩٤، الفقيه والمتفقه ٢/١٦٤، صفة الفتوى ص ٣٥. ٢ ساقطة من ش. ٣ انظر: روضة الطالبين ١١/١١٠، إعلام الموقعين ٤/٢٩٤، الفروع ٦/٤٤٠، صفة الفتوى ص ٣٥. ٤ قال بعض العلماء لا يجوز للمفتي أخذ الأجرة مطلقًا، لا على لفظه، ولا على خطه. انظر: إعلام الموقعين ٤/٢٩٤، المسودة ص ٥٤٥، الفروع ٦/٤٤٠. ٥ انظر: المجموع ١/٧٧، المسودة ص ٤٥٤، الفروع ٦/٤٤٠. ٦ في ض: عياله. ٧ ساقطة من ز. ٨ الفروع ٦/٤٣٩.
[ ٤ / ٥٤٨ ]
ذَلِكَ عَلَى الصَّحِيحِ١.
قَالَ فِي شَرْحِ التَّحْرِيرِ٢: لَكِنَّ ظَاهِرَ هَذَا: وَلَوْ كَانَ لَهُ كِفَايَةٌ، وَمَا يَقُومُ بِهِ، فَيُشْكِلُ، أَوْ يُقَالُ: يُفْهَمُ مِنْ قَوْلِهِ " لِيَتَفَرَّغَ لَهُمْ " أَنَّهُ إنْ٣ كَانَ مَشْغُولًا بِمَا يَقُومُ بِالْعِيَالِ، وَهُوَ الظَّاهِرُ.
وَقِيلَ: لا يَجُوزُ لَهُ ذَلِكَ، وَمَالَ إلَيْهِ فِي الرِّعَايَةِ، وَاخْتَارَهُ فِي آدَابِ الْمُفْتِي٤.
"وَلَهُ" أَيْ: لِلْمُفْتِي "قَبُولُ هَدِيَّةٍ".
قَالَ ابْنُ مُفْلِحٍ فِي أُصُولِهِ: وَالْمُرَادُ لا لِيُفْتِيَهُ٥ بِمَا يُرِيدُهُ، وَإِلاَّ حَرُمَتْ زَادَ بَعْضُهُمْ: أَوْ لِيَنْفَعَهُ٦ بِجَاهِهِ أَوْ مَالِهِ، وَفِيهِ نَظَرٌ. انْتَهَى.
فَاَلَّذِي عَلَيْهِ الأَكْثَرُ مِنْ الأَصْحَابِ: جَوَازُ قَبُولِ الْهَدِيَّةِ لِلْمُفْتِي٧.
_________________
(١) ١ انظر روضة الطالبين ١١/١١١، المجموع ١/٧٧، المسودة ص ٥٤٦، صفة الفتوى ص ٣٥، الفقيه والمتفقه ٢/١٦٤. ٢ ساقطة من ض. ٣ ساقطة من ض ز. ٤ انظر: صفة الفتوى ص ٣٥. ٥ في ض: يفتيه. ٦ في ض ب ز: لنفعه. ٧ انظر روضة الطالبين ١١/١١١، المجموع ١/٧٧، المسودة ص ٥٤٦، إعلام الموقعين ٤/٢٩٤، صفة الفتوى ص ٣٥.
[ ٤ / ٥٤٩ ]
وَنَقَلَ الْمَرُّوذِيُّ١: لا يَقْبَلُ هَدِيَّةً إلاَّ أَنْ يُكَافِئَ.
قَالَ أَحْمَدُ " الدُّنْيَا دَاءٌ، وَالسُّلْطَانُ دَاءٌ٢، وَالْعَالِمُ طَبِيبٌ. فَإِذَا رَأَيْت الطَّبِيبَ يَجُرُّ الدَّاءَ إلَى نَفْسِهِ فَاحْذَرْهُ.
"قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: فِيهِ التَّحْذِيرُ مِنْ اسْتِفْتَاءِ مَنْ يَرْغَبُ فِي مَالٍ وَشَرَفٍ بِلا حَاجَةٍ٣.
"وَلا يَنْبَغِي أَنْ يُفْتِيَ حَتَّى تَكُونَ٤ لَهُ نِيَّةٌ، وَكِفَايَةٌ، وَوَقَارٌ، وَسَكِينَةٌ، وَقُوَّةٌ عَلَى مَا هُوَ فِيهِ، وَمَعْرِفَةٌ بِهِ وَبِالنَّاسِ"٥.
قَالَ الإِمَامُ أَحْمَدُ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ " لا يَنْبَغِي لَهُ٦ أَنْ يُفْتِيَ إلاَّ أَنْ يَكُونَ لَهُ نِيَّةٌ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ نِيَّةٌ٧ لَمْ يَكُنْ لَهُ٨ نُورٌ، وَلا عَلَى كَلامِهِ نُورٌ وَحِلْمٌ٩، وَوَقَارٌ وَسَكِينَةٌ، قَوِيًّا عَلَى مَا هُوَ فِيهِ،
_________________
(١) ١ في ش ب: المرزوي. ٢ في ز: دواء. ٣ انظر: المسودة ص ٥٥٠، صفة الفتوى ص ١٢. ٤ في ب ز: يكون. ٥ انظر: المجموع للنووي ١/٦٩، ٧٧، عرف البشام ص ٢٣، المسودة ص ٥٤٥، إعلام الموقعين ٤/٢٦١، صفة الفتوى ص ٣٤. ٦ ساقطة من ش ب. ٧ ساقطة من ض. ٨ في ض ز: عليه. ٩ في ش: وحكم.
[ ٤ / ٥٥٠ ]
وَعَلَى مَعْرِفَتِهِ، وَالْكِفَايَةُ، وَإِلاَّ مَضَغَهُ النَّاسُ، وَمَعْرِفَةُ النَّاسِ "١. انْتَهَى.
قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: هَذِهِ الْخِصَالُ مُسْتَحَبَّةٌ فَيَقْصِدُ الإِرْشَادَ، وَإِظْهَارَ أَحْكَامِ اللَّهِ ﷾، لا رِيَاءً وَسُمْعَةً، وَالتَّنْوِيهُ بِاسْمِهِ، وَالسَّكِينَةُ وَالْوَقَارُ: تُرَغِّبُ الْمُسْتَفْتِيَ، وَهُمْ وَرَثَةُ الأَنْبِيَاءِ، فَيَجِبُ أَنْ يَتَخَلَّقُوا بِأَخْلاقِهِمْ، وَالْكِفَايَةُ لِئَلاَّ يَنْسُبَهُ النَّاسُ إلَى التَّكَسُّبِ بِالْعِلْمِ، وَأَخْذِ الْعِوَضِ عَلَيْهِ. فَيَسْقُطُ قَوْلُهُ، وَمَعْرِفَةُ٢ النَّاسِ: تَحْتَمِلُ٣ حَالَ الرِّوَايَةِ٤، وَتَحْتَمِلُ٥ حَالَ الْمُسْتَفْتِينَ، فَالْفَاسِقُ٦ لا يَسْتَحِقُّ الرُّخَصَ فَلا يُفْتِيهِ بِالْخَلْوَةِ بِالْمَحَارِمِ، مَعَ عِلْمِهِ بِأَنَّهُ يَسْكَرُ، وَلا يُرَخِّصُ فِي٧ السَّفَرِ لِجُنْدِ٨ وَقْتِنَا؛ لِمَعْرِفَتِنَا بِسَفَرِهِمْ، وَالتَّسْهِيلِ عَلَى مُعْتَدَّاتٍ عَلَى صِفَاتِ وَقْتِنَا؛ لِئَلاَّ يَضَعَ٩ الْفُتْيَا فِي غَيْرِ مَحَلِّهَا.
_________________
(١) ١ انظر شرح هذه الكلمات والأوصاف للإمام أحمد بإسهاب وتفصيل في "إعلام الموقعين ٤/٢٥٤ وما بعدها" وانظر: أصول مذهب أحمد ص ٦٥٦. ٢ ساقطة من ض. ٣ في ش: يحتمل، وفي ب: بحمل. ٤ في ش: الراواة. ٥ في ش ض ز: ويحتمل. ٦ في ش: فالفاجرُ. ٧ ساقطة من ب ز. ٨ في ش: لجيل. ٩ في ش: يضيع.
[ ٤ / ٥٥١ ]
قَالَ فِي شَرْحِ التَّحْرِيرِ: كَذَا قَالَ. وَالْخَصْلَةُ الأُولَى وَاجِبَةٌ، وَعَنْ عُمَرَ١ مَرْفُوعًا: "إنَّ أَخْوَفَ مَا أَخَافُ عَلَى أُمَّتِي: كُلُّ مُنَافِقٍ عَلِيمُ اللِّسَانِ" حَدِيثٌ حَسَنٌ رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالدَّارَقُطْنِيّ٢، وَقَالَ: مَوْقُوفًا أَشْبَهُ، وَعَنْ عُمَرَ قَالَ "كُنَّا نَتَحَدَّثُ: إنَّمَا يُهْلِكُ هَذِهِ الأُمَّةَ كُلُّ مُنَافِقٍ عَلِيمِ اللِّسَانِ" رَوَاهُ أَبُو يَعْلَى٣، وَفِيهِ مُؤَمَّلُ بْنُ إسْمَاعِيلَ٤ وَهُوَ مُخْتَلَفٌ فِيهِ، وَقَالَ مُعَاذٌ: "احْذَرْ زَلَّةَ الْعَالِمِ٥، وَجِدَالَ الْمُنَافِقِ"٦.
_________________
(١) ١ في ش ز: عمران. ٢ انظر: مسند أحمد ١/٢٢، ٤٤. ٣ رواه البزار وأحمد وأبو يعلى، وقال ابن حجر الهيثمي: "ورجاله موثقون". انظر: مجمع الزوائد ١/١٨٧. ٤ هو مؤمل بن إسماعيل، أبو عبد الرحمن البصري، مولى آل عمر بن الخطاب العدوي، روى عن شعبة والثوري وجماعة، وروى عنه أحمد وإسحاق وابن المديني وطائفة، توفي بمكة سنة ٢٠٦هـ. واختلف العلماء في روايته، فقال الذهبي في الميزان: "حافظ عالم يخطئ"، وقال الذهبي في المغني: " صدوق مشهور"، وثقه أحمد وابن معين، وذكره أبو داود فعظمه ورفع من شأنه، وقال البخاري: منكر الحديث، وقال أبو حاتم: صدوق كثير الخطأ، وقال أبو زرعة: في حديثه خطأ كثير، روى له الترمذي والنسائي وابن ماجه وأبو داود وغيرهم. انظر: ميزان الاعتدال ٤/٢٢٨، الخلاصة ٢/٧٢، المغني في الضعفاء ٢/٦٨٩، يحيى بن معين وكتابه التاريخ ٢/٥٩١. ٥ في ش: عالم. ٦ روى أبو داود معناه بتفصيل عن معاذ ﵁، وروى ابن حزم والطبراني في "الأوسط" مثله عن معاذ، وروى الدارمي أن عمر بن الخطاب قال: هل تعرف ما يهدم الإسلام؟ ثم قال: يهدمه زلة العالم، وجدال المنافق بالكتاب، =
[ ٤ / ٥٥٢ ]
"وَمَنْ عَدِمَ مُفْتِيًا" "فَلَهُ حُكْمُ مَا قَبْلَ الشَّرْعِ" مِنْ إبَاحَةٍ أَوْ حَظْرٍ أَوْ وَقْفٍ.
قَالَ فِي آدَابِ الْمُفْتِي١: فَإِنْ٢ لَمْ يَجِدْ الْعَامِّيُّ مَنْ يَسْأَلَهُ عَنْهَا فِي بَلَدِهِ وَلا غَيْرِهِ. فَقِيلَ: لَهُ حُكْمُ مَا قَبْلَ الشَّرْعِ عَلَى الْخِلافِ فِي الْحَظْرِ وَالإِبَاحَةِ وَالْوَقْفِ، وَهُوَ أَقْيَسُ٣ انْتَهَى.
وَقَطَعَ بِهِ٤ ابْنُ مُفْلِحٍ فِي أُصُولِهِ.
"وَيَلْزَمُ الْمُفْتِيَ تَكْرِيرُ النَّظَرِ" عِنْدَ تَكْرَارِ الْوَاقِعَةِ عِنْدَ الأَكْثَرِ.
_________________
(١) = وحكم الأئمة المضلين، ورواه الخطيب البغدادي أيضًا، وروى الطبراني والخطيب البغدادي بسنده عن ابن عمر مرفوعًا أن رسول الله ﷺ قال: "أشد ما أتخوف على أمتي ثلاثة: زلة عالم وجدال منافق بالقرآن، ودنيا تقطع رقابكم، فاتهموها على أنفسكم". انظر: سنن أبي داود ٢/٥٠٧، سنن الدارمي ١/٧١، الإحكام لابن حزم ٢/٨٠٢، الفقيه والمتفقه ١/١٣، مجمع الزوائد ١/١٨٦، ١٨٧. ١ صفة الفتوى ص ٢٧. ٢ في ض: وإن. ٣ ذكر ابن القيم القول الثاني بأنه يخرج على الخلاف في مسألة تعارض الأدلة عند المجتهد، "كما سيأتي ص ٤٢٧"، فيعمل بالأخف أو الأشد أو يتخير، ثم قال: "والصواب أنه يجب عليه أن يتقي الله ما استطاع". "إعلام الموقعين ٤/٢٧٩". وانظر: المسودة ص ٥٥٠، الفروع ٦/٤٢٨، المجموع ١/٩٤، المدخل إلى مذهب أحمد ص ١٩٦. ٤ ساقطة من ض.
[ ٤ / ٥٥٣ ]
قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: وَإِنْ لَمْ يُكَرِّرْ١ النَّظَرَ كَانَ مُقَلِّدًا لِنَفْسِهِ٢ لاحْتِمَالِ تَغَيُّرِ اجْتِهَادِهِ إذَا تَكَرَّرَ٣ النَّظَرُ، قَالَ: وَكَالْقِبْلَةِ يُجْتَهَدُ لَهَا ثَانِيًا وَاعْتُرِضَ فَيَجِبُ تَكْرِيرُهُ٤ أَبَدًا رُدَّ: نَعَمْ وَغَلِطَ بَعْضُهُمْ فِيهِ٥.
وَذَكَرَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا لا يَلْزَمُ؛ لأَنَّ الأَصْلَ٦ بَقَاءُ مَا اطَّلَعَ عَلَيْهِ وَعَدَمُ غَيْرِهِ وَلُزُومُ السُّؤَالِ ثَانِيًا فِيهِ الْخِلافُ فَلا يَكْتَفِي السَّائِلُ بِالْجَوَابِ الأَوَّلِ عَلَى الصَّحِيحِ، كَمَا قُلْنَا فِي تَكَرُّرِ النَّظَرِ.
وَعِنْدَ أَبِي الْخَطَّابِ وَالآمِدِيِّ٧: إنْ ذَكَرَ الْمُفْتِي طَرِيقَ الاجْتِهَادِ لَمْ يَلْزَمْهُ، وَإِلاَّ لَزِمَهُ٨، وَهُوَ ظَاهِرٌ٩.
_________________
(١) ١ في ض: يتكرر. ٢ في ش: لينظر لنفسه. ٣ في ض ز: كرر. ٤ في ش: تكرره. ٥ ساقطة من ش. ٦ ساقطة من ب. ٧ الإحكام للآمدي ٤/٢٣٣. ٨ في باب: لزم. ٩ جزم الباقلاني وابن عقيل وأكثر علماء الأصول بلزوم تكرير النظر، وصحح ابن الحاجب وغيره عدم تجديد النظر، وذهب الرازي والنووي وابن السبكي وأبو الحسين البصري إلى التفصيل كالآمدي، ولكن أدلتهم تؤول إلى عدم التجديد. انظر هذه الأقوال الثلاثة مع أدلتها ومناقشتها في "المسودة ص ٤٦٧، ٥٢٢، ٥٤٢، المجموع ١/٧٨، إعلام الموقعين ٤/٢٩٥، صفة الفتوى ص ٣٧، شرح تنقيح الفصول ص ٤٤٢، التمهيد ص ١٦٢، مختصر ابن الحاجب ٢/٣٠٧، جمع الجوامع ٢/٣٩٤، المحصول ٢/٣/٩٥، الإحكام للآمدي=
[ ٤ / ٥٥٤ ]
"وَ" يَلْزَمُ "الْمُسْتَفْتِيَ" أَيْضًا "تَكْرِيرُ السُّؤَالِ عِنْدَ تَكْرَارِ١ الْوَاقِعَةِ"؛ لأَنَّهُ قَدْ يَتَغَيَّرُ نَظَرُ الْمُفْتِي٢ وَهَذَا الصَّحِيحُ٣؛ لَكِنَّ مَحَلَّ الْخِلافِ إذَا عَرَفَ الْمُسْتَفْتِي أَنَّ جَوَابَ الْمُفْتِي مُسْتَنِدٌ٤ إلَى الرَّأْيِ٥. كَالْقِيَاسِ، أَوْ شَكَّ فِي ذَلِكَ، وَالْغَرَضُ: أَنَّ الْمُقَلَّدَ حَيٌّ، فَإِنْ عُرِفَ اسْتِنَادُ الْجَوَابِ إلَى نَصٍّ أَوْ إجْمَاعٍ، فَلا حَاجَةَ إلَى إعَادَةِ السُّؤَالِ ثَانِيًا قَطْعًا، وَكَذَا لَوْ كَانَ الْمُقَلَّدُ مَيِّتًا٦.
_________________
(١) =٤/٢٣٣، نهاية السول ٣/٢٦٥، غاية الوصول ص ١٥٠، تيسير التحرير ٤/٢٣١، المعتمد ٢/٩٣٢، فواتح الرحموت ٢/٣٩٤، مختصر البعلي ص ١٦٧، اللمع ص ٧٢. ١ في ب: تكرر. ٢ في ش: المفتي مستندا إلى الرأي. ٣ أيد الشيخ زكريا الأنصاري الشافعي هذا الرأي، وخالفه النووي، وقال: "ولا يلزمه، وهو الأصح"، وهذا رأي أبي عمرو ابن الصلاح أيضًا. انظر: روضة الطالبين ١١/١٠٥، المجموع ١/٩٣، المسودة ص ٤٦٧، ٤٦٨، ٥٢٢، البرهان ٢/١٣٤٣، المنخول ص ٤٨٢، أعلام الموقعين ٤/٣٣٠، صفة الفتوى ص ٨٢، غاية الوصول ص ١٥١، فواتح الرحموت ٢/٣٩٤، تيسير التحرير ٢/٢٣٢، جمع الجوامع والمحلي عليه ٢/٣٩٥، شرح تنقيح الفصول ص ٤٣٢. ٤ في ب: مستندًا. ٥ في ض: رأي. ٦ انظر: روضة الطالبين ١١/١٠٤.
[ ٤ / ٥٥٥ ]